الثلاثاء، 22 يونيو، 2010

نحو خطاب متوازن في قضايا المرأة



نحو خطاب متوازن في قضايا المرأة[11/05/2010][10:32 مكة المكرمة]




بقلم: وصفي عاشور أبو زيد






الخطاب الإسلامي المعاصر في قضايا المرأة غير مُطَمْئِنٍ إلى حد كبير، ويحتاج إلى نوع من التحليل والتعميق والتوازن، وإلى استصحاب التأصيل الشرعي دائمًا الذي يكاد يغيب عن سماء هذا الخطاب جريًا وراء الحرية المطلقة للمرأة ومساواتها مساواة كاملة بالرجل رغم الاختلاف الذي لا ينكره عاقل في الطبيعة والتكوين، في محاولة لإظهار الإسلام بأنه دين "متطور" و"مستوعب" و"مستنير"!!. ومن ناحية أخرى سعيًا لقهر المرأة وحبسها فلا تخرج إلا من بيت أبيها إلى بيت الزوجية ثم من بيت زوجها إلى القبر، وبين هذا وذاك فصوتها عورة، وهي كلها عورة..!



في حين أن الإسلام يحمل في طياته خطابًا متميزًا ومعتدلاً دون جري وراء خطابات أخرى، غريبةٍ على أصولنا ومقرراتنا العامة بما تمتع به من عوامل للسعة والمرونة وقواعد وضوابط تضمن له السلامة والعافية، وتكفل له أن يسحب بساطه على كل مستجدات الحياة المعاصرة.



ومن أهم القضايا التي تطرح في خطاب قضايا المرأة قضية مشاركتها في العمل العام، وما من شك في أن من أهم الأدوار الداعمة للمرأة في ذلك: الاهتمام بالخطاب الشرعي المعتدل والمتوازن؛ لأن الخطاب المعاصر وقع في استقطاب حاد بين الإفراط والتفريط، فغادر سبل التوازن، وخالف قول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9)﴾ (الرحمن).



خطاب الإفراط

فخطاب الإفراط يرى أن المرأة لا تخرج من بيتها إلا لبيت زوجها، ثم إلى القبر، وما بين هذا وذاك لا يجوز لها الخروج؛ لأنه شرٌّ لها وفتنة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وانتشر الفساد، وشاعت الفاحشة، وتوسع وجود المنكرات في المجتمع.



يقول الشيخ محمد الغزالي في ذلك متحسرًا: "المرأة عندنا ليس لها دور ثقافي ولا سياسي، لا دخل لها في التربية ولا نظم المجتمع، لا مكان لها في صحون المساجد، ولا ميادين الجهاد؛ ذكرُ اسمِها عيبٌ، ورؤية وجهها حرام، وصوتها عورة، ووظيفتها الأولى والأخيرة إعداد الطعام والفراش"(1).



وقد زكَّى هذا الاتجاه أمران:

الأول: الفهم السقيم لبعض النصوص الشرعية الصحيحة، مثل قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (الأحزاب: من الآية 33)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: من الآية 53). وقالوا: إن هذا الخطاب يشمل أمهات المؤمنين ويشمل المؤمنات أيضًا؛ لأنه إذا كانت أمهات المؤمنين مطالبات بالقرار في البيوت وعدم خروجهن، فأولى بذلك عامة المؤمنات.


وصفي عاشور أبو زيد





ونصوص نبوية أخرى، مثل: "رأيت النساء أكثر أهل النار"، و"خلقت المرأة من ضلع أعوج"، و"ناقصات عقل ودين"، وغيرها ذلك من نصوص.



ونسوا أو تناسوا كل النصوص الشرعية من قرآن وسنة تفضح هذا الفكر، وتبين كيف خالطت المرأة الرجل في كل ميادين الحياة حتى في زمن النبوة، ملتزمة في كل ذلك بالضوابط الشرعية والآداب المرعية.



والأمر الثاني: رواج أحاديث موضوعة وضعيفة وباطلة بشأن المرأة، والتي تلقفها هؤلاء دون تمحيص أو تدقيق، مثل: شاوروهن وخالفوهن، خالفوا النساء فإن في خلافهن بركة، وأعدى عدوك زوجتك التي تضاجعك، وثلاثة إن أكرمتهم أهانوك: أولهم المرأة، وضاع العلم بين أفخاذ النساء، وعقولهن في فروجهن، يعني النساء، ولولا النساء لعبد الله حقًّا حقًّا، وطاعة المرأة ندامة، وأجيعوا النساء جوعًا غير مضر وأعروهن عريًا غير مبرح، وأعروا النساء يلزمن الحجال، واستعينوا على النساء بالعري، وغير ذلك من أحاديث مشتهرة أوردها الشوكاني والعجلوني وغيرهما.



وكان من شأن هذه النصوص أن رسَّختْ ثقافةً تُعارض الشرع من كل الوجوه في النظرة إلى المرأة: إنسانًا مكلفًا مشرفًا مكرمًا مخاطبًا تمامًا مثل الرجل، بل عززت النظرة المهينة للمرأة، وأنها لا تصلح لشيء سوى الفراش والطهي، بل ربما لا تصلح إلا للفراش، يقضي الزوج معها وطره فحسب.



خطاب التفريط

وهو خطاب يرى أن المرأة لا سعادة لها ولن تتقدم أو تصبح متحضرةً إلا إذا أطلق لها العنان دون ضابط، وانفتحت على الحياة والأحياء دون رابط، وتابعت المرأة الغربية شبرًا بشبر وذراعًا بذراع.



فالمرأة عندهم وجه جميل، وجسد مثير، يستخدمها تجار الأنوثة ومستثمروها في مؤسسات إعلانية وإعلامية، وتجارات ومنظمات هائلة تنطلق تجاراتها وفلسفتها وتدور حول جسد المرأة، بحيث تختلط فيها الجريمة المنظمة بالدعارة المدروسة، لتنتشر في أنحاء "العالم المتقدم"، وتدر أرباحًا بالملايين.



والمرأة عندهم يجب أن تكون مشاعًا لا يتحكم فيها رجل، أو يتسلط عليه أحد، ولا تخضع لقهر التعدد، بل الشيوعية الجنسية أكثر تقدمًا ورقيًّا وتحضرًا من أن تكون مقصورة على رجل واحد.



ويرون أن الإسلام كان تاريخًا انتهى زمنه، ولا يسع المرأة المثقفة المعاصرة أن تتبع ثقافةً تجاوزتْها مسيرةُ البشرية بقرون، ومن ثم فتمسك الفتاة بشرفها وعذريتها وحجابها يعدُّ عندهم ضربًا من ضروب التخلف والرجعية إلى الماضي.



وجسد المرأة هو حق لها وملك مطلق، لها تتصرف فيه كيف تشاء، تمكِّن منه من أرادت، وتمنحه لمن تشاء، وتعيش وتسلك مسالك الرجال دون شرط ولا قيد من خلق أو دين(2).



والمرأة عندهم كذلك يجب أن تتساوى مساواة مطلقة بالرجال في الوظائف والأعمال وكل شيء حتى لو كانت المرأة مختلفة عن الرجل في النوع والطبيعة والتكوين.



وقد زكى هذا الخطاب أمران أيضًا:

الأول: التشدد في الخطاب الإسلامي الذي أنتج بدوره تشددًا مقابلاً، فلكل فعل رد فعل- كما يقولون- مساوٍ له في المقدار، ومضادٌّ له في الاتجاه، ومن هنا كان هذا الاستقطاب الحاد بين تيار الإفراط المقابل لتيار التفريط.



والثاني: الخطاب الغربي المنفلت والحركة النسائية المنطلقة دون حدود، والتي كان لها سماسرتها وعملاؤها في الشرق، فبهروا بهذا الخطاب الناس، ووجد كثير من النساء فرصة سانحة للتنفيس عن الكبت والقهر الذي مورس عليها من التيار الآخر، ومن هنا انتشر هذا الخطاب واتسعت رقعته، ووجد أنصارًا وأعوانًا وحواريين.



خطاب الاعتدال

وبين هذا الخطاب وذاك يقف الإسلام الموقف الوسط، ويرى الرأي الراشد المعتدل المتوازن الذي يوازن بين كل الأمور دون طغيان ولا إخسار، ملتزمًا بضوابط الشرع، ومراعيًا لمتطلبات العصر، يقول الشيخ محمد الغزالي: "بين الإفراط والتفريط خط وسط نريد التعرف عليه والتزامه، وهو خط لا يتطابق مع وضع المرأة الإسلامية في أغلب المجتمعات، وكذلك لا يتطابق مع تقاليد الفرنجة التي تستمد من وثنية الرومان، ومن فلسفة الإغريق"(3).



هذا الخطاب المعتدل الذي نريده يبيح للمرأة- بل يوجب عليها أحيانًا- أن تخرج من بيتها لكن تلتزم بالضوابط الشرعية لخروج المرأة ومشاركتها من التزام باللباس الشرعي، وحدود الحديث مع غيرها وضوابطه، وفي ضوابط المشي، وغض البصر، وإذن الزوج، وأولوية مصلحة الأسرة، وغير ذلك من ضوابط شرعية وآداب مرعية.



يحافظ على شخصية المرأة؛ فيجعل لها ذمة مستقلة، ويضمن لها الحق في التصرف دون وصاية أو ولاية، ويحفظ فطرتها وهويتها وأنوثتها ولا يحرمها في الوقت نفسه من المتع الحلال والزينة الحلال بل يأمرها باستخدام الزينة لزوجها، ويحضها على إسعاده وتفريغ قلبه لعمارة الأرض وخدمة الناس ودعوة الله دون أن تكون في تفكيرها أو عقلها مستقطَبة لزوجها، أو تابعة كل التبعية له في الرأي والفكر والعقل، بل يتعاونا ويتشاورا في كل شأن من شئون الدين والدنيا.



يفقهها هذا الخطاب في دينها، ويعلمها شئون الحياة، وكيف تكون مؤثرة ونافعة ومصلحة عبر فقه النصوص الصحيحة والتاريخ النبوي والراشدي الناصع والناصح دون أن تقع فريسة لنصوص تهين المرأة، وتحط من كرامتها، وتطعن في أهليتها.



لا يجعلها حبيسة عادت اجتماعية وعرفية سائدة تمنع المرأة من مشاركة الرجل في أي ميدان من ميادين الدين والدنيا، وتحظر عليها الخروج من بيتها، وتنظر إليها على أنها شر وعورة وجالبة للفساد، ولا يجعلها منطلقة منفلتة تجري وراء النموذج الغربي وتتبعه شبرًا بشبر حتى لو دخلن جحر ضب خرب لدخلته وراءهم، بل تتبع الشرع الحنيف، والنص الصحيح، والقول الصريح دون أن تكون رهن تقاليد وافدة أو راكدة.



لا يأمرها أن تطالب بالمساواة المطلقة مع الرجال؛ نظرًا للاختلاف الظاهر الذي لا ينكره عاقل في طبيعتها وتكوينها، بل تمارس دورها الذي خلقها الله له، وتزاول الأعمال التي تليق بها وتحافظ على فطرتها وأنوثتها وطبيعتها، فيكون التوازن والتكامل في الأدوار بعيدًا عن الندِّية ومناطحة الرجال.



ونريد أن يكون هذا الخطاب بعيدًا عن التأثر بالتجارب الشخصية للرجال والنساء على السواء، فلا يعقل أن تكون لرجل مع امرأة تجربة زواجية فاشلة تنتهي بالطلاق فيحكم على النساء عامة من خلال تجربته أن المرأة مخلوق نكد وضيق الأفق لا يفكر إلا بعاطفته، مخلوق متمرد بتعامل بندِّية، بذيء اللسان عالي الصوت سيئ الخلق والدين، كما لا يعقل أن تمر امرأة بنفس التجربة مع رجل سيئ فتعيش بعد ذلك في دور المظلومة والمضطهدة، وتمارس أبشع أنواع التمييز ضد الرجال، وأنهم مخلوقات ذكورية لا يرون إلا أنفسهم، ولا يشعرون إلا بذواتهم، لا يؤمنون بالمرأة، ولا يرونها شيئًا، ومن ثم فهي مخلوق لا يستحق الحوار، ولا يفهم الأمور، ولا يقدر الحياة والأحياء، فالرجال كلهم شر لا يراعون فيهن شرع الله، وتجري المرأة وراء كل فكر يتعارض مع مقررات الإسلام قرآنًا وسنةً، وتنتزعه من التراث لتجعله رؤية الإسلام للمرأة، أو آراء العلماء في قضاياها.



كل هذا يحدث ويمارس باسم الدين لكنه للأسف من خلال هذه التجارب الذاتية، والحياة الشخصية التي تؤثر على نظرة كثير من الناس بل عديد من العلماء والمفكرين للمرأة وقضاياها، كما الأمر متبادل عند النساء، ونريد من خطابنا الإسلامي في قضايا المرأة أن يتحرر من قيد هذه التجارب، وأن ينفلت من أسر هذه الشخصانية إلى عالم الإسلام الرحيب الذي ضمن للمرأة كرامتها وإنسانيتها، وحفظ لها فطرتها وأنوثتها، وأمر الرجل أن يحسن عشرتها، كما أمر المرأة أن تطيع زوجها في المعروف؛ فلا طاعة لأحد في معصية الخالق.



ويزكي هذا الاتجاه عدة أمور:

أولاً: الاستقاء المباشر من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وهذا يضمن لنا حكمًا شرعيًّا صحيحًا، غير متأثر بالأحاديث الواهية والمنكرة التي رسخت لثقافة احتقار المرأة وإهانتها، ولا راكن إلى العادات الموروثة.



ثانيًا: الاطلاع الواسع على تاريخنا المشرف في قضايا المرأة، لا سيما في عهد الرسالة، عهد النبوة، الذي باشره الوحي، وكان عهد تشريع للأمة، وحسبنا في ذلك الاطلاع على موسوعة: "تحرير المرأة في عصر الرسالة" للأستاذ محمد عبد الحليم أبو شقة، ففيه الغناء كل الغناء فيما يخص قضايا المرأة.



ثالثًا: الاطلاع على نماذج النساء وسيرهن في عهود الخلفاء الراشدين، ومتابعة مسيرة المرأة المسلمة العاملة والمجاهدة في ضوء ضوابط الشرع عبر تاريخنا في كل مراحله إلى واقعنا المعاصر.



رابعًا: محاربة العادات الراكدة التي وَرِثَتْها مجتمعاتُنا عبر العصور دون تمحيص لها في ضوء المرجعية العليا للقرآن والسنة.



خامسًا: ليس كل تقليد للنموذج الغربي فيه الفلاح والتحرر، لكن نُخْضِع هذه الثقافة لنصوصنا ومقرراتنا العامة، فما وافقها قبلناه، وما عارضها رفضناه، وما اختلط فيه الحق بالباطل حللناه وأخضعناه للنقد والنظر في ضوء النصوص والمقاصد، ثم نأخذ حقه ونرد باطله، وهذا منهج إسلامي عام تجاه أي قضية وافدة.



سادسًا: الرجوع في قضايا المرأة إلى العلماء الثقات، الذين يفهمون الشرع في ضوء مقاصده ومبادئه، ويراعون الواقع وما فيه من تيارات ومستجدات، فيجمعون بين محكمات الشرع ومقتضيات الشرع.



أشرف وظائف المرأة

سابعًا: تثمين "أشرف وظائف المرأة"(4)، وأود أن أقف قليلاً مع هذه النقطة؛ لأنها تغيب تمامًا في خطابنا الشرعي المعاصر حين نتحدث عن عمل المرأة، ومشاركتها في مناحي الحياة، وأنشطة المجتمع المختلفة؛ حيث يتم التركيز على جواز العمل، وشرعية الخروج، وكيف أن الإسلام كرمها وشرفها، والبحث عن الطريق لمساواتها بالرجل، ومقارنة ذلك بما حدث لها في الحضارات المختلفة، وما يحدث لها في بلاد الغرب، ومقارنة أوضاعها في الشرق بأوضاعها في الغرب، وكأن الغرب أصبح مرجعيتنا التي منها نأخذ وعنها نصدر وإليها نرجع، ونسينا أو تناسينا الحديث عن أهم دور للمرأة في الحياة، الذي إن تعارض معه شيء قُدِّم على غيره كما اتفق على ذلك الفقهاء قديمًا وحديثًا، وذلك هو دورها في بيتها نحو زوجها وأبنائها.



وسوف أعرض هنا لكلام علَمين كبيرين، وداعيتين جليلين، لا يُتَّهمان أبدًا بالتحيز أو التمييز ضد المرأة، بل كانا في كل ما يكتبانه منصفَيْن لها من خلال الموازنة بين نصوص الشرع ومتطلبات العصر، إنهما: الداعية المجدد الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، والفقيه الكبير الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله.



يقول الشيخ محمد الغزالي تحت عنوان "لا تُهوِّنوا من وظيفة ربة البيت": "ولا ريب أن كيان المرأة النفسي والجسدي قد خلقه الله على هيئة تخالف تكوين الرجل، فقد بني جسم المرأة على نحو يتلاءم ووظيفة الأمومة تلاؤمًا كاملاً، كما أن نفسيتها قد هيئت لتكون ربة الأسرة وسيدة البيت، وبالجملة فإن أعضاء المرأة الظاهرة والخفية وعضلاتها وعظامها، وكثيرًا من وظائفها العضوية، مختلفة إلى حد كبير عن مثيلاتها في الرجل، وليس هذا البناء الهيكلي والعضوي المختلف عبثًا؛ إذ ليس في جسم الإنسان ولا في الكون كله شيء إلا وله حكمة، وهيكل الرجل قد بني ليخرج إلى ميدان العمل كادحًا مكافحًا، أما المرأة فلها وظيفة عظمى هي الحمل والولادة، وتربية الأطفال، وتهيئة عش الزوجية ليسكن إليها الرجل بعد الكدح والشقاء"(5).



وليس معنى هذا أن الشيخ يرفض عمل المرأة، فكفاحه ونفاحه عنها معروف ومشهور، وساكن في الأنفس، وطائر في الآفاق، وهو صاحب التفسير غير المسبوق لحديث: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، بأنها واقعة حال لا تتعدى إلى غيرها.



يقول في كلام آخر متوازن أيضًا، ويمثل الرؤية الوسطية، تحت عنوان: "الوسطية في معاملة الإسلام للمرأة": "نحن لا نجنح إلى طرف من الطرفين المتباعدين، هذا يسجن المرأة في البيت، وهذا يطلقها في الشارع.. لقد أغنانا الإسلام عن تجارب تخطئ وتصيب وتحلو وتمر، وهدانا صراطًا مستقيمًا. نحن بحاجة إلى من يعرف دين الله حق المعرفة ثم يعالج القضايا كلها بإيمان واعٍ، لا بفكر قاصر متشائم هدام. الذي يمنع المرأة من حق الحياة والعمل في الإطار الشرعي المناسب لفطرتها لا يقرر حقيقة شرعية ولا وضعية، والذي يتيح لها كل اختلاط وييسر لها كل احتراف لا يقرر حقيقة شرعية ولا وضعية!! هناك مجتمع بناه صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام، ورجاله الكبار، لماذا لا ندرسه ونتأسى به، ونحاول أن نضع المرأة في المكانة التي وضعها فيها القرآن، ورعاها الرسول عليه الصلاة والسلام"(6). .هـ.



أما الشيخ يوسف القرضاوي فيقرر أن عمل المرأة الأول والأعظم الذي لا ينازعها فيه منازع، ولا ينافسها فيه منافس هو تربية الأجيال الذي هيأها الله له بدنيًّا ونفسيًّا، ويجب ألا يشغلها عن هذه الرسالة الجليلة شاغل مادي أو أدبي مهما كان؛ فإن أحدًا لا يستطيع أن يقوم مقام المرأة في هذا العمل الكبير الذي عليه يتوقف مستقبل الأمة، وبه تتكون أعظم ثرواتها وهي الثروة البشرية، ومثل ذلك عملها في رعاية بيتها وإسعاد زوجها.



ويستدرك الشيخ قائلاً: "وهذا لا يعني أن عمل المرأة خارج بيتها محرم شرعًا، فليس لأحد أن يحرم بغير نص شرعي صحيح الثبوت، صريح الدلالة، والأصل في الأشياء والتصرفات العادية الإباحة كما هو معلوم".



يقول الشيخ: إن عمل المرأة- بناء على هذا الأساس- في ذاته جائز، وقد يكون مطلوبًا طلب استحباب، أو طلب وجوب، إذا احتاجت إليه: كأن تكون أرملة أو مطلقة لا مورد لها ولا عائل... وقد تكون الأسرة هي التي تحتاج إلى عملها كأن تعاون زوجها، أو تربي أولادها أو إخوتها الصغار أو تساعد أباها في شيخوخته... وقد يكون المجتمع نفسه في حاجة إلى عمل المرأة كما في تطبيب النساء وتمريضهن، وتعليم البنات، ونحو ذلك(7). ا.هـ.



أريد أن ألفت النظر من خلال كلام هذين الإمامين إلى أننا يجب عند حديثنا عن المرأة وقضاياها المجتمعية ألا يغيب عنا هذا الدور، وألا ننفلت بعيدًا عن الضوابط والقواعد الشرعية والآداب الإسلامية حين نطالب بتمكين المرأة أو مساواتها في الحقوق والواجبات.



أتصور أننا بهذه الصورة المتوازنة، وعلى هذا النسق من الخطاب الوسطي في قضايا المرأة نتجنب كثيرًا من المشكلات، ونتجاوز عديدًا من العقبات، وندعم المرأة المعاصرة في مسيرتها الحضارية، ونصل إلى الرؤية المتوازنة في قضاياها المختلفة.

http://www.ikhwanonline.com/Article.asp?ArtID=64618&SecID=0

http://www.bladyonline.com/sys.asp?browser=view_article&ID=161&loac=0&section=7&supsection=&file=0

ليست هناك تعليقات: