الاثنين، 14 يوليو، 2008

الإخوان وتحديات ما بعد الانتخابات البرلمانية


الإخوان وتحديات ما بعد الانتخابات البرلمانية..وصفي عاشور أبو زيد
وصفي عاشور أبو زيد : بتاريخ 20 - 12 - 2005
انتهى المشهد الانتخابي البرلماني المصري بكل ما حمل من ميزات وعيوب، وفاز من حركة الإخوان المسلمين 88 نائبا أصبحوا يمثلون فزاعة لكثير من الطبقات والنُّخب في المجتمع، وفرض ذلك على جماعة الإخوان المسلمين تحديات خطيرة على مستوى الحركة وعلى مستوى المجتمع، وأضحى على مائدتهم ملفات يجب التعامل معها بشكل مختلف يتناسب مع المرحلة التي تمر بها الحركة، والتي يمر بها المجتمع مما أفرزته نتائج الانتخابات البرلمانية في مصر.ملف الآخر وتداول السلطةيأتي على رأس هذه الملفات ملف خاص بالحركة وهو مدى قدرة تعاطي الجماعة مع الآخر، وقبولها بمبدأ تداول السلطة، وإقرار الحريات والشورى في المجتمع وغير ذلك مما يصب في هذا الملف الأهم والأخطر.والواقع أن الجماعة تحاول أن تبدد مخاوف هذا الملف لدى "الآخر" بأكثر من وسيلة: الأولى: بالإشارة إلى أن الشورى فريضة إسلامية، وأن كل مؤسسات الإخوان من أعلاها إلى أدناها تدار بالشورى، وأن الشورى عندهم ملزمة لا معلمة، والثانية: باستصحاب تجاربها في النقابات والاتحادات الطلابية ومؤسسات المجتمع المدني عموما، والثالثة: بالتصريحات والمقالات والكلام في الندوات بأن الإخوان يقبلون بتداول السلطة، وقبول الأخر ويقدرون حرية الرأي والتعبير.وهناك العديد ـ ومنهم نخبة مثقفة كبيرة ـ يتشككون بل يصل تشكيكهم إلى حد النفي والجزم بأن حركة الإخوان غير قادرة وليس عندها استعداد لأدنى درجة من قبول للآخر، وكل ما يقال من تصريحات وكلام حول إيمان الإخوان بمبدأ تداول السلطة واحترام الآخر والاستماع إليه وغير ذلك، كلها فرقعات في الهواء وبالونات حتى إذا وصل الإخوان للحكم طرحوا كل هذا ومارسوا أبشع دور للفاشية والنازية في التاريخ.ملف الأقباطومن التحديات المهمة أمام الإخوان في المرحلة المقبلة ملف الأقباط ومشكلاتهم في مصر، وهو ما ترفع الجماعة فيه تاريخ الإسلام مع الأقباط ومدى الاحترام والتوافق اللذين عاش بهما وفيهما النصارى في كنف الدولة الإسلامية على مر التاريخ. ويؤكد قادة الحركة دائما في وقتنا الحالي أن الأقباط جزء وفصيل أساسي في المجتمع، ومشارك مهم في تكوين الحضارة الإنسانية وهم شركاء الوطن لهم ما لنا وعليهم ما علينا، والجميع سواء أمام الدستور والقانون، ومن أجل خطورة هذا الملف بدأ الإخوان في تبديد هذا الخوف بعقد الندوات والمؤتمرات في هذا الشأن بل نزل هذا الموضوع أرض الواقع حينما بدأ بعض نواب الإخوان في حوار جاد مع أقباط في دوائرهم، وصرح بعض قادتهم أنهم يعدون وثيقة لتوضيح موقفهم من ملف الأقباط.في الوقت الذي يعبر فيه الكثيرون بل الأغلبية ـ ومنهم أقباط ـ عن بالغ قلقهم تجاه الصعود السياسي للإخوان والذي أبرزته بشكل علني نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، ويقولون إن كلام الإخوان وتصريحاتهم عن الأقباط هو عبارة عن أحاديث للاستهلاك المحلي ـ كما يقولون ـ وفور وصول الإخوان للحكم سيسحقون الأقباط، ويذيقونهم كل أنواع الذل والمهانة ويفرضون عليهم الجزية باعتبار الإخوان فصيلا ثيوقراطيا لا يقبل بالآخر الإسلامي فضلا عن الآخر الديني.ملف الثقافة والفنملف آخر مهم وهو ملف الثقافة والفن بمعنى أن الإخوان لم ولن يقبلوا بثقافة أو فن إلا إذا اتفق مع منهجهم وأفكارهم، وهم لضيقهم بالآخر يصادرون الفكر والرأي والكتب والروايات ولا يسمحون بتداولها، ويحاربون ويصادرون كل فن لا يلتزم أحكام الإسلام كظهور الفنانين متبرجات مثلا، وظهور كل ما يخدش الحياء ويخالف الدين.ويقول الإخوان إنهم يرحبون بكل فن يغرس قيمة، ويرسخ فضيلة، ويعمل على الارتقاء بالفرد والمجتمع، وصرح بعض قادتهم ـ ومنهم المرشد العام ـ بأنهم لا يمانعون في دخول السينما لمشاهدة أعمال فنية لها قيمة، أو في الاستماع إلى الغناء الهادف البناء.مخاوف مفهومة وواجبات محتومةولا شك أن هذه المخاوف مفهومة ومقدورة لابد أن يتفهما الإخوان ويقدروها حق قدرها، لا سيما أن هناك نماذج للحكم متعددة في العالم الإسلامي قامت على الإسلام ولم تنجح، بل جرت على البلاد والعباد بلاء ومخاطر محلية ودولية، يضاف إلى ذلك ما يتردد في أجهزة الإعلام الرسمية من رسم صورة ظلامية وسيئة لطبيعة الإخوان وفكرهم ومنهجهم، وإبراز تاريخهم على أنه تاريخ دموي تصادمي، وكل الجماعات والتيارات الدينية خرجت من عباءتهم حتى ألحقوا بهم أبو مصعب الزرقاوي وابن لادن.وهذا يوجب على حركة الإخوان أعباء جساما ومتضاعفة لتبديد هذه المخاوف لا عن طريق التصريحات والندوات هذه الفترة، ولكن عن طريق الفعل والمشاركة الإيجابية، واختيارات واقعية عملية يلمسها القاصي والداني، لا سيما وقد أصبح لهم 88 مقعدا في أخطر أداة تشريعية ورقابية في الدولة، ما يوجب عليهم أيضا أن يتحولوا من المعارضة الناقدة دائما إلى المعارضة الناقدة المسئولة في آن معا.محاذير في الطريقوأود أن أشير هنا إلى محاذير ومخاوف ربما يقع فيها البعض من أبناء الحركة، وهم في طريقهم لتبديد هذه المخاوف وإثبات عكسها لطمئنة أصحاب كل هذه الملفات المطروحة وغيرها من ملفات.تتمثل هذه المحاذير في الانحراف المحتمل عن النهج الوسطي الذي يتميز به منهج الإسلام الذي يحملونه ويبشرون به في محاولة منهم لإظهار الحركة أنها ليست بهذه الصورة القاتمة، فيظهرون انفتاحا منفلتا عن دائرة الصواب أو دائرة الشرع بعيدا عن المنهج الوسطي يوصف بأنه مُفَرِّط فيبيح في مجال الثقافة والفن ما يعارض ثوابت الإسلام حتى تظهر الحركة بأنها "متطورة" ومتعاطية مع الملفات المحذورة والمخوفة، ومتحررة فكرا وحركة، وكذلك في باقي الملفات.فواجب الحركة الحالي أن تسعى جاهدة لتبديد هذه المخاوف في هذه الملفات وغيرها بشكل عملي، وبكل وسيلة وسبيل ممكنة، لا سيما وقد أصبحت تشكل جزءا لا يستهان به في صناعة القرار وسن التشريعات، منتهجة في ذلك المنهج الوسط والفكر الوسط بعيدا عن غلو التفريط، المقابل لغلو الإفراط.
وجريدة آفاق عربية العدد 743 بتاريخ: 19/01/2006م.

ليست هناك تعليقات: