الثلاثاء، 22 يونيو، 2010

العلماء الصادقون والدعاة الربانيون



العلماء الصادقون والدعاة الربانيون

[24/05/2010][17:55 مكة المكرمة]



بقلم: وصفي عاشور أبو زيد


يختلف الإسلام عن الديانات الأخرى في النظر إلى طبيعة وجود العلماء، فالرسالات الأخرى كانت رسالاتٍ محدودةً بأزمنة محددة وأمكنة معينة وأقوام وأجيال بأعيانهم، ثم إذا انحسم الأمر وآمن بالرسول من آمن وكفر به مَن كفر؛ يقضي الله تعالى بالنجاة للمؤمنين وبالهلاك على الكافرين، ثم ينتهي المشهد الرسالي لينكشف الستار على رسالة أخرى ورسول جديد وقوم آخرين.


ولما جاءت رسالة الإسلام جعلت للعلماء مكانًا أيَّ مكان، ومنزلةً أية منزلة؛ ذلك أن هذه هي الرسالة الخاتمة والخالدة، فالعلماء فيها ورثة النبوة؛ يقومون بدورها في إبلاغ الدعوة وإقامة الحجة وإزالة الشبهة، فلا يزال نور النبوة موجودًا وممدودًا في أمة الإسلام ما وُجد فيها العلماء المخلصون، والدعاة الصادقون الربانيون.


ومن هنا كانت الآيات التي تتحدث عنهم وعن مكانتهم وفضلهم وثوابهم كثيرة، ومن ذلك:
قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: من الآية 9)، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: من الآية 28)، ويقول جل وعلا: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: من الآية 59)، وأولو الأمر- كما يقول أهل العلم- هم العلماء، وقال بعض المفسِّرين: أولو الأمر الأمراء والعلماء (1)، ويقول الله جل وعلا: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (المجادلة: من الآية 11)، وقوله عز وجل: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: من الآية 114)، وهل استزاد النبي من شيء غير العلم؟!



وأدخل الله تعالى مَن يكتمون العلم في دائرة الملعونين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)﴾ (البقرة).


وفي السنة النبوية وبعض الآثار وجدنا هذا وأكثر:

فعن مالك: أنه بلغه أن لقمان الحكيم أوصى ابنه فقال: "يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك؛ فإن الله يُحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الله الأرض الميتة بوابل السماء" (2)، وروي أنه: "يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء" (3)، قال المناوي: "(مداد العلماء) أي الحبر الذي يكتبون به في الإفتاء ونحوه كالتأليف (ودم الشهداء) أي المهراق في سبيل الله (فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء)، ومعلومٌ أن أعلى ما للشهيد دمه، وأدنى ما للعالم مداده، فإذا لم يفِ دم الشهداء بمداد العلماء كان غير الدم من سائر فنون الجهاد كلا شيءٍ بالنسبة لما فوق المداد من فنون العلم، وهذا مما احتجَّ به من فضَّل العالم على الشهيد" (4).


وقد عبَّر بعضهم عن ذلك فقال:

يا طالبي علم النبي محمد ما أنتمُ وسواكمُ بسواء

فمِدادُ ما تجري به أقلامُكم أزكى وأرجحُ من دم الشهداء

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "... ومَن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة..." (5).


وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالمًا، اتخذ الناس رءوسًا جُهالاً، فسُئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضلوا" (6).


وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن سُئل عن علمٍ علمه ثم كتمه أُلْجِمَ يوم القيامة بلجامٍ من نار" (7).


فكل هذه نصوص تُبيِّن قيمة العلم، ومنزلة العلماء، والأمر بتبيينه، والنهي عن كتمانه، وفضل طلبه، وأن موت العالم مصيبة يقبض بها العلم، وهذا كله يدل على تميز منزلة العلماء في الإسلام؛ لما يقومون به من تبليغ ميراث النبوة، ويحملونه من دعوة الإسلام.


ولا تزال جماهير الأمة المسلمة ترجع إلى العلماء في جميع الظروف، فتترقَّب كلمتهم في حال السلم والحرب، حال الغنى والفقر، حال القوة والضعف، حال الحرية والاستبداد، ولا تزال الشعوب تلتف حول علمائها، ولا يزال للعلماء مكانة وهيبة وكلمة ومرجعية وقيمة كبيرة في قلوب الأمة، وكل أزمة تمر بها الأمة تُقوِّي هذه المعاني وتؤكدها.


وحينما نَصِفُ العلماء بـ"الصادقين"، والدعاة بـ"الربانيين" إنما نعني العلماء الرساليين والدعاة المخلصين أصحاب التجرد والإخلاص، والقوة في الحق، والجرأة في الصدع به دون خشيةً من ترهيبٍ هنا أو رجاء في ترغيبٍ هناك، الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ (الأحزاب: 39).



إذ إن هؤلاء هم الذين تلتف حولهم الأمم والشعوب، وتثق في كلمتهم الجماهير، ويخشاهم الحكام الظالمون، ويؤثرون في الأمة التي تنتظر كلمتهم وتترقَّب رأيهم فيما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم.


ثمرات الرجوع إليهم



ووجود هذه النوعية من العلماء والدعاة في الأمة، ورجوع الناس إليهم، له آثار كبيرة وثمرات عظيمة، من ذلك:



1- تقديم وتوضيح الدين كما أراد الله وأراد رسوله صلى الله عليه وسلم دون إفراطٍ أو تفريط.

2- الكشف عن حكم الله الحق دون خوفٍ من ترهيب، أو رجاء في ترغيب.

3- رسم الطريق الصحيحة المتوازنة لكي تسير فيها الأمة.

4- تبصير الأمة بحكم الله- اجتهادًا- في الوقائع الجديدة والملمات المستحدثة.

5- الوقاية من تيارات الإفراط والغلو بإظهار مخاطر الغلو وآثاره المدمرة، وبيان اعتدال الإسلام وتوازنه.

6- القضاء على تيارات التفريط والانحلال ببيان سماحة الدين ورحمته واستيعابه لكل مظاهر الحياة.

7- وجودهم في الأمة يعتبر صمام أمان وضمانةً للأمن والسلام والاستقرار الفكري والأمن الوطني.


وإذا كان الأمر كذلك وجب علينا أن نهتمَّ بتكوين علماء ودعاة من هذه النوعية؛ لأن واقعنا اليوم أصبح فقيرًا إلى علماء من هذا النوع، وقد بدأت مشروعات في بعض الدول العربية تهتم بتكوين علماء ربانيين ودعاة صادقين.

----------------

* الحواشي:

(1) راجع مثلاً: تفسير الطبري: 8/492-493. تحقيق أحمد محمد شاكر- مؤسسة الرسالة. الطبعة الأولى 1420هـ - 2000م.



(2) الموطأ: (1821).

(3) قال العجلوني: "رواه الشيرازي عن أنس، ورواه الموهبي عن عمران بن الحصين، وأخرجه ابن عبد البر عن أبي الدرداء وابن الجوزي في العلل عن النعمان بن بشير، قال المناوي: وأسانيده ضعيفة لكن يقوي بعضها بعضًا"- كشف الخفاء: 2/400. دار إحياء التراث العربي.



(4) فيض القدير: 6/603. دار الكتب العلمية بيروت- لبنان الطبعة الأولى 1415 هـ- 1994م.



(5) جزء من حديث في صحيح مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار- باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، وعلى الذكر.



(6) صحيح البخاري: كتاب العلم. باب: كيف يقبض العلم.



(7) سنن الترمذي: أبواب العلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. باب ما جاء في كتمان العلم، قال الترمذي: وفي الباب عن جابر وعبد الله بن عمرو- حديث أبي هريرة حديث حسن.

--------------

* الباحث الشرعي بالمركز العالمي للوسطية- الكويت.

http://www.ikhwanonline.com/Article.asp?ArtID=65362&SecID=363

ليست هناك تعليقات: