الثلاثاء، 10 فبراير 2009

مصطفى الفقي ... والإخوان الشرفاء!!

مصطفى الفقي ... والإخوان الشرفاء!!
وصفي عاشور أبو زيد
Wasfy75@yahoo.com
في لقائه مع الطلاب بجامعة الأزهر، حاول الدكتور مصطفى الفقي أن يركز مع الطلاب على القضايا المتفق عليها، وحرص على طرح ما يتوافق مع فطرة الشعب المصري لينطلق من ذلك إلى إيصال ما يريده للطلاب.
ففي البداية قرر أنه من الخطأ أن يتصور أحد أن تلك المادة ـ يعني المادة الثانية من الدستور ـ دينية، وإنما هي إقرار لحقيقة معينة هي أن الشريعة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على التعامل مع المسلمين وغير المسلمين ، ودلل على ذلك بأن الشريعة الإسلامية تدرس أجزاء كثيرة منها في القانون الفرنسي".
وامتدح الدكتور الفقي علماء الأزهر وتاريخهم المشرف، وانتقل إلى مسألة زيارة شيخ الأزهر للبابا فأعرب عن عدم موافقته على زيارة شيخ الزهر لبابا الفايتكان ، وقال ـ كما نقل موقع إسلام أونلاين: 13/3/2007م ـ: "مش عاوزين زيارة شيخ الزهر لبابا الفاتيكان لأننا نربأ بمكانة ومقام الإمام الأكبر وألا يقع في مشكلة لا ينتبه إليها أحد". وقال بعدما لفت الأنظار إليه: "لقد نبهت الجهات العليا إلى هذه المشكلة، وهي أن البابا برتبة رئيس جمهورية، وشيخ الأزهر بدرجة رئيس وزراء، وبروتوكوليا ينتظر البابا في مكتبه، ويأتي إليه شيخ الأزهر وهو أمر لا نقبله لأننا نرى أن الرأس بالرأس، وربما تعلو"، وهنا تزايد التصفيق من الطلاب .
وبعد هذا الحديث الذي لقي قبولا وتوافقا بينه وبين الجمهور تسلل إلى نقاط خلافية حول الحزب الديني وعلاقة السياسة بالدين ليغلفها بما سبقها من حديث متفق عليه قائلا: "نحن ضد قيام حزب سياسي على أساس ديني؛ لأنها محاولة للاشتباك بين الدين والسياسة، والدين هو الخاسر، وعليه فالمادة التي تنص على عدم إنشاء أحزاب دينية هي مادة تحمي الإسلام، وترتفع بالدين عن ضجيج الانفعال، وأي محاولة لإقحام هذا الدين في الحياة اليومية هو عدوان على هذا الدين ومكانته السامية".
ويستدرك الفقي بعدما بث هذا المعنى بكلمة أخرى حتى يكون هناك نوع توازن في الحديث ورضا مستمر عن حديثه بنفس الدرجة إن لم يعلُ، فهو يعلو في حديثه فتعلو معه المشاعر، ويهبط ليوصل ما يشاء، ثم يعلو مباشرة استدراكا للمشاعر وتهدئة لها، فقال في إجابة لسؤال أحد الطلاب عن حظر الإخوان، والحوار بينهم وبين الدولة: "إن تسميتهم بالجماعة المحظورة هي تسمية قادمة من القانون الذي يمنع تأسيس حزب سياسي على أساس ديني فأصبحت محظورة ، أما مسألة الحوار مع الإخوان فقد جرت من قبل، فعندما كنت سكرتيرا لرئيس الجمهورية سعى إلي سيف الإسلام حسن البنا، وتحدثت معه ، إلا أن الإخوان بدءوا يستخدمون أسلوب التصعيد الإعلامي، وأصبحنا لا نلتقي في نقطة عدم قيام حزب ديني، ومع ذلك هم شرفاء يجب التعامل معهم بكل احترام لأنهم يتصرفون بوطنية في كثير من المشاكل"!!

وفي الواقع لست أدري كيف أصبح الإخوان شرفاء عند الدكتور الفقي بعدما اتهمهم اتهامات شنيعة أيام انتخابات مجلس الشعب حين قال إنه كان يحارب في جبهتين: جبهة المال الذي وصف الجماعة فيه بأنها تقدم رشاوى للجماهير من أجل انتخاب مرشحهم د. جمال حشمت، والجبهة الأخرى هي جبهة استغلال الدين في السياسة، كما أنه وصف خوضه للانتخابات بـ "المغامرة" أمام هذا التنظيم الإخواني الدقيق والعنقودي على حد وصفه.
ما الذي دعا الدكتور الفقي إلى هذا الكلام الآن؟ صحيح قد كانت له مقالات وبخاصة في جريدة الحياة اللندنية ينصف فيها الإخوان، ويتحدث عنهم بموضوعية، لكن أعتقد بعد الكلام الذي صرح به أيام الانتخابات، وما جرى له بعدها لابد أن يكون لكلامه هنا تأويل آخر، وسياق آخر.
ربما قال هذا الكلام لأن الحزب الحاكم قد تعرت شجرته من كل الأوراق التي تواري سوآته، ومن ثم يستعين بأصحاب التأثير والشخصيات المؤثرة ـ ود. الفقي منهم بالطبع بما أوتي من لباقة وحسن تأتِّي الحديث له ـ كي يصحح صورته ويستر ما تبقى لديه من عورات، وهذا هو اللقاء الثاني من نوعه بعد لقاء د. علي الدين هلال بهؤلاء الطلاب.
وإلا هل يجهل الدكتور الفقي أن السياسة جزء من الدين، وهل يجهل الفرق بين الدولة الدينية وبين الدولة المدنية التي ترجع إلى الإسلام وتحترم رأي الأمة، وهل يجهل الفرق بين الحزب الديني والحزب المدني، وهل يجهل أن الإخوان لا يريدون دولة دينية ولا حزبا دينيا؟؟؟ أعتقد أن واحدا في وزن الدكتور الفقي لا يخفى عليه ذلك بل قال كلاما ضد هذا تماما في كثير من مقالاته، ولا داعي للاستشهاد!!
وربما قال هذا الكلام أملا في أن يستعيد شيئا من سمعته ومكانته الثقافية والسياسية التي انتحرت عبر موقفه الأخير حين رضي أن يسرق مقعدا من مقاعد مجلس الشعب، وهو يقينا يعلم أنه ليس مقعده، ولذلك كان بعض نواب الإخوان ـ ومنهم الشيخ السيد عسكر ـ حين يمر عليه يقول: "السلام عليكم يا دكتور حشمت". معرِّضا بذلك أن المقعد الذي يجلس عليه مقعد الدكتور جمال حشمت، حتى استاء الدكتور الفقي من هذا الأسلوب وهدد بالشكوى لمرشد الإخوان.
ربما قال هذا الكلام لهذا السبب أو لذاك، أو قاله جمعا بين الاثنين وفوزا بالحسنيين، فكلاهما لا يتعارض بل يتكامل ويتوافق.
وعتبي هنا على الطلاب الذين استخفهم د. الفقي فصفقوا له، وهو بلا شك يستحق التصفيق لما يتمتع به من لباقة وفصاحة في الحديث، ومعرفة بكيفية استلفات الأنظار واستمطار الإعجاب والتصفيق، لكنني أحسست بسطحية الطلاب هنا كما كانت نفس السطحية وعدم العمق في تصرفهم بأحداث الأزهر الشهيرة التي ضخمتها وسائل الإعلام.
لقد كتبت مقالة من قبل ورسالة وجهتها للدكتور مصطفى الفقي بعد ظهور نتيجة الانتخابات، نشرتها مجلة العصر، وموقع "ميدل إيست أونلاين" وجريدة آفاق عربية، وجريدة شباب مصر، قلت له في آخرها: " أريدك ألا تخسر الصفوة والنخبة في مصر والعالم العربي وتتحول هذا التحول المؤسف الذي تخسر معه كل مواقفك الإيجابية فكريا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا ودوليا؛ ولذلك فإني أناشدك ومعي عشرات الآلاف ألا تقبل بهذا الأمر كما صرحت من قبل بعدما تأكد الجميع ـ وأنت في مقدمتهم ـ من التزوير، وأستحلفك بالله يا دكتور مصطفي ألا تقتل فينا المفكر الدكتور مصطفى الفقي؛ لأنك إذا قبلت بهذا الفوز المزور ستسقط سقوطا مروعا ومدويا".
ولا زالت الفرصة سانحة أمامه لا سيما ونحن في منتصف الفترة البرلمانية، ولن ينفعه كلامه مهما تكلم، أو لباقته وثقافته وبراعته في الحديث إن فعل، فما بني على باطل فهو باطل، ولن يبرئه مما يريد أن يتبرأ منه ويستدرك به ما فاته إلا بمبادرة كريمة تعيد إليه جمهوره وقراءه ومكانته السياسية والثقافية.

مرابطون من أجل مصر

مرابطون من أجل مصر
وصفي عاشور أبو زيد
Wasfy75@yahoo.com
الشعور بالانتماء للوطن والاعتزاز به والحب له والتضحية من أجله مما حمده الإسلام وحض عليه، حتى قال القرآن الكريم: "‏ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو أخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم‏". النساء: 66. فقرن الخروج من الديار والأوطان ببذل المُهَجِ والنفوس والأرواح.
وفي الهجرة كلنا يحفظ قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مخاطبا مكة: "والله إنك لأحب بلاد الله إلى الله، وأحب بلاد الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت"، وقال وهو بالمدينة: "اللهم حبِّب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد ، وبارك لنا في مُدّها وصاعها".
وفرض الجهاد فرضا عينيا على كل مسلم ومسلمة حال احتلال الأوطان للدفاع عنها والذود عن حياضها، فتخرج المرأة بغير إذن زوجها، والابن بغير إذن أبويه، والعبد بغير إذن سيده.
لكن أحيانا يقل هذا الانتماء لأسباب عديدة، منها عدم الوعي بأهمية الوطن وقيمة الوطنية في الإسلام، ومنها فقر موارد الوطن الذي يحيا فيه الفرد فلا يجد ما يقيم له حياة تضمن له الكرامة والرجولة والعفاف، ومنها عدم شعور الإنسان بالأمان والاحترام في وطنه، ومنها معاملة الإنسان معاملة لا تليق بآدميته، ومنها الاستبداد والظلم الاجتماعي الذي يقع على الناس في وطن من الأوطان.
ولا تخطئ عين المتابع لنفسيات المصريين ـ سواء بالداخل أم بالخارج ـ والمتتبع لمنحنى الانتماء في نفوسهم ، أنه في حالة تدنِّ سحيق، وقد ظهر هذا التدني بصورة كبيرة في العشر سنوات الأخيرة؛ حيث الظلم الواقع على الناس سواء كان ظلما اجتماعيا أم اقتصاديا أم سايسيا، أم نفسيا، أم ماديا.
ولقد ازداد انحدار الشعور بالانتماء بشكل مخيف في الأيام الأخيرة؛ فحوادث الفساد والاستبداد والقهر السياسي والاجتماعي ترشح لأكثر من هذا وأشد، ما له عواقبه الخطيرة على النسيج الوطني للمجتمع.
لكن مع ذلك بقيت ثلة ممن أهمهم أمر وطنهم، وعز عليهم أن يروا ما يحدث لهذا الوطن من تفسخ وانهيار ثم يتركوا وطنهم مُؤْثرين سلامتهم الشخصية ضاربين بمستقبل البلاد عرض الحائط.
فضَّلت هذه الثلة أن تبقى في مصر بالرغم مما تعانيه، ومما يمارس ضدها من إجراءات تعسفية وظلم لا يطاق، وقدمت المصلحة العليا لمصر على مصالحهم الشخصية.
حتى لو كان الثمن أن يقبعوا في السجون بلا ذنب ولا جريرة، وتصادر أموالهم، ويحرموا من ممارسة أدنى حقوقهم الطبيعية التي يمارسها أي إنسان في وطن من الأوطان.
وأذكر من هؤلاء ـ على سبيل المثال لا الحصر وإلا فالأمثلة يصعب حصرها في بلد مثل مصر ـ المهندس محمد خيرت الشاطر، الذي قال عنه د. حلمي القاعود: المفكِّر المسلم العالِم النابغة، الذي تعلَّم في الغرب من أجل أن تكون بلادُه قويةً مستغنيةً بذاتها عن الأعداء المتوحِّشين، وكان يمكنه أن يكون صاحبَ مكانةٍ عظمى في أية دولة من دول الاستعمار التي تعرف قيمة العلم والعلماء، بغضِّ النظر عن انتماءاتهم الفكرية والدينية والسياسية.
والأستاذ الدكتور محمد علي بشر أستاذ الهندسة الفذ، صاحب العقلية المتوازنة والتربية العالية الذي له نشاطاته المعروفة؛ حيث سافر إلى معظم دول العالم في مهام علمية ونقابية، ومن هذه الدول: أمريكا- بريطانيا- فرنسا- ألمانيا- روسيا- كازاخستان-أوزباكستان- تركيا- باكستان- ماليزيا- بنجلاديش- تايلاند- تونس- الجزائر- ليبيا- السودان- الأردن- سوريا- لبنان، وغيرها.
والدكتور عصام العريان، المفكر البارز، والسياسي المحنك، والمتحدث القدير، والمحاور اللبق، والمثقف الواعي، الذي له من الشهادات العلمية والخبرات العملية، والتاريخ الحركي والدعوي والجهادي ما يكون شرفا لأي بلد يحل فيه وينزل عليه.
والدكتور حلمي الجزار، صاحب العقلية التنظيرية الفذة، والتفكير الحركي الواقعي البصير، والحجة القوية المقنعة، والعمل الدعوي الدءوب، والجهاد الحركي المتواصل.
والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، من الوجوه البارزة في الحركة الإسلامية، وأصحاب التجميع لا التفريق، والتواصل مع كل الأطياف بعيدا عن التعصب والانغلاق.
والدكتور سناء عبد الله أبو زيد، الداعية الرباني، التقي الخفي، الذي يعمل في صمت، وأحسبه ممن قيل فيهم: إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا.
والأستاذ الدكتور محمد مرسي، الأستاذ الجامعي المرموق، صحاب الشخصية المتوازنة: إيمانيا وفكريا وسياسيا وتربويا، وصاحب المواقف المشهودة، والكلمات المعروفة، القوي الصلب، الصابر المحتسب.
هؤلاء جميعا وغيرهم عشرات بل مئات من الإخوان، ولعل في غير الإخوان أكثر منهم علما وحلما، وخبرة وتجربة، كانوا يستطيعون أن يهاجروا إلى أي بلد لينعموا فيه بالحرية والأمان والسلامة والاطمئنان، وبخاصة أن لديهم من الطاقات والقدرات والملكات ما يجلب لهم أعظم الأعمال وأكبر الأموال، لكنهم آثروا مصلحة المجتمع على مصلحتهم، وأعلوا من المصلحة العامة في مقابل المصلحة الخاصة، حتى لو كان ذلك على حساب راحتهم وسلامتهم، أو أهليهم وأبنائهم، أو أعمالهم وتجاراتهم، أو حريتهم وكرامتهم.
ولولاهم وغيرهم بعد الله لطارت بقية الثبات في قلوب الشباب، وانتهت بقية الانتماء التي تتأرجح في النفوس يمنة ويسرة توشك أن تنقضي إلا بعون من الله وابتغاء رضاه.
هموم كثيرة تجتاح النفس، ومعاناة كبيرة تعاني منها الأجيال، وحيرة بادية في الأفكار والعيون في ظل هذا الفساد، وتحت نير القهر والاستعباد وظلم الإنسان لأخيه الإنسان، فاللهم أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين.


http://www.ikhwanonline.com/Article.asp?ArtID=29109&SecID=390

الإمام محمد عبده في مرآة الشيخ محمد الغزالي

الإمام محمد عبده في مرآة الشيخ محمد الغزالي
وصفي عاشور أبو زيد
لا يزال فكر الأستاذ الإمام محمد عبده (1265ـ1323هـ/ 1849 -1905 م) حاضرا متجددا تستدعيه الساحة الفكرية والعلمية، وتتلقفه الأوساط السياسية والاجتماعية، وترتكز عليه الحركات الإصلاحية والتجديدية رغم مرور أكثر من مائة عام على وفاته.
لقد كانت الأمة الإسلامية وقت ظهور الإمام تعاني من استقطاب حاد بين فكر التقليد والجمود وأحيانا العنف، ذلك الفكر الذي يعبر عن غلو يحجب الدين والإصلاح الإسلامي عن الواقع والحياة، ويخلق الفراغ الديني الحق في هذا الواقع، ويبعد المنهاج الإصلاحي الإسلامي عن أن يكون هو سبيل الأمة للنهضة والتقدم، وبين فكر التغريب والعلمنة، ذلك النموذج الذي وفد إلى بلادنا في ركاب الغزوة الاستعمارية الغربية الحديثة لعالم الإسلام، وهو نموذج ـ كما يقول د. محمد عمارة(
[1]) ـ قد تميز بالغلو الشديد، وذلك عندما انحاز إلى عالم الشهادة رافضًا عالم الغيب، وإلى الدنيا في مواجهة الدين، وإلى الفردية في مقابلة الجماعة، وإلى الأرض في رفضه لحكمة السماء وشريعتها، وإلى المادية والوضعية في مقابلة الروح، وإلى القوة في مواجهة العدل، وإلى الصراع بدلاً من التدافع، فملأ هذا النموذج الغربي الفضاء الفلسفي والثقافي والسياسي بحشد غفير من "الثنائيات المتناقضة" التي عبرت وتعبر عن غلو التفريط، المقابل لغلو الإفراط.
ولقد تركت مدرسة المنار ـ على رأسها محمد عبده ـ تلاميذ وأتباعا أحيوا الأمة الإسلامية وجددوا الفكر الإسلامي، وأعادوا للإسلام يسره وسماحته واستنزلت هداياته على أرض الواقع، منهم الشيخ محمد رشيد رضا، والشيخ حسن البنا، والشيخ مصطفى المراغي، والشيخ مصطفى عبد الرازق، والشيخ محمود شلتوت، والشيخ يوسف القرضاوي، ود. محمد عمارة، وغيرهم كثير، ولذلك فليس غريبا عند حديثنا عن محمد عبده أن يختلط ذكره بهؤلاء الأعلام خاصة الأفغاني أستاذ الإمام، ورشيد رضا تلميذه.
ومن أهم تلامذة مدرسة المنار الداعية الكبير الأستاذ الشيخ محمد الغزالي الذي تمر بنا ذكراه الحادية عشرة 9/3/1996م ـ يرحمه الله ـ الذي صرح بأنه واحد من تلامذة المنار(
[2]) وقرر أن مدرسة المنار هي المهاد الأوحد للصحوة الإسلامية المعاصرة، ونصح الذين يرفعون القواعد من هذا المهاد أن يتجنبوا بعض الهنات التي فات فيها الصواب إمامنا الكبير، فما نزعم عصمة له أو لغيره([3])، ومن رأيه أيضا أن هذه المدرسة قد بذلت جهودا متصلة لتصحيح المعرفة الدينية، فحاربت التقليد المذهبي الجامد، كما حاربت الأحاديث الضعيفة، وضبطت داخل الهداية القرآنية الأحاديث الصحاح، وطاردت قضايا كلامية وتضليلات سياسية([4]).
ولما كان الإمام محمد عبده هو رأس هذه المدرسة المباركة أردنا أن نوضح ملامح صورته في مرآة الشيخ محمد الغزالي الذي يستشهد به كثيرا في كتبه وخطبه(
[5])، وبالتأمل في تراث الشيخ الغزالي وجدنا رؤيته للإمام محمد عبده كما يلي:

أولا: مجاهد وداعية:
حيث يرى الشيخ الغزالي أن الإمام محمد عبده كان من الأئمة الأبطال الذين يحترقون دأبا في تعريف الجماهير الغافلة بالله وحده ويمسحون عن قلوبها الذليلة أرجاس العبودية للأوهام والأسماء، في وقت كانت أوربا تعد فيه الساعات القلائل الباقية في عمر الرجل المريض ـ الدولة العثمانية ـ فلم تكن مصائبنا من اندحار عسكري مفاجئ، بل من مرض متغلغل قديم، وكان محمد عبده من المصلحين الذين هبوا يعالجون العلة الدفينة ويستنقذون عقيدة التوحيد من ضروب الوثنيات التي أوشكت على إتلافها، سياسية كانت أو مادية، ويحاولون بناء الحضارة الإسلامية على أصولها الأولى من حرية العقل والضمير(
[6]).
وكان الغزالي يرى أن محمد عبده هو مثل عالٍ لشيوخ الأزهر القائمين بحق الله ورسوله، فعندما كان عبيد الولاء للأتراك يخونون الإسلام ويساندون الظلم، انضم هذا الشيخ الجليل إلى الشعب مطالبا بدستور يقيد سلطة الحكم الفردي، ويضعها في حدود ما شرع الله، وقاد الثورة التي اشتعلت لذلك، ولاقى من جرائها ما لاقى، وإننا لنقرأ ما كتبه الشيخ محمد عبده في نقد الأوضاع المعاصرة، ثم نقرأ ما يهرف به مخرفة الشيوخ في وصف أحوالنا الحاضرة فنجد العجب العجاب، ونحس أننا هبطنا من القمة إلى القاع(
[7]).
ومن قيامه بحق الله ورسوله أنه رد على وزير خارجية فرنسا (مسيو هانوتو) إفكه وافتراءه الذي طال على الإسلام، واتهامه لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكان كتاب الشيخ عن علاقة العلم بالدين الذي ألفه في ليلة واحدة قاطعا للسان الوزير الكذوب(
[8]).
وكان من ركائز دعوة الإمام محمد عبده في نظر الشيخ الغزالي أمران: الأول: دراسة العلوم الحديثة، وجعل ذلك واجبا إسلاميا أول، وأن أي عقل نظيف يدرك أن هذه الدراسة امتداد محتوم لحديث القرآن الكريم عن الكون، وأن نتائج الجهود العقلية الذكية دعم للإيمان الصحيح ودمغ للإلحاد، وعلماء الدين الذين يبتعدون عن هذه الدراسات عمدا هم أنصاف أميين، وربما أساءوا إلى الإسلام من حيث يبغون الإحسان إليه.
الأمر الثاني: هو حسن معرفتنا لأنفسنا أو بتعبير دقيق: التفريق بين دين الله وبين عملنا به وله في الماضي والحاضر. دين الله مضبوط في الكتاب والسنة ومنهما تستمد الأحكام، أما التاريخ الإسلامي في الماضي والحاضر فليس مصدرا للتشريع، ولا مؤشرا على الحلال والحرام، وأخطاء السلاطين أكثر من صوابهم، وعوج التقاليد أكثر من استقامتها(
[9]).

ثانيا: صاحب عقل ذكي وعلم واسع وبصر سديد:
يرى الشيخ الغزالي أن الإمام محمد عبده كان عقله أكبر من حفظه، وبصره بالحكمة الإسلامية أحدَّ من إحاطته بالآثار الواردة(
[10]). وهو أحد رواد الإصلاح الحديث، وروح الفقه المتجدد في مدرسة المنار([11]). ويرى أيضا أن الأستاذ الإمام له ذكاء الفيلسوف، ودقة الفقيه، وأناة المربي، فأدرك أن الأمة التي تفقد التربية السليمة لا تحقق شيئا، ولا تنجح لها ثورة، وإذا نجحت لها ثورة لأمر ما فسرعان ما يستولي عليها الشطار ونهازو الفرص، ويستغلونها لمآربهم.
من أجل ذلك لجأ إلى التربية، ورفع مستوى الشعوب، وإبعاد العطب الذي سرى في كيان ثقافتنا الدينية، واشتغل بتشكيل العقل الإسلامي على نحو صحيح(
[12]). فقد كان الرجل أول من أحس حاجة الأمة إلى تربية واعية تتعهد سلوكها بالعقل المؤمن، وتحرس نظامها بالشورى العامة([13]).
ويذكر الشيخ الغزالي اطلاع الإمام الواسع وحرصه وتوقفه أمام كتاب الله، فيقول: وقد قرأت للشيخ محمد عبده أنه قرأ خمسة وعشرين تفسيرا وهو يعالج إحدى آيات الأحكام، ثم تأملت في تراثه وتراث تلميذه الشيخ محمد رشيد رضا، فوجدتني أمام قمة شامخة من قمم الفقه والأصول، وعلوم العقيدة والملل والنحل(
[14]).

ثالثا: صياغته التجديدية للعلوم الإسلامية:
استطاع الإمام محمد عبده أن يعيد صياغة بعض العلوم الإسلامية بشكل يتناسب مع العصر، فنقاها مما يشوبها مما لا حاجة لنا به في عصرنا وثقافتنا، مثل شغب الفرق الإسلامية القديمة وغيرها، يقول الشيخ الغزالي: أول ما عرفت الشيخ في كتابه "رسالة التوحيد" وهو عرض جديد لعلم الكلام، ردم الفجوة بين السلف والخلف، وشرح العقائد شرحا يمزج بين العقل والنقل، وتجاوز الترف العقلي والجدل اللفظي ومنهج المتون والشروح، وقدم أصول الإسلام تقدمة دقيقة جيدة(
[15]). ويقول عن هذه الرسالة في موضع آخر: وقد حاول الشيخ محمد عبده في رسالة التوحيد التي ألفها في العقائد أن يجعل الخلاف لفظيا بين شتى الخصوم، وأن ما ينكره هؤلاء غير ما يقره أولئك، إذ الكل متفقون على تنزيه الله وتقديس ذاته([16])، فاجتهد الرجل فيها أن يعرض علم العقيدة في ثوب جديد فابتعد عن الجدل، وأبى أن يلمز واحدا من المتكلمين، وعدَّهم جميعا إخوة متحابين يبحثون عن الحق، ثم شرَح القضايا الأصلية في ديننا شرحا حسنا، وقدم لها خلاصات نقية([17]).
ويواصل الشيخ الغزالي توضيح جهود الأستاذ الإمام التجديدية في صياغة العلوم الإسلامية فيقول: ثم قرأت كتابه عن الإسلام والعلم الذي رد به على وزير خارجية فرنسا، فرأيت رجلا عليما بالإسلام وتاريخه وفضله على الحضارة الإنسانية، عليما في الوقت نفسه بالنصرانية والهندوكية وتاريخها وما يكتنفه من غيوم، وقد ألف الكتاب في ليلة واحدة لشدة غضبه من الهجوم الفرنسي وملأه بالوثائق التي تشرف الحق وتخزي الباطل. مَن مِن علماء المسلمين في عهده تحرك بهذه العاطفة ورد بهذا الرسوخ؟. ثم قرأت تفسيره للقرآن الكريم، ووجدت بواكير التفسير الموضوعي للسورة فيما كتب، اهتدى إليها ذهن لماح مستوعب، وبصر حديد في إدراك الخيوط التي تشد أجزاء السورة، كما تشد الأعصاب أجزاء الكائن الحي، ويمكن عند متابعة المنار أن يُعرف فضل الرجل في تجلية المعنى والحكمة، ودفع الشبهات ودعم اليقين(
[18]).

رابعا: مصلح تعليمي:
وهو محور منبثق عن سابقه؛ حيث تجديده للعلوم الإسلامية صياغة وعرضا، يستدعي أن تسلك هذه العلوم الطريق نحو تعليمها للناس على تلك الكيفية.
وقد كانت هواية محمد عبده هي التعليم والتدريس، وكان ميدانه الأساسي هو إصلاح مناهج التربية والتعليم، فكما كان إصلاح مناهج الفكر مَعْلما أساسيا عنده، فإن إصلاح التربية والتعليم أيضا كان معلما أساسيا في مشروعه؛ حيث كان يريد إصلاح الأصول، فعمل على إصلاح المؤسسات التربوية والعلمية التي تصنع العقل المسلم كإصلاح المساجد وإصلاح الأزهر وإصلاح الأوقاف وإصلاح القضاء، وكل المؤسسات التي من شأنها أن تعيد صياغة الإنسان، والتي تصوغ الأصول وتجعلها فاعلة في الشخصية الإسلامية.
ثم تسلم هذه المرحلة من إصلاح الأصول وخاصة التربية والتعليم وتثمر بعد ذلك الحياة السياسية والنيابية والحياة الحزبية والحياة الدستورية والقانونية... الخ، ومن هنا كان اهتمام محمد عبده بإصلاح التعليم، فكتب لوائح لإصلاح التعليم في مصر وإصلاح التعليم العثماني، وجهوده لإصلاح الأزهر وإصلاح القضاء مثل التقرير الذي كتبه عن القضاء الشرعي، وغير ذلك.
يقول الشيخ الغزالي: كان محمد عبده وتلميذه رشيد رضا معنيين بالإصلاح العلمي، ومحو الخرافات التي شلت التفكير الإسلامي دهرا طويلا(
[19]).
كما كانت مقالات الإمام في مجلة الوقائع وغيرها منصبة على أمر التربية والتعليم ويلح في إصلاحهما، وينال من ذلك بعض غرضه، وينقد العادات السيئة، ويدعو إلى التخلص منها(
[20]).
وفي سياق آخر يتحدث الشيخ الغزالي عن كره بعض الناس للتصوف، وعدم مخاطبة فريق آخر للغرب بما يناسب عقليته ولا يتعارض مع الإسلام، يقول مبينا جهاد الإمام العلمي: ومن الإنصاف أن نثبت واقعا تمَّ في مدارس التعليم الأصلي بمصر والشام وأقطار المغرب، فقد انفتحت من نصف قرن على تفكير ابن تيمية وابن القيم وغيرهما، واقتبست الكثير من آرائهم الفقهية، وكان ابن تيمية وتلميذه بغيضين إلى جمهور المتعلمين هنا، كما أن الأشعري والغزالي بغيضان الآن إلى جمهور المتعلمين في أنحاء الجزيرة، وأحسب أن هذا التغير نشأ عن الجهاد العلمي للشيخ محمد بن رشيد رضا وأستاذه محمد عبده(
[21]).

خامسا: مصلح سياسي واجتماعي:
لم تقتصر ميادين الإصلاح عند الأستاذ الإمام ـ في نظر الشيخ الغزالي ـ على الدعوة والدفاع عن الإسلام وصياغة العلوم الإسلامية والتربية والتعليم، بل امتدت لتشمل أيضا مجالات السياسة والاجتماع، فهو أحد الرواد المناضلين ضد الطغيان والاستبداد(
[22]) وهو الذي عاون أحمد عرابي بلسانه وقلمه ورأيه، يقول الشيخ الغزالي: ولقد كان الشيخ محمد عبده من قادة الحرية السياسية والاجتماعية والشخصية يوم أيد ثورة عرابي ضد القصر الملكي، ويوم جاهد لتحرير الطبقات الكادحة من ظالميها، ويوم جاهر بضرورة أن يحكم الشعب نفسه بنفسه([23]).
والإصلاح السياسي والاجتماعي إذا انعزل عن تعاليم الإسلام فإنه يكون إصلاحا منقوصا، بل لابد أن يكون تحت سلطانه وفي ظل رايته، ولذلك يقول الشيخ الغزالي: لو كان محمد عبده العالم الثائر أو حسن البنا المربي النابه، لو أن أحدهما صاحب الثورة الكبرى 1919م، أكانت تأخذ اتجاهها المدني المحض مبتوتة الصلة بآلام الإسلام وآماله؟ إن القصور الشنيع في أفكار علماء الدين ورؤساء الجماعات الإسلامية يومئذ جر على الإسلام هزائم متلاحقة، وجعل بضاعته أمام الأبصار المتطلعة مزهودة كاسدة(
[24]).
وكانت مقالات الإمام محمد عبده في "العروة الوثقى" ـ كما نقل الشيخ الغزالي عن الأستاذ أحمد أمين وصْفَه لها ـ تقصد أول ما تقصد إلى مناهضة الاحتلال الأجنبي بجميع أشكاله، وتهدف إلى رفع نيره عن العالم الإسلامي كله عن طريق ثورة الشعوب، وبث روح العزة القومية على أساس العقيدة الدينية الصحيحة، كما تستهدف خلق الأمل في النجاح مكان اليأس، وتوثيق الصلات بين الشعوب الإسلامية كلها، لتتعاون على دفع أذى الأجنبي عنها، والتخلص من المستبدين الظالمين من أهلها، وتأسيس الحياة الاجتماعية والسياسية على أصول الإسلام الأولى: من إعداد للسلاح، ومقابلة القوة بالقوة، وطرح العقائد الدخيلة التي تدعو إلى الاستسلام، مثل رمي العبء كله على القضاء والقدر، وإفهام الشعوب أن الإسلام في شكله لا يتنافى مع المدنية، ولا يعوق التقدم أو الوصول إلى ما وصلت إليه الأمم الأخرى(
[25]).
ومن معالم الإصلاح السياسي عند الأستاذ الإمام أنه كان يحقر الملوك ويُجرِّئ الشعوب عليهم، يقول الشيخ الغزالي وكأنه يصف واقعنا اليوم: قد كانت ثورات الحرية في الغرب لا دين لها، أما ثورات الحرية في الشرق الإسلامي فإن الإسلام الحق كان ملهب نيرانها، وموقف جمال الدين ومحمد عبده من تحقير الملوك وتجريء الشعوب عليهم، وتزكية الثورات على الطغيان في كل قطر إسلامي، ذلك كله معروف ومدروس، إلا أن الاستعمار الغربي وبما يكنه من حقد على الإسلام آزر ملوك الشرق ضد هياج الشعوب المستيقظة، وعمل على إبقاء الأوضاع المعوجة، لتزيد المسلمين مرضا على مرض(
[26]).
وعبارات محمد عبده في التقليل من شأن محمد علي معروفة، وقد نقل الشيخ الغزالي بعضا منها، من ذلك: لا أظن أحدا يرتاب ـ بعد عرض تاريخ محمد علي ـ على بصيرته أن هذا الرجل كان تاجرا زارعا، وجنديا باسلا، ومستبدا ماهرا، ولكنه كان لمصر قاهرا، ولحياتها الحقيقية معدِمًا(
[27]).

سادسا: محاربة مدرسته:
وليس بمستغرب ـ بعد هذا العرض من جوانب الإصلاح خاصة السياسي ـ أن تلقى هذه المدرسة وأعلامها العديد والكثير من الانتقادات الشديدة والهدامة، فالقوى الشريرة سواء في الداخل أو الخارج دائما تعترض الخير الدافق، وبقدر قيمتك يكون النقد الموجه لك، يقول الشيخ الغزالي: إن مدرسة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا من أجلّ المدارس الفكرية في تاريخ الإسلام، وهناك جهود مسعورة بين السلفيين"!" لتلويث سمعتهم واتهام عقائدهم وجعلهم جواسيس على الإسلام، فهل هذه سلفية؟ وهل يلام من يُعرِّي أصحابها؟ من حقي أن أقسو على جهلة يتطاولون على غيرهم يبغون الإجهاز عليه، ماذا يبقى للإسلام من ضياع رجاله، أو تحقيرهم والحط من شأنهم؟(
[28]).
ومن التهم التي وجهت لمحمد عبده أنه اتصل بالإنجليز وتعاون معهم، يقول الشيخ الغزالي: فقلت: إن كانت علاقته بالقوم عن محبة لهم وولاء فقد ارتد عن دينه، وحبط عمله، فهل كان ماضي الرجل ومستقبله يرشحه لهذه التهمة؟(
[29]).
بل بلغ الهجوم عليه حد اتهامه بالكفر، يقول الشيخ الغزالي: ولم يكن غريبا أن يتهم محمد عبده بالكفر وإنكار كرامات الأولياء، والخروج على آراء الفقهاء، بل لقد اتهم بترك الصلاة، وأحسبه كان سيتهم بأمور أخرى لو كان في ريعان الشباب.
ومع ذلك فقد مضى الرجل في طريقه بقوة، ونشأ عن حركته ازدهار علمي وأدبي وسياسي نقل الأمة الإسلامية إلى طور آخر من أطوار الحياة والكفاح لم تشهده من ألف عام(
[30]).
ما أحوجنا في هذا العصر إلى هذا المشروع الفكري المتميز الذي ركز على إصلاح الأصول والمؤسسات التي تعيد بناء الشخصية الإسلامية وتنشئها خلقا آخر، والذي شمل ميادين عديدة تعليمية وسياسية واجتماعية وفكرية رشحت الأستاذ الإمام محمد عبده أن يكون مهادا لانطلاق الحركات الإسلامية بعده، ورائدا لمشروع الوسطية الإسلامية بين إفراط الجمود والتقليد وتفريط التغريب والعلمنة.
([1]) من مقال للدكتور عمارة في مجلة وجهات نظر بعنوان: محمد عبده مشروع حضاري للإصلاح بالإسلام عدد يوليه 2005م.
([2]) انظر: علل وأدوية: 70.
([3]) السابق: 91.
([4]) الغزو الثقافي يمتد في فراغنا: 53.
([5]) انظر مثلا: الإسلام وأوضاعنا الاقتصادية: 15، ونظرات في القرآن: 146، 204، ودفاع عن العقيدة والشريعة: 90-91، 177، ومع الله: 47، الإسلام والطاقات المعطلة: 59، ومعركة المصحف: 10-11، وتراثنا الفكري: 177، حقوق الإنسان: 65، وليس من الإسلام: 52، والغزو الثقافي: 36، والسنة النبوية: 76، ومائة سؤال عن الإسلام: 263، 309، 402، وخطب الشيخ الغزالي: 3/222، 5/182.
([6]) في موكب الدعوة: 95.
([7]) تأملات في الدين والحياة: 22.
([8]) قضايا المرأة: 17، وعلل وأدوية: 72،92.
([9]) علل وأدوية: 84.
([10]) ركائز الإيمان: 146.
([11]) علل وأدوية: 72، 86.
([12]) الحق المر: 2/163، 3/138.
([13]) الحق المر: 5/4.
([14]) الحق المر: 3/212.
([15]) علل وأدوية: 72.
([16]) المحاور الخمسة: 17.
([17]) سر تأخر العرب والمسلمين: 62.
([18]) علل وأدوية: 72.
([19]) مع الله: 141.
([20]) معركة المصحف: 186.
([21]) مستقبل الإسلام خارج أرضه: 59.
([22]) معركة المصحف: 252.
([23]) معركة المصحف: 189، 200، وانظر: حصاد الغرور: 146.
([24]) في موكب الدعوة: 10.
([25]) معركة المصحف: 10-11، وانظر: علل وأدوية: 83.
([26]) في موكب الدعوة: 99.
([27]) تأملات في الدين والحياة: 24. وقال عنه أيضا: "أخذ يقرب الأسافل كأنما يحن إلى عرق فيه". علل وأدوية: 92.
([28]) من معالم الحق: 188، وانظر الفساد السياسي: 80، وعلل وأدوية: 70، و72، 86.
([29]) علل وأدوية: 91.
([30]) السابق: 93.

احتفاءً بالدكتور جابر قميحة....... قلما مجاهدًا

الدكتور جابر قميحة.. الجهاد بالقلم
وصفي عاشور أبو زيد
Wasfy75@yahoo.com
لكل أمة رموزها وعلماؤها وأدباؤها وقادة الرأي فيها، وإن من شيم الأمم الناهضة المتحضرة أن تحتفي وتحتفل بهؤلاء الرموز وتعطيهم قدرهم وتنزلهم منزلتهم وتُكرِّمهم بما هم له أهل، وقد كان العرب قديما يحتفلون بالشاعر إذا قال شعرا وظهر نبوغه.
ومما يؤسف له أن ميزان القيم والأولويات أصبح مضطربا وذا خلل كبير في أمتنا، فالمُقَدَّم اليوم هم لاعبو الكرة والفنانون ومن على شاكلتهم، أما العلماء فيعيشون مظلومين مغمورين، حقوقهم مبخوسة، وجهودهم مخبوءة، وشخوصهم مغمورة لا يعرفهم أحد إلا أهل التخصص، والمؤسف أكثر أننا ربما نظلمهم بعد وفاتهم.
فلاعب الكرة إذا أحرز هدفا أو اعتزل، والراقصة أو المطربة إذا أقامت حفلا أو ماتت انقلبت الدنيا وانشغل الإعلام أياما بهذا البطل أو ذلك الفنان أو تلك الراقصة، أما إذا قدم العالم كتابا أو أبدع في رأي أو وافته المنية فلا تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا.
والأستاذ الدكتور جابر قميحة الكاتب الناقد، والأديب الشاعر، والداعية المجاهد واحد من هؤلاء العظام الذين يستحقون الاحتفاء والاحتفال لما له من جهود ملموسة، وجهاد متواصل، وقد تعود الناس أن يحتفلوا بالعالم عند بلوغه السبعين أو الثمانين كما قال الشاعر أبو همام عبد اللطيف عبد الحليم لشيخه الحجة محمود شاكر:
إن الثمانين وضوعفتها لم تحوج السمع إلى ترجمان
وقد تجاوز أديبنا السبعين بثلاث سنين ومع ذلك لم يتنادَ محبوه وتلاميذه بالاحتفاء به غير أن المرحوم بإذن الله أستاذنا الدكتور علي عشري زايد [ت: 27/4/2003] أستاذ النقد الأدبي بدار العلوم بالقاهرة كتب عنه دراسة بوصفه من الدعاة الأدباء نشرتها مجلة الرسالة التي يصدرها مركز الإعلام العربي بالقاهرة، كما نوقشت عن حياته وأدبه رسالة ماجستير بجامعة الأزهر بالمنصورة.

المولد والنشأة
ولد جابر المتولي قميحة في مدينة المنزلة بأقصى شمال الدلتا عام 1934م، ودخل الكُتّاب ثم المدرسة الإلزامية، ثم المدرسة الابتدائية (ومدتها أربع سنوات)، ثم التحق بالثانوية (وكانت خمس سنوات)، وكان التخصص يتم من الصف الخامس، وكان تخصصه هو الشعبة الأدبية، فحاز ترتيب الأول على المدرسة، وقد نما حبّه للأدب واللغة العربية منذ سن مبكرة. ثم التحق في عام 1953م بكلية دار العلوم بدافع حبّ اللغة، والارتباط بشخصية الإمام حسن البنا ليتخرج فيها عام 1957م.
كان منذ الصغر محباً للقراءة، حفاظة للشعر والنثر، حتى قال عنه الأستاذ الدكتور عمر الدسوقي أستاذ الأدب بدار العلوم: "التحق بدار العلوم طالب اسمه جابر قميحة يحفظ حمل بعير من الشعر، ومثله من النثر".
وكان كلما صعب عليه كتاب تصدى له من منطلق التحدي حتى يستوعب ما فيه، وكان يحكم على نفسه من خلال ما يقرأ وما يستوعب.
وبعد الجامعة عين مدرساً بالتربية والتعليم ثم موجها، والتحق بكلية الحقوق، وحصل على ليسانس الحقوق عام 1965م، ثم على الدراسات العليا (ماجستير) في الشريعة الإسلامية بكلية حقوق القاهرة عام 1967م، وهمَّ أن يقوم بعمل دكتوراه بعنوان (نظرية التعسف في استعمال الحق بين الشريعة والقانون)، لكن استهواه الأدب، وخاصة الشعر.

العطاء الجامعي
أعير أديبنا إلى الكويت، وحصل من جامعة الكويت على ماجستير في الأدب عام 1974م بعنوان (الفن القصصي في شعر خليل مطران)، ثم حصل من كلية دار العلوم على الدكتوراه عام 1979م، كانت بعنوان (منهج العقاد في التراجم الإسلامية).
وقد درّس الأستاذ الدكتور جابر قميحة في كلية الألسن بجامعة عين شمس، ثم أرسلته الحكومة المصرية للتدريس في جامعة (يل) بالولايات المتحدة الأمريكية، وبالجامعة الإسلامية بباكستان، وجامعة الملك فهد بالمملكة العربية السعودية.
عاد بعد ذلك إلى مصر ليتفرغ للقراءة والكتابة بعيدا عن السلك الجامعي، ويعتز الدكتور قميحة بتاريخه وخط سير حايته حتى قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما غيرت مسيرة حياتي".

مؤلفات ودواوين
وللدكتور قميحة مؤلفات في الأدب والنقد، منها: منهج العقاد في التراجم الأدبية - أدب الخلفاء الراشدين - التقليدية والدرامية في مقامات الحريري - أدب الرسائل في صدر الإسلام - الشاعر الفلسطيني الشهيد عبدالرحيم محمود - التراث الإنساني في شعر أمل دنقل - صوت الإسلام في شعر حافظ إبراهيم - الأدب الحديث بين عدالة الموضوعية وجناية التطرف.
وله دواوين شعرية كثيرة منها: لجهاد الأفغان أغني - الزحف المدنس – حسبكم الله ونعم الوكيل، وله أيضا عدد من المسرحيات، إلى جانب عدد من المؤلفات في الدعوة والفكر الإسلامي.

جهوده الدعوية
لن أتحدث في هذه العجالة عن أدب الدكتور قميحة، فهذا يحتاج إلى دراسات واسعة، فهو شخصية ثرية أدبيا شعرا ونثرا، لكن أتحدث عنه كاتبا مجاهدا، ولسانا صادقا، وداعية مثابرا، وجنديا من جنود الدعوة الإسلامية المعاصرة.
قد تتفق أو تختلف مع الدكتور جابر حول شعره أو فنونه الأدبية التي كتب فيها، لكنك لا تستطيع أن تختلف في أنه ـ إضافة إلى علمه ـ صاحب خلق كريم وأدب عالٍ، يشعرك وأنت معه كأنه تلميذ وأنت أستاذ، أو عندما يعطيك كأنك المعطي وهو الآخذ، ويخجلك عند الحديث من تواضعه أمامك ورفعه من مقامك.
كذلك لا تختلف في أنه رجل من رجالات الأمة الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله، جعل قلمه وقفا لله تعالى، وسخر كل وقته للشعر والنثر والقصة والمسرحية والمقالة المحترفة من أجل القيام بحق جهاد الكلمة وخدمة قضايا أمته.
فما من حدث من الأحداث التي تمر بها مصر أو تخص قضايا الأمة الكبرى أو تمس حركة الإخوان إلا لباه، بقلمه ينثر مقالات ويسطر شعرا، وبلسانه يلقي ما كتب في المؤتمرات والملتقيات والتجمعات هنا وهناك، لا يتأخر عن دعوة يدعى إليها تخص الهم الإصلاحي العام بالرغم من ظروفه الصحية؛ فهو بحق يمثل الصوت الأدبي لأحداث أمته، وهكذا يجب أن تكون مهمة الشاعر في الحياة.
فكم من حملة جائرة تهاوت أمام عمق فكره ورسوخ علمه، وكم من عاصفة هوجاء تكسرت على صخرة قلمه الذي ينبري لها، مفندا شبهاتها، ومبينا شهواتها، وموضحا تهافتها وضحالتها، معتمدا في ذلك على منهج له قسمات واضحة ومعالم رئيسة.

أولا: أهمية اللغة وضبط المصطلح
فهو يعتمد على اللغة والوقوف أمام مضامين المصطلحات بعد ضبطها في تفنيد الشبهات، ويتكئ على استعمالات الكلمة واشتقاقاتها في تفنيد الشبهة أو الرد على الافتراءات، ففي رده على فؤاد علام "خبير التعذيب" يقول الدكتور جابر: "فالخبير الأمني- لغةً واصطلاحًا، وعادةً وعرفًا، ونظريًّا وعمليًّا- هو ذلك الرجل الذي درس بتعمُّق علم الإجرام، وأبعاد الجرائم وأنواعها، وأصولها، والدوافع إليها، وسبل الوقاية منها، وآليات القضاء عليها، يُضاف إلى ذلك دراسة علوم تبعية، مثل علم النفس، وعلم الاجتماع، وتاريخ المجتمعات البشرية، وعوامل تطورها أو تآكلها ومكان الجريمة فيها، كما يجب أن يكون ذا عقلية واعية فاعلة؛ بحيث يملك قدرة التخطيط والتنفيذ بأمانة ونزاهة، ومرونة، وسعة أفق، فيجعل همه الأساسي حمايةَ الوطن، وحقوق المواطنين، وأن يطبقَ رؤيته تطبيقًا عمليًّا، ويطوِّرَها لما هو أحسن تبعًا لمقتضيات الحال، دون مجاوزة القانون، أو إهدار أي حق لأي مواطن، مهما كان هذا الحق ضئيلا". وينطلق من ذلك إلى تهافته وسذاجته.
وفي مقال لأسامة سرايا يهاجم فيه الإخوان ومرشدهم قال أديبنا: "وبفوقية مرفوضة يصف "سرايا" مرشد الإخوان بـ "الشيخ" ومن سذاجته أن يجهل أن إلصاق هذا الوصف بمرشد الإخوان يعد تشريفًا لرجل لم يتعلم في الأزهر، وأقول لسرايا ـ حتى يتخلى عن "فوقيته المرفوضة" إن كلمة "شيخ" كلمة شريفة ترتبط بالعقل لا بالسن، فيقال "شيوخ قريش" أي حكماؤهم . ويقال حكم "الشيخان" بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أي أبو بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ ويقال في مصطلح الحديث "رواه الشيخان" أي البخاري ومسلم".
وفي مقال له بعنوان: بل الحزب الوطني هو المحظور يقول: " جاء في معاجم اللغة: "الحظر هو المنع والحجْر، وهو ضد الإباحة. وحظره، فهو محظور أي مجرم"..، وجماعة "الإخوان المسلمين" تكاد تفرد في الساحة السياسية بإلصاق هذا الوصف بها، فيقال "جماعة الإخوان المحظورة"، ويجري هذا التوصيف على ألسنة كبار الحزب الوطني ورجال السلطة، ومَن سار على دربهم من الصحفيين وغيرهم، ومن الأوصاف التي تُخلَع على الجماعة أيضًا ما نراه في قولهم "جماعة غير شرعية" أو "جماعة غير مشروعة".. وأقدَم من ذلك قولهم "الجماعة المنحلَّة"، وهو وصفٌ غالط لغويًّا؛ لأن "الانحلال"- وهو يعني التفكك- فعل ذاتي وليس فعلاً غيّريًّا، فهو يعني أن الجماعة حلَّت نفسها بنفسها، فهي "منحلَّة" أي مفكوكة مبعثرة، من "حلّ" العقدة.. أي فكَّها". كذلك يخالف هذا الوصف "العُرف الاستعمالي" الذي دأب على استخدام الكلمة بمعنى "الانهيار الخلقي"، فيقال "هذا إنسان منحلّ" أي: فاسد عربيد، سيِّئ الخلق والسلوك، ويقال "حزب مشروع" أي يتمتع- قانونًا- بالوجود، ومزاولة النشاط، والمشاركة في الحركة السياسية، ويقال: حزب محظور، أي يحرم القانون قيامه ومزاولة نشاطه، وعمله الحزبي كشخصية "اعتبارية"، وإن سُمح بذلك لأفراده بوصفهم مواطنين".
وهكذا يسير الرجل في نقده وتفنيده للشبهات مستصحبا اللغة، وتوضيح المفاهيم، وضبط المصطلحات حتى يأتي على الشبهات من القواعد، ويؤسس عليها بنيانا صحيحا.

ثانيا: فنون البلاغة
كما أنه يستخدم التورية في رده وبخاصة مع أسماء الكتاب الذين يرد عليهم ويفند كلامهم، ففي رده على أسامة سرايا المشار إليه قبل قليل قال: (ويسقط "سرايا" ـ هكذا بين قوسين ـ في التناقض بعد ذلك مباشرة". فهو يقصد الاسم حقيقة، ومجازا يقصد سقوط عمارة "سرايا" في تورية لا ينقصها الجمال في التعبير والصورة.
وحينما كان يرد على ثرت أباظة افتراءاته على الإخوان وصفه بالكاتب الفحل، ثم يسير في رده قائلا: ويقول الكاتب "الفحل" هكذا بين قوسين، والتورية فيها واضحة.
ومع السيد ياسين حينما وصف شعار الإخوان "الإسلام هو الحل بأنه شعار غوغائي قال أديبنا مستخدما آلة اللغة والتورية معا: "كاتب الأهرام "الفحل" السيد ياسين، وصف شعار الإخوان "الإسلام هو الحل" بأنه "شعار غوغائي" أي أنه "شعار سوقي القاموسي" والغوغاء شيء يشبه البعوض، ولا يعض لضعفه، وبه سمي الغوغاء من الناس، وهو ما نطلق عليه حاليًا "الهاموش" فيكون المعنى المتكامل "للغوغاء" من الناس: أنهم "السوقة والدهماء، والجهلة، والتافهون من العامة الذين لا ثقل، ولا همَّة ولا وزنَ لهم". ولا أدري على أي أساسٍ حكم هذا "الفحل" بهذا الوصف على الشعار.. هل بالنظر إلى منطوقه، ومنطوقه قيم رفيع راقٍ...".

ثالثا: السخرية التصويرية اللاذعة
ومن الأدوات التي يستخدمها في كتابته والأساليب التي يعتمد عليها السخرية اللاذعة التي لا يفتأ يقرأها القارئ حتى ينطرح على ظهره ضاحكا.
ففي المظاهرة التي أقامها الحزب الوطني قبيل حرب العراق ليحاكي بها مظاهرة الإخوان المليونية آنذاك يقول أديبنا معللا كون المظاهرة خارج الاستاد لا داخله كما كانت مظاهرة الإخوان: " الأول: أن كل المتظاهرين لن يشغلوا مدرَّجًا واحدًا من مدرجات الاستاد الذي ضاق بكل مدرجاته وطرقه وملعبه عن الإخوان من قبل.
الثاني: العجز المتوقع عن ضبط المتظاهرين وتنظيمهم، ويومها أدرك الشعب الفارق بين حزب "محظور" بأمر الحكومة، وحزب محظور ملفوظ مكروه "بأمر الشعب".
يقول: وضحكت- والله- وأنا أسمع الشريف يخطب الحاضرين قائلاً: "يا مظاهرة المليون.. هذا يوم من أيام مصر.. إلخ.. وضحكت وأنا أرى عادل إمام يذكرني بنفسه في فيلم "الأفاكاتو" رأيته يخطب وقد فتح عينه اليسرى "بزيادة" عن اليمنى. فإذا ما أرتجَّ عليه- أي عجز عن مواصلة الكلام- هتف ليردد الجمهور هتافه "لا للحرب.. ونعم للسلام".. ويظل يكررها حتى يفتح الله عليه بكلمتين فيواصل..!! ولم تُخدش أمريكا أو إسرائيل أو بوش بهتاف واحد، ولا حتى كلمة مكتوبة على لافتة، ولكن يبقى الأكثر إضحاكًا كلمة الشريف "يا مظاهرة المليون.."؛ لأن عدد المتظاهرين لم يكن يزيد على عشرين ألفًا بأية حال، ولكن استُخدمت "الحيل" السينمائية في التصوير من زوايا متعددة؛ مما يدل على براعة "الكبار" لا في التزوير الانتخابي فحسب، ولكن في "التزوير التصويري" كذلك.
وفي مقالة بعنوان: "وزير الأوقاف وتجلياته الزقزوقية" قال: "الشيخ الدكتور محمود حمدي زقزوق: وزير أوقافنا ليس شيخًا ولا وزيرًا عاديًا؛ لأنه صاحب "تجليات" موسمية لا تنقطع، وكلها بحمد الله تجليات "مضروبة" لا تليق به شيخًا، ولا دكتورًا، ولا وزيرًا، فهي تذكرني بتجليات مولانا "كبير الهامة" الذي كان يجلس على مصطبة في بلدنا، وقد علق في عنقه عشرات من المسابح، وكل عمله أن يهز رأسه يمنة ويسرة، ويمر به العوام يقبلون يده، ويضعون فيها النقود".
وهكذا يمضي في سخرية لاذعة لا تخلو من صورة واضحة يرسمها ببراعة قلمه وسعة خيالة ودقة تعبيره، وهو أمر له أهمية للقارئ لا يخفى.

رابعا: استصحاب التاريخ
ومن أهم ما يستخدمه أديبنا في دفع الشبهات ورد الافتراءات أنه يستصحب التاريخ، وهذه ميزة عنده استخدمها في كثير من المقالات، في رده على ثروت أباظة، وفي رده على الحزب الوطني، وفي رده على كلام هيكل في الجزيرة، وفي بيانه لحادث المنشية، وفي ردوده على أحمد عبد المعطي حجازي، وغيرها من الموضوعات يقصر الاستشهاد لها في هذا المقام.
هذه لفتة سريعة للتنبيه إلى بعض جهود هذا الشيخ الجليل، والكاتب القدير اعترافا بفضله على الدعوة وعلى الصحافة وعلى الأدب واللغة، وعلى قرائه ـ وأنا منهم ـ وتنبيها لتلاميذه ودارسي الأدب والشعر أن يهتموا به ويوجهوا عنايتهم إلى أدبه درسا وتحليلا وشرحا ونشرا.

الشيخ السيد نوح.. الداعية الرباني


الشيخ السيد نوح.. الداعية الرباني
[16:10مكة المكرمة ] [31/07/2008]
د. السيد محمد نوح
بقلم: وصفي عاشور أبو زيد
في الوقت الذي يهتم فيه الإعلام الرسمي وغير الرسمي بالمُخرِجين والفنانين، ومن لم يقدموا للأمة شيئًا يُنْهِضُها من كبوتها المعاصرة، أو يعزز مسيرتها الحضارية.. يجب علينا أن نحييَ ذكرى علمائنا الأطهار ودعاتنا الأبرار، الذين جعلوا حياتهم وقفًا على الدعوة، وسخروا كل ما يملكون من وقت وجهد ومال وعلم في خدمة دين الله، فحقق الله على أيديهم نتائجَ مبهرةً، وأثمرت جهودهم وجهادهم ثمرات يانعة، وأسست في حياتهم بسعيهم ونداءاتهم مؤسسات كثيرة لا يمحو أثرَها في الأمة اختلافُ الليل والنهار.

وبحلول يوم الأربعاء 30/7/2008م الموافق 27 رجب 1429هـ تحل علينا الذكرى الأولى لعالم وداعية رباني حبيب إلى قلوبنا، عزيز على أنفسنا، خسرت الدعوة بموته عَلمًا من أعلامها، وفقدت الأمة بفقده كوكبًا من كواكب الهداية في سمائها.. إنه العالم المحدِّث، والداعية الرباني الشيخ الدكتور السيد محمد نوح، عليه رحمة الله ورضوانه.

المولد والنشأة (1)
ولد السيد محمد السيد نوح في عزبة السباعي الشهيرة بـ"عزبة غانم" التابعة لقرية الكوم الطويل في مركز بيلا بمحافظة كفر الشيخ في جمهورية مصر العربية في 23 جمادى الأولى 1365هـ الموافق 24 أبريل 1946م لأسرة ريفية فقيرة؛ الأب فيها يعمل بالزراعة، وله عشرة إخوة: خمسة أشقاء، وخمسة غير أشقاء؛ حيث تزوج أبوه محمد السيد نوح من ثلاث نسوة، وكان فقيدنا أكبر إخوته سنًّا؛ حيث تزوج من أخت الشيخ زين العشري أحد زملائه الذين كان يحبهم ويتأثر بهم، وأقام في المحلة الكبرى بمحافظة الغربية، وأنجب عشرة من الأولاد: تسعة ذكور، وبنتًا واحدةً.

أتم حفظ القرآن الكريم وهو ابن ثمانية أعوام، ثم انتقل إلى المعهد الأزهري الابتدائي بكفر الشيخ، ثم إلى معهد المحلة الأزهري الثانوي ليحقِّق في الثانوية الأزهرية ترتيب الأول على محافظته والثالث على الجمهورية، ثم تخرَّج في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر بالقاهرة، وتدرج حتى حصل على العالمية "الدكتوراه" عام 1976م.

وقد حمل سيد نوح هموم أسرته الفقيرة منذ الصغر، فكان يشارك في إعالتها عبر المكافآت (45 جنيهًا مصريًّا) التي كان يتقاضاها من الأزهر بحكم تفوقه الدراسي حتى كان هدفه من حصوله على الماجستير والدكتوراه- إلى جانب تحصيل العلم- تحسين حاله وحال أسرته الاقتصادي.

تأثر في المرحلة الثانوية تأثرًا كبيرًا بالشيخ إبراهيم خميس، ثم بالشيخ عبد الفتاح سلطان، وهيَّأ له القَدَر في مرحلة الدكتوراه أن يقرأ كتاب: "العبادة في الإسلام" للشيخ يوسف القرضاوي الذي أثَّر فيه تأثيرًا كبيرًا، وأدرك من خلاله سر وجوده ومهمته في الحياة.

كان الشيخ موغلاً في التصوف، وكان صادقًا في تصوفه، وكان شيخه في هذا الشيخ عبد السلام أبو الفضل إمام مسجد العباسي في المحلة الكبرى بمحافظة الغربية في ذلك الوقت الذي تتلمذ على يديه هو ومحمد محمد الشريف، وحسن الحفناوي، وكان الشيخ سيد- يرحمه الله- متابعًا لمجلة الدعوة الإخوانية، ومعجبًا بما يكتبه الأستاذ عمر التلمساني، ومتابعًا لنشاط الأستاذ محمد العدوي في قرية محلة أبو علي التابعة للمحلة الكبرى، فأراد الشيخ الدكتور يحيى إسماعيل رفيق عمره في الدراسة والدعوة والتخصص، أن ينقل إليه بعضًا من فكر الإخوان ومنهجهم، ودله على الشيخ محمد العدوي.

وفي إحدى المناسبات تقابل د. نوح بالشيخ العدوي وعرَّفه بنفسه، فقال له الشيخ العدوي: "أين أنتم؟! وأين دور علماء الأزهر؟!" فقال له الشيخ نوح: فيكم الكفاية والبركة إن شاء الله، فقال له العدوي: "انطلقوا وجاهدوا ونحن أحذية في أقدامكم".

وكان هذا من الأسباب البارزة لالتحاقه بالإخوان المسلمين، والتي كان لها دور بارز في تفتيح آفاقه ليطل منها على قضايا الأمة، ويصبح داعيةً شاملاً؛ يحمل هموم أمته بعد أن كان مجرد واعظ وأكاديمي، فتفجَّرت فيها طاقاته الدعوية، وملكاته الإيمانية والتربوية، وانطلق انطلاقته المباركة حتى قُطعت أنفاس كل من كان يعمل معه، ولقي الله وهو على ذلك.

بعد تعيينه بعامَين مدرِّسًا بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر بالقاهرة، استقدمه الشيخ رءوف شلبي وكيلاً لأصول الدين في المنصورة لمساعدته في تنفيذ برنامجه التربوي هناك، وشجَّعه الشيخ العدوي على ذلك، ثم انتُدب أستاذًا زائرًا في كلية الشريعة بدولة قطر عام 1981م؛ حيث كان عميدها في ذلك الوقت الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، ثم انتقل إلى الإمارات عام 1982م، ومكث فيها حتى عام 1993م، وهو العام الذي انتقل فيه إلى كلية الشريعة بجامعة الكويت أستاذًا للحديث وعلومه إلى أن وافته المنية.

ومن الجدير بالذكر أن الشيخ أُخْرِج من مصر عام 1993م لظروف أمنية، وظل حتى عام 2003م بعيدًا عن أمه إلى أن استقدمها في العام نفسه إلى الكويت، وذهب معها إلى الأراضي المقدسة ليقضيَ معها فريضة الحج، ولم ينزل مصر إلا مريضًا في عام 2005م في مستشفى دار الفؤاد بمدينة 6 أكتوبر بالقاهرة.

صفاته الإنسانية والخلقية
تمتع الشيخ بمجموعةٍ من الصفات أجمع عليها كل من عرفه، حتى إن من اقترب منه وتعامل معه لا يملك إلا أن يتمثَّل ما جاء في الحديث الذي رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانًا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض" (2).

وأحسب أن الشيخ قد وُضِع له القبول في الأرض بما آتاه الله من صفات كريمة وخلال حميدة، ومن أهم هذه الصفات:
الإخلاص: ومع أن الإخلاص سرٌّ بين العبد وربه؛ لا يستطيع أحد أن يقطع به، فإن له آثارًا وشواهدَ تدل عليه، وأعمالاً ومظاهر تقود إليه؛ منها أن كلامه كان يمس شغاف القلوب بالرغم من أنه كلام يقوله غيره لكن لا يكون له مثل هذا الأثر، ومنها مشهده في الصلاة الذي كان يزيد من رآه إيمانًا، وكان كثير البكاء كما سبق القول.

وكان من أهل الليل، ومن أهل القرآن؛ حيث كان حريصًا على وِرْد القراءة ووِرْد المراجعة، فكان وِرْده اليومي ستة أجزاء التزم بها حتى في أيام مرضه، أما في رمضان فقد كان له مع القرآن شأن آخر؛ حيث كان التهجد عنده يبدأ من أول رمضان، وله في رمضان ثلاث ختمات: الختمة الأولى في العشرين الأوائل، والختمة الثانية في العشر الأواخر، والختمة الثالثة في صلواته فرائض ونوافل أثناء نهار رمضان وليله، هذا في الصلوات، أما في ورد القراءة اليومي فقد كان يختم القرآن كل ثلاثة أيام من أيام رمضان.

حتى رأيت قول الإمام الشاطبي متحققًا فيه أكمل ما يكون التحقق، من أن القرآن الكريم: "كليةُ الشريعة، وعمدةُ الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاةَ بغيره، ولا تَمَسُّكَ بشيء يخالفه.

وإذا كان كذلك لَزِمَ ضرورةً لمن رامَ الاطلاعَ على كلياتِ الشريعة، وطَمِعَ في إدراك مقاصدها واللحاقِ بأهلها أن يتخذَه سميرَه وأنيسَه، وأن يجعلَه جليسَه على مرِّ الأيام والليالي؛ نظرًا وعملاً، لا اقتصارًا على أحدهما، فيوشك أن يفوزَ بالبُغْيَةِ، ويظفرَ بالطُّلْبَةِ، ويجدَ نفسه من السابقين وفي الرعيل الأول" (الموافقات: 4/346، طبعة دار الفكر العربي).

ومنها التواضع: فكان تواضعه لا يصدر عن تكلُّف أو تصنُّع أو مجاملة، بل كان تواضعًا صادقًا خالصًا حقيقيًّا غير مشوب بما يكدِّر صدقه وصفاءه.

وقد قاده هذا التواضع إلى صفة أخرى هي صفة إنكار الذات؛ فكان لا يرى لنفسه حقًّا عند أحد، ولا يرى ذاته ولا عمله في أي مقام، بل كان يشعر مع نفسه، ويُشعر غيره بالتقصير في جنب الله وفي حق الإسلام ودعوته، حتى إنه كان يعتذر مبكرًا للمتحدثين معه إذا ظهر خلافٌ في معرض الأحاديث الخاصة حتى لو لم يكن مخطئًا؛ إنجازًا للمهام، وحرصًا على الوقت، وتنازلاً عن حق نفسه، وسدًّا لباب الجدل والمِرَاء الذي لا يأتي بخير، كما كان يعتذر عن إخوانه ويتنازل عن حظه من أجلهم، ويعطي من حقه لحقوقهم؛ إيثارًا وحبًّا، وبغيةً في ثواب الله.

ومن الصفات الإنسانية التي تميَّز بها الشيخ الدكتور نوح: السماحة والحلم، فكان سمحًا مع كل الناس، حليمًا عليهم، بالرغم من غلظة بعضهم وجلافة بعض آخر، ومع علمه بحقيقة كل من يعامله كان يبادل المسيء إحسانًا، والمحسن إحسانًا مضاعفًا، حتى أحبه غير المسلمين.

ولعل أبرز الصفات التي تمتع بها أنه كان دائمًا في حاجة الناس، وكان موئل الناس في قضاء حوائجهم ومصالحهم، كما كان نشطًا في الجانب الاجتماعي؛ فلا يقصر في حق من الحقوق الاجتماعية العامة، ولا الحقوق الاجتماعية الخاصة، فضلاً عن علاقاته الاجتماعية مع رفاق دربه.

كل هذه صفات وغيرها تحتاج إلى سرد مواقف للتدليل عليها بما يضيق المقام عنه هنا، وهي مواقف كثيرة ومتنوعة شهد بها الموالي والمعادي، والمسلم وغير المسلم.

صفات التكوين العلمي
العلماء الربانيون هم الذين يجمعون بين العلم والعمل والتعليم، فلا يبلغ العالم أن يكون ربانيًّا إلا إذا تعلَّم ما يجهل، ويَعْمل بما عَلِم، ويُعَلّم ما يَعْلم.

وأحسب أن الشيخ سيد نوح جمع بين العلم والعمل والتعليم؛ فهو عالم أزهري متمكن، لا سيما في مجال السنة وعلوم الحديث كما سيأتي، عامل بما علم؛ فكان صوَّامًا قوَّامًا ذاكرًا لله تعالى، وكانت له دروسه التعليمية لكل الفئات: للعمال، ولطلبة العلم، وللمتخصصين في العلم الشرعي، كما كان العلم رحمًا موصولةً بينه وبين إخوانه من الدعاة والعلماء.

ومن صفات التكوين عنده أنه جمع بين الدعوة والتأصيل الشرعي، ولِمَ لا، وهو العالم المتضلع من السنة وعلومها، الماهر بالقرآن حفظًا وتلاوةً واستحضارًا واستشهادًا؟! فكثير من الدعاة ينطلقون على غير بصيرة، لا سيما ونحن في عصر الفضائيات والدعاة الجدد، وكثيرٌ من الشرعيين لا يتحرَّكون بعلمهم ولا يكون لهم نصيب في الدعوة والحركة بهذا العلم، ومن هنا نقول: إننا نعاني في الواقع العملي الفقهي والدعوي معًا من وجود فجوة ليست صغيرةً بين الفقيه وساحة الدعوة، وبين الداعية ومجال الفقه؛ فقلما تجد داعيةً يملك عقل الفقيه، أو فقيهًا يحمل روح الداعية.

إنما الفقيه معزول عن الواقع والحياة، والداعية بعيد عن محراب العلم الشرعي الرصين، في حين أنه لا تنافرَ بينهما في التصور الشرعي، بل كلاهما يستدعي الآخر ويستوجبه؛ فلن يجدد الدين في عقول الأمة إلا فقهاء يحملون أرواح الدعاة، ودعاة يملكون عقول الفقهاء، وقد جمع الشيخ سيد نوح هذه المعادلة المهمة، ووفقه الله فيها إلى حد بعيد.

ومن صفات وآثار تكوينه العلمي السليم أنه يقوم بتوصيل المعاني الكبيرة بأسلوب ميسور يفهمه الجميع؛ فكثير من الناس يتحدث بأسلوبٍ لا يفهمه إلا الخاصة، فضلاً عمن يتقعرون في أحاديثهم ويأتون بالغريب الوحشي من الألفاظ، أما التعبير عن المعاني الكبيرة والمفاهيم الصعبة بأسلوب ميسور يفهمه العالم والجاهل، فهذه ميزة لا يقدر عليها إلا أولو العزم من أهل العلم والدعوة، وقد استطاع الدكتور نوح أن يمزج بين العلم الرصين وإيصاله إلى الناس بشكل يتلاءم معهم؛ فالتقعر والإيغال في غريب الألفاظ ربما عبَّر عن نقص علمي فيمن يتحدثون به للإيهام بأنهم علماء متخصصون متمكنون من تخصصهم، وهم في الحقيقة فراغ وخواء من هذا التخصص؛ يستخدمون هذه الغرائب ليواروا بها السوءات والعورات.

وكنت إذا سمعت الشيخ نوح يتحدث في درس عام شارحًا لحديث أو مستعرضًا لقصة ظننت أن هذا الرجل داعية جماهيري؛ يحسن الحشد والتأثير على المشاعر، ولا علاقة له بالأكاديميات، لكن حين تسمعه بين العلماء في مناقشة رسالة علمية أو في مجلس لأهل العلم فهو العالم المتمكن الرصين المقدَّم، الذي غاص في بحار العلم وعايش بطون الكتب حتى استخرج كنوزها ولآلئها، ودلَّ على المعلومة في الكتب التراثية برقم الجزء، وأحيانًا برقم الصفحة.

ومن الأمور المنهجية التي تمتع بها عالمنا أنه تميَّز بالوضوح في العرض والترتيب في الأفكار، وهو منهج تسمعه في حديثه كما تقرؤه في كتبه سواء بسواء؛ ففي خطبه ودروسه كان يقسِّم خطبته أو محاضرته إلى عناصر وأفكار يتلوها غالبًا على مسامع الناس في بداية حديثه حتى يكون لدى الناس تصور واضح، ولا يخفى ما لهذا الأسلوب من تأثير على يقظة المتلقي وانتباهه، وحمله على متابعة الحديث عنصرًا بعنصرٍ وفكرةً بفكرةٍ.

آثاره العلمية التأليفية
أعني بالآثار العلمية هنا ما كتبه الشيخ سيد نوح في مجال علوم السنة والحديث والفكر الإسلامي، وهذا الجانب غير ظاهر وغير معروف عن الشيخ؛ فقد عرف بالدعوة والتربية أكثر من الصنعة الحديثية، مع أن جهوده العلمية ومؤلفاته في علوم السنة أكثر مما كتبه في الدعوة والتربية، وفيما يلي بيان بأهم آثاره التأليفية في هذه المجالات:
أولاً: في مجال الحديث والسنة:
فقد بدأ تخصصه في الماجستير والدكتوراه عن علوم السنة والحديث، فتناول في الماجستير موضوع: "زواج النبي بزينب بنت جحش ورد المطاعن التي أثيرت حوله في ضوء المنهج النقدي عند المحدثين" من جامعة الأزهر عام 1393هـ = 1973م، وفي الدكتوراه تناول موضوع: "الحافظ أبو الحجاج يوسف المزي وجهوده في كتابه تهذيب الكمال" من جامعة الأزهر أيضًا عام 1396هـ = 1976م، وقد كان له السبق في الكشف عن الحافظ المزي والتنويه بكتابه تهذيب الكمال.

ثم كانت له أبحاث محكمة نَشرت معظمَها مجلةُ الشريعة والدراسات الإسلامية التي تصدر في الكويت، ثم نشرها بعد ذلك في كتب مستقلة.

ومن هذه الأبحاث: "علم الطبقات.. حقيقته وقيمته العلمية والحضارية"؛ تناول فيه تاريخ علم الطبقات، وبيَّن فوائده وثمراته ومنهج العلماء في تحديد الطبقات مع التمثيل لذلك.

ومنها كتاباه- شاركه فيهما الدكتور عبد الرزاق الشايجي الأستاذ بكلية الشريعة بالكويت-: "الصحابة وجهودهم في خدمة الحديث النبوي"، وكتاب: "التابعون وجهودهم في خدمة الحديث النبوي"، بيَّنا فيهما جهود الصحابة والتابعين في خدمة السنة تحمُّلاً وأداءً، وذَكَرَا أن جهود التابعين في حاجةٍ إلى الدراسة والاهتمام في هذا المجال.

ومنها كتابه- بالمشاركة أيضًا- بعنوان: "مناهج المحدثين في رواية الحديث بالمعنى"؛ أورد فيه مذهب المجوِّزين روايةَ الحديث بالمعنى مع ذكر ضوابطهم وأدلتهم، كما أورد مذهب المانعين لهذا الأمر مع بيان مسوغاتهم وأدلتهم، ورجَّح مذهب المجوِّزين لقوة الأدلة نقلاً ونظرًا مع اعتبار شروط ذلك.

ومن كتبه في الصنعة الحديثية كتابه: "درء تعارض أحاديث كراء الأرض"؛ أورد فيه الأحاديث التي تبيح كراء الأرض، والأحاديث التي تحظره، ودرأ التعارض بينها على طريقة الأصوليين المحدثين.

ثانيًا: في مجال الفكر الإسلامي:
أما في مجال الفكر الإسلامي فأبرزُ ما كتب الشيخ- رحمه الله- في هذا المجال ثلاثة كتب: الأول: "منهج أهل السنة والجماعة في قضية التغيير"؛ حيث تناول هذه القضية من بُعد دعوي وتربوي؛ فتعرَّض فيه لمفهوم أهل السنة والجماعة وماهية الدعوة والتربية، وبيَّن الحاجة للدعوة والتربية في نظر أهل السنة والجماعة، وأهداف أهل السنة والجماعة من الدعوة والتربية، ومن أهم ما بيَّنه في هذا الكتاب أنه قرر قواعد ومنطلقات للدعوة والتغيير والتربية من وجهة نظر أهل السنة والجماعة.

والكتاب الثاني بعنوان: "حاجة البشرية إلى الحكم بما أنزل الله كتابًا وسنةً"؛ شخَّص فيه واقع الأمة المسلمة، وبيَّن الأسباب التي انتهت بهم إلى هذا الواقع، ورسم معالم طريق الخلاص مما تعاني منه البشرية اليوم من خلال الحكم بما أنزل الله.

أما الكتاب الثالث فجاء تحت عنوان: "دوافع عناية المسلمين بالقرآن الكريم"؛ ذكر فيه أحد عشر سببًا دفع المسلمين إلى الرعاية والاهتمام بالقرآن الكريم؛ يذكر الدافع ثم يستشهد له من القرآن نفسه، ومن الأحاديث والآثار، ومن تاريخ الأمة إذا لزم الأمر.

ثالثًا: في مجال الدعوة والتربية:
وهذا هو مجاله الأشهر وميدانه الأرحب الذي عُرف به واشتهر عنه؛ فالدكتور السيد نوح هو صاحب المصنف الشهير "آفات على الطريق"، و"توجيهات نبوية على الطريق"، وفي هذين الكتابين يقدِّم نموذجًا علميًّا تربويًّا خلقيًّا شهد بتميزه المتخصصون في الشرع كما شهد له المتخصصون في التربية والمناهج وطرق التدريس.

ففي "آفات على الطريق" صدر له ثمانية أجزاء يتناول الآفة بشكل مميز؛ حيث يعرِّفها في اللغة والاصطلاح ويذكر أسبابها ومظاهرها وآثارها، ثم يرسم الطريق لعلاجها.

وفي "توجيهات نبوية" ينتقي أحاديث يختارها، ثم يقوم عليها بالشرح والإيضاح الذي له فيه منهجه الخاص كذلك؛ حيث يخرج الحديث ثم يذكر معناه إجمالاً، ويوضح ما فيه من جوانب متعددة، ثم يبين ما فيه من دروس دعوية وعِبَر إيمانية وملامح تربوية ينتفع بها الدعاة والقادة والمربون.

وله في هذا المجال كتابه الماتع: "من أخلاق النصر في جيل الصحابة"، وهو كتاب أخلاقي تربوي صوفي؛ أورد فيه الشيخ أربعة عشر خلقًا عند الصحابة كانت سببًا في تمكين الله لهم ونصره إياهم؛ يذكر الخلق ثم يدلل عليه بما في سيرة الصحابة مستشهدًا له بالقرآن والسنة، ولم يَفُتْه في نهاية الكتاب أن سجَّل بعض أقوال الأعداء عن هذه الأخلاق تؤكد أهميتها عند الصحابة وكيف كانت سببًا في نصر الله لهم.

وله رسالة طيبة عن: "تكوين البيت المسلم"؛ ذكر فيها الشروط التي وضعها الإسلام ليكون البيت مسلمًا بحق، كما بيَّن العقبات التي يضعها أعداء الإسلام في طريق تكوين البيت المسلم وكيف يمكن التغلب عليها.

بالإضافة إلى كتابه: "الدعوة الفردية في ضوء المنهج الإسلامي"، وكتابه: "منهج الرسول في غرس روح الجهاد في نفوس أصحابه".

جهوده الدعوية والحركية
نذر الشيخ سيد نوح نفسه للدعوة إلى الله تعالى، وجعل نفسه وقفًا لله في وقت مبكر من حياته، ولقد كان لانتمائه لجماعة الإخوان المسلمين أثرٌ بالغٌ في انطلاقته المباركة، وفي فهمه للإسلام، وفي حمله لقضايا الأمة وهمومها، لا سيما قضية فلسطين التي كان لها مكانتها وقيمتها عنده في كل محفل وفي كل خطبة.

توزعت جهودَ الشيخ الدعوية مجالاتٌ عدة؛ فكان خطيبًا متطوعًا في وزارة الأوقاف الكويتية منذ 1994م حتى وفاته؛ يخطب الجمعة في مسجد الوزان بشكل مستمر إلا في أيامه الأخيرة بسبب ظروفه الصحية، ولما كانت عملية تغيير الكبد وشفاه الله نصحه الأطباء بعدم بذل أي مجهود مراعاةً لحالته، لكنه كان يقول: "لقد كنت في حكم الميت، وأحياني الله تعالى لينظر ماذا أفعل، ومِن شُكر الله تعالى ألاَّ أتأخر عن دعوته وتبليغ رسالته"، فكان يخطب الجمعة ويلقي الدروس ويتحدث في الندوات ويحضر المؤتمرات حتى وافاه الأجل المحتوم.

ولقد كان للشيخ أيادٍ بيضاءُ على ما يُعرف في الكويت بـ"لجنة زكاة العثمان" التي أسسها المرحوم بإذن الله الشيخ حسن أيوب؛ حيث جعل لها الشيخ نوح أنشطة ثقافية وخيرية وعلمية، وفعَّل دورها الخيري في أنحاء الكويت وخارج الكويت، فكان لها الفضل الكبير في التكافل الاجتماعي ونشر العلم وتعليمه.

ومن العلامات البارزة في جهود الشيخ الحركية والدعوية مجال العمل الخيري؛ فقد جعله الله سببًا في كفالة كثير من الأيتام، وفي إطلاق سراح كثيرٍ من المسجونين المُعْسرين، وفي توفير الأدوية لكثيرٍ من المرضى، وفي توفير فرص عمل للعاطلين، وفي قضاء مصالح الناس وحوائجهم.. كل ذلك عبر دعوته للخير عن طريق أهل الخير؛ حيث كان مسجده "الوزان" يقوم بما لا تقوم به مؤسسة متخصصة في العمل الخيري.

القضية الفلسطينية في حياة الشيخ

السيد نوح
ومن أبرز القضايا التي كان له فيها دوره في العمل الخيري: القضية الفلسطينية؛ فقد كان يحشد الحشود، ويوحِّد الجهود، ويجمع النقود لأهل فلسطين، حتى إنه كان في عيد الأضحى يجمع قيمة الأضحية فيرسلها إلى فلسطين ويتم الذبح والتضحية هناك؛ فكان يجمع في الجمعة الواحدة أيام الأضحى ثمن ما يقرب من عشرين أو ثلاثين أضحية، علمًا بأن ثمن الأضحية الواحدة أربعون أو خمسون دينارًا كويتيًّا.

وبالإضافة إلى هذا العمل الخيري وجَمْع الأموال الواجبة لأهل فلسطين، كان من الناحية الفكرية والدعوية لا تكاد تخلو خطبة من خطبه من حديثٍ عن فلسطين وقضيتها وأزماتها، وكذلك دروسه ومحاضراته؛ فكانت القضية حاضرةً في عقله، بارزةً في وجدانه، فكان يحيا لها، ويجاهد من أجلها جهادًا كبيرًا، بل عاشت في كيانه وجَرَت في عروقه مجرى الدم.

نهاية المطاف
قبل عامين ونصف من رحيله ذهب إلى الصين ليركب كبدًا غير الكبد، وعاد معافًى إلى دروسه ونشاطه الدعوي بالرغم من أن الأطباء كانوا ينصحونه- كما سبقت الإشارة- بعدم بذل مزيد من الجهد، لكنه لم يكن يستجيب لهذه النداءات، وانطلق الشيخ انطلاقةً جديدةً بالرغم من مرضه وكأنما كان يلاحق القدر، أو يشعر باقتراب الأجل، فأراد أن يحصِّل من الأجر والثواب وعمل الخير ما يكون زادًا له يوم القيامة.

وكتب الشيخ خواطره عن المرض "دروس وعبر"، ثم دخل في حالة مرضية غيبوبية مثل الأولى بسبب هذا الوباء الذي أصيب به العديد من أبناء الشعب المصري، ولقي ربه صابرًا محتسبًا راضيًا مرضيًّا فجر يوم الإثنين 30 يوليو2007م، 16 رجب 1428هـ، بعد رحلة طويلة مع المرض الذي شاء الله أن يكون له ممحِّصًا، ورافعًا للدرجات إن شاء الله.

كانت جنازته مهيبة؛ تُذكِّر- في ضخامة عددها- الإنسانَ بجنازات الزعماء والقادة والرؤساء، ولِمَ لا، وصاحبها من كبار الدعاة إلى الله، ومن أبرز العلماء الربانيين في الدعوة الإسلامية في هذا الزمان؟!

كانت هناك موانع كثيرة تمنع الناس من أن تشارك في الجنازة؛ منها: الحر الشديد، والرطوبة العالية، وحرارة الشمس اللافحة التي ربما تجاوزت خمسًا وخمسين درجة في هذا اليوم، وهي كفيلة بأن تجعل الناس يتردَّدون في الذهاب إلى الجنازة.

ومنها أننا كنا في فصل الصيف، بل في كبد الصيف، وكثير من الوافدين عادوا إلى بلادهم ليقضوا إجازتهم السنوية، ومنها بُعد المكان في هذا الحر؛ فقد دفن الشيخ بمكانٍ يسمى "الصليبخات"، وهي مكان يبعد عن مدينة الكويت بحوالي 40 كيلو مترًا في هذا الجو الخانق.

ومع ذلك تجمعت السيارات من كل حدب وصوب نحو مكان المصلى والدفن؛ يحدوهم حب الشيخ الذي تمكَّن من قلوبهم، وعيونهم ملأى بالدموع حزنًا على رحيله، لا سيما عند صلاة الجنازة، وليس بمستغرب أن تجتمع له هذه الألوف المؤلفة من البشر لتصليَ عليه، وهو الذي كان يصلي أسبوعيًّا صلاة الغائب يوم الجمعة في مسجد الوزان على من يبلغه خبر وفاته، ومن يموت من المسلمين في كل أسبوع.

وكما هو معروف أن بلاد الخليج فيها من كل الجنسيات، ومع ذلك لم يقتصر الحضور على المصريين فقط، بل كان فيها معظم الجنسيات الموجودة بالكويت، كما تجمَّع فيها كثير من التيارات الفكرية من سلفية، وإخوانية، وغيرها.

وإن دلَّ ذلك فإنما يدل على أن الشيخ كان رجلاً ربانيًّا، وداعيةً إيمانيًّا، وعالمًا عاش هموم أمته وهموم مجتمعه بعيدًا عن الانغلاق والتعصب، وهذه الألوف المؤلفة شاهدةٌ على أنها عاجل بشرى الشيخ إن شاء الله، وعلى أنه القبول في الدنيا قبل الآخرة.

رحمه الله ورفع درجاته في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
--------
*
Wasfy75@yahoo.com
--------
* المعلومات التي كتبتها هنا استقيتها من الأخ الأستاذ عبادة السيد نوح، ابن الشيخ يرحمه الله، ومن شيخنا الأستاذ الدكتور يحيى إسماعيل حبلوش أستاذ الحديث وعلومه.صحيح مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أحب الله عبدًا حببه إلى عباده.

http://www.ikhwanonline.com/Article.asp?ArtID=39273&SecID=362

زميل معجب وأدعو الله ـ استشارة إيمانية

زميل معجب وأدعو الله
مشكلتى ان اعمل فى شركة ولى زميل معجب بى كثير ويغار ممن يتحدث معي احد وتعلقت به ودائما ادعو ان يكون من نصيبي وفجاه علمت انه يبحث عن فتاه ذات مركز عائلي وخطب عدة مرات ولكن لم يتم النصيب وكان دائما يتحدث معي اشعر به متعلق بى وبشهادة الجميع واخيرا خطب فتاه ذات عائلة ولكنه مازال يلحقنى غير مقتنع بها وانا اصلى الليل والنهار وادعوالله ان يكون من نصيبى فعلا اتمنى ان يكون من نصيبى ودائما ادعو لتلك الفتاه ان ربى يبعدها عنه ويرزقها من هو خير منه وعموما هذةالفتاه اخترتها له أمه ماذا افعل وماهو الدعاء الميسر لذلك لااريد ان ايئس من روح الله


موقع إسلام أونلاين

وصفي عاشور أبو زيد

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،،
فإن فترة ما قبيل الزواج يحدث فيها من المفارقات والتناقضات واتباع الأهواء ما يقضي منه العجب، ويجعل الحليم حيران، وسؤالك أيتها الأخت الكريمة لا يخلو من هذا، ولا أجدني مستطيعا أن أقدم مقدمات أو أمهد لإجابتي عليك بتمهيدات، لما في هذه الوقائع التي ذكرتيها من استفزازات، -وفي الوقت نفسه- تناقضات.
إذا كنت لا تريدين أن تيأسي من روح الله فأنت لا شك تحبين الله، قوية الصلة به، وإن كنت كذلك حقا، فكيف تسمحين لرجل أجنبي أن يقع بينك وبينه ما يصل بكما إلى أن يغار عليك ممن يتحدث معك، أليس هذا تناقضا؟.
وإذا كان يغار عليك ـ جدلا ـ فكيف خطب غيرك ممن هي ذات منصب وجاه، وانصرف عنك، بل خطب عدة مرات، أليس هذا تناقضا آخر؟
الذي يجري بينه وبين فتاة من حوارات ونقاشات وأحاديث ثم يحدث التعلق بها، والغيرة عليها، والإعجاب بها ـ إذا افترضنا جدلا جواز هذا شرعا وما هو بجائز ـ لا يتصور أن يتركها ليبحث عن ذات المنصب والجاه، فضلا عن أن يخطب غيرها عدة مرات.
إنني أدعوك ومثلك من الفتيات اللائي يجرين وراء أوهام في رءوسهن، ويتبعن شهوات في قلوبهن، ويتبعن الأماني حتى يقعن في ما لا تحمد عقباه، أن يحكمن هذه العواطف والأهواء بشيء من العقل، وأن يلجمن نزواتهن بالتفكير الهادئ المتزن، وألا يتركن للشيطان بابا مفتوحا لا سيما وقد بين الله طريق الحلال وبين أسبابه ويسر سبله، وكل الناس تعرف طريق الحلال من الحرام، "وأتوا البيوت من أبوابها، واتقوا الله".
واعلمي أن الزواج قسمة قسمها الله لعباده، وقَدَرٌ حسمه منذ الأزل، فلن تتزوج المرأة غير ما كتبه الله لها، فلتهدأ بالا، ولتسعد نفسا، وتقر عينا، ولتسكن إلى اختيار الله لها، ولا تعذب نفسها بما لا يستدعي ذلك، وإن كان الله قدر لها هذا الإنسان فلن يستطيع أحد أن يحول بينها وبين قدر الله.
واسألي الله أن يقدر لك دائما ما فيه رضاه عنك دنيا وأخرى، ولا تسألي الله أن يقدر لك إنسانا بعينه، فالإنسان رؤيته قاصرة، وأوهامه قبيل الزواج عريضة، وربما لا يرى إلا تحت قدميه، والله هو العليم بعباده، يعلم ما يصلحهم وما يفسدهم، ما يسعدهم وما يحزنهم، فرب رجل تتمناه المرأة ثم يحدث الزواج بينهما، وما هو إلا أن تنقلب الحياة جحيما لا يطاق.
فليكن دعاؤك أن يقدر الله لك الخير حيث كان ثم يرضيك به، ويصرف عنك الشر ويصرفك عنه، ولا يجعلك من القانطين.

رمضان... شهر العبادة والعمل

رمضان... شهر العبادة والعمل
بقلم/ وصفي عاشور أبو زيد
باحث بالمركز العالمي للوسطية
wasfy75@hotmail.com
يأتي شهر الصوم كل عام، ويشيع بين المسلمين شائعة مدعاة ووهم فاسد وهو أن رمضان شهر التراخي والنوم والكسل، رغم أن ذلك يتنافى مع قواعد العقل وأدلة الشرع، ومن ثم يتخففون من العمل، ليخلدوا إلى الراحة ويتفرغون للهو والمسليات، والعمل القليل الذي يؤدونه يشوبه كثير من القصور والتفريط، ويصاب الصائمون بضيق الذرع وضيق الصدر بمن حولهم ومن يتعاملون معهم بحجة أنهم صائمون.
وهناك فريق من المسلمين يتفرغون من أعمالهم، ليتأهبوا ويستعدوا للعبادة فقط، ولا مكان عندهم للعمل في هذا الشهر، فهو شهر العبادة، والعبادة فقط، وهو فرصة تتضاعف فيها الأعمال، وتشحن فيها الهمم، ويزداد فيها الإيمان، ويتزود فيها المسلم لباقي العام، "وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى" (البقرة: 197)، ومن ثم ينصرف عن عمله ولا يلقي له بالا.
وفريق آخر يتخفف من عمله الكسبي لا ليعبد الله، ولكن ليصرف وقته أمام التلفاز واللهو والنوم والعبث، حتى يمر الوقت وينقضي الشهر دون أن يشعر بألم الجوع أو مرارة العطش.
بل إن بعضهم يفطر بحجة أن الصيام يضعف الإنتاج، يقول داعيتنا الكبير الشيخ محمد الغزالي ساخرًا ومستنكرًا وقاحةَ الذين يفطرون بحجة ضعف الإنتاج: "ويفطر أحدهم في رمضان ويأمر الآخرين بالفطر، ويضع قدمًا على أخرى في مكتبه، وهو يهتك حرمة الشهر، ويشرب القهوة والدخان، لكن لماذا يفعل ذلك، وقد قال الله: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ". لا.. إن هذا الصوم يضعف الإنتاج، ونحن في عصر يتطلب المزيد منه".
وما من شك في أن هذا الفريق أو ذاك لا يمثل المنهاج الإسلامي الصحيح، ولا يحقق أيٌّ منهما ما شُرع له الصوم من مقاصد وحكم وغايات، وهما بعيدان كل البعد عن الوسطية والاعتدال اللذين تميزت بهما الشريعة الإسلامية والأمة الإسلامية في غير طغيان ولا إخسار: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً". (البقرة: 143).
فهو منهج يجمع بين العقل والروح، وبين العبادة والعمل، وبين الشمول والعمق، ويمزج بين العلم والدعوة، وبين الثقافة والجهاد، وبين الدنيا والآخرة، ويوازن بين مصلحة الفرد والجماعة، وبين حاجات الأجيال المعاصرة، ومتطلبات الأجيال المستقبلة.

الدين ليس أفيون الشعوب
وليس الدين أفيون الشعوب ـ كما زعم البعض ـ يُسْكِرُهم ويجعلهم يخلدون إلى الراحة والدعة والكسل، بل هو الذي خرّج أجيالا وربى أمة وصنع حضارة عمرها أكثر من أربعة عشر قرنا، وشرّق وغرب، وسيبلغ ـ كما أخبر المعصوم عليه الصلاة والسلام ـ ما بلغ الليل والنهار.
وليس في الدين فرائض أو أوامر تدعو للتراخي أو الكسل، يقول الإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين: "ولم يشرع الدين من العبادات ما يضيق به وقت العمل للحياة مقدار أنملة؛ فنحن نرى الذين هم عن الآخرة غافلون يشغلون جانبًا من أوقاتهم في راحة ولهو، أفلا يحق للمؤمن أن يقضي جزءًا من وقت راحته في الوقوف بين يدي الخالق وابتغاء رضوانه، وهذا الجزء لا يزيد على ساعة في اليوم والليلة إذا شاء؟
ليفعل هذا وليقس حياته بحياة من يصرف أوقاته في جمع المال، وإذا انتقل عنه فإلى راحة ولهو، فإنه يجد من طمأنينة القلب وارتياح النفس ما يجعل عيشه أهنأ وحياته أطيب مصداقَ قوله تعالى: "من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون". [من مقال له بعنوان: "المدينة الفاضلة في الإسلام". نشر في عام 1931هـ].

لا يفترقان..
والعمل والعبادة لا يفترقان في التصور الإسلامي، ولا يتعارضان بل كلاهما يستدعي الآخر ويتطلبه؛ لأن العبادة عندنا عمل والعمل عندنا عبادة، فالعمل في لغة القرآن مقرون بالإيمان، فلا تكاد تجد آية فيها عمل إلا مصحوبة بالإيمان، أو إيمانا إلا مصحوبا بالعمل، فتارة يقرن الإيمان بكلمة العمل كقوله تعالى: " وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ" (البقرة: 25).
وتارة يتبع الإيمان بأمر أو نهي وكلاهما عمل، فالأمر كقوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ" (البقرة: 153)، والنهي كقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى" (البقرة: 264).
وتارة أخرى يأمر بالعمل أمرا صريحا مباشرا فيقول: "وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" (التوبة: 105).
ومن هنا فالإيمان والعبادة مقرونان بالعمل، فلا إيمان بلا عمل، ولا عمل بغير إيمان، وإذا كان العمل عبادة فلا تعارض بين العمل والعبادة.

الرسول أسوة
وكان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجمع بين العبادة والعمل انطلاقا من هذا التصور الإسلامي، فلم يُرْوَ عنه قول أو فعل أو تقرير يجعل العمل والعبادة متعارضين بل العكس هو الذي روي، وأحيانا يرفع العبادة التي تمتلئ بالعمل والحركة على العبادة التي يتمحض فيها معنى التعبد ويقدمها عليها، مثل ما حدث حين خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب فقيل له بعد ذلك إن بعض الناس قد صام فقال: "أولئك العصاة، أولئك العصاة".
بل إن رجلا ذهب إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستأذنه في الجهاد، فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أحيٌّ والداك؟ قال نعم، قال ففيهما فجاهد.
وخلَّف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليا ـ رضي الله عنه ـ في الهجرة ليرد الأمانات إلى أهلها، وكان ابن عباس يقطع اعتكافه من أجل قضاء مصالح الناس وحوائجهم، فلما سئل في ذلك قال: هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا عبد الله بن المبارك الذي كان يفضل الجهاد مع أداء الفرائض على الانقطاع الكامل للعبادة كما كان الفضل بن عياض الذي أرسل له ابن المبارك رسالة كتب فيها شعرا يقول فيه:
يا عابـد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبـادة تلعب
من كان يخضب جيده بدموعه فنحورنا بدمائنـا تتخضـب
أو كان يتعب خيله في باطـل فخيولنا يوم الصبيحـة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانـا من مقـال نبينـا قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي وغبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب

التاريخ شاهد عيان
وتاريخ المسلمين الطويل شاهد على أن هذا الشهر هو شهر الإنتاج والعمل، وشهر الانتصارات الكبرى، حين تهب ريح الإيمان، ونسمات التقوى، وتتعالى صيحات الله أكبر فيتنزل النصر من الله تعالى، على قلة العَدد وقلة العُدد، ابتداء من بدر، ومرورا بفتح مكة وحطين وعين جالوت، وانتهاء بحرب العاشر من رمضان 1393هـ التي نحيا على أطلالها حتى اليوم.
فهل شهر رمضان بعد هذا كله شهر التراخي والكسل وعدم إتقان العمل، ونقول إن الدين أفيون الشعوب؟!
إن العمل والإنتاج والأداء الأفضل عبادة لله علي قدم المساواة مع عبادات الصلاة والصيام والقيام، بل إن هذه العبادات مع العمل تجعل أجر العبادة أكبر وأفضل عند الله؛ لأن العمل فرض وتكليف والفرار منه فرار من أمر إسلامي وواجب ديني، وما أظن في ذلك شكا أو خلافا بين فقهاء.
إن المسلمين هم الذين حوَّلوا هذا الشهر إلى شهر كسل وتراخٍ بما يسهرونه من الليل وينامونه من النهار، ولو أنهم صاموا حق الصيام، وتحرَّوا الوصول إلى مقاصد الصيام العظيمة لتحقق للأمة في هذا الشهر من الكفاية الإنتاجية ما يكفيها باقي السنة.. صحيح أن الصوم يضعف البدن، لكنه يقوِّي العزم، ويشدُّ الظهر، ويعوِّد الصبر، ويربِّي المؤمن على طول التحمل وقوة الإرادة.
وذلك لأن المعدة تخلو مما يثقل البدن ويرهقه، فتنطلق الروح ويسعد القلب ويرقى؛ وفي هذا الإطار نفهم حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه".

أوهام فاسدة
لم يبق من حجة لهذه الأوهام الفاسدة والعادات السيئة التي تذهب بأجر الصيام، وتجعل الصيام لا يحقق مقاصده مع هذه السلوكيات الفاسدة بعد أن اتضح من منهج القرآن ومنهج الرسول ـ عليه السلام ـ والتاريخ والواقع أننا نحن الذين صنعنا هذه الترهات التي لا حقيقة لها، ولا دليل عليها من عقل أو شرع.
يبقى على المسلم أن يعود لخالص دينه، ويعمل جاهدا على تحقيق المعاني السامية للصيام؛ حتى تعود على النفس والعقل والبدن ثمراته، وتتحقق فيه مقاصده كما أراد الله، فيحرص على وقته ـ والوقت هو الحياة ـ ولا يصرف جزءا منه في غير فائدة، وينام مبكرا، وإن استطاع القيلولة فحسن.
وليعلم أن العمل مع الصيام يزيد ثواب الصائم، ويرفع من قيمة العمل وأجره يوم الحساب، وليحذر شياطين الجن والإنس حتى لا يمر الشهر وينفض السوق ويخرج منه خائبا خاسرا.