الاثنين، 14 يوليو، 2008

فن الاستماع والتفاهم وأثره بين الزوجين

فن الاستماع والتفاهم وأثره بين الزوجين

لا تخلو أي أسرة من مشكلات وسوء تفاهم وقلة استماع من كلا الطرفين للآخر، لسبب أو لآخر، لكن ذلك درجات، منها ما يطاق ويعد طبيعياً وموجوداً في كل الأسر، ومنها ما لا يطاق ولا يعد طبيعياً فيؤدي إلى تفكك الأسرة وانفراط عقدها المنظوم، وهو موجود في أسر دون أخرى·
ولا شك أن خلف كل دخان ناراً، ولكل داء دواء، فإذا تم تشخيص الداء سهل علينا وصف الدواء·
فللتفاهم دوره الكبير في استقرار الحياة الزوجية، وأثره الخطير في تجفيف منابع المشكلات اليومية من جذورها بين الزوجين وإلا استفحلت المشكلة وتضخمت واستعصت على الحل ما يؤدي إلى ما لا يحمد عقباه·
ومطلوب من الزوجين كليهما المصارحة والوضوح، وإفضاء كل منهما بما يختلج في صدره للآخر، وأن يكون كل منهما على درجة عالية من التفاهم والتواضع، وصفحة مفتوحة وواضحة لشريك حياته·
ولا أستطيع أن أحدد هنا على من يقع الجزء الأكبر من المسؤولية في هذا الموضوع؟ الزوج!···· يخرج من بيته ويعود آخر اليوم وذهنه مليء بالمشاغل بعيداً عن بيته، ويدور في عقله أكثر من أمر يرتبط بعمله وعلاقاته المتشابكة التي ليست للمرأة·
والزوجة!··· عندها كذلك ما يكفيها من مهام بيتها، وحقوق زوجها، وما تلاقيه من عنت مع أبنائها، يضاف إلى ذلك طبيعة تكوينها التي تتغلب فيها العاطفة على العقل، وبالتالي يؤثر في نفسها أقل شيء، ومن هنا كانت وصية النبي بحسن معاملتهن في غير موضع·
فالحق أنها قضية تقع في أغلبها على عاتق الزوجين كليهما، أو يُعْنَى كل طرف بها إن كانا يريدان للسفينة أن تسير، وللحياة أن تستقر·
وهو نوع من العشرة بالمعروف، ولو تعلم الزوجة ما يدور بعقل زوجها وهو مقبل من عمله، ومدى ما يعانيه من استفراغ للطاقة، واستهلاك للقوى البدنية لاستقبلته استقبالاً حسناً، ومسحت بيديها على هذا التعب وتلك المشقة، وفتحت له صدرها لتحتضن متاعبه وآلامه، فيستعيد قواه، وينسى ما مرَّ به من تعب، وما بذل من جهد، فيرتد قوياً تتجدد فيه دماء الحياة كأنما نشط من عقال·
ولكن الذي يحدث أنها تعاجله بما حدث من الأبناء، وما حدث من الجارات وربما تعدى الأمر إلى حكاياتها مع الأهل وغير ذلك من آمال المستقبل·
وليس من العشرة بالمعروف أن تكون الزوجة كذلك، ولا من الحكمة أن تسارع إليه بحديث في وقت يحتاج فيه للصمت والهدوء، بل تحسن الاستماع لكل ما يقول، وتبدي اهتماماً بالغاً لكل ما يتحدث به، فإذا أخذ قسطه من الراحة وحظه من الود والحب، ونصيبه من الأنس والقرب، فلا بأس أن تبوح له بما تريد إن رأت في عينيه القبول، حينئذ ستجد صدراً منشرحاً وآذاناً مصغية، ومن الحكمة ألا تتكلم الزوجة حيث يجب الصمت، ولا تصمت حيث يجب الكلام·
ولتكن قدوتها في ذلك أمها وأم المؤمنين خديجة ـ رضي الله عنها وأرضاها ـ التي لم ترَ النبي مهموماً في وقت من الأوقات إلا سرَّت عنه، وأذهبت ما به من قلق، وبعثت فيه القوة والحماس·
روى البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث عائشة أم المؤمنين أنه لما نزل جبريل بمطلع سورة العلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع بها >يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد ـ رضي الله عنها ـ فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، وانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعزى بن عم خديجة، وكان امرأ تنصَّر···< الحديث(1)·
قال الإمام النووي في شرحه للحديث: >وفي هذا دلالة على أن مكارم الأخلاق وخصال الخير سبب السلامة من مصارع السوء، وفيه مدح الإنسان في وجهه في بعض الأحوال لمصلحة، أو فيه تأنيس من حصلت له مخافة من أمر وتبشيره، وذكر أسباب السلامة له، وفيه أعظم دليل وأبلغ حجة على كمال خديجة رضي الله عنها وجزالة رأيها وقوة نفسها وثبات قلبها وعظم فقهها<(2)·
وقال ابن حجر: >وفي هذه القصة من الفوائد استحباب تأنيس من نزل به أمر بذكر تيسيره عليه وتهوينه لديه، وأن من نزل به أمر استحب له أن يُطْلِع عليه من يثق بنصيحته وصحة رأيه<(3)·
والزوجة التي تعلم أن زوجها هو جنتها ونارها كما روى الحاكم عن حصين بن محصن، قال حدثتني عمتي قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الحاجة فقال: >أي هذه! أذات بعل أنت؟ قلت نعم· قال: كيف أنت له؟ قالت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه· قال: فأين أنت منه، فإنما هو جنتك ونارك<(4)·
الزوجة التي تعلم ذلك إذا غضبت من زوجها أو أساء إليها أو عصته قالت: >هذه يدي في يدك لا أكتحل بغمض حتى ترضى<(5)· تسارع إليه إن كان هناك غضب ولا تنتظر أن تبحث عن المخطئ، لأن الأمر أكبر من ذلك، إنه جنتها ونارها·
ومن ناحية الزوج ينبغي أن يقدر ما تعانيه المرأة طوال النهار من عنت في البيت ومع الأبناء، ويتسع صدره لحديثها، ويدرك أنها تنتظره طول اليوم حتى تفضي له بمكنون نفسها، ويحسن الاستماع إليها، ويبدي اهتمامه لما تهتم به، فإذا أدرك الزوج طبيعة النساء علم أن الكلام عندهن شهوة فضلاً عن أن يكون هناك شيء يتصل بالحياة بينه وبينها، وهي مع ذلك غسالة لثيابة، طاهية لطعامه، مربية لولده، مطفئة لشهواته·
وقدوته في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أوصى بالنساء خيراً في مواضع كثيرة، حتى في خطبة الوداع وهي آخر ما ألقاه النبي صلى الله عليه وسلم من نصح لأمته، فكأن الذي يفرِّط في ذلك يكون قد فرَّط في آخر وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم· وقد ضرب لنا المثل حينما جلس إلى السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ وهي يحكي حديث أم زرع الذي يحتوي على حال إحدى عشرة امرأة مع أزواجهن، وقد استوعب الحديث في صحيح مسلم ست صفحات كاملات(6)·
وقال لها في النهاية ـ وكأني به يبتسم ـ >كنت لك كأبي زرع لأم زرع<، قال في النهاية ما يسعد زوجته ويدخل السرور عليها، وهو ما يدل أن الرسول لا يتكلف هذا الخلق إنما هو من سجاياه·
وما أجمل ما قاله شهيد الإسلام سيد قطب وهو يفسر قوله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف): >والإسلام الذي ينظر إلى البيت بوصفه مودة ورحمة وأمناً وسلاماً، ويقيم هذه الآصرة على الاختيار المطلق، كي تقوم على التجاوب والتعاطف والتحاب ـ هو الإسلام ذاته الذي يقول للأزواج: (فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً) كي يستأني بعقدة الزوجية فلا تُفصم للخاطرة الأولى، وكي يستمسك بعقدة الزوجية فلا تنفك للنزوة الأولى، وكي يحفظ لهذه المؤسسة الإنسانية الكبرى جديتها فلا يجعلها عرضة لنزوة العاطفة المتقلبة، وحماقة الميل الطائر هنا وهناك<(7)·
فعندما يتوافر التفاهم بين الزوجين، والاتفاق على طريقة معينة لهذا التفاهم، ويُحسن كلُّ طرف منهما الاستماع للآخر، ويبدي اهتمامه لما يهتم به صاحبه ـ عندها فقط ـ تسير الحياة هادئة هانئة، تغشاها الرحمة وتتنزل عليها السكينة، وتحيط بها المودة ويملؤها الحب والوفاق·
الهوامش
1 ـ رواه البخاري: 1/4، رقم 3، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، ومسلم 1/141، تحت رقم 160، باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واللفظ للبخاري·
2 ـ شرح النووي على مسلم 2/202، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ثانية، 1392هـ·
3 ـ فتح الباري: 1/42، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، ومحب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ·
4 ـ المستدرك على الصحيحين: 2/206، رقم 2769، وقال الحاكم: >هكذا رواه مالك بن أنس وحماد بن زيد والداروردي عن يحيى بن سعيد وهو صحيح ولم يخرجاه·
5 ـ راجع مجمع الزوائد: 4/312·
6 ـ انظر صحيح مسلم 4/1896 ـ 1901·
7 ـ في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب 1/606
التصنيف الرئيسيالبيت المسلم
بقلم الكاتب: وصفي عاشور أبوزيد

ليست هناك تعليقات: