الاثنين، 14 يوليو، 2008

هل عرفت حضارة الإسلام الفصل بين الدين والعلم


هل عرفت حضارة الإسلام الفصل بين الدين والعلم

وقفت الكنيسة في بلاد الغرب في العصور الوسطى موقفاً عدائياً من أي رأي يخالفها مما يتوصل له العلماء حتى لو كان صحيحاً، وواكب ذلك ظهور ما أطلقوا عليه >رجال الدين< الذين كانوا >مفوَّضين< ـ بزعمهم ـ من العناية الإلهية ليشرعوا للناس الشرائع والقوانين·
وكانت أهم نتيجة لفرض هذه الوصاية الدينية والإنسانية أن حدث هذا الفصام النكد بين الدين والعلم، وأصبح هناك عداء سافر بين العلماء و>رجال الدين< الذين يمثلون الكلمة الإلهية على الأرض، وتباعدت المسافة بين العلم والدين، الذي كان من آثار الحكم بالإعدام على كثير من العلماء الرائدين على رأسهم >جاليليو<·
وقد تم تصدير أو استيراد هذا الفصام النكد من بلاد الغرب إلى بلاد الإسلام عن طريق العلمانيين واللادينيين نتيجة انطلاق بعضهم وراء فلاسفة الغرب دون وعي، الأمر الذي يعد منزلقاً خطيراً، بل هو أخطر المنزلقات، وكارثة فكرية بكل المقاييس·
ذلك أنهم يرددون ما يقوله الغربيون ويستعيرون منهجيتهم في التغيير حذو النعل بالنعل دون مراعاة للفوارق بين حضارتنا وحضارتهم، وأوضاعنا المختلفة وأوضاعهم، لنطبقها على القرآن الكريم، وعقائد الإسلام وشرائعه وقيمه·
ومن الجدير بالذكر أن التأويل الغربي الذي اقتبسه العلمانيون العرب قد فرغ الدين من محتواه، وأخرج النصوص الدينية من الحقيقة إلى المجاز، وسعى إلى >أنسنة الدين< أو صبه في قالب إنساني بعيداً عن الألوهية والقداسة، فهو شبيه بتأويل الباطنية الذين يرون لكل حقيقة مجازاً، ولكل ظاهر باطناً، ولكل تنزيل تأويلاً·
الدين عندنا علم والعلم عندنا دين
ولأن الإسلام: دين ودنيا، وعقيدته هي: رؤية >فلسفية ـ عقلية< للكون بكل عوالمه، ولأن شريعته هي: منهاج شامل وحاكم وضابط لكل ميادين الاجتماع، فلقد ارتبطت في العلم الإسلامي وفكر المفكرين وثقافة المثقفين ودعوة الدعاة الإسلاميين علوم الدنيا بعلوم الدين، دونما ازدواجية أو تناقض أو انفصام·
فالدين عندنا ـ نحن المسلمين ـ علم، والعلم عندنا دين، بمعنى أننا نتقرب بالعلم إلى الله، لأننا مأمورون بالتعلم وريادة الدنيا في العلم، فالعلم من هذه الناحية دين، ونفهم الدين بالعلم، فإن أكبر قضيتين في الإسلام أثبتتا بالعقل وهما الألوهية والنبوة، فالدين من هذه الناحية علم·
ونظرة سريعة إلى كلام الله وكلام رسوله ثم نظرة إلى التاريخ العلمي والحضاري لأمة الإسلام وأعلامها المبرَّزين يتبين لنا أن الإسلام بريء من هذا كله، وإنما ظلمته العقول المعتلة، والأفكار المختلة التي تنقل ما بالغرب لتطبقه ـ دون وعي أو فهم ـ على الشرق، أو تنزِّل الثقافة والفكر على بيئة وثقافة لا تقبل هذا الفكر ولا تنطبق أو تتواءم وهذه الثقافة، ولا تتشربها تربتها حتى تتشرب الأرض الدم المسفوح·
القرآن والعلم
لقد جاء أول وحي السماء الذي نزل به الروح الأمين على قلب الصادق الأمين، خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم أول ما جاء بفريضة القراءة، للعلم والتدبر والتفكير، فإذا هي تؤكد على فريضة القراءة لآيات الله المسطورة بالأقلام، ولآياته المنظورة والمبثوثة في الأكوان: (اقرأ باسم ربك الذين خلق· خلق الإنسان من علق· اقرأ وربك الأكرم: الذي علَّم بالقلم· علم الإنسان ما لم يعلم) العلق: 1 ـ 5·
بل لقد تقدمت في هذه الآيات البينات المحكمات ـ كما نلاحظ ـ فريضة القراءة لأيات الله الكونية، لأنها هي سبيل العقل إلى الإيمان بالخالق، الذي أنزل آيات الكتاب المسطور، ووهب الإنسان الملكات والعقول، التي يتم بها التدبر والتفكر في كل ألوان الآيات·
وحسبنا أن كلمة >عليم< جاءت في القرآن الكريم 422 مرة، واسم الله >العليم< جاء 581 مرة، وكلمة >العلم< جاءت 573 مرة·
ولا انفصال بين كتاب الله المسطور وكتاب الله المنظور، وفي هذا المعنى يقول الداعية الشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ في كتابه >نظرات في القرآن<: ص13: >التطابق بين حقائق القرآن، ومعارف الكون مفروض ابتداء، فإن مُنزِّل الكتاب هو مُجري السحاب، ويستحيل أن تختلف حقيقة كونية، وحقيقة قرآنية، كما لا يختلف قول العاقل وعمله، والواقع أن القرآن في الدلالة على الله >كون< ناطق، كما أن هذا الكون الضخم >قرآن< صامت، وكلاهما ينبثق من ذات واحدة، ويهدف إلى غاية واحدة<·
ولقد جاء اشتمال القرآن الكريم على جماع سبل الهدي الإلهي للإنسان، ومنها فرائض النظر في الماضي والتاريخ وكيفية بدء الخلق··· وفي التطور والتغير وسننهما··· وفي الواقع المعيش وآياته، وفي المستقبل والمصير، جاء اشتمال القرأن على كل ذلك، هذا على المنهاج التكاملي في الثقافة والفكر والعلوم، حتى لقد جعل القرآن الكريم التقوى والخشية لله ـ وهي قمة الروحانية ـ ثمرة للنظر في علوم الطبيعة والخليقة، والاكتشاف لأسرار المادة، وللتفكر والتدبر في آيات الله الكونية المبثوثة في عوالم المخلوقات··· فاكتشافات العقول هي السبيل لتقوى القلوب وخشيتها لله سبحانه وتعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود· ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور) فاطر:27 ـ 28·
السنة والعلم
وهذا الأمر في السنة يعتبر من معاد القول ومكروره أن نذْكر أحاديث في اهتمام السنة به، وإبراز فضل طلبه، ومكانة العلماء، وبيان الثواب الأعظم المترتب عليه، حتى إن الإمام البخاري عقد في صحيحه باباً كاملاً أسماه >باب العلم< أورد فيه 201 حديث في فضل العلم·
ولقد جاءت عن المصطفى أحاديث عدة في فضل طلب العلم والتنويه بمكانة العلماء منها ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: >من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل له به طريقاً إلى الجنة<·
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: >لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها< متفق عليه· ويقول الرسول: >إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له< رواه مسلم·
وعن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: >من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سهَّلَ الله به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع، وإن العالم يستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر< أخرجه الترمذي ـ كتاب العلم ـ باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة ـ رقم (2682)·
الحضارة الإسلامية ونماذج العلماء
ولقد تجسد هذا المنهج الشامل في الثقافة الإسلامية ـ الذي يجمع بين الدين والعلم ـ منذ البدايات الأولى لتبلور الاجتماع الإسلامي والحضارة الإسلامية، فكان الإيمان القلبي هو المحرك لبناء الدولة، وكان الوحي السماوي هو مصدر الشريعة والفقه والقانون لتلك الدولة، وكانت العلوم الشرعية هي حافز الإبداع للعلوم المدنية، وكانت ثقافة عمران القلوب هي المعجزة لعلوم التمدن المدني، التي يتم بها عمران الواقع المادي المعيش، وكانت علوم أصول الدين وأصول الفقه، بل والتصوف السني الشرعي، ميادين للإبداع العقلي في حضارة الإسلام، وثقافة العلماء والمفكرين والدعاة الإسلاميين·
وتجسيداً لهذه البراءة من الفصام النكد بين علوم الدين وعلوم الدنيا ـ وهو الفصام الذي أصاب ثقافات أمم كثيرة وحضارات شتى ـ رأينا ثقافة حضارتنا الإسلامية ـ في عصور ازدهارها وإبداعها وعطائها ـ برهاناً على هذا التكامل المنهجي والشمول التطبيقي بين مختلف ألوان الثقافة والعلوم، فالثقافة هي كل ما يثمر تهذيب وعمران النفس الإنسانية من مختلف المعارف والعلوم والآداب والفنون والعادات والتقاليد والأعراف، وهي تكون إسلامية عندما يكون التهذيب والعمران فيها وبها محكومين بمعايير قيم الإسلام، التي تمثل ـ مع العقيدة والشريعة ـ جماع دين الإسلام·
ولأن هذه هي الميزة التي تميزت بها الثقافة الإسلامية في تكاملها الشامل والعام، وجدنا منهجها هذا متجسداً في إبداع كل عَلَم من الأعلام الذين مثَّلوا منارات في الإبداع والاجتهاد والتجديد في تاريخنا الحضاري الغني والعريق·
فابن سينا، أبو علي الحسين بن عبدالله (370 ـ 428هـ، 980 ـ 1037م) كان >الشيخ الرئيس< في >الشرعي< و>المدني<··· في >الإلهيات< و>الطبيعيات<··· في >التصوف< و>النبات< و>الحيوان< و>الهيئة<، ومن آثاره العلمية في الطب:
>القانون< وفي الحكمة والإلهيات: >الشفاء< و>المعاد< و>أسرار الحكمة المشرقية< وفي التجريب والطبيعة: >النبات والحيوان و>الهيئة< و>وأسباب الرعد والبرق<··· إلخ، وهو الذي كان إذا فتح الله عليه مغاليق مسائل >أرسطو< (384 ـ 322ق م) في الطبيعة أو ما وراءها، توضأ وصلى، وخرج يوزع الصدقات على الفقراء!·
والبغدادي، أبو منصور عبدالقاهر بن طاهر (429هـ ـ 1037م)، قد اشتهر بإبداعاته العلمية المتميزة في أصول الدين··· وفي الحساب··· وفي الهندسة··· حتى لقد قالوا إنه كان يدرِّس في سبعة عشر فناً! ومن آثاره الإبداعية: >أصول الدين< و>تفسير القرآن الكريم< و>معيار النظر< و>التكملة في الحساب< و>رسالة في الهندسة<··· إلخ·
وابن حزم الأندلسي (384 ـ 456هـ ـ 994 ـ 1064م) هو الذي جمع بين الفقه الظاهري··· والحكمة الفلسفية، ومقارنة الأديان والملل والنحل··· والإبداع في فن الحب والآداب، فكتب في كل فن من هذه الفنون كتابة الفقيه، المتقرب إلى الله، سبحانه وتعالى، بما يكتشف من أسرار هذه العلوم والفنون·
والخيام، أبوالفتح عمر بن إبراهيم (515هـ ـ 1121م) كان اللغوي··· والشاعر··· والفيلسوف··· والمؤرخ··· والرياضي··· والفقيه··· والمهندس··· والفلكي، ولقد بقيت لنا من أثاره الفكرية: >مقالة في الجبر والمقابلة<، و>شرح ما يشكل من مصادرات إقليدس<، و>الاحتيال لمعرفة مقداري الذهب والفضة في جسم مركب منهما<، و>الرباعيات< و>الخلق والتكليف<··· وغيرها من الآثار الشاهدة، بتنوعها وتكاملها، على هذا المذهب الإسلامي في تكامل مصادر المعرفة، وتكامل أدواتها في معارف وثقافة العلماء·
وأبوالوليد ابن رشد الحفيد (520هـ ـ 595هـ ـ 1126 ـ 1198م) هو الذي كان الناس يفزعون إلى فتواه في الطب كما يفزعون إلى فتواه في الفقه··· وفي علوم الأوائل··· والمتأخرين، فهو الطبيب المجرب··· والفقيه الأصولي··· والقاضي المجتهد··· والمتكلم والفيلسوف··· والشارح الأكبر ـ والناقد أيضاً ـ لفلسفة >أرسطو<، حكيم اليونان··· فلم تصل فلسفة أرسطو إلى أوروبا إلا بعد شرح ابن رشد لها، وله في الطب:
>الكليات<··· كما برع في علم الفقه، وألف في ذلك كتابه >بداية المجتهد<، وهو من أنفع الكتب في الفقه المقارن، وفي علم التوحيد والكلام: >مناهج الأدلة في عقائد الملة<، و>فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال<··· وفي فن الجدل >تهافت التهافت<··· إلى غير ذلك من إبداعاته في اللغة والأداب·
والفخر الرازي، أبوعبدالله فخر الدين محمد بن عمر (445 ـ 606هـ ـ 1150 ـ 1210م) كان الإمام في علوم الدين والدنيا جميعاً، حتى لقد قال مؤرخوه: >إنه كان أوحد زمانه في المعقول··· والمنقول··· وعلوم الأوائل<··· وشهرته في علم الطب لم تكن أقل من علم الدين، ومن بين آثاره الكثيرة والجامعة لأقطار المعرفة وتخصصاتها، نجد: >مفاتيح الغيب< في تفسير القرآن الكريم >ومعالم أصول الدين<، و>لوامع البينات في شرح أسماء الله الحسنى والصفات<، و>الخلق والبعث< في التوحيد وأصول الدين، و>محصّل أفكار المتقدمين والمتأخرين<، و>نهاية العقول< و>البيان والبرهان< في الفلسفة، و>المباحث المشرقية<، و>السر المكتوم< في الفلك، و>النبوات< في النبوة والرسالة، و>النفس< ـ في علم النفس··· كما أبدع في الهندسة >كتاب الهندسة< و>كتاب مصادرات إقليدس<··· إلخ·
وكذلك ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية، الذي كان من فقهاء الشافعية كما عده السبكي في >طبقات الشافعية<، ومثلهم الخوارزمي، الذي وضع علم الجبر وهو يعالج مسألة من مسائل الفرائض >علم المواريث<، وكتاب الجبر نفسه الذي أسس فيه لعلم الجبر: نصفه الأول فقه، والنصف الثاني في علم الجبر، انظر نماذج أخرى في مقال بمجلة الرسالة المصرية الفصلية التي يصدرها مركز الإعلام العربي بالقاهرة ـ بعنوان: >تقديم عن ثقافة الدعاة< للدكتور محمد عمارة، العدد: الرابع، رجب 1423هـ ـ سبتمبر 2002م·
هكذا تميز المنهج الإسلامي في طبيعته، وفي تكوين العلماء وإنتاج المفكرين الإسلاميين ـ بتكامل مصادر المعرفة: عالم الغيب وعالم الشهادة، وبتكامل أدوات المعرفة وسبل تحصيلها، وامتزاجها··· العقل، والنقل، والتجربة، والوجدان، وبتكامل الإبداعات المعرفية في ثقافة المفكر الواحد، تكاملاً يرقق القلوب ويوقظ العقول، بل إنه التكامل الذي ترطب فيه المعارف القلبية حسابات العقول، والذي تضبط فيه حسابات العقول خطرات القلوب، ويتعانق فيه الدين مع العلم، ليتكامل عالم الغيب وعالم الشهادة في المنهج الإسلامي أتم ما يكون التكامل·
التصنيف الرئيسيحضارة
بقلم الكاتب: وصفي عاشور أبوزيد ـ باحث في العلوم الشرعية ـ جامعة القاهرة

ليست هناك تعليقات: