الثلاثاء، 10 فبراير، 2009

العالم الإسلامي : تحديات الواقع واستراتيجيات المستقبل


العالم الإسلامي : تحديات الواقع واستراتيجيات المستقبل
وصفي عاشور أبو زيد
باحث مصري
يصدر تقرير البيان الاستراتيجي الثالث هذا العام في توقيت صعب، تمر فيه الأمة العربية والإسلامية بمجموعة من القضايا الداخلية التي باتت تمثل معاول هدم لها، ومجموعة أخرى من التحديات الضاغطة، محاولا إلقاء الضوء على أهم تلك التحديات التي تحتاج الأمة الوقوف على حقيقتها، وكاشفا لبعض ملامح التعامل الاستراتيجي والفكري لمواجهتها، وجامعا بين النظرة الشرعية التي ترصد الواقع وتراعي حسابات المستقبل، فضلا عن تناول قضايا جديدة ومميزة من أهدافها أن تكون أداة للتأثير في صانعي القرار أو النخب القريبة من الدائرة المشتركة في صناعة القرار داخل دوائر الحكم من سياسيين وإعلاميين، إضافة إلى بحث الخيارات الممكنة المتاحة لكي تأخذ الأمة الإسلامية مكانتها وقدرتها على تحدي القوى والاستراتيجيات العالمية.
النظرية والفكر
يتضمن التقرير الاستراتيجي في عدده الجديد أربعة أبواب رئيسة، أولها بعنوان: النظرية والفكر، قدم فيه الباحث ربيع الحافظ دراسة عن غياب الأيديولوجية في زمن الاستضعاف، وهو يظهر مدى حاجة أهل السنة إلى سياق أيديولوجي تنتظم فيه مكونات قضيتهم وفصول تضحياتهم، وترتسم من خلاله الصورة الكاملة للحدث.
ثم تأتي دراسة تالية بعنوان:" قراءة استراتيجية في المتغيرات الإقليمية والدولية، ملامح السنوات الأربع المقبلة من حكم بوش 2004 ــ 2008م" للباحث السياسي الأردني علي حسين باكير الذي أوضح فيه سيناريوهات الولايات المتحدة الأمريكية المتعددة التي تتحرك وستتحرك من خلالها تجاه القضايا الإقليمية والدولية المختلفة وارتباط هذه السيناريوهات بالوضع الداخلي في أمريكا، وبين أنه من الناحية العسكرية فقدت القوى العسكرية الأمريكية عامل الردع الخاص بها حيث فشلت في مواجهة 19 شخصا في الواقعة التي لم يتجرأ الاتحاد السوفيتي في حينه على فعلها كما أكدت المقاومة الأمريكية مأزق أمريكا في العراق، وفي العلاقات مع سوريا توجد انقسامات في واشنطن حول طريقة التعامل معها تتباين ما بين عدم قطع الشراكة الاستخباراتية، وبين استخدام القوى العسكرية، وبين فريق ثالث يرى اتباع سياسة العصا والجزرة، كما أن وضع السودان بوجود معارضة داخلية وانعدام السلطة المركزية القوية يقوي من استهدافها، أما إيران فبرغم أن الولايات المتحدة تريد ابتزازها كدولة من دول محور الشر عن طريق الملف النووي، فقد ارتبطت المصالح الأمريكية وتوافقت كثيرا مع المصالح الإيرانية منذ 11 سبتمبر وحتى اجتياح العراق.
وفي الدراسة الثالثة بهذا الباب بعنوان: "التحليل السياسي ومفهوم الاستراتيجية، دراسة في تأصيل المفهومات والمناهج". للدكتور عبد العزيز صقر رئيس جمعية العلم للجميع العربية لنشر العلم ورعاية الموهوبين بالقاهرة، يستعرض فيه تطور مفهوم السياسة عبر ظواهر عديدة، ويرى أن التحليل السياسي يهتم بمناهج دراسة تلك الظواهر في مسلكه للكشف عنها، وأما في مجال الاستراتيجية فيبين صقر أنه قد اتسع مفهوم السياسة وتطور معناها في الإدراك الغربي حتى أصبحت تطلق على كل ما هو ضروري لحياة الشعوب وقوتها، ثم ازداد المفهوم اتساعا وانتقل من النطاق العسكري إلى السياسي ثم الفكري والعلمي إلا أنه ظل مرتبطا بقضية الأمن القومي، ثم أضحت الاستراتيجية في أوسع معانيها هي علم وفن التخطيط والتنظيم المسبق.
وأما الدراسة الرابعة والأخيرة في باب النظرية والفكر فهي للأستاذ طلعت رميح رئيس تحرير سلسلة استراتيجيات مصر بعنوان: "النظام الرسمي العربي... من فكرة الأمة إلى مرحلة المأزق الاستراتيجي" يبين فيه أن نظم الحكم العربية باتت بين ضغطين داخلي: وهو أن الحركة الإسلامية فيها أصبحت حركة واسعة وتتمتع بدرجة وعي أعلى، وخارجي: وهو أنها أصبحت أنظمة معزولة عن جماهيرها جراء رضوخها للتخطيط الاستعماري، وأصبح مفترق الطرق الراهن في واقع الحال ليس خلافا حول الديمقراطية أو طريقة حكم الشعوب، وإنما الفكرة الاستراتيجية في مفترق الطرق هي أن البعث الإسلامي الراهن ـ كما يرى ـ بات يقدَّم ليس بديلا فقط بالمعنى السياسي، وإنما يقدم تجاوزا لطبيعة هذا النظام وتأسيسا لنمط آخر منه.
القضايا السياسية
والباب الثاني بعنوان: "القضايا السياسية"، وهي قضايا تشغل حيزا كبيرا من اهتمام العالم الإسلامي وأهم التحديات التي تواجهه في المرحلة المقبلة، وتُطرح في هذا الباب خمس دراسات الأولى منها للباحثَين الأردنيين محمد أبو مازن وحسن أبو هنية، بعنوان: "الاستراتيجية الإسرائيلية والبدائل الفلسطينية"، وفي هذه الدراسة يتبين أن جوهر الاسترتيجية الإسرائيلية لم يتغير منذ إنشاء الكيان الصهيوني في فلسطين، وقد احتلت فيها الأداة العسكرية مكانة كبرى جعلت منها أساس الأمن للكيان الإسرائيلي. وبالرغم من كل الإحباطات التي تملأ المجال الدولي والإقليمي فإن البدائل الفلسطينية لا تزال قادرة على العمل بفاعلية كبيرة، وينتهي الباحثان إلى أن الصراع مع الكيان الصهيوني ليس صراعا عسكريا أو سياسيا فحسب، بل هو صراع ثقافي وحضاري ومدني مما يعزز من الاهتمام بالمجتمعات مدنيا وثقافيا؛ لأن السير في المرحلة المقبلة يتطلب النفس الطويل في الصراع والموازنة بين أدوات الجهاد المختلفة ثقافيا وسياسيا وعسكريا واقتصاديا واجتماعيا.
وفي الدراسة الثانية للباحث نبيل شبيب بعنوان: "الحملة الأمريكية – الصهيونية لتطويع سوريا، بين فيها مواطن الخلل الأربعة في التعامل مع تلك الحملة المتصاعدة، وهي: عدم الالتفات عربيا وإسلاميا إلى حقيقة أن الحملة لتطويع سوريا جزء من هجمة الهيمنة الجديدة عسكريا على المنطقة الإسلامية، وأنه في نهاية المطاف اتضح أن الحملة ليست مجرد تطويع سياسي أو اقتصادي إنما المطلوب هو التطويع الحضاري، وأن تعامل سوريا مع الدور الإقليمي بدلا من أن يكون مصدر قوة وشعبية في مواجهة تلك الحملة بات سببا في التعرض للمساومات، وأن سوريا روجت لعدد من البدائل السياسية لا يصح وصفها بالبدائل؛ حيث تصل جميعا في نهاية المطاف إلى الانصياع المطلوب.
وتأتي الدراسة الثالثة لتتناول الحدث الأهم الذي شغل بال العراقيين ودول المنطقة بعنوان: "لعبة الانتخابات العراقية" للباحث السياسي حسن الرشيدي في محاولة لفهم أبعاد هذه اللعبة الانتخابية التي لعبتها أمريكا في العراق لتحقيق أهدافها في إطار حكومة موحدة ضعيفة يسهل السيطرة عليها وإبقاؤها في دائرة السيطرة والسياسة الأمريكية، مبينا التحديات التي تواجه أمريكا هناك حيث المقاومة التي يكيل ضربات موجعة لها، وتعاظم النفوذ الإيراني في العراق نتيجة استعانة الأمريكيين بالشيعة لقمع السنة، كما تقتضي المصلحة الأمريكية اللعب بورقة تقديم تنازلات في الملف النووي الإيراني لضمان تحييدها في صراع العراق.
وأما الدراستان: الرابعة والخامسة: "السودان... صراع وجود" لمصعب الطيب بابكر رئيس مجلس إدارة جريدة المحرر السودانية، و"عسكرة العولمة ومخاطر التنافس الدولي في السودان" للدكتور حمدي عبد الرحمن أستاذ العلوم السياسية فتحللان الحالة المضطربة التي يعيش خلالها السودان صراع وجود وحالة مخاض لها خصوصيتها في التاريخ الحديث، ويبرز المكانة المحورية التي يحتلها السودان في التخطيط الاستراتيجي الأمريكي في ظل التنافس الدولي حول السودان.
قضايا العالم الإسلامي
وفي بابه الثالث بعنوان: "قضايا العالم الإسلامي" يعرض التقرير لست دراسات تتناول قضايا العام، وأهم التحديات التي تواجه العالم الإسلامي في الفترة المقبلة مبتدئا بدراسة الباحث الشرعي محمد بن شاكر الشريف بعنوان: "وضع الأقليات في الدولة الإسلامية" يؤكد فيه على أن مشكلة الأقليات التي ظهرت في بلاد المسلمين لم تكن إلا نتيجة لعوامل يأتي على رأسها الاحتلال الذي استولى على بلادهم، وزوال الروابط بينهم؛ إذ لا توجد مشاكل للأقليات في الدولة التي تقوم على أساس الإسلام.
وفي الدراسة الثانية بعنوان: "الحركة الإسلامية في جنوب شرق آسيا" يبين الباحث السياسي خالد السيد روشة المتخصص في الشئون الآسيوية أنه لترشيد العمل الإسلامي في هذه المنطقة يجب أن تتمكن الحركات الإسلامية بجنوب شرق آسيا من التواصل مع التوجهات الإسلامية في المناطق العربية، ولابد ألا يقتصر الدعم الإسلامي العربي لتلك الحركات على العمل الخيري فقط بل يتعدى إلى تقويمها وترشيد مسيرتها العملية، وخاصة بعد التضييق الشديد على العمل الخيري؛ حيث تتزايد الحاجة لهذا الترشيد في أماكن الأقليات الإسلامية الموجودة بالمنطقة.
وفي دراسة تالية بعنوان: "الصحوة الإسلامية في آسيا الوسطى، الواقع والتحديات" يبين الباحث السياسي محمد عادل أن الصحوة في منطقة آسيا الوسطى تمر بتحديات صعبة منها التضييق الحكومي على أنشطتهم، فضلا عن المخلفات الإلحادية التي خلفها السوفييت، وضعف إمكانات الصحوة هناك، والنشاط التنصيري المتنامي بالمنطقة، كما تواجه الصحوة تحديات خارجية مثل: قلة الدعم الإسلامي، والأطماع الدولية بهذه المنطقة حيث ثرواتها وموقعها الاستراتيجي. ومع كل هذه التحديات فإن العودة إلى الإسلام تحتل ركنا كبيرا في هوية مسلمي آسيا الوسطى، ويرى الباحث أن الإسلام سيتحول بالضرورة إلى عنصر حيوي مؤثر فيها.
وفي دراسة رابعة بعنوان: "الأسرة والعولمة" للدكتور فؤاد بن عبد الكريم آل عبد الكريم، أستاذ مساعد بكلية الملك فيصل الجوية بالرياض، يبين أن للأسرة أهمية وخطورة في بناء الدولة والأمة؛ ولهذا كانت الحرب الشعواء التي استخدمت وسائل كثيرة لعولمة الأسرة سلوكا وأخلاقا ونظاما، ويبين الباحث أن المحافظة على الكيان الأسري من المخاطر الخارجية تبرز في كشف سوءات المؤامرات الدولية المشبوهة، وكشف زيغ التيار النسوي العلماني، فضلا عن الضغط على وسائل الإعلام المروجة لهذه المؤامرات المشبوهة، وأما المحافظة على الكيان الأسري من المخاطر الداخلية فيبرز في إعطاء العقيدة الصحيحة والخبرة الكافية للشباب والشابات فضلا عن بيان معالم العلاقة التي يجب أن تسود بين أفراد الأسرة.
يلي ذلك دراسة بعنوان: "ثمار التغلغل الرافضي المرة: تمرد الحوثي في اليمن وأبعاد التحالف الشيعي الأمريكي في المنطقة" للكاتب السياسي أنور قاسم، يكشف فيها اللثام عن حقائق تمرد الحوثي وأبعاد التحالف الشيعي الأمريكي في المنطقة، وتكشف الدراسة عن الخطر الذي تواجهه اليمن والتآمر الذي ينتظر هذا البلد ويعمل على تفكيكه.
ويختتم الباب بالدراسة السادسة، وهي بعنوان: "تأثير انتخاب الرئيس أحمدي نجاد على أوضاع أهل السنة في المنطقة" للدكتور محمد السعيد عبد المؤمن، أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس يستعرض فيها التجاوزات العديدة لنظام الجمهورية الإسلامية بحق أهل السنة، ويعتبر الانتخابات الأخيرة التي أتت بأحمدي نجاد نقطة فارقة في مواقف التكتلات السياسية تجاه المرحلة القادمة من عمر النظام، ومن برنامج الرئيس يستنتج عبد المؤمن أن توجهه للمناطق المحرومة واهتمامه بالمناطق الحدودية سوف ينعكس إيجابا على أهل السنة بسبب ما أعلنه من عدم التفرقة بين المواطنين بغضّ النظر عن العرق والمذهب، فضلا عن أن الرئيس أصبح في حاجة إلى أهل السنة في تنفيذ برنامجه الإصلاحي في الداخل، وتشير تقارير مباحثات المسئولين الإيرانيين مع الدول العربية في عهد نجاد إلى تحول واضح في سياسة تصدير الثورة لمصلحة التضامن الإسلامي الذي يجمع بين السنة والشيعة، ويتسم هذا التحول بالحذر قدر اتسامه بالمعقولية.
ترجمات وإصدارات
ويتعرض التقرير في بابه الرابع والأخير بالترجمة لأربع دراسات غربية هامة كتبها باحثون غربيون متخصصون، الأولى بعنوان: "معنى التفوق الأمريكي وتأثيره في الشرق الأوسط" للبروفيسير هنري س. بينين، رئيس جامعة نورث ويسترن، يوضح فيها معنى التفوق الأمريكي، وأشكال تأثيره، وما ينبغي أن تقوم به أمريكا أو تلعبه من أدوار في العالم.
والدراسة الثانية بعنوان: "النموذج الاستراتيجي التركي بين الحقيقة والخيال" للباحث جراهام إي فوللر، نشرته دورية واشنطن، عدّد فيها عوامل أساسية لتغير المنظور السياسي والاستراتيجي لتركيا في العقد القادم، وهي في نظره: الإسلام، والقومية التركية الشائكة، ودخولها في الاتحاد الأوربي، ودورها باعتبارها دولة شرق أوسطية وذات أعراق مختلفة، بالإضافة إلى علاقاتها مع أمريكا.
والدراسة الثالثة للباحث فالي نصر أستاذ في سياسة الشرق الأوسط بقسم شئون الأمن القومي التابع للمدرسة العليا البحرية بكاليفورنيا، بعنوان: "النتائج الإقليمية المترتبة على إحياء النفوذ الشيعي في العراق" يبين فيها أن المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط الكبير ترتبط بكل من الأخطار والفرص الناجمة عن تمكين الشيعة من تولي زمام الأمور في العراق، ويدعو إلى التفكير في هذه الحقيقة، ويستنتج أن الشقاق الطائفي الذي يهدد العراق في الوقت الحالي نتاج صراع عميق الجذور متأصل في المنطقة وليس مجرد ردة فعل مباشرة للتطورات الحديثة الجارية في العراق، ثم يستعرض النتائج الإقليمية المترتبة على إحياء النفوذ والتراث الشيعي في العراق.
والدراسة الرابعة والأخيرة بعنوان: "حماس من المهد إلى اللحد" الذي كتبها ماثيو ليفيت، ونشرت في فصلية الشرق الأوسط التابعة لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى؛ حيث يكتب عن حماس بوجهة نظر غربية من خلال البحوث والتقريرات التي أعدتها مراكز البحوث الغربية عن حماس، ويرى ضرورة إغلاق مراكز الدعوة التابعة للحركة يصاحبه جهود تعاونية دولية للدول المانحة لملء الثغرة والإمداد بالمساعدات الإنسانية للفلسطينيين بطريقة لا تدعم الإرهاب، وأن قطع تدفق الأموال في نفس الوقت إلى حركة حماس واستبدال شبكاتها الاجتماعية والإرهابية بجهود إغاثية دولية أصبحت ملحة وعاجلة أكثر من أي وقت مضى.

وجاء الإصدار الثالث من تقرير البيان الاستراتيجي مُصدَّرًا بملخص في بداية كل دراسة تعطي القارئ صورة مختصرة عن أهم ما تحويه كل دراسة من أفكار وعناصر، ومتضمنا رسوما توضيحية وبيانية تساعد على تقريب الفكرة وإبراز المعنى وإزالة الغموض، ومزيَّلاً بخلفيات معلوماتية تفصل بعض ما أجمل وتثري محاور الدراسات بشكل تفصيلي معلوماتي مفيد.


ليست هناك تعليقات: