الثلاثاء، 17 يونيو، 2008

ثوابـت الإيمـان بعـد رمضـان



قراءة في كتاب:
ثوابـت الإيمـان بعـد رمضـان
بقلم -
وصفي عاشور أبو زيد

في بداية رمضان يقبل المسلمون على المساجد وتنتعش في قلوبهم معاني الإيمان، فتشف النفس وينشرح الصدر وتسمو الروح وتقترب الدمعة ويعيش المسلم الصائم أسمى لحظات الإيمان والرضا، ثم تأخذ أعداد المصلين في التناقص شيئا فشيئا، فإذا ما انقضى رمضان عادت المساجد إلى ما كانت عليه قبل رمضان بالرغم من تحذير الخطباء الذي نسمعه كل عام: "كن ربانيا ولا تكن رمضانيا، وإذا كان رمضان مضى فإن الله هو رب رمضان ورب باقي الشهور".

حمل النسخة الكاملة للكتاب
لكن.. لماذا نشهد هذا التراجع في العبادة بعد رمضان؟ وكيف نوازن بين مطالب الدنيا والاستعداد للآخرة؟ وما الوسائل والأساليب التربوية العملية لمجاهدة النفس وحملها على المكارم والثوابت الإيمانية؟
للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها يطالعنا د.صلاح الدين سلطان بكتابه الصادر في شوال 1428هـ تحت عنوان: "ثوابت الإيمان بعد رمضان"، وهو العدد الخامس ضمن سلسلة قضايا اجتماعية وإسلامية التي ينشرها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمملكة البحرين.
ويبحث هذا الكتاب عن الحلول العملية، ويقدم رؤية راصدة للواقع بآلامه وآماله بشأن ظاهرة تراجع الإيمان بعد رمضان، ويطرح تساؤلات حولها، ليست عتابا، بل مراجعة وإنصافا من النفس، ثم يعرض مقارنة بين ثوابت الدنيا الفانية والآخرة الباقية، ثم يقترح أربعة ثوابت لا يحق لمسلم أن تكون واحدة منها بين اهتمام وإهمال، وأخيرا يقدم رؤية عملية تساعد من أراد أن يرقى بنفسه وينجو من عذاب ربه، ويحسن إلى نفسه وأهله ومجتمعه، فيقاوم هذا الفتور بعد النشاط لتتحقق صبغة الله في حياتنا حتى لا تتحول العبادات والشعائر إلى مواسم متقطعة، فجاءت دراسة ـ كما قال عبد الله بن خالد آل خليفة رئيس المجلس في تقديمه للكتاب ـ "تجمع بين النص والفكر، والأصل والواقع، والألم والأمل، والعمل بهذه الثوابت التي يجب أن تلازم المسلم في كل زمان ومكان".
رمضان بين الأمل والألم
يستعرض د. صلاح سلطان هنا علامات الأمل وأمارات الفرحة البالغة التي تظهر في الأمة مع قدوم رمضان؛ حيث الإقبال الكبير على الصلوات في المساجد، وقيام الليل ، والبرامج الدعوية في المساجد والفضائيات وغيرها، وموائد الرحمن التي تنتشر في كل مكان، ودعوات بين الأهل وذوي الرحم للقاء والإفطار، وصدقات تجري كالريح هنا وهناك، وشغف برحلات العمرة، ولقاءات بين القيادات الإسلامية لمناقشة هموم الأمة وقضاياها الكبرى، وحيوية في الشوارع من زينة ولوحات وتهنئات، وفعاليات عديدة تحيي القلوب وتذكر النفوس بالأقصى الأسير وأهل فلسطين... إلخ
ثم ما يلبث هذا كله أن يعقبه ألم كبير وكأن صلاة عيد الفطر علامة فاصلة بين رمضان وما بعده، فتعود المساجد خاوية كأن لم تغن بالأمس، ويفتر كثير من المسلمين عن قيام الليل، وتنمحي علامات الخير والبر والصدقة وموائد الرحمن إلا ما رحم ربي، وتتراجع الأسر والأرحام والأهل والأصحاب عن الاجتماع والتواصل ، وتتقلص البرامج الدينية سواء في المساجد أو على الفضائيات الإسلامية، ويعود المدخنون إلى هذه العادة الخبيثة، ويشكو القرآن من شوال إلى شعبان طول الهجران واستمرار النسيان.
تساؤلات لإنصاف النفس
ويطرح د.صلاح مجموعة من التساؤلات التي يجب علينا طرحها على أنفسنا قبل أن يسألنا إياها ربنا يوم اللقاء.
من منا كان يأكل القديد من العيش فرزقه الله ألوانا وأصنافا من الطعام ثم عاد إلى القديد والقليل؟!
من منا كانت تغسل الملابس أو الأواني بيديها ثم صارت تغسل في غسالات تجفف الملابس ثم استغنت عن ذلك ورجعت تغسل بيدها؟!
من منا كان يضرب أكباد الإبل لزيارة الأهل والإخوان والشعوب ثم صارت الرسائل والهواتف والنقال والإنترنت، فاخُتصرت المسافات والأوقات لدرجات مهولة، ثم عاد إلى السعي على قدميه أو ركوب دابة ليصل إلى حيث يريد؟!
من منا يذكر يوم أن كان عنده ثوبان أو ثلاثة يقضي بها كل المناسبات ثم صار يلبس كل يوم جديدا، ثم عاد بعد ذلك إلى ملبس أو ملبسين؟!
من منا يذكر يوم أن كان يفترش الأرض ويلتحف السماء وإن أكرم نفسه نام على جلد ماعز أو غنم، ثم صار في غرف النوم، حيث السرر مرفوعة والأكواب الموضوعة والنمارق مصفوفة والزرابي المبثوثة و... و... و...، ثم عاد إلى افتراش الأرض والتحاف السماء؟!
وهكذا يمضي بنا د. صلاح سلطان بمصداقية عالية ليعدد التناقضات ويرصد التقلبات في حياتنا؛ فلا يوجد أحد منا إلا مر بها، ثم يأخذنا إلى حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - القدوة والأسوة، ويشرح لنا كيف كان يعيش.
فلم يعرف منزل النبي - صلى الله عليه وسلم - الأثاث ولا الرياش، بل كان لا يجد ما يفرشه لضيفه سوى وسادة من ليف، ولم يعرف بيته مطبخا ولا فرنا، بل كان يمر الهلال والهلالان والثلاثة ولا يوقد في بيته نار، ولم يجد آل محمد - صلى الله عليه وسلم - التمر في كل أوقاتهم، وما شبع من خبز بر مأدومٍ ثلاثة أيام حتى لحق بالله.
وربما يتبادر إلى الذهن سؤال بعد عرض هذه التقلبات الحياتية والحياة النبوية، وهو سؤال محق وواقعي: هل حرام أن نستمتع بهذه الطيبات والزينات من الأطعمة والملابس والمراكب والمخترعات؟!
والجوب بالنفي، لكن يجب أن نتأمل كيف توسعنا في ثوابت الدنيا "الحلال" الفانية، وقللنا ثوابت الآخرة الباقية، فالمطلوب التوازن والاعتدال، وإعطاء كل دار ما تستحق من العمل والاجتهاد، وفي القرآن الكريم والسنة النبوية العديد من النصوص التي تبيح التمتع بالدنيا وتبين قيمتها، وتحذر من إغفال الآخرة وتوضح بقاءها ومكانتها.
ثوابت الإيمان في حياتنا
إذا علم المسلم قيمة الدنيا ومكانة الآخرة، ثم ذاق حلاوة الطاعة في رمضان، فإنه لا يسعه في هذه الصراحة مع النفس إلا أن يسعى إلى تثبيت عباداته في يومه وليله حتى تكون جزءا من

كيانه، وعلامة على صدق إيمانه، وقد عدد د.صلاح من هذه الثوابت أربعة:
الأول: من زيارة المساجد إلى عمارتها، فهناك من المسلمين من يقاطع المسجد، وهناك من هو زوار لها، وهناك صنف آخر قلبه معلق بالمسجد لا يستطيع العيش بدون أن يعمر بيت الله: "إنما يَعْمُرُ مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين". (التوبة:18). وفي قراءة: "إنما يُعَمِّرُ...". فلا يسع أي مسلم إلا أن يعمر بيوت الله ابتغاء هذا الثواب الكبير والأجر الجزيل، بأن نستمر في التردد على المساجد لأداء الصلوات، والعمل على توسيع دور المسجد ليقوم بمهمته الشاملة كما كان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه.
الثاني: تعاهد القرآن تلاوة وفهما وعملا ودعوة، فلنعترف أننا نقرأ القرآن إذا قرأناه ونحن مرضى القلوب؛ لأن القرآن الذي صنع جيلا فريدا وحضارة شامخة لم يتغير، وإنما نفوسنا هي التي تغيرت، ومن هنا وجب أن نتعامل مع القرآن معاملة خاصة، فنتعلم أحكام التجويد، وننتظم بدقة في قراءة الورد اليومي وليكن بعد صلاة الفجر وقت البركة، ونعايش الآيات وندرب أنفسنا على التفكر والتدرب ولنبدأ بالتقاط آية وجدنا معها أنفسنا فنتأملها طول اليوم لنجد فتوحات لا حدود لها، وننتظم في حلقة قرآنية أسبوعية للفهم والمدارسة والتعلم، ونضع معنى عمليا كل أسبوع تحتاج النفس أن تحمل عليه، ثم نعلِّم الناس هذا الكتاب مما تعلمناه، ولا مانع شرعا من جعل جزء لصلاة قيام الليل قراءةً من المصحف.
الثالث: الانتظام في ورد دائم من الصيام بعد رمضان، فهي من الثوابت المهمة والثمرات الطيبة التي يخرج بها المسلم من رمضان وقد عاش حلاوة الصيام ولمس أثره من تقريب للدمعة وشفافية في النفس وصفاء في القلب والعقل، فهناك صيام النذر والكفارات من الفروض، ومن المندوبات هناك صيام الستة من شوال، ويوم عرفة، وعاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، والإثنين والخميس، وصيام يوم وإفطار يوم، ومن صام يوما في سبيل الله باعد الله به وجهه عن النار سبعين خريفا، كما جاء في الصحيح.
الرابع: المشاركة الفعالة في أعمال البر والنفع العام، فشهر رمضان تكثر فيه أعمال البر والخير، ومن ذاق حلاوة عمل الخير والإحسان حري به أن يواصل مسيرته بعد رمضان، فأجر الإنفاق وأعمال البر والخير معلوم للجميع، وكم نعاني في حياتنا من الرتابة والملل وأوقات الفراغ التي نضيعها هدرًا، فأولى بنا توظيف هذا الوقت في العمل الخيري والنفع العام، ففي ذلك حل لكثير من مشكلاتنا النفسية والاجتماعية والمجتمعية.
نحو الثبات على الطاعات
ومن مواضع القوة في هذا الكتاب أنه لم يكتف برصد واقعنا بين الأمل والألم، ومواجهة النفس بتساؤلات واقعية وصريحة، بل رسم لنا طريق النجاة، ووضح لنا سبل الهداية، فحدثنا عن خطوات عملية نحافظ بها على إيماننا، ونجعله دائما في زيادة ونماء، وقد أورد د. صلاح سلطان خطوتين، هما: العلم، ومجاهدة النفس.
الخطوة الأولى: العلم:
ففضل العلم ومكانة العلماء أشهر من أن نورد فضلها وثوابها في الدنيا والآخرة، فالعلم أول باب لمعرفة الرحمن، وفهم رسالة الإسلام، ومعرفة مداخل الشيطان؛ ولذلك فإن فقيها واحدا أشد على الشيطان من ألف عابد.
ومن هنا يقترح د. سلطان أن ننتظم في حلقات قرآنية نتعلم فيها التجويد والتفسير والحفظ، ونقرأ الأربعين النووية ورياض الصالحين، ودراسة السيرة النبوية من "الرحيق المختوم" أو كتاب موثق، ودراسة الأخلاق الإسلامية، ومن أفضلها "خلق المسلم" للغزالي، ودراسة العقيدة الإسلامية من كتابيّ "العقيدة الطحاوية" و "العقائد الإسلامية" لسيد سابق، ودراسة مصطلح الحديث من "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان، ودراسة كتاب في أصول الفقه وأيسرها "تيسير أصول الفقه" للدكتور عبد الله الجديع، و"مدخل للفقه الإسلامي" لمحمد مصطفى شلبي.
وتعميق الصلة باللغة العربية والشعر والنثر لتكوين الملكة اللغوية والأدبية، وقراءة كتاب: "شمس الله تشرق على الغرب" للدكتورة نجريد هونكا، وهو أفضل ما كتب عن روائع الحضارة الإسلامية، والقراءة عموما في كتب العلماء الموثوق بهم، خاصة أولئك الذين يجمعون بين الحجة الشرعية والخشية القلبية، ويلتزمون منهج الإسلام في الوسطية، ومتابعة نشرات الأخبار ليعرف المسلم ما يجري في العالم؛ اهتماما بواقع المسلمين.
الخطوة الثانية: مجاهدة النفس:
فإذا كان العلم يزيل الشبهات، فإن مجاهدة النفس تلجم الشهوات، فتكبح جماحها وتملك زمامها، وتحملها على ما يرضي ربها، وقد عرفها د. سلطان بأنها حمل النفس على أداء الواجبات، والتزام المكارم والمروءات، وترك المحرمات، والترفع عن السفاسف والمكروهات.
ولمجاهدة النفس أهمية لا تخفى، فمهما جلس الإنسان في قاعات التدريس في أحسن الجامعات فتعلم فنون الخطابة وقواعد السباحة وآداب القيادة للسيارات، أو توسع في حفظ النصوص الشرعية واستظهارها عن فضل القيام والصيام مع الخضوع والخشية - فلن يتحصل له الصلاح والإصلاح واستقامة النفس إلا بمجاهدتها ومعالجتها، وأن يعصر قلبه ويظل ذاكرا لله تعالى، ذاكرا لذنبه، متذكرا موقفه بين يدي ربه، وعندئذ سيتذوق حلاوة هذه المجاهدة ويحيا حياة طيبة.
ويورد الدكتور صلاح صورا من مجاهدة النفس عبر التاريخ والسيرة من خلال قصة طالوت وجالوت، وعرب الجاهلية لما أسلموا، وقصص الجهاد والتضحية والفداء في جيل الصحابة الذين لم يتأت لهم ذلك إلا بمجاهدة النفس، وكثير من المسلمين الذين هاجروا إلى بلاد الغرب فلم يستجيبوا للشهوات والإغراءات على كثرتها، بل ظلوا أوفياء لدينهم وأمتهم وأخلاقهم من خلال مجاهدة النفس بالليل والنهار، والعمل الدعوي المتواصل ليحيا الناس بالإسلام ويسعدوا به.
ويضع د.صلاح - عضو المجالس الفقهية في أمريكا وأوربا والهند - في نهاية الكتاب قواعد وأساليب خاصة تعين على مجاهدة النفس لا تغني إحداها عن الأخرى، وجعل منها قواعد عامة وقواعد خاصة.
فمن القواعد العامة: إحياء حب الله تعالى في القلب عن طريق العبادات المتنوعة من ذكر وصلاة وصيام وتفكر وغيرها، وإحياء الخوف من الله تعالى عبر التدبر في مصارع الظالمين ومهالك الفاسقين، واستحضار عظيم نعمة الله مع عظيم تقصيرنا نحوه، وقوة الإرادة والعزيمة على مواجهة النفس بجناحي الخوف والرجاء والرهبة والرغبة.
أما القواعد والأساليب الخاصة فهي تعتمد على صدق العبد مع ربه، ومعرفته بمواضع ضعفه وقوته فلا يضع نفسه في موضع يعلم أن نفسه ستئول فيه للميل مع الهوى ومخالفة الرشاد والهدى.
ويسوق الدكتور أمثلة لذلك بألا يجعل المسلم نفسه أسيرا لعادة، كشراب متكرر من الشاي أو القهوة، ويترك بين فترة وأخرى على المائدة نوعا من الطعام، وهو أحب الأنواع إليه، لتهذيب سطوة النفس في التلذذ بالطعام، ومجاهدة النفس على الاعتدال في النفقة، والخروج من حالة الخرس الزوجي بين الزوجين بالكلمة الطيبة واستشعار أجر ذلك، وحمل النفس على القراءة والتثقيف، وأن يظل على وضوء دائم، ومن فاتته أي طاعة من الطاعات التي يلزم بها نفسه فليفرض على نفسه أنواعا من العقوبات بأن يحرمها من بعض العادات، وحبذا لو كان العقاب من جنس الطاعة التي فرط فيها.
والواقع أن هذا الكتاب على صغر حجمه قد حوى معاني عظيمة ومعالم إيمانية كبيرة جديرة بأن يتأملها كل مسلم، لا سيما أن صاحبه قد جمع فيه بين كل من التأصيل الشرعي، والجوانب التربوية والإيمانية، و الدعوية والحركية.
باحث مصري في العلوم الشرعية

ليست هناك تعليقات: