الثلاثاء، 10 فبراير، 2009

البشير لـ "الدعوة": اختيار خادم الحرمين لتوسعة المسعى اجتهاد مبارك يجب مؤازرته

د. عصام البشير لـ "الدعوة": اختيار خادم الحرمين لتوسعة المسعى اجتهاد مبارك يجب مؤازرته

حاوره في الكويت/ وصفي عاشور أبو زيد
Wasfy75@hotmail.com
أكد معالي الشيخ الدكتور عصام أحمد البشير، الأمين العام للمركز العالمي للوسطية بدولة الكويت حاليا، ووزير الأوقاف والإرشاد الديني في السودان سابقا، أن توسعة المسعى بين الصفا والمروة يحقق مقاصد الشريعة، ويطبق القواعد الشرعية القاضية بالتيسير ورفع الحرج ودفع المشقة، وأن اختيار خادم الحرمين الشريفين اجتهاد مبارك يجب مؤازرته وتأييده.
وشدد البشير على أنه يجب علينا أن نلتزم منهاج التعامل مع العلماء في قضايا الخلاف، فلا نشنع على المخالف بل نجله ونقدره ما دام رأيه منضبطا بالشرع، ومبنيا على أدلة معتبرة.
وبين البشير ـ في إشارة إلى رجوع العلامة ابن منيع عن فتواه ـ أن تغير اجتهاد الفقيه دلالة حيوية وخصوبة، فلم يزل أهل العلم يجددون نظرهم التماسا للأصوب، وسعيا للأرجح، وهذا دأب المنصفين.
هذه القضايا وغيرها من أسئلة مهمة طرحناها على الأمين العام للمركز العالمي للوسطية في حوار شامل لـ "الدعوة"، لا تنقصه الصراحة، بدأناه بهذا السؤال:
** ما هو الحكم الشرعي لتوسعة المسعى بين الصفا والمروة في رأيكم؟
* بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد، يجب أن أشير أولا إلى جملة من المطالب أو الدلالات في هذا الصدد قبل أن نتعرض للحكم الشرعي لهذه التوسعة:
أولاً: حرص علماء الأمة وفقهائها على تحقيق المشروعية في التعبد تعظيماً لشعائر الله، وصيانة لقدرها: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) [سورة الحج: 32]، وهو أمر يؤكد دور العلماء المتعاظم في قضايا الأمة كبيرها وصغيرها.
ثانيا: حرص ولاة الأمر في المملكة ـ وعلى رأسهم خادم الحرمين ـ على تحري الموقف الشرعي، وسؤال أهل الذكر، سعيا لتحقيق مرضاة الله وفق مقاصد شرعه الحنيف، وهدايةُ الخلق إلى الحق أمر معهود في سيرتهم، فجزاهم الله خيرا على ما يبذلونه لخدمة دينهم وأمتهم.
ثالثاً: أن شعيرة الحج والعمرة ومناسكهما ليست أموراً تختص بعلماء المملكة وحدها – على جلالة قدرهم وفضلهم وإمامتهم – بل هي مسئولية علماء الأمة في أقطار المعمورة كافة، ومن الواجب أن يدلى كل منهم بدلوه، ويسوق حجته، ويدفع برأيه فيما يراه راجحاً.. ولعل المجامع الفقهية ذات الطابع الدولي باستيعابها لكثير من أهل الاختصاص والدراية ممن يمثلون مختلف المذاهب الإسلامية المعتبرة عند أهل العلم، ويستوعبون المناطق الجغرافية المتنوعة، يشكلون إحدى أوعية الاجتهاد الجماعي المعاصر الذي ينظر في الأدلة المختلفة، ويوازن بينها وفق مناهج الاستدلال، وقواعد الترجيح، ومدارك النظر المعتبرة عند أهل العلم، ويزاوج بين الواجب والواقع تحقيقاً للمقاصد الشرعية والمصالح المرعية، دون مصادرة لحق الاجتهاد الفردي أو المؤسسي في أي قطر من الأقطار، وهذا دليل حيوية الأمة وعافيتها؛ حيث تتكامل الأدوار ولا تتنافر.
رابعاً : ضرورة التفريق بين ما كان قطعي الثبوت والدلالة، أو ما انعقد عليه إجماع صريح متيقن، وبين ما هو من مظنون المسائل، ومنازع الاجتهاد التي يكون الأمر فيها بين صواب وخطأ، وراجح ومرجوح، دون إنكار على المخالف، فالمتفق عليه لا يسع مسلماً رده أو الجدال فيه، والمختلف فيه يسعنا ما وسع السابقين من تقبل رأي الآخر ما دام في الأمر مهيع متسع، ومندوحة وسعة فالقاعدة المستقرة: (إجماعهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة) .
خامسا: أن ما تعم به البلوى، ويحدث فيه حرج بالغ وعنت شديد، ويقع التنازع فيه بين الأحوط والأيسر، فإن التماس الأيسر هو الأوفق لهدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "من أم الناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة"، وهذا أصل يُفزَع إليه في ملمات أحوال الأمة في تدينها وممارسة شعائرها، فقد أدى حرج الزحام البالغ إلى فقدان السكينة وغياب الطمأنينة، وانتفاء الخشوع، وغدا التماس السلامة للنفوس والعافية للأبدان الهم الأعظم للحجاج والمعتمرين عند أداء الشعائر.

** نعم معالي الدكتور، فماذا عن الحكم الشرعي لهذه التوسعة؟
* مسألة توسعة المسعى ترد ـ بناء على ما سبق ـ في الظنيات القابلة لتعدد الأفهام، فلو كان أمر تحديد عرض المسعى قطعيا لوقع الاتفاق عليه بين علماء الأمة، فالشارع الحكيم ضبط مبدأ السعي بالصفا، ومبلغ المنتهى بالمروة، وجعل أداء المنسك بينهما، قال تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما}. [سورة البقرة: 158]
والعرض بين الجبلين من جهة الغرب إلى الشرق قد وقع التفاوت في أمره، فمن قائل بعدم وجود النص في ضبطه، ففي النهاية لمحمد الرملي الشافعي ج2 ص416: "لم أر في كلامهم ضبط عرض المسعى، وسكوتهم عنه لعدم الاحتياج إليه، فإن الواجب استيعاب المسافة التي بين الصفا والمروة كل مرة، ولو التوى في سعيه عن محل السعي يسيرا لم يضر، كما نص عليه الشافعي".
وفي حاشية تحفة المحتاج شرح المنهاج ما نصه: الظاهر أن التقدير لعرضه بخمسة وثلاثين أو نحوها على التقريب؛ إذ لا نص فيه يحفظ من السنة. أ.هـ.

** إذن فليس هناك تقدير معين لهذه المسافة؟
* نعم، حتى من قال بتقديره فقد تعدد عنهم الروايات في مقدار سعة عرضه اختلافا يتعذر الاتفاق عليه؛ فقد ذكر الأزرقي في زمانه أنه ذرع ما بين العلمين الأخضرين اللذين يليان المروة فوجد ذلك (35.5) ذراعا. والإمام أبو عبد الله محمد بن إسحاق الفاكهي قال: عرض المسعى (35) ذراعا و(12) إصبعا. والشيخ باسلامة قال: عرض المسعى (36) ذراعا ونصف، إلى غير ذلك من الروايات أوردها المؤرخون كالإمام ابن كثير وغيره.
ويضاف إلى ذلك أن الجبلين قد تعرضا لتغيرات بيئية أثرت في عرضهما، فإن جماعة من كبار السن والخبرة من سكان مكة أثبتوا شهادتهم في المحكمة الشرعية بمكة المكرمة بأن جبلي الصفا والمروة أعرض وأكبر، وأنهما ممتدان من الجهة الشرقية، ومن هؤلاء الشهود من كان بيته على الصفا وبعضهم على المروة.
** فضيلة الدكتور، إذا كان الأمر اجتهاديا ، فما الأدلة الشرعية التي تسند هذا القول في رأيكم؟
* أولا هناك من المقاصد الشرعية ما يؤيد هذا القول، ومنها:
ـ حفظ النفوس من التلف، وقد بين الشرع الشريف أن حرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة، كما قال عمر بن خطاب ـ رضي الله عنه ـ وهو يسكب العبرات في الملتزم مخاطباً الكعبة: «ما أطيبك وما أطيب ريحك! وما أعظمك وأعظم حرمتك! ولكن حرمة المسلم أعظم عند الله من حرمتك». رواه الترمذي في كتاب البر والصلة.
ـ التوسعة على الناس، فهل يبقى المسعى كما هو، وقد ضاق بالساعين وأضر بهم، أم ينبغي توسعته، لأن المقصود هو السعي بين الصفا والمروة، وهو حاصل في المقدار الذي يوسع به ؛ فالله ـ تبارك وتعالى ـ عالم الغيب والشهادة لا يكلف خلقه بعبادة إلا ويسرها لهم، أو يرخص لمن شق عليه شيء منها أن يدع ما شق عليه، وقد أصبح المسعى يضيق بالمسلمين في أيام الموسم، ويشق عليهم، ولا سيما على النساء والضعفاء والمرضى، بل يلقى فيه الأقوياء شدة، وسيزداد الحجاج – إن شاء الله – كثرة سنة بعد سنة.
ـ أن هناك كثيرا من القواعد الفقهية تسند هذا القول، وتنتصر له، مثل: "إذا ضاق الأمر اتسع"، و "الحرج مرفوع شرعاً"، و "المشقة تجلب التيسير"، و "وجواز العمل بالمرجوح مع وجود الراجح، والمفضول مع وجود الفاضل تحقيقا لمصلحة ودفعا لمفسدة"، و "لا ضرر ولا ضرار"، ولا شك أن عدم التوسعة يؤدي إلى إلحاق الضرر الجسيم والحرج الكبير بالناس، بل ربما أدى إلى موت بعضهم ، وبخاصة المرضى والعجزة وكبار السن، وهو ما تنزهت عنه الشريعة السمحة التي انبنت على التيسير والعدل والرحمة والمصالح.
ـ أن الصفا والمروة هما الشعيرتان بنص القرآن، فأما ما بينهما فهو بمنزلة الوسيلة ليسعى فيه بينهما، والوسائل تحتمل أن يزاد فيها بحسب ما هي وسيلة له، كطواف الطائفين وسعي الساعين، ولا يجب أن تحدد تحديد المشاعر نفسها، كما أن الكعبة هي الشعيرة في الأصل فشرع الطواف بها، والعكوف عندها والصلاة، وهذه الأمور لا بد لها من موضع فهو ما حولها، فالموضع كالوسيلة، والشعيرة كالأصل أو المقصد، وهذا هو رأي المحدث الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي ت 1386هـ في كتابه المخطوط: "رسالة في توسعة المسعى بين الصفا والمروة".
** هناك من الفقهاء من قاس هذه التوسعة على توسعات أخرى تمت في شعائر الحج، مثل مكان المبيت بمنى، ووقت رمي الجمرات وغيرها، فما رأيكم في هذا القياس؟
** أولا هو ليس قياسا، ولكنه اجتهاد، ويجب الاستئناس والإفادة من هذه الاجتهادات التي تمت فيها توسعات سابقة، ومن أهمها:
ـ المسجد الحرام نفسه، فلم يزل المسلمون في عهود متتابعة ضمن الحكم الإسلامي يقومون بتوسعته في عهود متتابعة، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وعهد عثمان بن عفان، وعهد عبد الله بن الزّبير، وفي عهد عبد الملك بن مروان، وفي عهد ابنه الوليد بن عبد الملك، وعهد الخليفة المنصور، وكلها محاولات وتوسيعات ثابتة تاريخيا كما ذكرتها الكتب التي اهتمت بالحرم المكي.
- نقل مقام إبراهيم لغرض التوسعة.
ـ المبيت بمنى؛ حيث لم يكن في السابق على ما هو عليه الآن، وتوسع فيه الفقهاء المعاصرون، نظرا لتزايد عدد الحجاج عاما بعد عام، حتى عدَّ الفقهاء المبيت بأي مكان يدخل في مساحة الحرم ـ كالعزيزية مثلا ـ أمرا جائزا ومجزئا، وغدت مزدلفة موضعا للمبيت بعد أن اتصلت فيها الخيام كاتصال الصفوف في الصلاة.
ـ توسيع وقت رمي الجمرات، وقد كان الحجاج لا يرمون إلا بعد الزوال استنادا إلى السنة العملية للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم لم يلبث أن تزايدت الأعداد، وظل بعض الفقهاء متمسكا بالرمي بعد الزوال فقط حتى وقع مئات القتلى في هذه الشعيرة إلى أن تجدد النظر الفقهي فربط القديم بالجديد من الاجتهادات، في ظل قواعد في الشريعة الإسلامية التي دلت على جواز الرمي قبل الزوال.
إضافة لما سبق، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما سئل عن شيء في الحج قدم أو أخر إلا قال: "افعل ولا حرج"، فهي عبادة شكلها وجوهرها التيسير، ولحمتها وسداها التوسعة ورفع الحرج عن الناس.

** لكن بعض العلماء ـ لا سيما في هيئة كبار العلماء ـ خالفوا هذه التوسعة ورأوا عدم جوازها فضيلة الدكتور، فكيف ترون هذا الخلاف؟
*يجب علينا أن نمتثل المنهج في التعامل إزاء القضايا الخلافية، من وجوب إحسان الظن بالمخالف، وعدم التشنيع عليه، والتماس أدب الخلاف.
وقد نقل عن كثير من السلف عدم الإنكار في مسائل الخلاف إذا كان للاجتهاد فيها مساغ، وهذا مقرر في قواعد الفقه حيث لا إنكار في المختلف فيه.
يقول سفيان: إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه. وروى عنه الخطيب أيضاً أنه قال: ما اختلف فيه الفقهاء فلا أنهى أحداً عنه من إخواني أن يأخذ به. ويقول الإمام أحمد فيما يرويه عنه ابن مفلح: لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهب ولا يشدد عليهم. ويقول كذلك: لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ منه خلاف في الفروع.
ويقول ابن تيمية: "مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه ولم يهجر، ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه". وقال النووي: "ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصاً أو إجماعاً أو قياساً جلياً".
** العلامة عبد الله بن منيع كان ممن منعوا التوسعة في البداية، لكنه بعد ذلك رجع عن رأيه وأيد القول بجواز التوسعة، فكيف ترون هذا الرجوع عن الفتوى؟
* تغير اجتهاد الفقيه دلالة حيوية وخصوبة، فلم يزل أهل العلم يجددون نظرهم التماسا للأصوب، وسعيا للأرجح، وهذا دأب المنصفين، فقد قال عمر بن الخطاب في كلمته الوضيئة: "ولا يمنعنك قضاء قضيته به اليوم فراجعت فيه رأيك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ولا يبطله شيء ، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل". وقد خالف الإمامان: محمد بن الحسن، وأبو يوسف الإمام أبا حنيفة في ثلث المذهب، وقالا: "لو رأي إمامنا ما رأينا لغير رأيه"، وهو ما يعبر عنه فقهاء الحنفية بقولهم: "إنه اختلاف عصر وزمان، وليس اختلاف حجة وبرهان". وللإمام أحمد آراء متعددة في المسألة الواحدة جمعها بعضهم في "ثلاثيات الإمام أحمد"، وأوصلها بعضهم لأكثر من ذلك، ومعلوم تجدد نظر الشافعي وفقهه بين القديم في بغداد والجديد في مصر.
** ألا يكفي اختيار خادم الحرمين باعتباره ولي الأمر الرأي القائل بالجواز لحسم المسألة وإنهاء الجدل؟
* من المقرر أن رأي الإمام ونائبه فيما لا نصَّ فيه، وفيما يحتمل وجوهًا عدة، وفي المصالح المرسلة، معمول به ما لم يصطدم بقاعدة شرعية، وقد يتغير بحسب الظروف والعرف والعادات.
والواجب أن يأتم الجميع بولي الأمر في هذا الاجتهاد المبارك الذي يقتضي مؤازرة ودعما، كما ائتم ابن مسعود بعثمان بن عفان ـ رضي الله عنهما ـ في الصلاة بمنى وقال الخلاف شر، وليحذر العلماء من إيقاع الفتنة في صفوف الحجاج والمعتمرين بإشاعتهم عدم صحة السعي في الزيادة الجديدة نظرا لما يوقعه ذلك من حرج بالغ.

ليست هناك تعليقات: