السبت، 2 فبراير، 2008

كن فقيها صوفيا ولا تكن صوفيا فقيها


كن فقيها صوفيا ولا تكن صوفيا فقيها
وصفي عاشور أبو زيد
**- 22/02/2005
الفقه والتصوف وجهان لعملة واحدة؛ فلا يصح أن ينفك أحدهما عن الآخر، ولا غنى للفقيه والمتصوف عنهما معا إلا إذا استغنت الروح عن الجسد؛ فعلى الفقيه أن يكون متصوفا كما على المتصوف أن يكون فقيها.
ذلك أن الفقيه وارث النبوة وناطق بحكم الله في الأرض، وموقِّع عن رب العالمين؛ فينبغي أن يكون فيه من التقوى والورع والزهد والعزة وكل قيم التصوف الحقيقي ما يمنعه من الانزلاق في الفتوى والحكم من أجل سيف المعز وذهبه، أو رهبة من سطوة الحكام ورغبة فيما عند الأثرياء.
والمتصوف يسلك طريقا كله أذواق ومواجيد، وربما يسرح في هذا الطريق على غير هدى فيضل ضلالا بعيدا، ولا يصح وهو يريد الوصول إلى الله والقرب من جنابه المهيب أن يسلك طريقا لم يشرعه -سبحانه- للتقرب إليه؛ فينبغي على المتصوف أن يكون لديه من الفقه ومعرفة الأحكام والحلال والحرام ما يمنعه من الزيغ واتباع الهوى، ويعصمه من الانحراف والضلال، ويُبلغه معافًى إلى ما يريد، ويقربه إلى جناب الله الكريم.
الفقه أعم وأشمل
وبهذا يتحكم الفقه في التصوف ويحكم عليه؛ لأنه أعم منه وأشمل، وهو الموجه له والضابط لطريقه، ومن هنا قال الشيخ زروق: "حكم الفقه عام في العموم؛ لأن مقصده إقامة رسم الدين ورفع مناره، وحكم التصوف خاص في الخصوص؛ لأنه معاملة بين العبد وربه من غير زائد على ذلك، فمن ثم صح إنكار الفقيه على الصوفي، ولا يصح إنكار الصوفي على الفقيه، ولزم الرجوع من التصوف إلى الفقه، والاكتفاء به دونه.. ولذلك قيل: كن فقيهًا صوفيًّا، ولا تكن صوفيًّا فقيهًا".
(1)
ولا شك أن النهي في هذه العبارة: "كن فقيهًا صوفيًّا، ولا تكن صوفيًّا فقيهًا" ليس محمولا على الحرمة عند القوم، ولكنه يدور على الأفضلية، وأنه لا بد من الرجوع بالتصوف إلى الفقه حتى يتم ضبطه وتوجيهه الوجهة الصحيحة؛ ولذلك فضلوا الفقيه المتصوف على الصوفي المتفقه، ويقرر الشيخ زروق هذا المعنى معللا: "وصوفي الفقهاء أكمل من فقيه الصوفية وأسلم؛ لأن صوفي الفقهاء قد تحقق بالتصوف حالا وعملا وذوقًا، بخلاف فقيه الصوفية فإنه المتمكن من عمله وحاله، ولا يتم له ذلك إلا بفقه صحيح وذوق صريح". (2)
ومعنى آخر مهم في هذه المعادلة وهو أن عبارة الفقيه فيها من الدقة والصرامة والصلابة ما تحتاج معه إلى نداوة التصوف وإشراق القرب من الله، فلا يكون على كلامه نور، ولا لأحكامه قبول، أو لفتاواه توفيق دون تحققه بمقامات العابدين وسَيْرِه قُدُمًا في طريق السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين.
كما أن عبارة الصوفي يصل فيها التوهج إلى درجة لا تكاد تبصر معها وجه الصواب، ولا تهتدي إلى المعنى المراد؛ لما يكتنفها من غموض ويحيط بها من إغلاق، فلا يكون لكلام الصوفي قبول أيضا إلا إذا حقق تصوفه وضبطه بأحكام الفقه، وجمع بين الشريعة والحقيقة، فلا يَسْرح العقل إلا بقدر ما يُسرِّحه الشرع، ولا تهيم الروح إلا بما تضبطها أحكام الفقه، كما أننا نقرأ الشرع بالعقل، ونحكم العقل بالشرع.
مخاطر التصوف بلا فقه
ولكي نقف على خطورة التصوف بلا فقه، وعدم ضبط الحقيقة بالشريعة، لا بد من الوقوف على أثر ذلك؛ فالمتصوف المنفلت من الشرع لا يشك أحد في أنه يضل ويزيغ؛ لأنه حتمًا سيصل إلى طريق غير مشروع، وربما تطور أمره واستفحل إلى دوائر التصوف الأخطر عاقبة وهي الإلحاد والكفر، فتصوف بغير فقه محقَّقُ الضلال والزيغ.
أما الفقيه فإن عدم تحققه بالتصوف ليس بخطورة المتصوف غير المتحقق بالفقه، وإن سبَّب ضعفُ ذلك نقصا أو خللا عنده، فمتى اتبع الفقيه القواعد الفقهية وأصول الفقه، ووقف على علوم الشريعة المختلفة وعلوم اللغة العربية وطرائق استعمالها التي توصله إلى الاستنباط الصحيح والحكم السليم.. فلا يشك أحد في إمكانية وصوله إلى الصواب، أما مسألة القبول عند الناس، أو أن يكون على كلامه نور فهذه ترجع إلى مدى تحقق الفقيه بمعاني العبودية واستشعاره لعظمة الربوبية، غير أن ضعف وجود هذه القيم في الفقيه أهون خطرا وأقل أثرا من عدم تحقق المتصوف بالفقه.
وعلى كل حال فلا غنى للفقيه عن التصوف ولا غنى للصوفي عن التفقه، على الرغم من أن صوفي الفقهاء أكمل وأسلم من فقيه الصوفية، وبرغم من أننا لا بد أن نرجع بالتصوف إلى الفقه، أو كما قال ابن عجيبة في شرحه للحكم العطائية: "لا تصوف إلا بفقه؛ إذ لا تعرف أحكام الله تعالى الظاهرة إلا منه، ولا فقه إلا بتصوف؛ إذ لا عمل إلا بصدق توجه، ولا هما إلا بإيمان؛ إذ لا يصح واحد منهما بدونه، فلزم الجمع لتلازمهما في الحكم كتلازم الأرواح للأجساد".
(3)
اقرأ أيضا:
مستشرق فرنسي: الصوفية هي الحل
عثمان بن فوديو.. شيخ الصوفية المجاهدة
داعية فقيه أم فقيه داعية؟
** باحث في العلوم الشرعية
(1) قواعد التصوف: 15. صححه ونقحه محمد زهري النجار. مكتبة الكليات الأزهرية. بدون تاريخ.
(2) انظر السابق: نفس الموضع.
(3) إيقاظ الهمم في شرح الحكم: 5. طبعة الحلبي. مصر. ط ثالثة. 1402هـ/ 1982م.

ليست هناك تعليقات: