الاثنين، 29 سبتمبر 2008

مقدمتي لكتاب الدكتور صلاح سلطان عن سورة الكهف

تقديم
الحمد لله رب العالمين، أحمده حق حمده بكل المحامد على كل النِّعم، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادةً تُدفَع بها عنا النقم، وأشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله خيرُ الأمم، اللهم صلِّ وسلم وزِدْ وباركْ عليه وعلى آله وأصحابه الأطهار الأبرار الأخيار، أولي الأيدي والأبصار وأصحاب الهمم، ومن اقتفى أثرهم وسلك نهجهم إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد،،
فقد طلب إليَّ أستاذي الجليل الأستاذ الدكتور صلاح الدين سلطان أن أكتب مقدمة لهذا الكتاب البديع: "سورة الكهف، منهجيات في الإصلاح والتغيير، دراسة تأصيلية تطبيقية"، فظننتُه في أول الأمر يمزح، لكنه قرر رغبته وكرر طلبه، فقلت لفضيلته: إن شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي لما أراد أن يكتب عن الداعية المجدد الشيخ محمد الغزالي ورحلة نصف قرن قال: إن الإمام محمدًا أبا زهرة لما كتب عن الأئمة قال: لا يكتب عن الأئمة إلا إمام، وقال العقادُ حين كتب عبقرياته: لا يكتب عن العباقرة إلا عبقريّ، ثم قال الشيخ القرضاوي: "ومن لي بالإمامة والعبقرية حتى أكتب عن إمام وعبقري مثل الغزالي".
ولما قدَّم الشيخ القرضاوي ـ وهو مَنْ هو!! ـ لفتاوى الفقيه الجليل الشيخ مصطفى الزرقا قال: "وما كان لمثلي أن يقدم مثله، لكنه أَمَرَ وَرَغِبَ، وليس عليَّ إلا السمعُ والطاعة، وقديما قالوا: الامتثالُ خيرٌ من الأدب". فرد عليَّ د. صلاح وقال مبتسمًا: إذًا عليك أن تَمْـتَثِل..!!
وعلمتُ بعد ذلك سرَّ هذه الرغبة المقدورة، وهو أنه ـ حفظه الله ـ يريد أن يَلْفِتَ النظرَ إلى منهجية أخلاقية تربوية مهمة، تتلخص في أنَّ عهْدَنا دائما أن يكونَ الوفاءُ من التلميذ للأستاذ، ومن الابن لأبيه وأمه، ومن الزوجة لزوجها، ومن المرؤوسين للرئيس، ونادرًا ما تجد أستاذًا يذكر تلميذَه، أو يحرصُ على إبرازه ورفع مقامه، أو تجد والدًا يذكر فضلَ ولدِه، وهكذا، وهي منهجية تربوية مهمة يَتَمَثَّلُ فيها تمثُّلا واضحًا المنهاجُ الأخلاقيُّ في الإسلام.
وأود في هذا المقام أن أشير إلى أمرٍ آخرَ، وهو أنَّ الدكتور صلاحًا قَبْل نشر الكتاب وقبل أن يشرفني بكتابة مقدمة له أرسله إليَّ، وطلب أن أقرأه وأُبْدِي عليه ملاحظاتي، فتعجبتُ من هذا المسلك؛ لأنَّ المعهود أن يرفعَ التلميذُ عملَه لأستاذه؛ يُصَحِّحُه بخبرتِه، ويُقَوِّمُه برؤيته، ويوجِّهُه بعلمه ونظْرتِه، فكيف يَسْتَنْصِحُ الأستاذُ تلميذَه ويطلبُ منه رأيَه؟!
ولهذا ظننتُ هذا تواضعًا منه ـ وتواضعُه سجيًّةٌ لا تكلفَ فيه ـ فقرأتُ الكتابَ ولم أرسلْ له رأيي، لكنه أكد الرغبةَ وأعاد الطلب وقال: "لن أدفع بالكتاب للمطبعة حتى أتلقى ملاحظاتك!!"، فلم أجد بدًّا من كتابة رأيي على خجلٍ، فسطرتُ له خمس صفحات؛ ثناءاتٍ للكتاب بما يستحقُّ، وتعليقاتٍ وملاحظات على بعض المنهجيات ومضمونها، بل نقدًا أحيانا لبعض ما جاء فيها، وأشهد أنه لم يضق ذرعًا بذلك، كما يفعل كثير من الأساتذة مع تلاميذهم، بل رحَّبَ بها، وهشَّ وبشَّ لها، وشكرها وأثنى عليها، وأخذ بمعظمها تعديلاً وتصحيحًا، وهكذا تكون أخلاقُ الكبار.
وبعدما فرغت من قراءة هذه الدراسة قراءةً أرجو أن تكون واعية، قفز إلى ذهني ما رواه الترمذيُّ في سننه بسندٍ فيه مقال عن الحارث الأعور أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال عن القرآن: "...هو الذي لا يزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه...".
وتذكرت قول الإمام الشاطبي من أن القرآن الكريم "كليةُ الشريعة، وعمدةُ الملة، وينبوعُ الحكمة، وآيةُ الرسالة، ونورُ الأبصار والبصائر، وأنه لا طريقَ إلى الله سواه، ولا نجاةَ بغيره، ولا تَمَسُّكَ بشيء يخالفُه ... وإذا كان كذلك لَزِمَ ضرورةً لمن رامَ الاطلاعَ على كلياتِ الشريعة، وطَمِعَ في إدراك مقاصدِها واللِّحاقِ بأهلها أن يتخذَه سميرَه وأنيسَه، وأن يجعلَه جليسَه على مَرِّ الأيام والليالي؛ نظرًا وعملاً، لا اقتصارًا على أحدهما، فيوشك أن يفوزَ بالبُغْيَةِ، ويَظْفرَ بالطُّلْبَةِ، ويجدَ نفسَه من السابقين وفي الرعيل الأول". الموافقات: 4/346. طبعة دار الفكر العربي.
وأحسب أن هذا الكتاب ثمرةٌ طبيعية لاتخاذِ القرآن الكريم ـ وبخاصةٍ سورةُ الكهف ـ سميرًا وأنيسًا، وجعْلِه جليسًا على مَرِّ الأيام والليالي نظرًا وعملاً، ففاز كاتبُه بالبُغية، وظفر بالطُّلبة، وكان من السابقين إن شاء الله، وفي الرعيل الأول، ولا نذهب بعيدا فها هو يقول في مقدمته: "…وبعد، فقد لامسَتْ سورةُ الكهف ـ كلَّ جمعة ـ شغافَ قلبي، وحبَّاتِ عقلي، وذرَّاتِ جسمي، وهِمْتُ بها، فأعطاني الله فيها من عمق التدبر العقلي، وشدةِ التأثر القلبي، ما جعلني أشعرُ أنها جزءٌ من منظومة فكري ومنهاجِ حياتي".
إن القرآن الكريم بمثابة اللآلئ التي تسكنُ الصَّدَفَ، فإذا فتحنا هذا الصدف تكشَّفَ لنا اللؤلؤ، وفاضَ فيضُه المكنون..!! وهذا الفيض الربانيُّ والكشفُ الإلهيُّ لا يتسنى إلا لمن ملك مؤهلاتِ استنزاله في القلوب والعقول؛ مِنْ عِلْمٍ وخُلُق، وعملٍ ودعوة، وحركة وإصلاح، وشغلٍ بالقرآن، واستمداد منه، وإقبالٍ عليه.
ولقد غاص المؤلف الكريم ـ بما مَنَّ الله به عليه من مؤهلات ـ في بحر القرآن العظيم، ففتح هذا الصدف، وتكشَّفتْ له سورةُ الكهف كما لم تتكشفْ لأحد، وسمحتْ له من المعاني والنظرات والمنهجيات بما لم أره عند غيره من علمائنا السابقين فيما أعلم، وهذا مصداق القول السابق للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن القرآن، الذي وُصِفَ بأنه "الكريم"؛ فهو كريمٌ في كلامه، كريم في تشريعاته، كريم في أفكاره وتصوراته، كما أنه كريم في عطائه وفيوضاته متى أقبل عليه قارئه في خشوع وتدبر، وتقدير وتعظيم، ويقين وثقة واستسلام..!
لقد استخرج الأستاذ الدكتور صلاح سلطان أربع عشرة منهجية غيرَ مسبوقةٍ في تفاسير هذه السورة، على كثرتها وتنوعها وامتدادها التاريخي، وهي منهجياتٌ أصوليَّةٌ دعويةٌ حركيةٌ تربويةٌ إصلاحيةٌ، من شأنها أن تكون زادًا نافعًا لأبناء الحركة الإسلامية؛ يُعمِّق فكرها، ويُسدِّد عملها، ويُرَشِّد مسيرتها، ويحفظُها من الخللِ الفكري، والضعفِ التربوي، والانحراف السلوكي والخلقي.


إن هذه الدراسةَ تنبعُ أهميتُها ـ في تقديري ـ من أمرين:
الأول: المنهاج الذي سار عليه المؤلفُ فيها، وطريقته في التعامل مع النص القرآني؛ حيث التحم معه التحاما مباشرًا بعد تأمل وتدبر طويلين، فانكشفت له من هذه السورة تلك المعاني الجديدة، وأفاضت هذه الفيوضاتِ والتَّنَزُّلات، وأسفرت عن هذه المنهجيات المبتكرة، التي جمعت بين الدعوة والحركة، ومزجتْ بين العلم والعمل، ووصلتْ بين التأصيل والتطبيق، وربطتْ بين الدنيا والآخرة، دون أن تخبوَ هذه الفيوضاتُ في ثنايا الأقوال والفُهُومِ الأخرى، التي ربما حجَّمت من فيض هذا التَّنَزُّلِ الملهم، ودون أن تنطفئَ هذه الأنوارُ بين يدي ما يَنْقُلُه المفسرون من أقوالٍ وروايات، ربما كان فيها بعضُ الموضوعات والإسرائيليات.
كما كان من نتائج هذا الالتحام المباشر ـ إلى هذه الفيوضات والأنوار ـ تَتَبُّعُ كلِّ منهجية في السورة كلها، فكلُّنا يقرأ سورةَ الكهف أسبوعيًّا ولم يتنبهْ لمعظم ما جاء في هذه الدراسة، لكن حين نقرؤها في ضوء هذا المنهاج نجد عجبًا..!
لقد تنادت الآيات للدكتور صلاح فاجتمعت عنده، وتجمعت المعاني والأفكار فانتظمت له، ولَمْلَمَتِ الشواردُ بعضَها فتواردت عليه، واستطاع أن يؤلفَ بينها، ويجمعَ شتاتَها حتى أخرج لنا هذا العقدَ الفريدَ في حُلًّةٍ بهيَّةٍ باهرةٍ، كأنها تنزيلٌ من التنزيل، أو قبسٌ من نور الذكر الحكيم.

والأمر الثاني: أن صاحبها هو الأستاذ الدكتور صلاح الدين سلطان، صاحب التجربة الثرية والواسعة في الدعوة إلى الله تعالى، وصاحب العلم الغزير، والخلق الكريم، والفقه في الدين؛ فهو أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم بالقاهرة، وعضو المجامع الفقهية في أمريكا وأوربا والهند، ورئيس الجامعة الإسلامية الأمريكية سابقا، والذي طاف الأرض شرقا وغربا داعيا إلى الله، غيرَ راغبٍ في فضلٍ من أحد سواه، جاعلاً أنيسَه وشعارَه: "وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ". الشعراء: 109.
قد يحسب البعض أن هذا هو منطقُ التلميذِ والمحب ـ وإنْ كنتُ لا أنكر أنني أتقرب إلى الله بحبه ـ أو يقولون إن التلميذَ لا يَسَعُهُ إلا أن يمتدحَ أستاذَه، فلْيكنْ هذا أو ذاك، لكن من عايش الدكتور صلاحًا، وتابع نشاطه العلميَّ والدعويَّ في أرجاء الأرض لا يسعه إلا أن يسطرَ عنه هذا أو يزيد، نحسبه كذلك والله حسيبه، وما شهدنا إلا بما علمنا، وما كنا للغيب حافظين.
ومن المعلوم أنَّ تجاربَ المفسرين وثقافاتِهم واهتماماتِهم تظهرُ آثارُها في تفسيرهم لكتاب الله، فاللغويُّ يظهرُ في تفسيره الاهتمامُ باللغة، والأثريُّ تظهر فيه الأخبار والآثار، والبلاغيُّ تظهر فيه البلاغةُ والبيان، والكلاميُّ تظهر فيه آراءُ المذاهب والملل والكلام، والفقيهُ يظهر فيه الفقهُ والأحكام، وأحسبُ أنَّ علمَ الدكتور صلاح وتجربتَه في الإصلاح والدعوة والتغيير كانت مرآةً انعكستْ عليها سورةُ الكهف، فَنَضَحَتْ بآثارِها على هذا التفسير المبارك.
ولا أحولنَّ بين القارئ الكريم والاستمتاع بهذه الدراسة؛ ليرى فيها مصداقَ ما أقول، ولْتَكُنْ هذه السورةُ فاتحةَ خيرٍ عليه وعلينا وعلى الأمة الإسلامية كلها، نحوَ انطلاقةٍ جديدة إلى تفسيرٍ للقرآن الكريم كلِّه على هذا النحو؛ بحثًا عن منهجيات الإصلاح والتغيير، التي يفرضها الدينُ، ويُحَتِّمُها الواقع، ويفتقرُ إليها واقعُ العملِ الإسـلامي، ضارعًا إلى الله تعالى أن ينفع بهذه الدراسة، وأن تجد من اهتمام أهل العلم والفكر وقاداتِ العمل الإسلامي ما هي له أهل، وأن تكون نبراسًا للدعاة والمجاهدين، ووميضًا يبرق للعاملين والمصلحين، وأن يجزيَ أستاذَنا عنها وعنَّا خيرَ ما يجزي به العلماءَ العاملين، والدعاةَ الصادقين الربانيين، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين،،،

الفقير إلى عفو ربه
وصفي عاشور أبو زيد
Wasfy75@yahoo.com
الكويت في 26 جمادى الآخرة 1429 هـ - 30/6/2008م

ليست هناك تعليقات: