الاثنين، 21 يونيو، 2010

الاحتجاج السلمي.... وماذا بعد؟



الاحتجاج السلمي.... وماذا بعد؟



وصفي عاشور أبو زيد



في سلسلة حوارات وتحقيقات قام بنشرها مؤخرا موقع إسلام أون لاين دعت إلى تفعيل الاحتجاج، وأنه عنوان الأمة الغاضبة، ومن مكونات فقه الحضارة، ومن العناصر المشكلة لرقابة الأمة على السلطة والسلطان أيا كانت هذه السلطة أو السلطان، سواء اتخذ ذلك شكلا يتعلق بالإضراب، أو اتخذ شكلا يتعلق بالتظاهر، أو العصيان المدني، أو أي شكل يعبر عن معاني الاحتجاج، وأن الأمن العام مقدم على المعارضة، فهذا كله لا جدال فيه؛ لأنه من المسلمات الشرعية والمنطقية والقانونية والإنسانية.
وأمام ما حدث ويحدث في مصر من حركات احتجاج، ودعوات للعصيان المدني لم ولن يكون آخرها إضراب السادس من أبريل الجاري، يجب أن نطرح سؤالا الآن ومن ناحية شرعية، هو: إلى متى ينادي فقهاؤنا بالاحتجاج السلمي المعروف بعد كل ما يجري من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، وسرقة علنية للمال العام، وفساد تحولت معه الأنظمة ـ كما قال المستشار طارق البشري ـ من فساد بالإدارة إلى إدارة بالفساد؟ أليس الاحتجاج غير السلمي واردا في الإسلام؟ وإلى حد يمكن أن يكون؟ وما هي حالات استخدام الاحتجاج غير السلمي وحالات عدم استخدامه، وبأي ضوابط وشروط يكون؟

صناعة الطواغيت
في القرآن الكريم نجد أن الشعوب هي التي تصنع الطواغيت، وهي التي تنصبهم بصمتها واستخفاف الحكام لها، قال تعالى: "فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ". الزخرف: 54. وقد وصفهم القرآن الكريم بالفسق؛ لأنهم خرجوا عن النهج الإسلامي والإنساني في الجهاد الواعي من أجل حياة كريمة.
بدأ فرعون ينتفخ يوما بعد يوم ويتكبر شيئا فشيئا حتى قال لهم: "أنا ربكم الأعلى". النازعات: 24. و"ما علمت لكم من إله غيري". القصص: 38. وحين تُفقد أجواء الحرية، ويشيع الاستبداد لا تجد استجابات كثيرة تحسبا للظلم والجبروت الذي سيقع بالمستجيبين: "فَمَا آَمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَـوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَـوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ". يونس: 83.
وحين تجد البطانة الفاجرة حول الحاكم يوحون إليه ويهمسون في أذنه: " أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِـدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَـالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُـمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِـرُونَ ". الأعراف: 127. وتجد هذه البطانة ترغي وتزبد وتقرر أن عموم الشعب ملتف حول القيادة، ويصفون الفئة القليلة التي استجابت لنداء الإصلاح والتغيير بالقلة المنفلتة الهوجاء، والشرذمة القليلة الخارجة على القانون: "فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ . إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ . وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ . وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ". الشعراء: 53-55.
وإذا ما صممت هذه القلة على انتزاع حقها في الحرية والعيش الكريم فإن مصيرهم معروف ومحسوم: "لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ". الأعراف: 124. و"لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ". الشعراء: 29.
لكن الله تعالى حسم الموضوع في النهاية، وهي نهاية مبشرة وتعطي الأمل وتبعث على الاستمرار في الجهاد الواعي في كل ميدان: "وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون". الأعراف: 137.
ولكن ذلك يحتاج إلى تحالفات متنوعة ومتعددة كي تكون قادرة على القيام بالواجب الشرعي والوطني والإنساني كما رأينا فضلاء قريش يتحالفون في دار عبد الله بن جدعان بما عرف "حلف الفضول" على: "ألا يدَعوا ببطن مكة مظلوماً من أهلها أو ممن دخلها من سائر الناس إلا كانوا معه على ظالمه حتى ترد إليه مظلمته"، وامتدحه النبي صلى الله عليه وسلم قائلا: "حضرت مع أعمامي في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حُمْرَ النَّعَم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت)) [السنن الكبرى 6/120].
فهل كان فضلاء قريش في مكة قبل خمسة عشر قرناً، أكثر وعياً وإدراكاً لعمق المشكلات من فضلاء اليوم؟! فأين الدروس التي تلقتها الإنسانية ـ وبخاصة الأمة المسلمة ـ من تجاربها المريرة عبر القرون؟ وأين التحالفات القوية التي يجب على فضلاء العصر أن يعقدوها ويفعلوها من أجل نصرة الظالم وحجز المظلوم؟!!
وفي السنة النبوية أيضا نجد عن عبد الله بن عمرو -رضي الله تعالى عنهما- قال:
قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: (إذا رأيت أمتي تهاب فلا تقول للظالم يا ظالم، فقد تودع منهم). [رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي].
أي إذا أصبحت الأمة في حال تخشى فيه من الإنكار على الظلمة ومنعهم من الظلم فقد تُودع منهم أي تودعهم الله وتركهم لاستواء وجودهم وعدمهم، واستنبط منه أن ترك إنكار المنكر من أسباب خذلان الله للأمة، وقد ذكر المناوي في شرح الحديث أن إنكار المنكر على الولاة بالفحش في القول كـ "يا ظالم" إن تعدى شره للغير امتنع، وإن لم يخف إلا على نفسه جاز بل ندب، فقد كانت عادة السلف التصريح بالإنكار.
وعَنْ سَالِمٍ عَنْ عبد الله بن عمر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ ..." الحديث. [متفق عليه، واللفظ لمسلم].
يقول ابن بطال: "إن المؤمنين جميعًا كالجسد الواحد ، وعلى المرء أن يسعى لصلاح كل عضو من أعضاء جسده سعيه لبعضها، فكذلك عليهم فى إخوانهم فى الدين وشركائهم في الملة، وإنصَارهم على الأعداء من نصرهم وعونهم مثل ما عليهم من ذلك في أنفسهم لأنفسهم؛ إذ كان بعضهم عونًا لبعض وجميعهم يد على العدو؛ ولذلك خاطبهم تعالى فى كتابه فقال: "ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما"؛ إذ كان القاتل منهم غيرَه بمنزله القاتل نفسه، ولم يقل لهم لا يقتل بعضكم بعضًا؛ إذ كان المؤمن لأخيه المؤمن بمنزله نفسه في التعاون على البر والتقوى، يؤلم كل واحد منهما ما يؤلم الآخر". [شرح ابن بطال على البخاري: 9/16].
لقد وقف أبو بكر يوما بعد أن بَايَعَه الناسُ بالخلافة فَحَمِدَ اللّه وأَثْنَى عليه بالذي هو أهْلُهُ ثم قال: "أما بعدُ، أَيُّها الناسُ فَإِني قد وُلِّيتُ عليكم ولست بخيركم، فإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي وإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُوني. الصِدْقُ أمانةٌ والكَذِبُ خِيَانَةٌ . والضعيفُ فيكم قويٌّ عندي حتى أرجعَ إليه حقَّه إن شاء اللّه، والقويّ فيكم ضعيفٌ عندي حتى آخذَ الحقَّ منه إن شاء اللّه. لا يَدَعُ قومٌ الجِهادَ في سبيل اللّه إلا خَذَلَهم اللَّهُ بالذُلِّ، ولا تَشِيعُ الفاحشةُ في قومٍ إِلا عَمَّهم اللَّهُ بِالبلاءِ. أَطِيعُوني ما أَطَعْتُ اللَّهَ ورسولَه، فإِذا عَصَيْت اللَّهَ ورسولَه فلا طاعةَ لي عليكم". [سيرة ابن هشام : 4/240، عيون الأخبار لابن قتيبة : 2/ 234].
والرجل الذي قام لعمر ـ من عامة الناس ـ حين قال عمر: "وإن اعوججت فقوموني" فقال: "لو وجدنا فيك عيبا قومناه بسيوفنا" فلم ينكر عليه عمر أو يودعه السجن، بل حمد الله وأثنى عليه أن يكون في الأمة من يقوم خطأه ـ لا جريمته ومشاركته في قتل المسلمين ـ بحد السيف، وقال: "لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها".
لا أريد أن أسترسل في ذكر الأدلة التي بلغت حد التواتر في الشرع على وجوب نصرة المظلوم، وحجز الظالم ورده عن ظلمه، ولكن ما الكيفية التي نحجز بها الظالم عن ظلمه ؟!.

معنى الاحتجاج غير السلمي
والاحتجاج غير السلمي الذي أدعو إليه هنا ليس معناه أن تحمل الشعوب السلاح على الحكام، أو تخرب وتدمر في مؤسسات المجتمع، فهذا حمق لا طائل تحته، فضلا عن أنه مخالف للشرع، ولكن معناه الانتفاضة المستمرة ـ كما يقول شيخنا الدكتور سيد نوح يرحمه الله ـ "ليس تظاهرًا عن عاطفة فينقطع بعد يوم أو يومين، وإنما تظاهرٌ مبناه الحجةُ والدليلُ والبرهان، ونظل هكذا معتصمين، وتتعطَّل كل مصالح الأمة؛ حتى يُفيق حكامُها، وحتى يُفيق النائمون والكسالى والغافلون من أبناء هذه الأمة، ويؤدوا دورهم وواجبهم ... فالأمة لا بد أن تقف؛ لأن هؤلاء سيعلمون مع من يصادقون، ومع مَن يتعاملون إذا الأمة غضبت وألجمت حكَّامها والقائمين عليها".
سيقول البعض: إن الأنظمة العسكرية والمدججة بقوات الشرطة والأمن ستتصادم حتما مع هذه الجماهير، وسوف يقع منهم قتلى وجرحى ؟! ولا شك أن كل شيء له ثمن، وقد قال الشاعر:
بني سوريّة اطّرحوا الأماني وألقوا عنكم الأحلام ألقوا
وقفتم بين موت أو حياة فإن رمتم نعيم الدهر فاشقوا
وللأوطان في دمِ كلِّ حرٍّ يدٌ سلفت ودَيْن مستحقُّ
وللحرية الحمراء بـاب بكل يد مضرجة يُدَقُّ
ولا داعي لاستعراض الأرقام التي وقعت قتلى في سبيل العيش الكريم ورفع الظلم عن المستعبدين في الأرض في حروب البشرية المختلفة، وإيقاف الظالمين عند غرزهم.
والواقع أن وقوع قتلى وجرحى من المعتصمين أو المتظاهرين لا يبرر طرح هذه الأسئلة، ما دام المحتجون لا يرفعون سلاحا ولا يخربون شيئا، فردُّ الظالم وحجزه عن ظلمه يجب أن يحدث ويقع، ويجب أن يكون التصرف المقاوم والمناهض ـ شرعيا وقانونيا وإنسانيا ـ بقدر ما يوقف هذا الظالم عن ظلمه، وبقدر ما يرجع الحقوق لأصحابها، ويضمن الحرية والعيش الكريم، وهي أبسط حقوق الإنسان، وإلا فلم نقم بحق أنفسنا، ولا بحق غيرنا علينا سواء كانوا مظلومين أم ظالمين.
الاحتجاج والأمن العام
ولعل سؤالا شرعيا يبرز هنا حول الأمن العام والمصلحة العامة التي يجب أن تراعى وتكون مقدَّمة على الاحتجاج، فلا يصح أبدا ـ برأي هذا التساؤل ـ أن تصل درجة الاحتجاج إلى المواجهة وإلى وقوع قتلى وجرحى أو وقع ما يزعزع استقرار المجتمع.
وأبادر فأقول: إن المصلحة العامة والأمن العام يعتبر تحقيقه والحرص عليه من أهم المصالح المرعية والمقاصد الشرعية، ولا يجوز لأحد ـ كائنا من كان ـ أن يهدد أمن الأوطان، أو يزعزع استقرارها، ولكن يستمد الاحتجاج ـ الذي يوقع في مواجهة غير عادلة ـ وجوبه وحتميته الشرعية والقانونية والإنسانية من فكرة الأمن العام أيضا، واستقرار المجتمعات في الوقت ذاته، ولأن:

1ـ مستوى الظلم وطبيعة الحياة الذي وصلنا إليه لا يمكن السكوت عنه.

2ـ في الاحتجاج المتواصل الذي يوقع في مواجهات مع قوات الأمن محافظة على الأمن العام؛ لأننا حين ترك الواقع الحالي على ما هو عليه لن نحصد إلا مزيدا من القلق والفزع والفقر والفساد ما يشكل أكبر خطر على الأمن العام.

3ـ كف الظالم عن ظلمه يجب أن يكون الاحتجاج بقدره حتى يتحقق كفه ومنعه.

4ـ كذلك نصرة المظلوم لا تتحقق إلا بأن يسترد حقه ويدفع الظلم الواقع عليه، ويجب ـ قدر المستطاع ـ أن يكون الاحتجاج محققا لهذه النتيجة.

وهنا تقفز إلى الذهن كل الأدبيات الفقهية التي ترعى حق الأمة، وتقدم المصلحة العامة على الخاصة، والمصلحة المستقبلية الممتدة على المصلحة الآنية القاصرة، ومصالح الجماعات الواسعة والشاملة على مصالح الأفراد الضيقة والمحدودة...الخ
ليست هذه فتوى بمشروعية رفع السلاح في وجوه الحكام أو تخريب مؤسسات المجتمع، بل دعوة إلى رفع وتيرة الاحتجاج الواعي والمثمر، وتفكير بصوت مرتفع في تطوير وسائله ومساحاته المتاحة التي يجب أن تستغل لتحقق الهدف من وراء الرفض والاحتجاج، وهو نيل أبسط مستحقات الإنسان، وكف الظالم وحجزه عن ظلمه.
وهذه القضية من القضايا الكبرى أو "فتاوى الأمة" التي يجب أن يجتمع لها "أهل بدر" ليبحثوا قضية الاحتجاج وحدوده، والرفض السلمي وحدوده، واستخدام العنف وحالاته وحدوده لا سيما في قضايا الأمة التي يليق بها فتوى وآراء جماعية من علماء الأمة.

http://mdarik.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1237705970973&pagename=Zone-Arabic-MDarik%2FMDALayout&ref=body

ليست هناك تعليقات: