الأربعاء، 24 يونيو، 2009

التعصب والعنف فكراً وسلوكاً


سلسلة كتاب الأمة الوسط (6)
التعصب والعنف فكراً وسلوكاً


وصفي عاشور أبو زيد
Wasfy75@htmail.com


تعد ظاهرة العنف الذي يولد التفجير والتكفير من أبرز الظواهر التي يتطلب واقعنا المعاصر بقوة تشخيصها ووضع الأدوية الناجعة لها، وتحرير المصطلحات حولها، وضبط مضامين بعض المفاهيم التي تتصل بها.
وحول هذا الموضع الشائك والخطير يصدر الكتاب السادس في سلسلة الأمة الوسط التي يصدرها المركز العالمي للوسطية بدولة الكويت، تحت عنوان: "التعصب والعنف فكرا وسلوكا"، للدكتور سعيد عبد الله حارب، نائب مدير جامعة الإمارات لشؤون المجتمع، الذي أكد في مقدمته على أنه بالرغم من اتساع ظاهرة التعصب والتطرف والعنف في السنوات الأخيرة إلا أن العالم لم يحدد تعريفاً دقيقاً لهذه الظاهرة وذلك راجع لأسباب سياسية لا علاقة لها بحقيقة هذه الظاهرة ففي الوقت الذي ينظر فيه البعض إلى استخدام القوة كحق مشروع في عمليات التحرر من السيطرة والاستعمار والاحتلال. ينظر البعض الآخر إلى أي عملية من ذلك باعتبارها إرهاباً وتطرفاً، ولذا فإننا لا نجد تعريفاً محدداً لهذه الظاهرة وما ورد في ذلك لا يتجاوز التعريفات الواردة في القواميس القديمة التي لم تنظر إلى الظاهرة كحالتها المعاصرة ذات الجوانب المتعددة والتي تشمل مظاهر الحالة وأسبابها ودوافعها وآثارها على المجتمعات وإنما نظرت إليها باعتبارها حالة إجرامية بحتة، ولعل أبرز تعريف تعرض لهذه الظاهرة بصورة مفصلة ما ورد في المادة الأولى من الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب إذ عرفته بأنه "كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أيا كانت بواعثه أو أغراضه، يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر".
وإذا كان هذا الإشكال لدى التعريفات العامة للإرهاب والعنف فإن تعريف الإرهاب لدى الباحثين المسلمين لم يخل من ذات الإشكال إذ إن معظم محاولات تعريف العنف والإرهاب لا تخرج عن تصنيفه باعتباره جريمة حرابة أو جريمة بغي.
والواقع أننا لا نستطيع ـ كما يقول حارب ـ أن نصنف الإرهاب باعتباره جريمة حرابة لأن جرائم الحرابة قد تم توصيفها باعتبارها فعل جنائي جماعي يقصد منه القتل والترويع وسلب المال وهي صورة لعدد من الجرائم الجنائية مجتمعه معاً، ولا يخرج تعريفه عما تقوم به بعض العصابات الإجرامية في بعض بلدان العالم، وغالبا ما يخلو هذا الفعل عن الأهداف المحددة التي يسعى لها في حين أن الإرهاب أوسع من الحرابة إذ يرتبط بأهداف سياسية (في الغالب) وليست مصلحية، كما أن جريمة الحرابة غالباً ما توجه نحو الأفراد أو مجموعات منهم دون أن تمتد آثارها إلى الدولة أو النظام السياسي مباشرة بينما يتجه العنف والإرهاب إلى الدولة ومؤسساتها وتمتد آثاره إلى الأفراد الذين يكونون ضحايا لهذا العنف دون أن يكونوا سبباً أو هدفاً مباشراً له.

تحرير المفاهيم
ويوضح الدكتور سعيد حارب أنه إذا كان مصطلح العنف والإرهاب لم يتم تعريفه بدقة فإن هناك مفاهيم عدة اعتمد عليها من يقومون بالعمليات الإرهابية من المسلمين، إذ أدى الخلط بين حقيقة هذه المفاهيم ودلالاتها الشرعية واستخدامها الوظيفي ومسيرتها التاريخية وما اصطلحت عليه الأمة الإسلامية خلال عصورها على تطبيق هذه المفاهيم والنصوص -أدى خلطها- بالفهم الضيق والمحدود والمخالف لحقيقتها إلى إيجاد واقع مشوش ومضطرب لدى كثير من المسلمين خاصة حين وصلت الهجمة الشرسة على الإسلام إلى المطالبة بحذف هذه المفاهيم من مناهج التعليم وبرامج الإرشاد والتوعية والإعلام في بلاد المسلمين، ووقع كثير منهم في حيرة بين النصوص الشرعية والتاريخ الإسلامي المليء بتطبيقات هذه النصوص وبين واقعه الذي يطالبه بنبذ هذه النصوص من قبل المخالفين والحاقدين على الإسلام أو قبولها بتصورها وفهمها الخاطئ من قبل من يتبنى ويمارس الإرهاب، ومن هنا بدا واضحاً مدى حاجة المسلمين إلى تحرير هذه المفاهيم، وبيان حقيقتها حتى لا تضيع بين إفراط وتفريط.
وقد ركز حارب على أربعة مفاهيم أساسية، هي: الولاء والبراء، ودار الإسلام ودار الحرب، والجهاد، والتكفير، وفيما يلي إلقاء الضوء عليها لتحرير مصطلحها وضبط مضمونها:

أولا: الولاء والبراء
وهو من المفاهيم التي استقرت في قلوب المسلمين وعقولهم مفهوم ، فهو أمر ثابت في الشرع وردت النصوص الشرعية به، قال تعالى: "لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ". آل عمران: 28. فالمولاة المنهى عنها هنا ـ كما يقول الطبري ـ هي أن يتخذ المؤمنون الكفار ظهراً وأنصاراً توالونهم على دينهم وتظاهرونهم على المسلمين. وتدلونهم على عوراتهم.
فَفُهم من هذه الآية أن الموالاة في الدين وإتباع غير المسلمين ومناصرتهم وإعانتهم على المسلمين هي الموالاة الممنوعة، وليس المنع من الموالاة منعاً مطلقاً إذا لم يكن ذلك على حساب الدين.
ويقرر الدكتور سعيد حارب أن الأمة سارت على هذا المفهوم القائم على الحب للمؤمنين والبغض لأعداء الله من المشركين وغيرهم الذين يناصبون دين الله الحرب والعداء، وهذا شأن كل أمة وشعب، إذ لا يتصور أن تقوم علاقة محبة ومودة بين إنسان وعدوه أو شعب وشعب محارب له، فإذا غابت العداوة أصبح الحب والبغض شأناً قلبياً لا يمنع المسلم من أن يتعامل مع الآخر بالحسنى بل هو مأمور بذلك لاظهار محاسن دينه.
وأما البراء فتدور معانيه حول المجانبة والتباعد والأعذار وعدم إظهار المودة إلى درجة العداوة والبغض أحياناً.
لكن الولاء والبراء بمعناهما السابق ـ كما يستدرك حارب ـ لا يمنع من المعاملة الحسنة مع غير المسلمين، والإقساط لهم والبر بهم، بل إن المسلم مأمور بذلك لما فيه من المصلحة الكبرى في التعريف بالإسلام ومحاسنه، وإذا كان الناس أمة واحدة فإن الأخوة الإنسانية ثابتة يجب وصلها، ولا يصح قطعها، وقد أمر الله تعالى بأن توصل القلوب بالمودة، وإن الإسلام لا ينهى عن بر كل من لا يعتدي على المسلمين، بل يأمر الإسلام بالعدل في معاملتهم، وحفظ العهد الذي بيننا وبينهم، ويصرح بذلك القرآن الكريم في كثير من آياته، فالبر ثابت للمسلم وغير المسلم.

ثانيا: دار الإسلام ودار الحرب
وحول تحرير هذا المفهوم ينقل الدكتور سعيد حارب أقولا للفقهاء ثم ينتهي إلى أن دار الإسلام هي الدار التي تسود فيها أحكام الإسلام ويمارس فيها المسلمون شعائرهم الإسلامية دون خوف أو فتنة. وهذه الدار يجب أن يحافظ عليها المسلمون ويدافعوا عنها، واشترط الفقهاء أن تكون الدار محكومة بالإسلام ولم يشترطوا أن يكون جميع سكانها من المسلمين، وبهذا يتبين أن الدار لا تعد دار إسلام إلا بظهور أحكام الإسلام عليها.
وذهب أبو حنيفة ومن معه إلى أنها تعتبر دار إسلام إذ كان فيها مسلمون يأمنون على أنفسهم وأعراضهم وكانت هذه الدار متاخمة لدار الإسلام، أما إذا انتفى الأمان ولم تكن الدار ملاصقة لدار الإسلام فتعتبر دار حرب.
ويبين حارب أن الواقع المعاصر يشير إلى أنه لا أهمية للمجاورة والملاصقة فقد تغيرت سبل الاتصال إذ يستطيع الإنسان أن يصل إلى أبعد نقطة في العالم في أقرب وقت كما أن هيبة الأمم والدول لم تعد بمظاهر القوة التي يراها الناس، بل أصبحت القوة العسكرية أحد عناصر القوة، وليست جميعها، فقوة الدول تقاس بقوة اقتصادها ودورها السياسي، وعلاقاتها بالدول الأخرى، وقوتها العلمية وتقدمها التقني وغير ذلك من أسباب القوة.
أما دار الحرب فهي الدار التي لا تسودها أحكام الإسلام الدينية والسياسية ولا يكون فيها السلطان للحاكم المسلم، بل يكون فيها السلطان والمنعة للكفار وظهرت فيها أحكام الكفر. وذهب المتأخرون إلى اشتراط أن لا يكون بينها وبين الدولة الإسلامية عهد أو علاقات سلمية، وقد اختلف الفقهاء في تعريف دار الحرب إلى رأيين:
الرأي الأول: يرى أن دار الحرب هي التي تظهر فيها أحكام الكفر ولا يكون السلطان والمنعة فيها للمسلمين ولا تطبق فيها أحكام الإسلام وليس بينها وبين دار الإسلام عهد، وهذا رأي الجمهور.
الرأي الثاني: وقد ذهب إلى هذا الرأي أبو حنيفة والزيدية ومذهبهم من ذلك أن الدار لا تصير دار حرب إذا كانت المنعة والسلطان لغير المسلمين.
ويطرح الدكتور سعيد حارب تساؤلا مهما له وجاهته وواقعيته في هذا السياق، فيقول: إذا كان هذا رأي الفقهاء قديماً، فما هي الرؤية نحو تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب؟ نجد من المهم طرح بعض التساؤلات للإجابة عليها حتى تلامس واقع المسلمين بعيداً عن الفهم المحدد للمصطلح دار الحرب ودار الإسلام، ومن ذلك مدى ضرورة الالتزام بهذا التقسيم أي هل تقسيم العالم إلى دار حرب ودار إسلام يدخل في أبواب الأحكام الشرعية الثابتة التي لا تجوز مخالفتها؟!
ويجيب عن ذلك بأن عددا من الفقهاء ذهب إلى أن هذا التقسيم لا دليل عليه من الكتاب والسنة وإنما استمد قوته من الواقع التاريخي الذي عاشه المسلمون الأوائل حيث فرضت عليهم الظروف التي مر بها المسلمون ودولتهم الناشئة وما واجهته من حروب وكذلك سيادة الحرب بصفة عامة بين الدول في تلك الحقبة التاريخية إلى أن يقسموا العالم إلى دار إسلام ودار حرب.
وينتهي حارب إلى أن هذا التقسيم مبني على أساس الواقع، لا على أساس الشرع ومن محض صنيع الفقهاء في القرن الثاني الهجري، وأنه من أجل ترتيب بعض الأحكام الشرعية في المعاملات ونحوها، وأن الحرب هي السبب في هذا التقسيم، فيمكننا أن نقول: إن دار الحرب هي مجرد منطقة حرب ومسرح معركة بالنسبة لدار الإسلام التي فرضت عليها الأوضاع في الماضي أن تتكتل، وأن تعتبر البلاد غير الإسلامية في مركز العدو الذي برهنت الأحداث على نظراته العدائية للمسلمين، فهو تقسيم طارئ بسبب قيام حالة الحرب أو الحرب نفسها، فهو ينتهي بانتهاء الأسباب التي دعت إليه والحقيقة أن الدنيا بحسب الأصل هي دار واحدة كما هو رأي الشافعي.
فليس المراد من التقسيم أن يجعل العالم تحت حكم دولتين، أو كتلتين سياسيتين: إحداهما: تشمل بلاد الإسلام تحت حكم دولة واحدة، والأخرى: تشمل البلاد الأجنبية في ظل حكم دولة واحدة، وإنما هو تقسيم بحسب توافر الأمن والسلام للمسلمين في دارهم، ووجود الخوف والعداء.
ويدلل على ذلك بأن الفقهاء عدلوا عن التقسيم "الثنائي" للعالم إلى تقسيم "ثلاثي" وهو دار الإسلام ودار الحرب ودار العهد، ولو كان الأمر حكماً لازماً لما تجاوزه الفقهاء، وهنا يأتي السؤال الأخر هل يجب الوقوف عند هذا التقسيم؟ أم يمكن الاجتهاد فيه وإعادة بحث دلالته، إذ طرح بعض الفقهاء المتأخرين تقسيمات جدية مثل أمة الدعوة وأمة الإجابة، ونظروا إلى العلاقة بين المسلمين وغيرهم باعتبارها علاقة دعوة قائمة على تبليغ الرسالة الإسلامية فالسلام والحرب ليسا هما العلاقة الطبيعية بين المسلمين وغيرهم وإنما هما منهجان في العلاقات الدولية قديماً وحديثاً يأخذ بهم المسلمون وفقاً للحاجة في ضوء الضوابط الشرعية الحاكمة لهما.

ثالثا : الجهاد
ومن المفاهيم المهمة التي تحتاج إلى تحرير وضبط في المضمون مصطلح الجهاد ، و لعل من غير المتصور ـ كما يؤكد حارب ـ أن يعيد المسلمون بحث مشروعية الجهاد، إذ وردت الآيات القرآنية والسنة النبوية المطهرة، وتطبيقات ذلك في السياق التاريخي الإسلامي مما لا يدع مجالاً للحديث عن مشروعية الجهاد في الإسلام، إلا أن تحرير هذا المفهوم ليس في حقيقته ودلالاته لكن في الفهم المعاصر لدى بعض المسلمين الذين ربطوا بين مفهوم الجهاد وممارسة العنف.
وقد فصل الفقهاء في أسس وأحكام الجهاد في كتب الفقه، ولعل من أبرزها أن الجهاد لم يشرع بسبب كفر الكافرين أو مخالفتهم للإسلام، ومنها أن تكون غايات الجهاد مشروعة وأن يخلو الجهاد من البغي والعدوان والتجاوز، وأن يأتي الأمر بالجهاد من حاكم الدولة ورأسها لا من عامة الناس وأفرادهم .. وغير ذلك من الضوابط التي تحكم الجهاد.
فإذا كان الأمر كذلك فماذا عن القتال بين المسلمين والذي تُطلق عليه بعض الفئات اسم الجهاد، وينطلقون من فرضيات خاطئة تارة تصف المجتمع بالكفر وتارة أخرى تصف الحاكم بالكفر وثالثة تكفر النظام دون الحاكم أو المجتمع وتصف كل ذلك بالجهاد، إن المسلمين وهم كل من شهد الشهادتين، ولم ينكروا ضرورياً من ضروريات الدين على نحو يستلزم تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم، وجحد الرسالة بأن كانوا متأولين في إنكارهم لما أنكروه، فإن هؤلاء مسلمون وهم جزء من الأمة الإسلامية بالمعنى السياسي والاجتماعي، ولا يشرع الجهاد –بالمعنى المصطلح عليه- ضد المسلمين بوجه من الوجوه.
أما مشروعية استخدام العنف المسلح ضد الأنظمة الحاكمة الإسلامية في البلاد الإسلامية، باعتبار أنه (جهاد) بالمعنى المصطلح يتوقف على الحكم بكفر أشخاص الهيئة الحاكمة وخروجهم عن الإسلام،وهذا ما لم يقل به أحد من العلماء والفقهاء الثقاة، ومن دون ذلك فلا يمكن القول بمشروعية محاربتهم وقتالهم بقصد قتلهم بعنوان أن ذلك (جهاد) بالمعنى المصطلح.
ولكن الجهاد بالمعنى المصطلح لا يكون إلا ضد المحاربين، وهؤلاء الحكام وأعوانهم مسلمون معترفون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ورسالته، فلا يمكن الحكم بكفرهم، وعلى هذا الأساس فقد حقن الإسلام دماءهم.
وأما العنف ضد الأجانب غير المسلمين في بلاد المسلمين فالمراد بالأجانب غير المسلمين هنا هم (الأشخاص، والسفارات، والهيئات الأخرى، والشركات التجارية وغيرها) الموجودون في البلاد الإسلامية بإجازات دخول وإقامة عمل من قبل حكومات البلاد الإسلامية، ولا تضر إقامتهم وعملهم بالمسلمين، ولا توجد حالة حرب فعلية بين المسلمين وبينهم.

رابعا: التكفير
وهو من المصطلحات المهمة التي تطرق لها العلماء القدماء، لكن جد حولها جدالات كثيرة في واقعنا الحاضر توجب على العلماء المعاصرين أن يتصدوا لها ويحددوا مضامينها ويضبطوا مفهومها؛ إذ إن التكفير ارتبط مفهومه بالجهاد باعتباره المبرر الذي يستند عليه من قال بالجهاد ضد المسلمين؛ إذ أن القول بكفر هؤلاء يرفع الحرج الشرعي أمام الذين يقومون بالعمليات الإرهابية باعتبارها جهاداً فيعطيهم الحكم بتكفير الناس الحق في قتالهم وسفك دمائهم، بل إن قتالهم مقدم على قتال الآخرين من اليهود والنصارى وغيرهم –كما يعتقد هؤلاء- الذين لا خلاف على كفرهم.
ومن الأمور التي جرت إلى هذه الفتنة ـ كما يقرر حارب ـ مصطلح الجماعة، ولزوم جماعة المسلمين الذي يعتبر شرطاً لإيمان المؤمن عند التكفيرين وأي الجماعات يجب أن يلتزم به المسلمون ومن يبايع .. ولمن يطيع.. فتلك مسألة لم تحسم بعد عند علماء الأمة بينما حسمها أهل التكفير بأن النجاة والإيمان بلزوم جماعتهم –فمن لم يلتزم بجماعتهم فليس بمؤمن وإن صلى وصام وأعلن الشهادتين- ويترتب على ذلك فسخ عقود الزواج بين من تلتحق بجماعتهم وحل أموال ودماء من خالفهم وتحريم ذبائحهم وعدم الدفن في مقابرهم واعتزالهم وعدم الصلاة خلفهم .. وغير ذلك من الأحكام.
ومصطلح أخر مثل المفاصلة الشعورية، أي أن يعيش الإنسان في مجتمع بينما ينفصل عنه بشعوره وعواطفه وأهدافه ورؤاه، وتستخدم هذه المفاصلة عند الحاجة أو الضرورة كأن يضطر أحدهم للصلاة خلف من لا يؤمن بإسلامه أو إيمانه وأن يأكل من ذبيحته أو غير ذلك، فهو يقوم بهذا الأمر ظاهراً بينما ينفصل عنه بشعوره ويرفضه في قرارة نفسه.
أما مسألة الجاهلية وأحكامها وهل هي جاهلية المعتقد أم جاهلية العمل والسلوك، أما جاهلية الفكر فتلك أيضاً من المصطلحات التي دخل بها هؤلاء على المجتمع المسلم وأصبحت إحدى القضايا التي شغلت الفكر الإسلامي خلال العقود الأخيرة على الرغم من أن أصحاب هذا المصطلح لم يذهبوا عن طرحهم لهذا المصطلح ما ذهب إليه التكفيريون عندما استخدموه لتمرير فكرتهم بكفر المجتمع لأنه لم يعد مجتمعاً مسلماً وإنما عاد مجتمعاً جاهلياً.
ويختم الدكتور سعيد عبد الله حارب بحثه بقوله: لا شك أن التكفير بغير دليل صريح انحراف في الفكر خاصة حين يعتقد صاحبه أنه يمتلك الحق وعليه يقاس الناس وأنه المتولي للحكم عليهم بالإيمان أو الكفر على الرغم من تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك إلا أن هذه الظاهرة ا لتي آمن بها عدد من أبناء المسلمين تحتاج إلى تحرير للمفاهيم والمصطلحات حتى لا تكون سبباً لسفك دماء المسلمين وحتى لا ينقسم المجتمع المسلم إلى طوائف وفرق يكفر بعضها بعضا ويكون الخاسر في ذلك المسلمون أنفسهم.

ليست هناك تعليقات: