الثلاثاء، 10 فبراير، 2009

حوار ـ د. عصام البشير: المؤتمر خطوة نوعية ونقلة هامة في طريق التقريب

د. عصام البشير: المؤتمر خطوة نوعية ونقلة هامة في طريق التقريب
حاوره/ وصفي عاشور أبو زيد
Wasfy75@hotmail.com
أكد د. عصام البشير الأمين عام للمركز العالمي للوسطية بالكويت، أن مؤتمر الدوحة للتقريب بين المذاهب شدد على حرمة دم المسلم وماله وعرضه واستنكر الجرائم المرتكبة على الهوية المذهبية، وأدان ما يحدث في العراق من حرب طائفية، وسعى نحو التوجه إلى التحديات الجادة التي تواجه الأمة.
وقال في حواره إن مؤتمر الدوحة اتخذ مسارا حول ضرورة المصارحة والمطارحة والمكاشفة إيذانا بأن تشخيص الداء وكشف مكامن العلل وإدارك وجوه التجافي يمثل شرطا ضروريا لمناخ معافى بغية الوصول إلى صيغ ناجحة تنتقل بنا من سماء الأحلام إلى أرض الواقع، ومن المثالي المنشود إلى الممكن الموجود، مضيفا أن المؤتمرين اتفقوا على عدم جواز استغلال الخلاف المذهبي لتحقيق مصالح سياسية لبعض الأطراف على حساب دماء المسلمين وأرواحهم؛ ولذلك تقرر تشكيل مجمع عالمي يعزز فكرة التقريب على أساس منهجي.
وفيما يلي تفاصيل الحوار:
** البعض تحدث عن مخرجات إيجابية لمؤتمر التقريب بين المذاهب المعقود مؤخرا في الدوحة، ما أبرز ما اتسم به المؤتمر برأيكم؟
* أبرز ما تميز به هذا المؤتمر حقيقة هو أنه بخلاف النهج الذي سارت عليه مؤتمرات التقريب السابقة التي اعتمدت المجاملة أحيانا كثيرة مفضية إلى توصيات لم تنل حظها من الترجمة العملية إلى أرض الواقع.. فإن مؤتمر الدوحة الذي انعقد أخيرا حول ضرورة حوار المذاهب ودورها في تقريب الوحدة العملية بين الأمة.. قد اتخذ مسارا نهض على المصارحة والمطارحة والمكاشفة إيذانا بأن تشخيص الداء وكشف مكامن العلل وإدراك وجوه التجافي يمثل شرطا ضروريا لمناخ معافى بغية الوصول إلى صيغ ناجعة لوصف الدواء تنتقل بنا من سماء الأحلام إلى أرض الواقع، ومن المثالي المنشود إلى الممكن الموجود.
** وماذا كشفت لكم المداولات التي أجريتموها مع علماء الطرف الآخر؟
* لقد تجاوزت المصارحة تصوير الخلاف على أنه ضرب من اجتهاد الفروع، أو التعلق بكيد الأعداء في إذكاء الخلاف مسوغا لحدته واستعاره، لذا كشفت المداولات عن مساحات واسعة متباعدة في مناهج النظر والاستدلال ومسالك الممارسة والتطبيق تحتاج إلى تجسير الهوة وردم الفجوة من خلال مراجعات فكرية تستند إلى إرادة صادقة تنخل مكنون التراث وتثوب إلى رشد الرأي.. متخذة من القاعد ة الذهبية وميضا مشرقا (فلا يمنعنك قضاء قضية اليوم فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق.. فإن الحق قديم لا يبطله شيء ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل..)، ولا بد من إحياء فقه النقد لكثير من المفاهيم والتي كانت سببا في عوج المواقف وتدهور العلائق.
** د. عصام لو أردنا الحديث عن نتائج ملموسة توصلتم اليها يمكن رؤية مظاهرها قريبا من هذا المؤتمر ماذا تكون؟
*على رأس النتائج يمكن لنا الحديث عن التوصل إلى أن ينال مقام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قدرهم من التبجيل والتعظيم دون طعن أو تجريح كالشأن في محبة آل البيت الذي يتسع مدلوله ليشمل نساء النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين والعمل على تنقيح مناهج التعليم، وكتب التراث ومنابر الدعاة من منزلق السب والإيذاء لمقام الصحبة والآل الذي تشكل (مبرة الآل والأصحاب) في الكويت خير مثال يجسد مودتهم ومحبتهم التي هي من مقتضيات الإيمان، إلى جانب ضرورة احترام خصوصيات انتماءات المجتمعات دون اختراق لها بالترويج للمذهب المخالف في البلاد الخالصة للمذهب الآخر بما يكون حالة فتنة مذهبية يستعر أوارها، ويعظم ضررها، ويصعب استيعابها وعلاجها.
** هناك أصوات تمارس التشدد والغلو وتزيد من حدة الاستقطاب.. هل تناولتم طرقا للتناول معها؟
* اتفق المؤتمرون على وجوب خفض أصوات هذه الفئة من الطرفين حتى لا يؤثر سلبا على عملية التقريب، ويحد من شدة الاستقطاب الطائفي الذي تستعر فتنته في بعض البلاد مثل العراق وغيرها، فلا يصح استغلال هذا الخلاف المذهبي لتحقيق مصالح سياسية لبعض الأطراف على حساب دماء المسلمين وأرواحهم.
** هل تطرق الحوار والمداولات للواقع العراقي الدامي وما يجري فيه؟
* نعم توقف الحوار ملتهبا حول مستنقع العراق الدامي والذي ذر فيه قرن الطائفية، وغدت فيه دماء المسلمين وأرواحهم مستباحة على أبشع صورها وأفدحها ضحية التوظيف السياسي للخلاف المذهبي، والإثخان في القتل على الهوية والطائفية الأمر الذي ينذر بشر مستطير وفساد كبير يأتي على الأخضر واليابس، وعلى الرغم من المصارحة التي تميز بها الجو العام للمؤتمر من أوله إلى آخره، والمكاشفة التي كانت من جميع الأطراف فإن الجميع قد التزم آداب الحوار المنشودة، وإن علت بعض الأصوات في بعض الأحيان، وهذا هو الأدب المطلوب.
** ماذا عن أبرز التوصيات الختامية التي اتفق عليها المؤتمرون؟
*انتهى المؤتمرون إلى توصيات وضعت النقاط على الحروف من شأنها أن توجد آلية تترجم هذا على أرض الواقع، وتعمل على تضييق مساحة الخلاف، وتوسيع قاعدة المشترك، وإيجاد مجالات واسعة للتعاون والتفاهم، ومن أهم هذه التوصيات:
أولا: إدانة ما يحدث في العراق من حرب طائفية بين السنة والشيعة مما يؤدي إلى تفتيت العراق، وصرف الانتباه عن العدو الحقيقي المتربص بالأمة.
ثانيا: التأكيد على حرمة دم المسلم وماله وعرضه واستنكار الجرائم المرتكبة على الهوية المذهبية.
ثالثا: الوقوف صفا واحدا أمام التحديات والعدوان الذي تتعرض له الأمة.
رابعا: ضرورة استمرار الجهود لتحقيق التقارب والتفاهم بين مختلف المذاهب والفرق الإسلامية، والعمل على إزالة العقبات التي تعترض طريق الوحدة.
خامسا: بذل الجهود لتفعيل القرارات والتوصيات التي انتهت إليها المؤتمرات السابقة التي تصب في الاتجاه نفسه.
سادسا: يرفض جميع العلماء المشاركين، ممثلي السنة والشيعة والزيدية والإباضية، رفضا قاطعا كل تطاول أو إساءة لآل بيت رسول الله وصحابته جميعا وأمهات المؤمنين، ويناشدون أتباع المذاهب احترام مقدسات كل طرف، والحفاظ على الاحترام المتبادل في الحوار والنشاط الدعوي.
سابعا: دعوة القيادات والمراجع الدينية السنية والشيعية إلى الحفاظ على حدود وضوابط العمل مع الآخر، وعدم السماح بالتبشير لمذهب التشيع في بلاد السنة أو للتسنن في بلاد الشيعة درءا للفتنة والشقاق بين أبناء الأمة الواحدة.
ثامنا: ناشد المؤتمر حكام ورؤساء الدول العربية الإسلامية تعزيز جهود العلماء والمفكرين في سبيل تحقيق الوحدة وإقرار سياسة الحوار بين المذاهب الإسلامية.
تاسعا: تشكيل مجمع علمي وعالمي يضم علماء السنة والإمامية والزيدية والإباضية يعزز فكرة التقريب، ويرصد المعوقات والخروقات، ويصنع لها الحلول المناسبة، واقترح المؤتمر أن تكون الدوحة مقراً لهذا المجمع.
عاشراً: إصلاح المناهج التعليمية بما يدعم فكرة الوحدة، والتقريب بين المذاهب والفرق الإسلامية.
**بعد ختام المؤتمر هل ترون من حاجة مستقبلية لإعادة تنظيم أمثاله والاستزادة مما تُدُووِلَ فيه؟
* يعتبر هذا المؤتمر خطوة نوعية ونقلة هامة في طريق التقريب بين أتباع المذاهب الإسلامية، يُقتفى أثره في المؤتمرات والحوارات فيما بعد، كما يجب أن تستثمر توصياته وقراراته وروحه لتكون واقعا عمليا بحق، بعد أن ظلت كثير من قرارات وتوصيات معظم المؤتمرات السابقة حبرا على ورق.
** رأي بعض المراقبين أن المصارحة بلغت الهجوم أحيانا، فهل هذا أثر على الروح العامة للمؤتمر؟
*لقد كان المؤتمر اختبارا حقيقيا للجهود التي بذلت فيما اتفق عليها في مؤتمرات سابقة، ومدى أثرها في إزالة التوتر المشتعل بين فئات المسلمين، والمأمول من تلك المصارحات الخالية من المجاملات - وقد كانت أبرز سمات ذلك المؤتمر - أن تنزل إلى واقع التنفيذ ومسرح العمل، وتكون ترجمة فعلية لما اتفق عليه، وتسهم بصدق في تخفيف التوتر الناشئ بين فئات المسلمين، وإن لم يحدث ذلك فقد ذهبت تلك الدعوات أدراج الرياح، ونكون بذلك قد حرثنا في الماء وأتعبنا أنفسنا دون جني أي ثمرة حقيقية.

** كلمة أخيرة ترغبون بها؟
* في الختام أحب أن أبين أنه ليس المقصود من التقريب تذويب كل طرف في الآخر أو إلغاء الخلاف» لأن ذلك منافٍ للسنن الجارية، فسنة الله في الكون والخلق قائمة على التعددية والتنوع في العقائد والمذاهب والأفكار، وإنما المراد التوافق على صيغة التعايش الذي ينهض على توسيع قاعدة المشترك وتضييق مساحة الخلاف، وتحرير مواطن النزاع، والتزام أدب الحوار عبر منهجية موضوعية وإنصاف واعتدال، والنأي عن استدعاء معارك التاريخ وإرث الماضي الذي لم نكن شركاء في صنعه، وتنحيته أمام تحديات الواقع المأزوم والخطوب الجسام، والترفع عن التنابز بالألقاب، والعمل على تعزيز الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي وتجنيب المنطقة موجبات التوتر الذي يهدد النظام المدني كل هذه المستهدفات تتطلب إرادة صادقة تترجم الآمال إلى أعمال، وتقتفي آلية لمتابعة التوصيات على نحو يسهم في تفعيلها كي تندمل الجراح التي اتخذتها بؤر التوتر الطائفي، وتفيء الأمة إلى سكينة تصون الدماء والأوطان والأعراض، وتجنب أمتنا ويلات الفتن ومضلات المحن.

ليست هناك تعليقات: