الأربعاء، 24 يونيو، 2009

كلمات في الوسطية الإسلامية ومعالمها




وصفي عاشور أبو زيد
باحث مصري في العلوم الشرعية


ضمن سلسة "كتاب الأمة الوسط" التي يصدرها المركز العالمي للوسطية بالكويت صدر كتاب جديد للعلامة الشيخ يوسف القرضاوي بعنوان: "كلمات في الوسطية الإسلامية و معالمها" .

مفهوم الوسطية والمصدر الحقيقي للتوازن
عرف الشيخ الوسطية بأنها التوسط أو التعادل بين طرفين متقابلين أو متضادين؛ بحيث لا ينفرد أحدهما بالتأثير، ويطرد الطرف المقابل، وبحيث لا يأخذ أحد الطرفين أكثر من حقه، ويطغى على مقابله ويحيف عليه، ومثال الأطراف المتقابلة أو المتضادة: الربانية والإنسانية، الروحية والمادية، الأخروية والدنيوية، الوحي والعقل، الماضوية والمستقبلية، الفردية والجماعية، الواقعية والمثالية، الثبات والتغير، وما شابهها، على أن يكون هناك توازن بينها فيُفسَح لكل طرف منها مجاله، ويُعطَى حقه بالقسط أو بالقسطاس المستقيم، بلا وَكْس ولا شطط، ولا غلو ولا تقصير، ولا طغيان ولا إخسار، وهذا بالطبع مما يعجز عنه الإنسان بعقله المحدود، وعلمه القاصر، فضلا عن تأثير ميوله، ونزعاته الشخصية، والأُسرية والحزبية، والإقليمية والعنصرية، وغلبتها عليه من حيث يشعر أو لا يشعر، ومن هنا فإن القادر على إعطاء كل شيء في الوجود -ماديا كان أو معنويا- حقه بحساب وميزان هو الله؛ الذي خلق كل شيء فقدَّره تقديرا، وأحاط بكل شيء خبرا، وأحصى كل شيء عددا، ووسع كل شيء رحمة وعلما.

مزايا الوسطية وفوائدها
ويقرر الشيخ القرضاوي أن من مزايا الوسطية وفوائدها أنها أليق بالرسالة الخاتمة والخالدة، فقد يجوز في رسالة مرحلية محدودة الزمان والإطار أن تعالج التطرف في قضية ما بتطرف مضاد، فإذا كان هناك مبالغة في الدعوة إلى الواقعية قوِّمت بمبالغة مقابلة في الدعوة إلى المثالية، وكذلك النظرة بين النزعة المادية في اليهودية، والنزعة الروحية في النصرانية، ومن هنا كان لا بد من العودة إلى الحد الوسط، وإلى الصراط السوي؛ فتعتدل كفتا الميزان. وهذا ما جاءت به رسالة الإسلام بوصفها رسالة عالمية خالدة.
ومن معاني الوسطية وميزاتها بما يميزها عن غيرها من الأمم أنها تعني العدل والاستقامة، وهي دليل الخيرية كما أنها تمثل الأمان، وهي دليل القوة ومركز الوحدة، ويتناول الشيخ هذه المعاني بشكل مبسط يبين فيه وجه الوسطية مع هذه المعاني مما يميز الأمة المسلمة عن غيرها من الأمم.

مظاهر وسطية الإسلام
ويبين الشيخ القرضاوي أن للوسطية في الإسلام مظاهر متعددة في مجالات متنوعة، فالوسطية الإسلامية كامنة في الاعتقاد، والعبادات والشعائر، والأخلاق، والتشريع.
ففي مجال الاعتقاد نجد الإسلام وسطا بين الخرافيين الذين يصدقون بكل شيء، ويؤمنون بغير برهان، وبين الماديين الذين ينكرون كل ما وراء الحس، كما أنه وسط بين الملاحدة الذين لا يؤمنون بإله قط، وبين الذين يعددون الآلهة، حتى عبدوا الأبقار، وألَّهوا الأوثان والأحجار! وهو وسط بين الذين يقدسون الأنبياء حتى رفعوهم إلى مرتبة الألوهية أو البنوة للإله... وبين الذين كذبوهم واتهموهم، وصبوا عليهم كؤوس العذاب، وهو وسط بين الذين يؤلِّهون الإنسان، وبين الذين جعلوه أسير جبرية اقتصادية أو اجتماعية أو دينية.
وفي مجال العبادات والشعائر نجد الإسلام وسطا بين الأديان والنِّحَل التي ألغت الجانب (الرباني) -جانب العبادة والتنسك والتأله- من فلسفتها وواجباتها؛ كالبوذية التي اقتصرت فروضها على الجانب الأخلاقي الإنساني وحده.. وبين الأديان والنِّحل التي طلبت من أتباعها التفرغ للعبادة والانقطاع عن الحياة والإنتاج؛ كالرهبانية المسيحية، فالإسلام يطلب من المسلم أداء شعائر محدودة، ثم يطلقه بعد ذلك ساعيا منتجا، يمشي في مناكب الأرض، ويأكل من رزق الله.
وفي مجال الأخلاق نجد الإسلام وسطا بين غلاة المثاليين الذين تخيلوا الإنسان ملاكا أو شبه ملاك، وبين غُلاة الواقعيين الذين حسبوه حيوانا أو كالحيوان، فالإنسان في نظر الإسلام مخلوق مُركب: فيه العقل، وفيه الشهوة. فيه غريزة الحيوان، وروحانية الملاك، وهو وسط في النظرة إلى الحياة بين الذين أنكروا الآخرة، واعتبروا هذه الحياة الدنيا هي البداية والنهاية وبين الذين رفضوا هذا الحياة، وألغوا اعتبارها من وجودهم، واعتبروها شرا يجب مقاومته، والفرار منه؛ فحرَّموا على أنفسهم طيباتها وزينتها.
وفي مجال التشريع نجد الإسلام وسطا في التحليل والتحريم بين اليهودية التي أسرفت في التحريم، وكثرت فيها المُحرَّمات، مما حرَّمه إسرائيل على نفسه، ومما حرَّمه الله على اليهود، جزاء بغيهم وظلمهم، وبين المسيحية التي أسرفت في الإباحة، حتى أحلت الأشياء المنصوص على تحريمها في التوراة، فالإسلام قد أحلَّ وحرَّم، ولكنه لم يجعل التحليل ولا التحريم من حق بشر؛ بل من حق الله وحده، ولم يُحرم إلا الخبيث الضار، كما لم يُحل إلا الطيب النافع.
ومن المظاهر الفريدة في وسطية الإسلام أنه وازن بين الفردية والجماعية، بعكس التيارات الفلسفية والفكرية التي جاء بعضها ليطلق حرية الإنسان في كل شيء، والمذاهب الأخرى التي جاءت لتجعل خصوصيات الفرد مشاعا للمجتع كله.

صلة الشيخ بالوسطية
وتحت عنوان: "صلتي بالوسطية" يتتبع الشيخ القرضاوي صلته بها منذ قديم مبينا أن الله تعالى أكرمه بتبني هذا التيار الوسطي من قديم، ولم يكن ذلك اعتباطا، ولا تقليدا لأحد، أو اتباعا لهوى، ولكن لما قام عنده من الدلائل الناصعة، والبراهين القاطعة على أن هذا المنهج هو الذي يُعبِّر عن حقيقة الإسلام.. فلا يعني به إسلام بلد من البلدان، ولا فرقة من الفرق، ولا مذهب من المذاهب، ولا جماعة من الجماعات، ولا عصر من العصور، إنما يقصد به الإسلام الأول قبل أن تشوبه الشوائب، وتلحق به الزوائد والمبتدعات، وتُكدِّر صفاءه الخلافات المفرِّقة للأمة، ويصيبه رذاذٌ من نِحل الأمم التي دخلت فيه، وتلتصق به أفكار دخيلة عليه، وثقافات غريبة عنه.
وقد ظهر ذلك عند الشيخ منذ أكثر من خمسين عاما في كتابه: "الحلال والحرام في الإسلام" الذي أورد في مقدمته كلاما طيبا يبين فيه انقسام الناس إلى فريقين: فريق مقلد للغرب حذو القذة بالقذة، يقلده في كل شيء ويأخذ عنه كل شيء، وافق الإسلام أم لم يوافقه، وفريق آخر جمد على آراء معينة في مسائل الحلال والحرام، تبعا لنص أو عبارة في كتاب، وظنَّ ذلك هو الإسلام؛ فلم يتزحزح عن رأيه قيد شعرة، ولم يحاول أن يمتحن أدلة مذهبه أو رأيه، ويزنها بأدلة الآخرين، ويستخلص الحق بعد الموازنة والتمحيص .
وزاد تأكيده لهذا المنهج وتركيزه عليه ما لمسه من الضرورة إليه منذ طلع فجر الصحوة الإسلامية المعاصرة منذ أوائل السبعينات من القرن العشرين؛ أي منذ أكثر من أربعين سنة من الزمان.

الوسطية هي حبل النجاة
وإذا كان الأمر كذلك فإن الوسطية هي حبل النجاة ، وسفينة الإنقاذ اليوم لأمتنا العربية والإسلامية من التيه والضياع -بل الهلاك والدمار- الذي يُهدد حاضرها ومستقبلها؛ ذلك أن معظم قضاياها الفكرية والعملية الكبرى تضيع فيها الحقيقة بين طرفين متباعدين: طرف الغلو أو التطرف أو التشدد أو الإفراط، والطرف الآخر هو طرف التسيب والتفريط والتقصير والإضاعة.
لهذا كان لزاما على ورثة الأنبياء من العلماء -الذين يحملون عِلْم النبوة، وميراث الرسالة، أن ينفوا عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين- أن يتبنوا منهج الوسطية، ويبينوه للناس، ويدافعوا عنه، ويُجَلّوا مزاياه.

معالم الوسطية
وحتى لا يدَّعي هذا المنهج (الوسطية) مَن لا يفقهه ولا يعيه، ولا يخوض أحد بلا علم ولا هدى ولا كتاب منير كان لزاما على الشيخ أن يضع للقارئ المسلم معالم أو ملامح أو ضوابط؛ تحدد الأصول الفكرية والشرعية لهذا التيار أو هذا المنهج، لتكون منارات تهدي من أراد الاهتداء بهذا المنهج، والسير في ضوئه على نور وبينة، وقد سطر منها ثلاثين معلما، ذكرها بشيء من التفصيل ونحن هنا نذكرها باختصار على النحو التالي:
1- الفهم الشمولي التكاملي للإسلام. 2- الإيمان بمرجعية القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، للتشريع والتوجيه. 3- ترسيخ المعاني والقيم الربانية. 4- فهم التكاليف والأعمال فهما متوازنا، يضعها في مراتبها الشرعية، وينزل كل تكليف منزلته. 5- تأكيد الدعوة إلى تجديد (الفقه القرآني والنبوي). 6- التركيز على القيم الأخلاقية التي عنى بها الإسلام. 7- تجديد الدين من داخله، وإحياء مبدأ الاجتهاد. 8- الموازنة بين ثوابت الشرع ومتغيرات العصر. 9- تبني منهج التيسير والتخفيف في الفقه والفتوى. 10- تطوير مناهج الدعوة إلى الإسلام للمسلمين ولغير المسلمين مع تبني منهج التبشير في الدعوة، ليتكامل مع التيسير في الفتوى. 11- التدرج الحكيم: في الدعوة والتعليم والإفتاء والتغيير. 12- تأكيد الدعوة إلى المزج بين الروحانية والمادية، بين الربانية والإنسانية، بين العقل والوجدان. 13- الدعوة إلى السلام مع كل من بسط يده للسلام، مع التمسك بفرضية الجهاد في سبيل الله للدفاع عن حرمة الدين والمقدسات، وعن المستضعفين في الأرض. 14- توعية الأمة بأن الجهاد مفروض عليها فرض عين لتحرير أرضها من كل سلطان أجنبي. 15- الاعتراف بحقوق الأقليات الدينية ومعاملتهم بما أوجبه لهم الإسلام. 16- احترام العقل والتفكير، والدعوة إلى النظر والتدبر. 17- الدعوة إلى المبادئ والقيم الإنسانية والاجتماعية، مثل: العدل والشورى والحرية والكرامة، وحقوق الإنسان. 18- توكيد ما جاء به الإسلام من إعطاء المرأة حقوقها ومكانتها وكرامتها. 19- العناية بأمر الأسرة، باعتبارها الدعامة الأولى لقيام المجتمع الصالح. 20- احترام حق الشعوب في اختيار حكامها من الأقوياء الأمناء، دون تزييف لإرادتها. 21- تقوية اقتصاد الأمة، والعمل على تكاملها فيما بينها، حتى تكتفي اكتفاء ذاتيا. 22- الإيمان بوجود الأمة الإسلامية وخلودها، والإيمان بفرضية وحدتها، وبالأخوة الدينية بين أبنائها، على اختلاف مدارسها ومذاهبها. 23- تحسين الظن بكل من شهد الشهادتين، وصلى إلى القبلة، ولم يصدر منه ما يخالفها بيقين. 24- العناية بالأقليات الإسلامية في العالم، باعتبارها جزءا من الأمة المسلمة، وعلى الأمة أن تعينهم على أن يعيشوا بإسلامهم في مجتمعاتهم. 25- الإيمان بالتعددية الدينية والعرقية واللغوية والثقافية والسياسية، وضرورة التعايش بين الحضارات، والتلاقح بين الثقافات. 26-العناية بعمارة الأرض، وتحقيق التنمية المتكاملة، مادية وبشرية، ورعاية البيئة بكل مكوناتها. 27- حث دعاة الإصلاح والتغيير على مقاومة التخلف والفساد. 28- العمل على تجميع كل القوى العاملة لنصرة الإسلام في صف واحد، والاختلاف والتعدد بين العاملين لا يضر إذا كان اختلاف تنوع وتخصص لا اختلاف صراع وتناقض. 29- الإشادة بما قدمته أمتنا من منجزات تاريخية بهرت العالم، ومن فتوحات في زمن قياسي، وعدم الاكتفاء بالتغني بأمجاده، بل واجبنا هو استلهام الماضي، والارتقاء بالحاضر واستشراف المستقبل. 30- الانتفاع بأفضل ما في تراثنا الرحب المتنوع: من ضبط الفقهاء، وتأصيل الأصوليين، وحفظ المحدثين، وعقلانية المتكلمين، وروحانية المتصوفين، ورواية المؤرخين، ورقة الأدباء والشعراء، وتأمل الحكماء، وتجارب العلماء، مع العلم بأن هذا التراث كله غير معصوم، فهو قابل للنقد والمراجعة والمناقشة والترجيح أو التضعيف. ولكن الأمة في مجموعها لا تجتمع على ضلالة.

ليست هناك تعليقات: