السبت، 2 فبراير، 2008

شبكات المحمول أعلى المآذن.. رؤية فقهية

ردا على مفتي الجمهورية
شبكات المحمول أعلى المآذن.. رؤية فقهية*
وصفي عاشور أبو زيد**
أثارت الفتوى التي أطلقها الشيخ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية بجواز استخدام مآذن المساجد كأبراج تقوية لإرسال إشارات الهاتف المحمول ردود فعل متباينة بين الكتاب والفقهاء، واختلفت كلمة الفقهاء المعاصرين حول هذه الفتوى، فمن قائل بقول فضيلة المفتي؛ بحجة أن تأجير المآذن لهذا الشأن يساهم في عمليات التطوير والتجديد ما دامت لا تحدث أي ضرر بالمسجد، ومن قائل بخلافه؛ نظرا لحرمة المساجد والحفاظ على قدسيتها.
وإزاء هذه الضجة التي أثيرت مؤخرا ولا تزال أصداؤها تتردد حتى كتابة هذه السطور، لابد من الوقوف وقفة فقهية متأنية حتى نصل فيها إلى رأي صحيح.
استثمار العائد
الدكتور: علي جمعه
المسألة المطروحة بشكل أوضح عبارة عن تركيب محطات أعلى مآذن المساجد؛ وذلك لتقوية إرسال واستقبال الاتصالات الهاتفية للتليفون المحمول، على أن تعود الأجرة التي ستُحصَّل من خلالها بالنفع على المسجد في إعماره وإصلاح مرافقه، وفي الوقت نفسه لا تعوق رسالته التي بُني لأجلها.
تلك هي القضية التي اختلفت حولها آراء الفقهاء فجاء البعض مؤيدا ومتفقا مع رأي فضيلة المفتي وعلى رأس هؤلاء كان الدكتور محمد رأفت عثمان -عضو مجمع البحوث الإسلامية- الذي لم ير مانعا من وضع مثل هذه المحطات على مآذن المساجد ما دامت لن تُحْدث أية أضرار، بل ستدر الأموال من حصيلة التأجير، مما يساهم في تطوير المساجد وإصلاحها.
وأوضح أن المصادر العادية للدخل في المساجد لا يمكنها الاستمرار في الوفاء باحتياجاتها، كما يعد ذلك تدعيما لجهود الدولة في استحداث مساجد جديدة، مؤكدا على أن ذلك ليس فيه أية مخالفة للشرع أو إهدار لمكانة المسجد، كما يمكن استثمار هذه الأموال لصالح الفقراء وتلبية احتياجاتهم.
للعبادة فقط
الدكتور: أحمد عمر هاشم
وبالرغم من إجازة المفتي وتأييد الدكتور عثمان فإن اعتراضات قوية صدرت عن عدد كبير من العلماء: منهم الدكتور عبد المعطي بيومي -عضو مجمع البحوث الإسلامية- والدكتور أحمد عمر هاشم -رئيس اللجنة الدينية بمجلس الشعب المصري ورئيس جامعة الأزهر السابق- والدكتور عزت عطية والدكتورة آمنة نصير -الأستاذان بجامعة الأزهر- ملخصين حججهم فيما يلي:
ـ أن المساجد يجب صيانتها عن مثل هذه الأمور لحفظ هيبتها ومكانتها، فهي أماكن عبادة، والمآذن جزء منها ولا تنفصل عنها بل تأخذ حكمها، واستخدامها في مشاريع إنتاجية أو فوائد مادية ممنوع؛ لأنه ينقلها من مجال الإخلاص لله تعالى بتجريدها للعبادة والطاعة إلى الأنشطة الدنيوية التي لا صلة لها بالآخرة.
ـ أن مآذن المساجد لا تصلح لتعليق محطات التقوية، والأولى أن تكون أعلى المباني الشاهقة، كما أن المساجد ليست بحاجة لهذه الإيرادات لوجود أوقاف كثيرة بالوزارة لهذا الأمر بالإضافة لدور المناسبات داخل المساجد، والتي تدر ربحا لا بأس به من المآتم والأفراح، ولو أردنا مصادر أخرى للإيرادات فيجب أن تكون من الأعمال التي يتقرب بها العباد إلى الله مثل الدروس الدينية، أو مجموعات التقوية ذات الأجور الرمزية.
ـ أنه إذا كان البيع والشراء ممنوعا في المساجد، وكذلك عقد الصفقات، والبحث عن الأشياء المفقودة، فمن باب أولى منع استخدامها لصالح شركات المحمول التي يمكن أن تبحث عن أماكن أخرى بعيدا عن المسجد وتؤدي نفس الهدف، وتترك المسجد يؤدي رسالته في هدوء.
ـ أن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وقد ثبت علميا أن هذه المحطات تضر بصحة من يجاورها، وتلحق الأذى بالمصلين وغيرهم، وتصرفهم عن الذهاب للمسجد، ومن المقرر في الفقه الإسلامي أنه لا ضرر ولا ضرار.
قراءة في النصوص
تلك كانت آراء الفقهاء المتباينة، إلا أن الضرورة تحتم علينا من أجل الوصول إلى حكم شرعي صحيح في مثل هذه المسائل أن ننظر أولا إلى نصوص الشرع، هل فيها ما يؤيد ذلك أو ما يخالفه، ثم الرجوع ثانية إلى أهل التخصص في هذا الشأن للوقوف على مدى أضرار هذه المحطات. وأخيرا الموازنة بين الآراء العلمية والنصوص الشرعية مع مراعاة مقاصد الشريعة ومصالح الناس؛ لينبني الحكم الشرعي بناء صحيحا.
ففي القرآن الكريم نصوص تؤكد أن المساجد إنما خصصت للصلاة والذكر والعبادة، قال جل شأنه: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ . رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ). النور: 36-37، وأنها مضافة إلى الله تعالى إضافة تشريف وتعظيم، قال عز من قائل: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً). الجن: 18.
وفي السنة النبوية الكثير مما ينص على أن المساجد يجب أن تصان عن البيع والشراء، ونشدان الضالة؛ لأن لها حرمة ولها مقاصد جُعلت لها.
فعن أبي عبد الله مولى شداد بن الهاد؛ أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردها الله عليك. فإن المساجد لم تبن لهذا". رواه مسلم، وفي نفس الباب عند مسلم عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلاً نَشَدَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الأَحْمَرِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "لاَ وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ".
قال الإمام النووي في شرح مسلم: "في هذين الحديثين فوائد: منها: النَّهي عن نشد الضَّالَّة في المسجد، ويلحق به ما في معناه، من البيع والشِّراء والإجارة ونحوها من العقود.
تعارض ظاهر
وربما يبدو هناك تعارض بين هذه النصوص وما يستخرج منها من حرمة وهيبة للمساجد، وتخصيصها بالذكر والعبادة فقط، والنهي عن رفع الصوت فيها، وتحريم البيع والشراء. وبين ما هو مدون في وقائع السيرة وأحداث التاريخ من أن المسجد كان جامعة علمية، وجمعية خيرية، ومحكمة قضائية، كان يدرَّس فيه العلم، ويُفصل فيه بين الناس، ويُبدأ فيه بالجهاد ويُنتهى إليه، وتقسم فيه الغنائم، ويربط فيه الأسير.
فكيف نفهم هذه النصوص التي توحي بهذه الخصوصية المسجدية بشكل لا يتعارض مع السيرة النبوية -وهي سنن عملية- التي روتْ لنا هذه الوقائع وأثبتتها أحداث التاريخ؟!.
يبدو من الوقائع التي روى التاريخ عملها في المسجد أن كل ما كان يتعلق نفعه وتعود مصلحته إلى عموم الأمة أجاز الشرع عمله مع مراعاة أن تكون فيه مسحة العبادة مع نظافة المسجد، ولا بأس أن يجمع إلى ذلك عموم مصالح المسلمين.
أما ما كان نفعه يعود على أشخاص بأعيانهم أو كيانات خاصة فلم يجزه الشرع، وله أماكن أخرى مثل الأسواق والميادين العامة مما يجب أن يتنزه عنه المسجد كي يؤدي رسالته ويحقق الأغراض التي أقيم لأجلها، وهذا هو التحقيق الذي يفك هذا الالتباس، ويجمع بين الخلاف القائم بين النصوص وأحداث السيرة والتاريخ.
وهذا ما قرره الإمام النووي في وضوح حين أورد في شرحه على مسلم: "إنَّما يمنع في المسجد من عمل الصَّنائع الَّتي يختصُّ بنفعها آحاد النَّاس ويكتسب به، فلا يتَّخذ المسجد متجراً، فأمَّا الصَّنائع الَّتي يشمل نفعها المسلمين في دينهم كالمثاقفة وإصلاح آلات الجهاد ممَّا لا امتهان للمسجد في عمله فلا بأس به". شرح النووي على مسلم.
نظرة عميقة
وإذا نظرنا إلى واقع هذه الشركات التي تريد أن تعلق هذه الشبكات على مآذن المساجد، وسألنا أنفسنا عن الدافع الذي ألجأها إلى المساجد بالذات، دون المباني الشاهقة القريبة والبعيدة عن العمران، لوجدنا الآتي:
ـ أن هذه الشركات تعمل لنفسها ولمصالحها الخاصة، وليس لعموم مصالح المسلمين، وإن ادعت أن جزءا من المال سوف يعود على ما يُصلح المسجد ويجدد مرافقه، فما هذا إلا ذرّا للرماد في العيون حتى لا ترى الأغراض الشخصية والربحية التي تسعى لها هذه الشركات، وإلا فمصادر تمويل المساجد عديدة ومتنوعة: رسمية وأهلية، ومنذ متى كانت هذه الشركات حريصة على تجديد وإصلاح المساجد؟.
ـ أن هذه الشركات وجدت تعليق هذه الشبكات فوق العمارات والأماكن المأهولة بالبشر يكلفها تكلفة باهظة، حيث تدفع لأصحاب العمارات مبالغ كبيرة لتكسر خوفهم من الضرر الحادث جراء هذه الشبكات، فلجأت إلى أماكن تابعة لمؤسسات حكومية لتقنعها بأن الأمر تعود مصلحته -في جزء منه على الأقل- لما ينفع المسجد، وهي في الحقيقة لا تريد إلا مصلحتها الخاصة وتجري وراء الربح الفردي.
هذا من جهة واقع تلك الشركات وأهدافها الحقيقية، أما فيما يتصل بالناحية التقنية والعلمية فيما إذا كانت إشعاعات هذه الشبكات تضر بالبشر أم لا، فالرجوع إلى المتخصصين هنا يجب أن يُقرَّر أولا حتى يبني الفقه كلمته على كلامهم.
يقول المتخصصون: إن استعمال الهاتف المحمول استعمالا فرديا يضر بمستخدمه على المدى البعيد، وربما القريب، فما بالنا بالشبكات والمحطات؟.
ففي مقال بعنوان: "الاحتياطات الصحية الواجب اتخاذها عند استعمال التليفون المحمول"* يقول الأستاذ الدكتور أحمد حاني -أستاذ الصحة العامة والطب الوقائي بكلية الطب جامعة أسيوط: "خلص د.بروني وزملاؤه عام 1998 إلى أن الموجات الصادرة عن التليفون المحمول Gsx digital بعد فترة تعرُّض 20 دقيقة تؤدى إلى نقص مؤقت في عدد ضربات القلب Bradycardia، وأن ضغط الدم يزيد بمقدار 10مم؛ ذلك لأن القلب والأوعية الدموية حساسان لموجات التليفون المحمول، ومن ثم فيجب على مريض القلب أو مريض الأوعية الدموية الحذر الشديد عند استعمال هذا الجهاز، وإن كان من المستحب عدم استخدامه البتة".
هذا عن الاستعمال الفردي أما عن تركيب محطات لهذه الشبكة، ففي مقال بعنوان: "التليفون المحمول والتلوث الكهرومغناطيسي"** يقول الأستاذ الدكتور صلاح الدين عبد الستار -أستاذ الهندسة الكهربائية بكلية الهندسة جامعة أسيوط: لا يخفى أن هناك ارتباطا بين المجالات الكهرومغناطيسية منخفضة الترددات وبعض الأمراض مثل سرطان الدم (اللوكيميا) عند الأطفال وسرطان الثدي عند النساء وأمراض الجهاز العصبي المركزي ومنها الزهايمر؛ فهناك دراسات عديدة حول إصابة الأطفال الذين يسكنون بجوار خطوط القوى الكهربائية ذات الجهد العالي بسرطان الدم أكثر من غيرهم ساكني المناطق الأخرى.
فقد أظهرت الدراسات التي أجريت على مئات الأطفال الذين يعيشون بالقرب من تلك الخطوط أنهم يتعرضون للإصابة بأمراض الجهاز العصبي وسرطان الدم ضِعْفَ الأطفال الآخرين الذين يسكنون بعيدا عن هذه الخطوط، حيث قد تزيد نسبة إصابة الأطفال بسرطان الدم بنحو 375% إذا كانوا يعيشون في حدود 50 مترا من خطوط الجهد العالي.
ويؤكد أيضا على أنه: يجب إنشاء محطات المحمول بعيدًا عن المستشفيات والمدارس؛ وذلك لأن تلك الموجات بصفة عامة خطر على الصحة بلا جدال، ومن هنا انطلقت الأبحاث لمعرفة التأثير الفعلي لأجهزة التليفون المحمول على صحة الإنسان".
لا ضرر ولا ضرار
وأخيرا وباعتبار جميع ما سبق من إشارات أهل التخصص العلمي لأضرار هذه الشبكات، وأخذا بأقوال علماء الفقه مستندة لما سبق توضيحه من نصوص شرعية نجد أن وجود مثل هذه الشبكات فوق المآذن هو ضرر محقق ومؤكد على البشر، وقد قررت الشريعة الإسلامية رفع الضرر، بل دعت إلى منع وقوعه أصلا.
وقواعد الفقه الإسلامية العديدة في هذا الباب تقضي بهذا أيضا، ومن جهة أخرى فإن فيه خطرا على النفس التي جعلتها الشريعة الإسلامية من كليات مقاصدها، بل قدم بعض الأصوليين حفظها على حفظ الدين في منظومة كليات المقاصد.
وعلى وفق هذه المعطيات الشرعية يجب قراءة الاجتهاد الفقهي، ليتجه نحو ما يظن أنه حكم الله تعالى في المسألة، وذلك على نحو الرؤية الكلية دون النظر إلى بعض الجوانب دون غيرها.

* مقال منشور بمجلة أسيوط للدراسات البيئية - العدد السابع والعشرون - يوليو 2004.
* مقال منشور بنفس المجلة السابقة ـ العدد الخامس والعشرون (يوليو 2003).

* باحث دكتوراه في الشريعة بكلية دار العلوم.

http://www.islamonline.net/Arabic/shariah_corner/Fatwa/topic_02/2006/09/03.shtml

ليست هناك تعليقات: