الثلاثاء، 10 فبراير، 2009

ثقافتنا بين الانفتاح والانغلاق

قراءة في كتاب
ثقافتنا بين الانفتاح والانغلاق
وصفي عاشور أبو زيد ـ مصر
في قضايانا الفكرية والثقافية دائما نقع بين طرفي الإفراط والتفريط، ما بين فريق يُفْرط وفريق يُفَرِّط، وقلما نجد من يقف الموقف الوسط بلا طغيان ولا إخسار.
وقضية الثقافة من القضايا التي وقعت تحت هذا التقسيم، فنحا بها قوم إلى الانغلاق والتقوقع دون استفادة من الثقافة الوافدة بما لا يتعارض مع أصولنا الإسلامية، وخرج بها قوم إلى اتباع كل جديد والجري وراء كل ناعق دون تمييز بين ما يوافقنا وما يعارضنا.
وطُرحت في هذا السياق أسئلة حائرة عن ماهية هذه الثقافة وحقيقتها، وهل تقتصر على الجانب المعرفي فقط أم تتعداه إلى سائر جوانب الحياة الإنسانية، وهل هناك فرق بين الثقافة والحضارة، وهل هناك ثقافة كونية أو تظل لكل أمة ثقافتها الخاصة بها، وما ثقافتنا المعبرة عنا: هل هي ثقافة عربية أم إسلامية أم هما معا، وهل الثقافة الإسلامية هي الدينية أم أنها أوسع منها مدى، وما خصائص ثقافتنا العربية والإسلامية، وهل هي ثقافة منغلقة، أو ثقافة منفتحة على الثقافات، وهل هناك انفتاح مقبول وانفتاح محذور، وما المراد بالانفتاح المحذور وأنواعه؟.
عن كل هذه الأسئلة صدر كتاب للشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي بعنوان: "ثقافتنا بين الانفتاح والانغلاق" عن دار الشروق بالقاهرة، يؤصل فيه هذه المعاني ويجيب عن تلك الأسئلة إجاباتٍ شرعيةً علمية من خلال كتاب الله وسنة رسوله، مستأنسا بتراث الأئمة وبأقوال أعلام الأمة متبعا سبيل المؤمنين ومبتعدا عن سبيل المجرمين، وهي دراسة تضاف إلى دراسات للشيخ في هذه القضية، مثل: "الثقافة العربية الإسلامية بين الأصالة والمعاصرة".

معنى الثقافة
عرف الشيخ الثقافة في لغة العرب، وقال إن مادة (ث ق ف) تدور معانيها في اللغة حول الذكاء والفطنة والفهم والتعديل والتقويم، ومع شيوع مصطلح "الثقافة" نرى كثيرا من الناس مختلفين في تحديد مفهومها، ما بين قاصر لها على الجانب المعرفي في الحياة أي ما يتعلق بالعلم والفكر والأدب والفن، وما بين موسع في مفهومها بحيث لا يقتصر على الجانب المعرفي فقط بل تشمل عندهم الجانب الوجداني والروحي والسلوكي، والمادي أيضا، فالثقافة أفكار ومعارف وإدراكات ممزوجة بقيم وعقائديات ووجدانيات تعبر عنها أخلاق وعبادات وآداب وسلوكيات، كما تعبر عنها علوم وآداب وفنون متنوعات، وماديات ومعنويات، رغم أنه لا يزال كثيرون يقصرون معناها على الجانب الفكري والأدبي.
ورغم أن البعض فرق بين الثقافة والحضارة غير أنها تفريقات غير مسلّمة في مجملها، والواقع أنه لا يكاد يوجد فارق بين الثقافة والحضارة في الاستعمال المعاصر، فكل واحدة من الكلمتين توضع مكان الأخرى.
هوية ثقافتنا
وثقافتنا بلا شك هي ثقافة عربية وإسلامية، تجمع بين العروبة والإسلام، فإن العربية هي لسان الإسلام، ولسان القرآن والسنة، ولسان التفاهم المشترك بين علمائه، فالعروبة ممزوجة بالإسلام امتزاج الروح بالبدن، ولا تعارض بين الوصفين، وإن كان وصف الإسلامية أوسع وأشمل من الوصف بالعروبة، فثقافتنا ثقافة عربية إسلامية، وحضارتنا حضارة عربية إسلامية، وبذلك ننصف العروبة والإسلام جميعا.
ويبين الشيخ القرضاوي أنه ليست الثقافة التي نعنيها مجرد الثقافة الدينية كما يتوهم البعض، فكل ما هو إسلامي أوسع مما هو ديني باعتبار أن الإسلام دين ودنيا.

من خصائص ثقافتنا
وقد ذكر الشيخ يوسف القرضاوي تسع خصائص لثقافتنا العربية الإسلامية، هي: الربانية، والأخلاقية، والإنسانية، والعالمية، والتسامح، والتنوع، والوسطية، والتكامل، والاعتزاز بالذات.
فهي ثقافة ممزوجة بالجانب الإلهي، وللعنصر الأخلاقي فيها مكان رحيب، ولحمتها وسداها احترام الإنسان ورعاية فطرته، ومن هنا فهي عالمية المنزع والوجهة، تسامحها يقوم على ركيزتين: أن الاختلاف بين البشر في الأديان وغير ذلك واقع لا محالة، وأن حسابهم على ما ضلوا فيه موكول إلى الله يوم القيامة، وهي ثقافة واسعة متنوعة فيها الدين والأدب واللغة والفلسفة والعلوم الطبيعية والرياضية، والعلوم الإنسانية المختلفة، وهي ثقافة تمثل المنهج الوسط بين إفراط الأمم وتفريطها، وهي ثقافة يكمل بعضها بعضا؛ فالثقافة اللغوية والأدبية تخدم الشرعية، وهذه تغذي الثقافة الإنسانية، وكلها تستفيد من الثقافة العلمية، وهي بعد ذلك تعتز بخصوصيتها وربانيتها ووسطيتها وصبغتها الأخلاقية ووجهتها العالمية، ومن هنا فهي ترفض أن تذوب في باقي الثقافات أو تنغلق على نفسها دون استفادة ومواكبة للثقافات الأخرى.

الانفتاح في ثقافتنا ودلائله
ويؤكد العلامة القرضاوي على أن الاعتزاز بالذات لا يعني الانغلاق، بل يعني الانفتاح دون ذوبان مع مقاومة تيار العولمة والتغريب الغازي لعقل الأمة وضميرها، فلا تعني مقاومة هذا النموذج أن كل ما فيه باطل وشر، لكن نفيد مما عندهم وننتفع به في ضوء مقرراتنا، ولذلك فثقافتنا منفتحة على غيرها لأصالتها وقوتها وما فيها من معايير راسخة تضبط الأخذ والرد.
ومن دلائل هذا الانفتاح أن القرآن الكريم نزل مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه، فجاء متمما لها مرتقيا بالبشرية إلى أبلغ مدى يمكن الوصول إليه.
ومنه أيضا أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبقى الصالح النافع من أحوال الجاهلية، وألغى الفاسد، فأبقى في فريضة الحج على كثير من المناسك التي توارثها العرب، مثل قولهم: لبيك اللهم لبيك، والطواف والسعي وغيرها، وفي الزواج كانت هناك أنواع كثيرة من الزواج ألغاها جميعا إلا نوعا واحدا هو المشروع الآن، وفي البيوع كانت هناك أنواع فيها كثير من الغرر والجهالة فألغاها وأبقى على ما فيه مصلحة الناس، وهكذا.
ومن الدلالات أيضا ما ذكره العلماء من جواز اقتباس ما عند الآخرين من أعراف وأعمال وأنظمة ومشروعات يمكن أن تنفع المسلمين ما لم تتعارض مع عقديتهم أو شريعتهم أو قيمهم الأخلاقية، فاتخذ الرسول خاتما كما كان يفعل الملوك، وأقر سلمانَ على فكرة الخندق وهي فارسية، ودوَّن عمر بن الخطاب الدواوين، واختار الهجرة تأريخا للمسلمين، وهذه الفكرة تشابه ما يعرف في أصول الفقه بـ "شرع من قبلنا". وهو حجة ما لم يكن فيه ما يخالفنا.
ومن هذه الدلائل أيضا أن الحكمة هي ضالة المؤمن يلتمسها من أي وعاء خرجت، فليس المسلم كما يتصوره أو يصوره البعض، منغلقا على ذاته، متقوقعا على نفسه، قد وضع على عينه غشاوة وسد أذنيه وأغلق عقله، فلا يرى غير محيطه، ولا يسمع لغير نفسه، ولا يفتح عقله لشيء ولو كان نافعا.
ومن هنا قد نقبل قولة الحق من المنافق، والرأي الصواب من غير المتخصص، كما نرفض الباطل ولو صدر من الأولياء والأتباع، ولا نقيم اعتبارا لرأي جاوز الصواب ولو صدر من متخصص متمكن، فالمسلم الحق ليس ذنبا أو إمعة، لكنه يروم الأحسن ويبغي الأفضل، فهو كالنحلة يتنقل بين الأشجار والأزهار يأكل من كل الثمرات الطيبة، ومثل المؤمن مثل النخلة لا تأكل إلا طيبا ولا تضع إلا طيبا.
ومن أجل تميز الثقافة العربية الإسلامية بالأصالة والانفتاح المنضبط وجدناها ترحب بالحوار، وتؤمن به، بل تدعو إليه ولا تخاف منه، ومن قرأ القرآن وجده حافلا بالحوارات على مستويات شتى، ووجدناها أيضا لا تضيق بالتجديد بل تؤمن به وتفتح ذراعها له سواء كان تجديدا في الدين أو تجديدا في الدنيا.

الانفتاح المحذور
ومن المحاور القيمة التي احتواها هذا الكتاب أنه تحدث عن الانفتاح المحذور مبينا أنواعه الثلاثة ومحذرا منها، وهو محور هام حتى تكتمل الصورة وينضبط الموضوع.

1-الانفتاح قبل النضج:
ومن الانفتاح المحذور يذكر الشيخ الجليل الانفتاح قبل النضج، فمن كان طري العود ضعيف البنية قليل الخبرة لا يسابق الأبطال ولا يدخل حلبتهم وإلا سقط في أول الطريق وخرج من السباق، فلابد من الفطرة الموهوبة والدربة المكسوبة، ومن تم إعداده لملاقاة الأبطال والمنافسين، وفي هذا الإطار نفهم قول النبي لعمر: "أمتهوكون فيها ـ أي مترددون متشككون ـ يا ابن الخطاب، لو أن موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي"، وذلك حينما رأى معه صحائف من التوراة ينظر فيها.
وإذا كان هذا التشديد على مستوى الأمة في مرحلة التأسيس، فينبغي أن نقف مثل هذا الموقف من الفرد في مرحلة التكوين، وقبل وصوله إلى النضج والاستقلال في الفكر، فهنا يكون الانفتاح محذورا وخطرا عليه، فلابد من وجود حصيلة وحصانة تجيب عليه كل التساؤلات التي ترد على ذهنه، وتدفع عنه كل الشبهات التي تحيك في صدره، ويستطيع بها أن يرد بأدلة واضحة وبراهين ساطعة على الشبهات والادعاءات بما عنده من بصائر وبينات.

2-الانفتاح المتساهل في الأخذ والاقتباس:
ومن الانفتاح المحذور: الانفتاح المتساهل في الأخذ والاقتباس بلا حدود أو ضوابط، فهو يأخذ كل ما يجد دون بحث عما يصح وما لا يصح، وما قام عليه البرهان وما لم يقم، وما ينفع وما يضر، وما يبني وما يهدم، ومنه ما عرف في تراثنا الإسلامي باسم "الإسرائيليات"، وليتهم أخذوا منها الصحيح الثابت بل أخذوا كثيرا مما شاع عند عوامهم.
إن المسلم حين ينفتح على الثقافات يأخذ الحق ويدع الباطل، يعتمد الصواب وينفي الخطأ، أما أن يفتح جعبته ليملأها بالغث والسمين، والرخيص والثمين، ويكون حاطب ليل، فهذا ما لا يقبله منطق الإسلام.

3-الانفتاح المبهور بثقافة الغير:
وذلك حين ينظر الإنسان إلى غيره مضخما من شأنه معظما من فكره شاعرا بالدونية نحوه لسبب أو لآخر، فكل ما قاله فهو صدق، وكل ما رآه فهو صواب، وكل ما يفعله فهو جميل، أي أنه أضفى عليه نوعا من التأليه بالفعل، وإن لم يكن تأليها بالقول، وقد وقع هذا في تاريخنا مرتين بارزتين:
الأولى: مع الفلسفة اليونانية، حين ترجم المسلمون كتبهم فبهروا بها.
والثانية: مع الثقافة الغربية، التي غزت أمتنا في هذا العصر، ودخلت أوطاننا تحت سلطان الاستعمار، وقد شاع بسبب ذلك أعرافٌ وتقاليدُ وأفكارٌ ليست من الدين في شيء.
والفرق بين تأثير الفلسفة اليونانية قديما في المسلمين وتأثير الثقافة والحضارة الغربية حديثا: أن تأثير الفلسفة اليونانية كان في الخاصة وربما في خاصة الخاصة، أما تأثير الثقافة الغربية في العصر الحديث، فهو تأثير كاسح غالب، أثر في النخب كما أثر في الجماهير، وإن كان تأثيره في النخب أوضح وأقوى.

نماذج من تراثنا
وفي نهاية الكتاب يقدم العلامة الشيخ يوسف القرضاوي نموذجين عمليين من حضارتنا الإسلامية انفتحا على ثقافات الأمم واطّلعا عليها، واقتبسا من حقها وصوابها، فأعرضا عن الباطل والخطأ، وأخذا كل استقامة وحكمة، وهما: أبو حامد الغزالي: وأبو الوليد ابن رشد الحفيد.
فأبو حامد الغزالي خاض لجج الثقافات المتباينة، والفلسفات المتنوعة، وخرج من هذه السباحة سليما معافى، فلم يغرق في يَمِّها، ولم تبتلعه حيتانها، بل صاد من لآلئها ما صاد، واكتشف من أعماقها ما اكتشف، وقد حكى عن نفسه ذلك في مقدمة كتابه البديع: "المنقذ من الضلال".
وأما أبو الوليد ابن رشد الحفيد، فقد اتفق مع الغزالي في اشتغاله بالفقه، لكنه لم يؤلف في الفقه المالكي كما ألف الغزالي في الفقه الشافعي، فكتب بداية المجتهد ونهاية المقتصد، وهو مقدمة لمن يريد أن يلج باب الاجتهاد.
والمجال الثاني الذي برع فيه ابن رشد هو مجال العلميات ـ بالمفهوم الغربي للعلم ـ مثل الفلسفة الطبيعية والفلسفة الرياضية، وقد بدأت عنايته بذلك في شبابه، فألف المختصر في علم الفلك، والمثلثات الكروية، وتلخيص السماء والعالم، والجوامع، والكليات في الطب، هذا فضلا عن كتبه في الفلسفة، وشرحه لأرسطو فهو الشارح الأكبر لفلسفة أرسطو التي عاشت أوربا على شرحها ردحا من الزمان.
مجلة الوعي الإسلامي عدد شعبان 1429هـ/ أغسطس 2008م

ليست هناك تعليقات: