الأحد، 20 يوليو، 2008

إدلاؤك بصوتك فريضة كالصلاة


إدلاؤك بصوتك فريضة كالصلاة
وصفي عاشور أبو زيد ـ مصر
11/20/2005 7:36:00 AM
لا تزال عملية التصويت جارية في مراحلها المختلفةعلى الانتخابات التشريعية 2005-2010م التي تعتبر حدثا هاما في حياة مصر، والتي لها ما بعدها من الإصلاح والتغيير.ولقد بدأ المواطن المصري ينحِّي جانبا السلبيةَ التي جنتها حملات التزوير والغش والتدليس فيما مضى من انتخابات، وتحول سلوكه تجاه الإيجابية قدُما مع انتخابات الرئاسة، وسوف تعلو حركته في مدارج الإيجابية كثيرا مع الانتخابات البرلمانية هذا العام.وتحققت هذه الإيجابية وبرزت حينما بدأت عجلة الإصلاح وهبت رياح التغيير مع التحالفات والتكتلات الحزبية وغير الحزبية والمظاهرات التي أحدثت ضجة إعلامية محليا وعالميا، عندئذ شعر كل مصري بهذه الرياح الطيبة وتحرر قلبه من الخوف والجبن شيئا ما، ويريد اليوم أن يعبر عن رأيه ويجعل لصوته أثرا وفاعلية.غير أن هناك عقيدة عند كثير من المصريين أنه لا مفر من التزوير، وأنه من المستحيل أن يتخلى عن التزوير نظام أصبح التزوير والغش جزءا أصيلا من تكوينه، ويجري في كيانه كما يجري الدم في العروق، وهذا ما حدا بكاتب كبير مثل الأستاذ فهمي هويدي أن يعبر بقوله: "التشاؤل من الانتخابات التشريعة" في جريدة الأهرام: 25/10، وقال إنني متشائل من الانتخابات القادمة، فلم يتشاءم بشكل كامل ولم يتفاءل بشكل كامل بل جمع بين الشعورين، وتوقع أن يكون التدخل في الانتخابات تدخلا ناعما حريريا عن طريق اللعب في الكشوف والأسماء، وهذا ما بدأ حدوثه مبكرا، وربما أثبتت الأيام القادمة أن الاستغناء عن التدخل الخشن القوي يصعب أن يتخلى عنه فجأة نظامٌ اعتاد عليه منذ خمسين عاما.وهذا شعور موجود عند عامة الشعب مهما أبرزتْ الحملات الدعائية والإعلامية في الصحف الرسمية عكسه، وحاول رموز الحكومة أن ينفوه، لكن المشكلة أن يؤدي هذا الشعور إلى السلبية بالناخب، ويجعله يضع عصا التسيار ويترك التصويت ويصاب بالإحباط وغير ذلك بعدما تحقق من حرية، وبدأ من إصلاح وتغيير.وأريد أن أقول لقومنا: إنه مهما حدث من شعور باليأس، ومهما رأيتم من مظاهر للتزوير وأحسستم بنية مبيتة له فلا يعفيكم هذا من أداء الواجب والإدلاء بأصواتكم؛ لأنه لا خلاف بين فقهاء العصر أن الإدلاء بالصوت نوع من الشهادة، فضلا عن أن التزوير لن يكون كما كان من قبل، وأنه ليس علينا إلا أداء واجبنا والإعذار إلى الله تعالى، ونفوض الأمر بعد ذلك لله.ومن المتفق عليه أنه لا يشك أحد من المسلمين في فرضية الصلاة، لكن كثيرا منهم أو معظمهم لا يستشعر أن أداء الشهادة فريضة كالصلاة تماما، وإليهم نسوق هذا البيان القرآني؛ فكما قال الله تعالى: "وأقيموا الصلاة"، قال: وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ. الطلاق: 2. فهذا أمر وذاك أمر، والأمر يفيد الوجوب كما يقول الأصوليون.ونهى القرآن الكريم أن يكون هناك موطن للشهادة ويُدعَى الشاهد ثم يتردد أو يتأخر، فقال: وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ. البقرة: 282.وأمر الشهداء أن تكون شهادتهم بالحق والقسط لأنها لله ولو كانت على الأقربين أو الوالدين، وعظم من شأنها فأضافها إليه سبحانه إضافة رفعة وتشريف فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ. النساء: 135. وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى. المائدة: 8. والقسط هنا يقتضي أن نختار من المرشحين من هو أصلح لديننا ودنيانا.وامتدح الذين يقومون بشهاداتهم، وجعلها صفة أساسية من صفات المصلين المتقين فقال: وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ. المعارج: 33.وجعل كتمان الشهادة مقرونا دائما في القرآن بالإثم والظلم فقال: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ. البقرة: 140. وقال: وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ. البقرة: 283. وقال: وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الآثِمِينَ. المائدة: 106.قال الإمام الشافعي: "الذي أحفظ عن كل من سمعت منه من أهل العلم في هذه الآيات أنه في الشاهد قد لزمته الشهادة، وأن فرضا عليه أن يقوم بها على والديه وولده والقريب والبعيد وللبغيض [البعيد] والقريب، ولا يكتم عن أحد، ولا يحابي بها، ولا يمنعها أحدا". أحكام القرآن: 2/139.وقال الجصاص الحنفي: "وقد كان نهيه عن الكتمان مفيدا لوجوب أدائها، ولكنه تعالى أكد الفرض فيها بقوله: {ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} وإنما أضاف الإثم إلى القلب ـ وإن كان في الحقيقة الكاتم هو الآثم ـ لأن المأثم فيه إنما يتعلق بعقد القلب، ولأن كتمان الشهادة إنما هو عقد النية لترك أدائها باللسان، فعقد النية من أفعال القلب لا نصيب للجوارح فيه، وقد انتظم الكاتم للشهادة المأثم من وجهين: أحدهما: عزمه على أن لا يؤديها، والثاني: ترك أدائها باللسان. وقوله: {آثم قلبه} مجاز لا حقيقة، وهو آكد في هذا الموضع من الحقيقة لو قال: (ومن يكتمها فإنه آثم) وأبلغ منه وأدل على الوعيد، وهو من بديع البيان ولطيف الإعراب عن المعاني. أحكام القرآن: 1/729.وربما لاحظنا أن تنوع الحديث القرآني عن الشهادة كان كتنوعه عن الصلاة إن لم يزد، فقد أمر بأدائها، وامتدح من يقومون بها، ونهى عن كتمانها، وقرن من يكتمها بالإثم والظلم، وهذا لا شك يشير إلى خطورة الشهادة؛ لأنها تتعلق بحقوق العباد أما الصلاة فهي حق خالص لله.قال الجصاص: ولو جاز لكل أحد أن يمتنع من تحملها لبطلت الوثائق وضاعت الحقوق وكان فيه سقوط ما أمر الله تعالى به وندب إليه من التوثق بالكتاب والإشهاد؛ فدل ذلك على لزوم فرض إثبات الشهادة في الجملة. أحكام القرآن: 1/710.فلم يعد هناك شك في فرضيتها بعد هذا الحديث القرآني، وكلام العلماء، فضلا عما ورد في السنة المطهرة من أمر بأدائها ونهي عن كتمانها مما لا مساحة له هنا، وبالتالي فليس للناخب عذر في ترك التصويت مهما كانت توقعات التزوير؛ حيث يعد أداؤه للتصويت إقامة للشهادة، ويترتب على التردد عنه أو كتمانه أن يقع الإنسان في الظلم والإثم، وبعد ذلك تضيع حقوق العباد ويقع عليهم الظلم والعسف، والله أعلم.
wasfy75@gawab.com

تعليقات على الموضوع
التزوير أكل الأخضر واليابس
مصطفى عاشور
11/20/2005 10:48:00 AM
التزوير قتل الايجابية في نفوس المصريين، والغريب أن البعض من كبار المشرفين على الانتخابات هم الذين يقومون بذلك، والمفترض في هؤلاء النزاهةفحسبنا الله ونعم الوكيل، وما حدث في الدقي وكرداسة خير دليل على ذلك

ليست هناك تعليقات: