الثلاثاء، 10 فبراير، 2009

تعليقي على مقال الإخوان والسمكة نيمو للأخ مصطفى كمشيش

الأخ العزيز الحبيب الأستاذ مصطفى كمشيش (أبو محمد)
أحييك بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،
فأجدني في غنى عن أن أذكر ميزات كتاباتك هنا التي أعرفها كما يعرفها غيري من قرائك، من عمق واتزان وسعة أفق وتحرير وهدوء وموضوعية، وأدلف مباشرة فيما أريد أن أقوله تعليقا على هذا المقال القدير:
أولا: كثيرون تحدثوا عن عبقرية الإمام البنا، وأنه قد جاء في عصر ووضع وسائل تربوية وحركية تناسب عصره، ومن ثم علينا أيضا أن نجتهد لعصرنا بما يناسبه كما اجتهد هو بما يناسب عصره، وبما أن كلها وسائل فهي قابلة للتغيير والتجديد والتطوير ما دامت تحت مظلة الكليات والثوابت والقطعيات، هذا كله كلام لا يختلف فيه عاقل، ولكن حتى الآن لم أجد من قدم وسائل جديدة بديلة لما قدمه البنا، وكل من يتحدث عن التجديد في الوسائل التربوية لدعوة الإخوان أظن ـ وبعض الظن حق ـ أنه لم يقدم بديلا أفضل مما قدمه البنا أو حتى مثالا قابلا للتطبيق، وليس معنى هذا أن يقال ليس في الإمكان أبدع مما كان، لكن هذه هي الحقيقة الماثلة في الواقع الدعوي المعاصر، نحن لا نريد أن نكتفي بالتنظير ـ على أهميته ـ ولكن أريد ممن يتحدث عن التجديد سواء في الأصول أو الفروع أن يتقدم خطوة إلى الأمام ويذكر لنا بشكل عملي وسائل جديدة، ويقدم طرحا متكاملا تأصيلا وتفريعا، تنظيرا وتطبيقا، مثالا وواقعا، يؤدي نفس الأهداف إن لم يكن أجود وأفضل، ويبين عيوب ومثالب الوسائل الموجودة.

ثانيا: حينما تحدثت عن الإخوان والبرلمان، وتكلمت عن الأدوات الرقابية والتشريعية التي استخدمها الإخوان وقلت عنها: "والتي غالبا ما ينتهي بها الأمر إلى الانتقال إلى جدول الأعمال وإقرار ما تريده الأغلبية، ومن ثم فهو عمل بلا أية نتيجة، وكأنه حرث في الماء،". أعتقد أن هذه العبارة فيها مبالغة وظلم لجهود نواب الكتلة، وبالتالي فأنت ناقضت نفسك حينما قلت في بداية كلامك في هذه النقطة أنهم بذلوا جهودا طيبة، صحيح أن القضايا المصيرية السياسية التي يريد أن يمررها الحزب الحاكم تمر رغما عن الإخوان وغيرهم، لكن هذا لا يلغي أبدا ما يقومون به من جهود اجتماعية وإصلاحية وشعبية، ولا ينكر دورهم في كشف الفساد وتعريته، كما لا ينكر دورهم كذلك في قضايا الأمة لمن يتابع موقعهم على الشبكة، وآخرها قضية معبر رفح، وأظن أنك لا تختلف معي في هذا.
ثالثا: مسألة الوفود المشتركة التي تفضلت باقتراحها والمكونة من الإخوان والحكومة بحيث يكون الدور تكامليا يقوم فيه الإخوان بتكميل دور الحكومة لا يتصادم ولا يتقاطع معها ـ أظن أن هذا الطرح يقترب كثيرا من طرحك السابق "من يسمعني" والذي كانت نتيجته أن توجهت بخطابك هذه المرة للإخوان دون الحكومة، هل تظن أن نظاما كالنظام المصري يمكن أن يشرك معه الإخوان في جهود دولية حتى لو لم يُظهر الإخوان هويتهم ولم يحرصوا على إبراز وجودهم وجهودهم، وإذا كانت الحكومة تحول بين الإخوان وبين أي عمل شعبي محلي إصلاحي، فهل تسمح لهم بعمل إصلاحي دولي؟. وهل بين الطرفين قنوات مفتوحة للحوار أصلا؟ أظن أن هذا احتمال بعيد في ضوء ممارسات النظام الواقعية، كما أظن أن الإخوان سيرحبون بمثل هذه الأدوار، وهي نقطة محل اتفاق كما أظن.
رابعا: مسألة أن الإخوان تحولوا من الشعبية والجماهيرية إلى "الإخوانية"، وأن حسن البنا كان تعبويا وقائدا جماهيريا، ويتحدث بلسان الجميع لا بلسان الإخوان كما هو الآن ـ مع تقديري للاستثناء المعاصر الذي ذكرته فلابد من مراعاة المرحلتين وظروف كل مرحلة؛ حيث كانت مرحلة البنا تتيح ذلك بما ساد فيها من حرية وسماح لعقد مؤتمرات حاشدة جماهيرية، أما اليوم فقد تحولت الدولة إلى "بوليسية" تمنع أي عمل جماهيري وتقمع كل من يريد أن يقول لا، وبالتالي تخندق الخطاب إلى "الإخوانية"، وليست الظروف الحالية عذرا للإخوان بالطبع، فيجب عليهم أن يقاوموا هذا التيار الذي يريد أن يخندقهم، ويحولوا خطابهم من الجوانية إلى الجوانية والبرانية معا، لكن ينبغي مراعاة اختلاف العصرين عند الحديث عن ذلك.
خامسا: أما المسألة الأخيرة، وهي الصحافة، فأنا متفق معك كل الاتفاق، لكن ينبغي أن نفرق هنا بين أمرين: الأول: إذا كان المقصود من صحافة الإخوان سواء كانت صحافة إليكترونية أو ورقية أنها رسالة للإخوان: تربوية وثقافية وإخبارية ، فهي ناجحة بامتياز، الأمر الثاني: إذا كانت موجهة لجماهير الشعب أو جماهير الأمة، وإذا أردنا أن نحاكمها إلى الصحافة كمهنة وحرفة فأعتقد أنها دون المستوى بكثير وتحتاج إلى انفتاح كبير يهتم بقضايا الجميع حتى يقرأ لها الجميع، وإن كان موقع إخوان أون لاين بدأ ينحو بنسبة ما نحو هذا المنحى.

يبدو أن المقال أثار شجونا، وذلك لما فيه من أصالة وعمق، وهدوء وموضوعية، وأعتقد أن صدرك سيكون أوسع مما أتصور، نفع الله بك وسدد خطاك.

وصفي عاشور أبو زيد ـ باحث مصري.
موقع إسلام أونلاين

ليست هناك تعليقات: