الأربعاء، 23 يناير، 2008

الدعوة سعادتي وسبب همي وحيرتي ـ استشارة دعوية


محمد - الأردن
الاسم
الدعوة .. سعادتي وسبب همي وحيرتي!!
العنوان
أنا داعية - أحسب نفسي كذلك ولا أزكيها والله حسيبي - منتظم في إحدى الجماعات الإسلامية العاملة، وأشعر بالفخر والأمان بهذا الانتماء، وأسأل الله أن يكتب أجري كاملا.
أنا موظف، ودوامي يمتد حتى الخامسة مساء، وبعد ذلك أذهب إلى بيتي سريعا لآكل لقمة وأرى أبنائي لأخرج بعدها سريعا؛ لأنخرط في عمل دعوي ونشاط تربوي وإداري حتى الحادية عشر ليلا وأحيانا حتى منتصف الليل.
وفي آخر الأسبوع أجدني محاطا بكم من الأعمال الدعوية والإدارية لينتهي الأسبوع ويبدأ الذي يليه مثله تماما. وتمر الأيام وتنصرم وأنا في سعادة تغمرني. وإخواني سعداء بي أيضا، ويوكلون إليّ العديد من المهام واللجان وأنا أقبل حرصا على الدعوة.
المشكلة أني بدأت أشعر بتقصير في نواحٍ عدة، وبدأت أنظر إلى غيري من إخواني الدعاة وغيرهم من الآخرين؛ هم في سعة من الرزق وأنا في ضائقة، ولديهم أوقات يقضونها من أبنائهم ولا أبذل سوى النزر اليسير من وقتي لعائلتي، يتطورون علميا وأكاديميا ووظيفيا وأنا ما زلت كما أنا.
بصراحة تراودني أفكار أن أستقيل من عملي الدعوي أو أتخفف منه لأتفرغ لبعض أعمالي الأخرى التي هي دنيوية في معظمها. أشعر بالألم أحيانا يعتصر قلبي؛ لأن شبابي يذهب ولما أتحصل فيه على ما ينفعني في كبري أو ينفع عائلتي.
أشيروا علي هل أستقيل أم أنا في خير عظيم، أم هي سعادة وقتية وحماس شباب يتكسر على أعتاب الكهولة والهرم؟ أنا في حيرة من أمري؟؟
قد تنصحونني أن أوزع المهام بين إخواني وأتقاسم معهم الأعمال والهموم، وأقول: إنني أعيش في وسط تقل فيه الرواحل، وكل أخ من إخواني قد تحمل ما يطيقه، كثيرا كان أو قليلا.
وأمر آخر يؤرقني وهو أنني أفكر كثيرا في أموري الدعوية والتربوية والإدارية مما يجافي عني النوم في كثير من الأحيان بل وعلى حساب عملي الوظيفي. أنا في حيرة من أمري؛ أحب دعوتي وفيها سعادتي وهي مصدر همي وأرقي.
السؤال
زاد المسير, جمهور الدعوة
الموضوع
الأستاذ وصفي عاشور أبو زيد
المستشار
الحل
الأخ الكريم محمد الحامد، حفظك الله ورعاك؛ فقد ذكرني اسمك بعالم سوريا الجليل الشيخ محمد الحامد رحمه الله رحمة واسعة، وأسأل الله أن يتقبل منك جهادك ويثيبك عليه الأجر الجزيل.
وبعدُ فقد أوقعتني معك في حيرة بالفعل؛ لأن معظم من يمارسون العمل الدعوي مثلك يعانون مما تعاني منه وربما أكثر، لكنْ قليل من التروي والتفكير الموضوعي والمتوازن ربما أوصلنا معك إلى حل هذه المعضلة التي أصبحت المعادلة الصعبة عند دعاة هذا العصر.
وأسوق إليك رأيي في نقاط محددة:
أولا: تركك للدعوة ليس حلا (وهل يستقيل الداعية؟)؛ بل ستتكالب عليك الدنيا، وتملأ عليك وقتك، ولن تستطيع النوم أيضا من التفكير فيها والاهتمام بها، فضلا عن أن الدعوة قد تحولت فرضا عينيا عليك بعد أن سلكت سبيلها، وتمرست عليها، فأصبحت ماهرا فيها، والفرض الكفائي إذا سلكه المسلم انقلب عليه فرضا عينيا.
ثانيا: انهماكك في الدعوة بهذا الشكل ستؤجر عليه إن شاء الله، لكن تقصيرك في واجبات أخرى له آثار خطيرة عليك وعلى أهلك وولدك، وربما وقعت في دائرة التلبس بالإثم، ولا أبالغ إن قلت: إن له أثرا سيئا على العمل الدعوي نفسه؛ فالله تعالى يقول: (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا).
وقد علمنا النبي عليه السلام أن لكل شيء حقا، وواجب علينا أن نعطي كل ذي حق حقه، وقصة أبي الدرداء وسلمان لا تخفى عليك، عندما غير سلمان حال أبي الدرداء وقال له: "إن لكل شيء حقا، فأعط كل ذي حق حقه"، وأقره النبي على ذلك فقال: "صدق سلمان".
أليس لأهلك عليك حق؟! أليس لولدك عليك حق؟! بل إن لنفسك عليك حقا؛ فلا بد من الموازنة بين كل هذه الحقوق وعدم جور حق على آخر، وإلا اختلت الحياة من حولك، واختلت نفسيتك، وشعرت بالحيرة والقلق والاضطراب.
ثالثا: إذا كنا في زمن قلت فيه الرواحل - في الدعوة وغيرها - وكل فرد من إخوانك تحمل ما تسعه طاقته، فلماذا تحمل نفسك أنت فوق طاقتك؟ مع أن الله تعالى لم يفعل معنا ذلك، وهو الرحيم بنا الأعلم بطاقاتنا وقدراتنا، عليك أن تتحمل ما تطيق وتعمل ما تحسن، وتترك ما لا تطيق وما لا تحسن، والله تعالى لن يؤاخذنا - قطعا - إلا بما نتحمله، ولن يحاسبنا إلا بقدر طاقتنا وقدرتنا على عمل ما لم نقم فيه بالواجب، ولم نسلك فيه كل سبيل ممكنة، أما ما لا يدخل تحت طاقة الإنسان فهو غير مسئول عنه، فكما لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فلن يحاسبها على ما لا يدخل تحت الوسع والطاقة.
رابعا: لا تنظر لغيرك ممن وسع الله عليهم؛ فهذا رزق مكتوب ومحسوم، ولا مراء أو جدال فيه، وقد نهى الله عن النظر إلى غيرك في مثل هذه الأمور: (وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) [سورة طه: 133].
ومهما بذلت من محاولات زائدة للسعي فلن تحصل على أكثر مما كتبه الله لك؛ فعن أبي أمامة عن النبي عليه السلام قال: "إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها؛ فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله؛ فإن الله تعالى لا يُنال ما عنده إلا بطاعته" [أورده السيوطي في الجامع، وصححه الألباني]. وليس هذا ضد السعي؛ فنحن مأمورون به، لكن لا يكون كل هَمِّ المسلم.
خامسا: هل الغنى بكثرة المال، وزيادة المرتبات، وكثرة الأعمال وغير ذلك، أم أنه في القناعة وغنى النفس والرضا بما قسم الله؟! فقد أخرج السيوطي عن زيد بن ثابت، وصححه الألباني، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كانت همه الآخرة جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا راغمة، ومن كانت همه الدنيا فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له"‌.
‌سادسا: اعلم أخي محمد -علمني الله وإياك- أن الله حكيم في رزقه وفي خلقه؛ فهو يهيئ المسلم ويهيئ حياته وظروفه المعيشية على قدر رزقه، وقد وجهنا النبي عليه السلام إلى السلوك التربوي الذي يريح المسلم حين قال: "انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم" [رواه مسلم عن أبي هريرة].
سابعا: ليس معنى هذا أن تتكاسل عن رسالتك أو تترك شيئا مما تقوم به، بل هي دعوة للتوازن والاعتدال في كل الأمور، لا سيما ونحن أمة الوسط، وعليك أن تعرض أمرك على إخوانك الدعاة لتتآزروا وتتعاونوا في هذا الشأن، ولا تترك من عملك الدعوي إلا بقدر ما تقيم به شأنك وشأن أولادك وأهلك حتى لا تأثم بالتقصير في واجب من الواجبات، وإلى مزيد من العمل والنشاط، لمزيد من الأجر والثواب إن شاء الله.
ثامنا: احرص على تنظيم وقتك، والموازنة بين دعوتك وعملك؛ فكثير من الدعاة في عصرنا الذين أصبحوا رموزا يشار إليهم بالبنان نجحوا في دعوتهم وعملهم معا ولم يطغ أحدهما على الآخر. والبعض منهم يكتفي من العمل الدنيوي بالقليل، والله يبارك لهم في هذا القليل.
وهناك داعية في مصر كان ينفق كل وقته للدعوة، وكان هو وأسرته أيام الشتاء يجلسون جميعا في غرفة واحدة والأمطار تتساقط عليهم من سقف الغرفة المبنية من الطين، وحينما أراد الزواج أعطاه أحد إخوانه ذهب زوجته ليعطيه لزوجته ليلة زفافه، ودخل وليس في بيته سوى غرفة نوم اشتراها بـ 500 جنيه (سنة 1992م)، وواصل طريقه.. وبعد سنوات من الصبر والمجاهدة وسع الله عليه رزقه، وأموره الآن تحسنت، وما زال يواصل جهاده حتى الآن.
تاسعا: إذا كان عليك أن تراعي كل هذا فإن على إخوانك في الحركة معك واجبا لا بد من مراعاته، وهو أن يراعوا ظروفك، ويعينوك على الموازنة بين واجباتك وعدم التقصير في شيء منها، وهو ما لم يفعلوه حينما قلت: "وإخواني سعداء بي أيضا، ويوكلون إليَّ العديد من المهام واللجان، وأنا أقبل حرصا على دعوة". وهذا من أكبر ما يعانيه الدعاة في هذا العصر بل في كل عصر.
فإذا كان الداعية كريما مع إخوانه الدعاة، وحريصا على الدعوة والدعاة؛ فيجب عليهم أن يقوموا بواجبهم وهو النظر إلى ظروفه ومراعاة أحواله، ومساعدته على النجاح في كل ميدان، وهذه ميزة العمل الجماعي.
أخيرا أخي محمد، ما حدث معك من قلق وهمٍّ وحيرة واضطراب طبيعي جدا، وهو نتيجة حتمية لإهمالك في بعض الواجبات وتضييعك لبعض الحقوق، وهو ما أحدث خللا في حياتك وفي نفسك.
ولا تستبعد أن تجد انزعاجا وعدم استقرار في بيتك من زوجتك التي ضيعت حقوقها، وأولادك الذين لا يرونك، وهم ثمرة فؤادك الذين سوف يدعون لك بعد رحيلك وانقطاع عملك (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا) [النساء: 9].
أسأل الله أن ينفع بك، وأن يكتب لك التوفيق والسداد.
اقرأ أيضًا:
-
دوامة الواجبات .. كيف أخرج منها؟
- عندما يتعارض الحركي مع المهني
- تزاحمت عليَّ الواجبات .. أوقاتنا المسروقة
- واجبات الفرد نحو الجماعة.. وواجبات الجماعة نحو الفرد

ليست هناك تعليقات: