الثلاثاء، 10 فبراير، 2009

الاحتجاج السلمي ..وماذا بعد؟!

الاحتجاج السلمي ..وماذا بعد؟!
وصفي عاشور أبو زيد
Wasfy75@yahoo.com
في سلسلة حوارات وتحقيقات قام بنشرها مؤخرا موقع إسلام أونلاين دعت إلى تفعيل الاحتجاج، وأنه عنوان الأمة الغاضبة، ومن مكونات فقه الحضارة، ومن العناصر المشكلة لرقابة الأمة على السلطة والسلطان أيا كانت هذه السلطة أو السلطان، سواء اتخذ ذلك شكلا يتعلق بالإضراب، أو اتخذ شكلا يتعلق بالتظاهر، أو أي شكل يعبر عن معاني الاحتجاج، وأن الأمن العام مقدم على المعارضة، فهذا كله لا جدال فيه؛ لأنه من المسلمات الشرعية والمنطقية والقانونية والإنسانية.
وأمام ما نراه وما نشاهده الآن في غزة من جثث تتناثر وأشلاء تتبعثر ودماء تسيل ومساكن تهدم وأرواح تزهق، لا نملك أن ندعو الأنظمة الرسمية والحكومات العربية إلى فعل شيء؛ وذلك لسبب بسيط ومعروف ومشهور، وهو أن هذه الحكومات وتلك الأنظمة ما هي إلا جزء من هذا الاعتداء الآثم تشارك فيه بشكل مباشر لا مواربة فيه ولا شبهة ترده!.
كل الوسائل التي نعرفها جميعا من مساندة معنوية بالدعاء والانفعال الإيجابي، ومساندة مادية بإرسال الإغاثات والإسعافات والدواء والطعام والشراب والمال ـ كل هذا أصبح أضعف الإيمان وليس وراءه من الإيمان حبة خردل.
ولكن السؤال الذي يجب أن يطرح الآن وبقوة ـ ومن ناحية شرعية ـ هو: إلى متى ينادي فقهاؤنا بالاحتجاج السلمي المعروف بعد كل ما نرى ونسمع؟ أليس الاحتجاج غير السلمي واردا في الإسلام؟ وما هي حالات استخدام الاحتجاج غير السلمي وحالات عدم استخدامه، وبأي ضوابط وشروط؟
إذا كان الدكتور عوض القرني ـ ومن قبله الدكتور صلاح سلطان ـ أفتى بأن أي إسرائيلي في أي مكان هو هدف مشروع للمسلمين، أليس في هذا ما يفتح الطريق مشرعا أمام مناقشة هذه التساؤلات والخوض فيها بشكلٍ جِدّيٍّ ولاسيما في سياق التواطؤ المشبوه وغير المسبوق بين حكومات عربية والكيان الصهيوني الغاصب على تصفية القضية الفلسطينية وإغلاق ملفها للأبد على النحو الذي يريحهم منها بصفة نهايئة؟ أليس حريًّا بنا أن نتوقف عند تصريحات وزيرة خارجية الكيان الصهيوني والتي تفيد بأن الهجوم على غَزّة يلبي احتياجات المنطقة. ثم تصريحات أحد المسئولين الصهاينة بأنَّ بلدًا مجاورًا قد أفصح عن عدم تحَمّله لقيام إمارة إسلامية في غزّة!
وإذا كنا ننادي بالمقاومة وبإنزال أكبر هزيمة وخسارة بالعدو؛ لأنه يقتل ويشرد ويهدم ويسفك، فلماذا لا نوجه نفس النداء ضد الأنظمة التي تشارك بسفور في هذا الاعتداء؟ هل لأن هؤلاء محتلون وغاصبون، وأولئك معتدون بمشاركتهم في الاعتداء لكن يشوب فسقهم مسحة من إسلام؟
وإذا كنا ننادي بفتح المعابر وفتح باب الجهاد لنصرة المستضعفين، فلماذا لا ننادي بفتح باب الجهاد ـ بمعناه الواسع ـ أمام هؤلاء العملاء الذين يقفون حائلا أمام النصرة، بل يشاركون بشكل مباشر في هذا الاعتداء، كل هذا في ضوء الضوابط الشرعية التي تضع كل فعل وتصرف في مكانه بالقسطاس المستقيم.

في القرآن والسنة والتاريخ
في القرآن الكريم نجد التحذيرات شديدة من موالاة الأعداء من غير المسلمين، ونعتهم بأنهم منهم إن والوهم: "وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ". المائدة: 51.
بل قرر أن الذين يتخذونهم أولياء من دون المؤمنين فليسوا من الله في شيء: "لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ". آل عمران: 28. هكذا ـ كما يقول سيد قطب ـ "ليس من الله في شيء . لا في صلة ولا نسبة ، ولا دين ولا عقيدة ، ولا رابطة ولا ولاية . . فهو بعيد عن الله ، منقطع الصلة تماماً في كل شيء تكون فيه الصلات" . ولما كان أمر موالاة غير المسلمين من الأعداء أمرا مرتبطا بعقيدة الولاء والبراء ناسبه أن يتناوله القرآن بهذه الكيفية وتلك اللهجة!.
ألم يتحالف فضلاء قريش في دار عبد الله بن جدعان بما عرف "حلف الفضول" على: "ألا يدَعوا ببطن مكة مظلوماً من أهلها أو ممن دخلها من سائر الناس إلا كانوا معه على ظالمه حتى ترد إليه مظلمته"، وامتدحه النبي صلى الله عليه وسلم قائلا: "حضرت مع أعمامي في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حُمْرَ النَّعَم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت)) [السنن الكبرى 6/120].
فهل كان فضلاء قريش في مكة قبل خمسة عشر قرناً، أكثر وعياً وإدراكاً لعمق المشكلات من زعماء اليوم؟! فأين الدروس التي تلقتها الإنسانية ـ وبخاصة الأمة المسلمة ـ من تجاربها المريرة عبر القرون؟ وأين التحالفات القوية التي يجب على فضلاء العرب أن يعقدوها ويفعلوها من أجل نصرة الظالم وحجز المظلوم؟!!
وفي السنة النبوية أيضا نجد عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ قَالَ تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ". [صحيح البخاري. كتاب الإكراه. بَاب يَمِينِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ إِنَّهُ أَخُوهُ إِذَا خَافَ عَلَيْهِ الْقَتْلَ أَوْ نَحْوَهُ].
وعَنْ سَالِمٍ عَنْ عبد الله بن عمر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ ..." الحديث. [متفق عليه، واللفظ لمسلم].
قال ابن حجر: "قوله لا يظلمه: هو خبر بمعنى الأمر، فإن ظلم المسلم للمسلم حرام. وقوله ولا يسلمه: أي لا يتركه مع من يؤذيه، ولا فيما يؤذيه، بل ينصره ويدفع عنه، وهذا أخص من ترك الظلم، وقد يكون ذلك واجبا، وقد يكون مندوبا بحسب اختلاف الأحوال". [فتح الباري: 5/97].
ويقول ابن بطال: "إن المؤمنين جميعًا كالجسد الواحد ، وعلى المرء أن يسعى لصلاح كل عضو من أعضاء جسده سعيه لبعضها، فكذلك عليهم فى إخوانهم فى الدين وشركائهم في الملة، وإنصَارهم على الأعداء من نصرهم وعونهم مثل ما عليهم من ذلك في أنفسهم لأنفسهم؛ إذ كان بعضهم عونًا لبعض وجميعهم يد على العدو؛ ولذلك خاطبهم تعالى فى كتابه فقال: "ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما"؛ إذ كان القاتل منهم غيرَه بمنزله القاتل نفسه، ولم يقل لهم لا يقتل بعضكم بعضًا؛ إذ كان المؤمن لأخيه المؤمن بمنزله نفسه في التعاون على البر والتقوى، يؤلم كل واحد منهما ما يؤلم الآخر". [شرح ابن بطال على البخاري: 9/16].
لقد وقف أبو بكر يوما بعد أن بَايَعَه الناسُ بالخلافة فَحَمِدَ اللّه وأَثْنَى عليه بالذي هو أهْلُهُ ثم قال: "أما بعدُ، أَيُّها الناسُ فَإِني قد وُلِّيتُ عليكم ولست بخيركم، فإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي وإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُوني. الصِدْقُ أمانةٌ والكَذِبُ خِيَانَةٌ . والضعيفُ فيكم قويٌّ عندي حتى أرجعَ إليه حقَّه إن شاء اللّه، والقويّ فيكم ضعيفٌ عندي حتى آخذَ الحقَّ منه إن شاء اللّه. لا يَدَعُ قومٌ الجِهادَ في سبيل اللّه إلا خَذَلَهم اللَّهُ بالذُلِّ، ولا تَشِيعُ الفاحشةُ في قومٍ إِلا عَمَّهم اللَّهُ بِالبلاءِ. أَطِيعُوني ما أَطَعْتُ اللَّهَ ورسولَه، فإِذا عَصَيْت اللَّهَ ورسولَه فلا طاعةَ لي عليكم". [سيرة ابن هشام : 4/240، عيون الأخبار لابن قتيبة : 2/ 234].
والرجل الذي قام لعمر ـ من عامة الناس ـ حين قال عمر: "وإن اعوججت فقوموني" فقال: "لو وجدنا فيك عيبا قومناه بسيوفنا" فلم ينكر عليه عمر، بل حمد الله وأثنى عليه أن يكون في الأمة من يقوم خطأه ـ لا جريمته ومشاركته في قتل المسلمين ـ بحد السيف، وقال: "لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها".
لا أريد أن أسترسل في ذكر الأدلة التي بلغت حد التواتر في الشرع على وجوب نصرة المظلوم، وحجز الظالم ورده عن ظلمه، ولكن ما الكيفية التي نحجز بها الظالم عن ظلمه، بعد أن تيقنا وظهر جليا للجميع أن حكامنا ظالمون لإخواننا في غزة ومتآمرون عليهم، بل مشاركون في هذا بشكل مباشر، وما المساحات المشروعة في هذا الحجز والرد، وما الكيفية التي تحقق النصر للمظلوم والردع للظالم؟!. هل بالذهاب إليهم ومشاركتهم في الدفاع عن المقدسات والحرمات، وهو غير متاح؟ أم برفع السلاح في وجوه الحكام، أم باستخدام أعمال العنف والتخريب في مؤسسات المجتمع؟!.

ما معنى الاحتجاج غير السلمي
والاحتجاج غير السلمي الذي أدعو إليه هنا ليس معناه أن تحمل الشعوب السلاح على الحكام، أو تخرب وتدمر في مؤسسات المجتمع، فهذا حمق لا طائل تحته، ولكن معناه الانتفاضة المستمرة ـ كما يقول شيخنا الدكتور سيد نوح يرحمه الله ـ "ليس تظاهرًا عن عاطفة فينقطع بعد يوم أو يومين، وإنما تظاهرٌ مبناه الحجةُ والدليلُ والبرهان، ونظل هكذا معتصمين، وتتعطَّل كل مصالح الأمة؛ حتى يُفيق حكامُها، وحتى يُفيق النائمون والكسالى والغافلون من أبناء هذه الأمة، ويؤدوا دورهم وواجبهم، ووالله لو استمرَّ التظاهر والاعتصام فإن العدوَّ لا يسَعُه إلا أن يغيِّر من موقفه، فإن هذا العدو لا يمكن أبدًا أن يُواجَه إلا بالقوة، وهذه أعظم وسائل القوة، أعظم من الصواريخ، وأعظم من النابالم، وأعظم من القنابل الذرية، فالأمة لا بد أن تقف؛ لأن هؤلاء سيعلمون مع من يصادقون، ومع مَن يتعاملون إذا الأمة غضبت وألجمت حكَّامها والقائمين عليها".
سيقول البعض: إن الأنظمة العسكرية والمدججة بقوات الشرطة والأمن المركزي ستتصادم حتما مع هذه الجماهير، وسوف يقع منهم قتلى وجرحى، فهل معركتنا مع قوات الأمن أم مع الصهاينة؟ وهل معركتنا مع زعامات قوات الاحتلال أم مع حكامنا؟!
وأقول: إن كل شيء له ثمن، ولا داعي لاستعراض الأرقام التي وقعت قتلى في سبيل العيش الكريم ورفع الظلم عن المستعبدين في الأرض في حروب البشرية المختلفة، وإيقاف الظالمين عند غرزهم.
والواقع أن وقوع قتلى وجرحى من المعتصمين أو المتظاهرين لا يبرر طرح هذه الأسئلة، ما دام المحتجون لا يرفعون سلاحا ولا يخربون شيئا، فردُّ الظالم وحجزه عن ظلمه يجب أن يحدث ويقع، ويجب أن يكون التصرف المقاوم والمناهض ـ شرعيا وقانونيا وإنسانيا ـ بقدر ما يوقف هذا الظالم عن ظلمه، وإلا فلم نقم بحق المسلمين علينا سواء كانوا مظلومين أم ظالمين.

الاحتجاج والأمن العام
ولعل سؤالا شرعيا يبرز هنا حول الأمن العام والمصلحة العامة التي يجب أن تراعى وتكون مقدَّمة على الاحتجاج، فلا يصح أبدا ـ برأي هذا التساؤل ـ أن تصل درجة الاحتجاج إلى المواجهة وإلى وقوع قتلى وجرحى أو وقع ما يزعزع استقرار المجتمع.
وأبادر فأقول: إن المصلحة العامة والأمن العام يعتبر تحقيقه والحرص عليه من أهم المصالح المرعية والمقاصد الشرعية، ولا يجوز لأحد ـ كائنا من كان ـ أن يهدد أمن الأوطان، أو يزعزع استقرارها، ولكن في حالة فلسطين الأمر يختلف كثيرا؛ حيث يستمد الاحتجاج ـ الذي يوقع في مواجهة غير عادلة ـ وجوبه وحتميته الشرعية والقانونية والإنسانية من فكرة الأمن العام أيضا، واستقرار المجتمعات في الوقت ذاته، ولأن:
1ـ قضية فلسطين قضية أمة، ويجب أن تنتفض الشعوب الصغرى لنصرة القضية الكبرى.
2ـ أن في الاحتجاج المتواصل الذي يوقع في مواجهات مع قوات الأمن محافظة على الأمن العام؛ لأن في ترك الصهاينة يعربدون ويقتلون خطرا محققا على أمن الدول المجاورة.
3ـ أن كف الظالم عن ظلمه يجب أن يكون الاحتجاج بقدره حتى يتحقق كفه ومنعه.
4ـ كذلك نصرة المظلوم لا تتحقق إلا بأن يسترد حقه ويدفع الظلم الواقع عليه، ويجب ـ قدر المستطاع ـ أن يكون الاحتجاج محققا لهذه النتيجة.
وهنا تقفز إلى الذهن كل الأدبيات الفقهية التي ترعى حق الأمة، وتقدم المصلحة العامة على الخاصة، والمصلحة المستقبلية الممتدة على المصلحة الآنية القاصرة، ومصالح الجماعات الواسعة والشاملة على مصالح الأفراد الضيقة والمحدودة...الخ
ليست هذه فتوى بمشروعية رفع السلاح في وجوه الحكام أو تخريب مؤسسات المجتمع، بل دعوة إلى رفع وتيرة الاحتجاج، وتفكير بصوت مرتفع في تطوير وسائله ومساحاته المتاحة التي يجب أن تستغل لتحقق الهدف من وراء الرفض والاحتجاج، وهو نصرة المظلوم، وكف الظالم وحجزه عن ظلمه.
وقضية فلسطين قضية أمة يجب أن تجتمع لها المجامع الفقهية لتبحث قضية الاحتجاج وحدوده، والرفض السلمي وحدوده، واستخدام العنف وحالاته وحدوده لا سيما في قضايا الأمة التي يليق بها فتوى وآراء جماعية من علماء الأمة.

ليست هناك تعليقات: