السبت، 2 فبراير، 2008

الدكتور محمد عمارة لـ"إسلام أون لاين.نت"محمد عبده المهندس الأكبر لحركة التجديد والإصلاح ـ حوار


الدكتور محمد عمارة لـ"إسلام أون لاين.نت"محمد عبده المهندس الأكبر لحركة التجديد والإصلاح
2005/12/29
** حاوره- وصفي عاشور أبو زيد
د.محمد عمارة
مائة عام مرت على وفاة الأستاذ الإمام محمد عبده ولا زال مشروعه الفكري الإصلاحي التجديدي تستدعيه الأمة بقوة بكل طوائفها، ولا زال فكره متجددا كأنما كان يخاطب عصرنا بكلامه منذ مائة عام، ولا زلنا نعيش في إطاره ومعالمه الكبيرة.
موقع إسلام أون لاين.نت التقى المفكر الإسلامي د. محمد عمارة ليحدثنا عن هذه المناسبة الطيبة، وهي مرور مائة عام على وفاة الإمام محمد عبده الذي أثر تأثيرا كبيرا في العالم الإسلامي بدعوته التنويرية التجديدية سواء على مستوى النظرية والتطبيق.
وأكد د. عمارة في حواره أننا لا زلنا نحيا في إطار المشروع الفكري للأستاذ الإمام، وأنه جاء في وقت مناسب حيث كانت الأمة تعاني من فكرين متضادين؛ فكر الجمود والتقليد، وفكر التغريب والعلمنة، فكان فكر الإمام محمد عبده فكرا وسطيا يمثل منهج الإسلام الصحيح الذي لا يحترق بالتقليد، ولا ينعتق بالتغريب.
وأشار د. عمارة إلى أن التربية وإصلاح مناهج الفكر والتعليم كانت معلما بارزا في دعوته؛ حيث ركز الإمام على تجديد الأصول والمؤسسات التي تعيد بناء الأمة الإسلامية وتعيد صياغة الشخصية الإسلامية.
وبين أن دعوة الإمام محمد عبده ركزت على مقاومة ومحاربة التقليد والجمود مع وجود مقاومة المد التغريبي، ولذلك ركز الإمام على دعوة النخبة المثقفة، وقد تطرق الحوار إلى قضايا مهمة وحساسة لم تقف عند حدود دعوة الأستاذ الإمام فإلى تفاصيل الحوار:
* نريد أولا أن نتعرف على سر اهتمامك المبكر بفكر الإمام محمد عبده، وقصة جمع أعماله الكاملة وتحقيقها ودراستها.
-بسم الله الرحمن الرحيم، بدأت فكرة الجمع والتحقيق والدراسة لسلسلة الأعمال الكاملة مع بداية تفرغي للمشروع الفكري في منتصف الستينيات من القرن العشرين، وكانت الفكرة الدافعة لهذا المشروع الذي أنجزت فيه تحقيق أعمال: محمد عبده، والأفغاني، والكواكبي، وعلي مبارك، والطهطاوي، وقاسم أمين، هي معالجة الاستقطاب الحاد في الحياة الفكرية بين فكر الجمود والتقليد، وأحيانا العنف، وبين الفكر العلماني والتغريبي.
كان السائد في كثير من الأوساط هو فكر التغريب والعلمانية، وفي الإطار الإسلامي كانت أفكار الجمود والتقليد تغلب على الكثيرين، وخصوصا في ظل محنة الحركة الإسلامية في مصر ، وهجرة الكثيرين إلى بلاد الخليج، وأيضا مرحلة النفط التي ذهب فيها الكثير من أساتذة مصر إلى بلاد الخارج، ورشحت على الجميع الأفكار النصوصية أو ما يسمى بالسلفية الظاهرية، وبالتالي حدث هناك في مصر تحول وتغير من الفكر الوسطي إلى استقطاب حاد بين فكر الجمود والتقليد وبين فكر التغريب والعلمانية.
فكان الهدف هو بعث تراث مدرسة الإحياء والتجديد لتعود مرة أخرى بالوسطية الإسلامية الجامعة تفعل فعلها في الحياة الفكرية والثقافية .
وكان هذا هو الهدف الذي جعلني أبذل كل هذه السنوات، فقد استغرق محمد عبده وحده في جمع أعماله خمس سنوات، وقد كان محمد عبده في ذلك التاريخ لم يكن له في المكتبة إلا رسالة التوحيد، والإسلام بين العلم والمدنية الذي شوه وزور منذ الستينيات في الطبعة التي أصدرتها دار الهلال ثم أصبحت هي الطبعة التي تُكرر بعد ذلك، وكان له تفسير سورة الفاتحة، وتفسير جزء عم، وما له في تفسير المنار من آراء.
وكتاباته التي جمعها المرحوم الشيخ رشيد رضا، باعتراف الشيخ رشيد رضا أنه قد حذف منها كل ما يغضب الإنجليز ويغضب الخديوي عباس، برغبة من سعد زغلول وفتحي زغلول، وهؤلاء الذين كانوا جزءا من تلامذة الإمام محمد عبده.
إذن كان لابد من قراءة دوريات قرن كامل لجمع هذه الكتابات، ولتمييز ما هو لمحمد عبده عن ما لغيره من النصوص التي كانت تنشر دون توقيعات بلغت 80 نصا استطعت تحقيقها ونسبتها، ومنها بعض الكتب التي نسبت لمحمد عبده ولم تكن له ... إلخ.
إذن كانت الفكرة هي إحياء فكر الوسطية الإسلامية، فكر مدرسة الإحياء والتجديد والاجتهاد، وإبراز معالم التجديد عند هذه المدرسة، وأتصور أن الله قد وفق فعادت هذه الكتب وهذه المراجع لتكون مصادر في كثير من الدراسات العليا، وفي الحياة الثقافية منذ ذلك التاريخ.
* لن نستطيع أن نقف على مكانة وموقع دعوة الإمام الفكري إلا إذا استعرضنا الحركات والاتجاهات التي كانت حوله أو قبله وطبيعة وقيمة كل منها.
- أريد أولا أن أشير إلى طارئ هام وقع قبل دعوة محمد عبده، يفسر لنا كثيرا من الأمور، وهو أن المرجعية لأي تغيير قبل القرن 19 كانت هي المرجعية الإسلامية، فعندما كان يحدث تراجع حضاري أو تخلف يطرأ على العقل العربي والمسلم لم تكن هناك مرجعية للتقدم والإصلاح سوى الإسلام، ولذلك لم نقرأ أن أحد الفقهاء القدماء سمى مذهبه "إسلاميا"، أما نحن الآن فنسمي الحركات بـ "الحركات الإسلامية"؛ وذلك لأن المرجعية الآن أصبحت غير إسلامية لوجود أحزاب وجماعات، الإسلام ليس مرجعيتها ... الخ.
ومن ثم أقول منذ حملة بونابرت 1798م بدأ هناك تداخل وتنافس، وبدأ هناك نموذج جديد لمرجعية غير إسلامية هي مرجعية الحضارة الغربية، وهذا هو الجديد الذي طرأ في القرن 19، وبالتالي فإن حركة التجديد في مصر لم تبدأ بمحمد عبده ولا حتى الأفغاني، إنما ازدهرت بمحمد عبده، فهو المهندس الأكبر لحركة التجديد والإصلاح، بمرجعية إسلامية ناقدة للمرجعية الغربية.
وإذا كان الأفغاني هو واضع منهاج التجديد الذي سار عليه محمد عبده، واستغرقته العمليات والحركات السياسية والعمل السياسي المباشر، فإن محمد عبده كان له منهج متميز في الإصلاح حتى قبل الثورة العرابية؛ حيث كان يرى أن الإصلاح يأتي عن طريق إصلاح مناهج الفكر لدى المسلمين، وعن طريق التربية والتعليم والتهذيب، وعن طريق تكوين نخب مفكرة ومثقفة تستطيع أن تقود الأمة، وكان يرى أن هذا الطريق أطول وأصعب، لكنه الأكثر أمنا في تحقيق التقدم والتطور من الطريق السياسي والانقلابي السريع.
* كان للتعليم والتربية ـ كما تفضلتم ـ دور ومكانة كبيرة في مشروع الإمام الفكري والإصلاحي، فكيف مثل التعليم وكيف مثلت التربية مرتكزا أساسيا في مشروعه ؟!.
- كان منهج محمد عبده في الإصلاح منهجا متميزا عن المناهج السياسية بالمعنى الحزبي ، فالسياسة في المفهوم الإسلامي هي علم الفروع أو من علوم الفروع بينما الأصول هي العقيدة التي تعيد بناء الشخصية الإسلامية، وصياغة الشخصية الإسلامية، وبهذا المنهج تميز محمد عبده حتى عن الأفغاني وعن مصطفى كامل، وعن الحركات التي استغرقتها السياسة، فكان يريد إصلاح الأصول ، ومن هنا كان إصلاح مناهج الفكر مَعْلما أساسيا عنده، وإصلاح التربية والتعليم أيضا معلما أساسيا عنده، كان بناء منهاج في التعامل مع القرآن والتعامل مع السنة، وفي تنقية العقيدة من شغب الفرق الإسلامية القديمة، إصلاح المؤسسات التربوية والعلمية التي تصنع العقل المسلم كإصلاح المساجد وإصلاح الأزهر وإصلاح الأوقاف وإصلاح القضاء، وكل المؤسسات التي من شأنها أن تعيد صياغة الإنسان ، والتي تصوغ الأصول وتجعلها فاعلة في الشخصية الإسلامية.
ثم تسلم هذه المرحلة من إصلاح الأصول وخاصة التربية والتعليم وتثمر بعد ذلك الحياة السياسية والنيابية والحياة الحزبية والحياة الدستورية والقانونية... الخ، ومن هنا كان اهتمام محمد عبده بإصلاح التعليم، فكتب لوائح لإصلاح التعليم في مصر وإصلاح التعليم العثماني ، وجهوده لإصلاح الأزهر وإصلاح القضاء مثل التقرير الذي كتبه عن القضاء الشرعي.
إذن كان ميدانه الأساسي في الإصلاح هو ميدان التربية والتعليم ، وكانت هواياته التدريس، صحيح أنه منع منه بعد عودته من المنفى، لكن مارسه من خلال تفسيره للقرآن الذي يعتبر منهاجا متميزا غير مسبوق في تفسير القرآن الكريم، فمارس فيه التعليم حيث منعه الخديوي من ممارسة ذلك التعليم.
* يرى بعض المفكرين والكتاب أن دعوة الإخوان المسلمين تعتبر ترجمة عملية وواقعية لدعوة الإمام محمد عبده، فما مدى صحة هذا الرأي؟.
- هذا الكلام يعتبر صحيحا إلى حد كبير بمعنى أن محمد عبده أسلم فكر المدرسة إلى رشيد رضا، وكانت المنار هي الساحة التي حملت هذا الفكر على امتداد أربعين عاما إلى العالم الإسلامي، وهي التي أعادت نشر مقالات العروة الوثقى ونشر كل ما يتعلق بالإمام محمد عبده مثل تفسيره للقرآن وفتاواه ومقالاته ...الخ. فأعاد حسن البنا بعد وفاة رشيد رضا عام 1935م نشر وإصدار المنار لعدة سنوات.
والحقيقة أنه تبدو الصلة في أشياء كثيرة بين دعوة الإخوان ودعوة محمد عبده، فانتهى محمد عبده في التفسير إلى أجزاء من سورة النساء بالإضافة إلى جزء عم، فرشيد رضا بدأ يكمل التفسير بعد محمد عبده وكأنه امتداد له، ولما جاء حسن البنا وأراد أن يفسر القرآن بدأ من حيث انتهى رشيد رضا.
وعندما أقام حسن البنا جماعة الإخوان كان من أهم الكتب التي تدرَّس في داخل الأسر الإخوانية أهم كتابين لمحمد عبده وهما: كتاب رسالة التوحيد، وكتاب الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية، فلا يخفى هذا الامتداد بين المدرستين.
لكن أحب أن أقول إن الامتداد عادة يكون امتدادا متطورا، فلكل مرحلة تحدياتها، وبالتالي تميزها.
فكان هناك في مرحلة محمد عبده تركيز على الصفوة والنخبة التي تتناسب مع إصلاح الأصول أكثر من التركيز على الجماهير، وكان فيها تركيز على نقد الموروث أكثر من نقد التغريب مع وجود النقد للتغريب لكن حالة الموروث كانت تحتاج إلى تركيز أكبر في النقد.
أما مرحلة حسن البنا فكان فيها تغيران مختلفان عما كان عليه الوضع في مرحلة محمد عبده؛ حيث حدث لمسألة التراث تطور وتحسن ، كما حدثت حالة أشبه بعموم البلوى في التغريب الذي لم يعد على الباب كما كان في عهد محمد عبده إنما أصبح داخل الدار والبيت المسلم، وبالتالي كان التركيز عند حسن البنا على نقد التغريب أكثر من نقد الموروث، لأن الموروث تحسن والتغريب زادت مخاطره.
أما المتغير الثاني فتمثل في عموم البلوى بالاحتلال، وتخلُّق أحزاب علمانية داخل الوطن الإسلامي والعربي استدعى أن تكون دعوته دعوة جماهيرية وليست دعوة للنخبة أو الصفوة، وبالتالي فالحلقة الإصلاحية ممتدة، ومشروع التجديد والاجتهاد متواصل بين المدرستين، فالإخوان بالفعل هم امتداد تجديدي لمدرسة الإحياء والتجديد لكن مع مراعاة هذه المتغيرات التي حدثت سواء في التحديات أو الاستجابات.
* بين الحين والآخر تطل برأسها فتنة الأقباط والمسلمين في مصر، وقد كان للإمام محمد عبده حديث عن العلاقة بينهما، فماذا قال الإمام، وما رأيكم في واقع هذه المسألة الآن؟
- محمد عبده حينما تحدث عن الأقباط في مصر أكد أن العلاقة بينهم وبين المسلمين كانت دائما علاقة ترابط ومحبة، ولو وجد خطأ من فرد في الأقلية لا يجب أن ينسب هذا الخطأ إلى كل الأقلية إلا إذا كانت هذه الأقلية مستعمرة، ومكرم عبيد يقول: نحن مسلمون وطنا مسيحيون دينا.
والإسلام لا يميز في الوظائف بين المسلم والمسيحي، لكن هناك وظائف لها شروط مثل رئيس الدولة حيث له وظائف إسلامية بحكم الوظيفة، فالشروط تفرضها الوظيفة وليس العقيدة، وقد أكد محمد عبده هذا المعنى أيضا.
وأنا أرى القلاقل بين المسلمين والمسيحيين لا تقوم إلا في زمان التدخل الأجنبي أو الغزو العسكري لمصر، فنحن نريد أن يكونوا لبنات في جدار الأمن القومي، وليسوا ثغرات في هذا الجدار، وليس لنا لدى الأقليات إلا هذا المطلب أي أن يكونوا معنا في مواجهة التحديات الخارجية.
أما من يوالي الخارج ويستنجد به فإنه يضع نفسه في مواجهة أمته، وهذا وبال عليه قبل أن يكون وبالا على الأغلبية، فعلى الأقليات أن تلتمس أمنها وأمانها في مشروع الأغلبية؛ لأنه مشروعها وهي جزء من هذا الوطن وهذه الحضارة، فنحن أمة واحدة.
* برأيكم كيف للأمة أن تنهض من كبوتها في ضوء مشروع الإمام محمد عبده ؟
- إعادة الوعي بمجتمعاتنا والتزامنا بالإسلام يمثل نقطة البداية، ولابد من التوعية وإثارة القضايا الإسلامية مع أولادنا مثل: فلسطين، العراق، البوسنة والهرسك...الخ، فهذه المجازر التي تحدث للمسلمين تعيد الوعي للأمة، حيث إن كثيرا من الناس لم يكونوا يعرفون شيئا عن البوسنة مثلا، وقد كتب محمد عبده ترجمة لسامي البارودي باشا، وقال إن الجيش المصري في القرن التاسع عشر ذهب ليحارب في البوسنة والهرسك، وذكر ذلك محمد فريد في كتابه: "الدولة العلية" أي أن هناك أعضاء في جسد الأمة فقدنا الإحساس بها، فالآن يعود لنا الوعي والحس بهذه الأعضاء، فلابد أن نحول هذا التاريخ إلى وعي، وليس مجرد قراءة وتلقين، ولابد أن نربي أولادنا على هذه القيم.
*إذا أردنا أن نوجز القول في مدرسة محمد عبده الإصلاحية فماذا نقول؟
-مدرسة محمد عبده هي مدرسة الاستنارة الحقيقية، ومدرسة الاجتهاد والتجديد، إن محمد عبده توفي 1905م، لكنه ترك مدرسة فكرية حملها صاحب المنار الشيخ رشيد رضا على امتداد أربعين عاما، وإن كثيرين من أعلام علمائنا هم تلامذة مباشرون للإمام محمد عبده مثل المراغي ومصطفى عبد الرازق وشلتوت، وأبرز عقول علمائنا كان بينهم وبين مدرسة محمد عبده رابطة، لذلك فعطاؤه ما زلنا نعيش في إطاره، ونتمنى من الله أن يحمي هذا الفكر المستنير، وأن نكون الامتداد المتطور لهذه المدرسة؛ لأن أمامنا مهام لم تكن في عصر محمد عبده، فعلينا أن نكون خير خلف لخير سلف.
**باحث شرعي.

ليست هناك تعليقات: