الاثنين، 29 سبتمبر، 2008

الضوابط الشرعية للحديث بين الرجل والمرأة على الإنترنت

الضوابط الشرعية للحديث بين الرجل والمرأة على الإنترنت

وصفي عاشور أبو زيد

الحديث على الإنترنت بين الرجل والمرأة حكمه ـ في كثير من جوانبه ـ حكم الحديث مباشرة وجها لوجه، لا سيما وقد أتيح الآن الرؤية عن طريق الكاميرات المعروفة في هذا الشأن، وليس هناك فرق من حيث الشكل سوى عدم تحقق الخلوة التي هي ذريعة لارتكاب الفاحشة.
غير أن المحادثة عبر "الماسنجر" يعطي للرجل والمرأة على السواء بعض الأمن عبر بعد المسافة وعدم المواجهة ما يتيح لهما الجرأة في الطرح، والكلام فيما قد يُستَحَى الحديث فيه عبر المواجهة.

الحرام لذاته والحرام لغيره
وينبغي أن نفرق بين أمرين في حكم الحرام، وهو أن الحرام نوعان: حرام لذاتيه، وحرام لغيره، فالحرام لذاته هو الذي يحرم لذات الفعل مثل شرب الخمر والسرقة والزنا، والحرام لغيره ما كان حلالا في أصله لكن قد يطرأ عليه من المتغيرات والخارجيات ما ينقله من منطقة الحل إلى منطقة الحرمة.

الأصل الإباحة وقد يَرِدُ ما يُحَرِّم
ونستطيع أن نقول باطمئنان: إن لقاء الرجل بالمرأة وحديثهما معا لا يوجد دليل على حرمته الذاتية، لكن قد يطرأ عليه ما يجعله حراما، فالحرمة ـ إن وجدت هنا ـ كانت حرمة خارج الأمر لا نابعة من ذاته.

ضوابط عامة
ومن هنا وضع الفقهاء ضوابط لحديث الرجل مع المرأة، ووردت فيها الآيات الكريمة، مثل عدم الخضوع بالقول، والحشمة الشرعية بشروطها التي لا تشف ولا تصف وتشمل جميع البدن ما عدا الوجه والكفين في قول الجمهور، وحظر كل فعل أو قول يمكن أن يكون ذريعة لشعور بشهوة أو مقدمة للتفكير في المعاصي.

ضوابط خاصة
لكن في الحديث على الإنترنت عبر "الماسنجر" يستحب في هذه المنتديات أو تلك الأحاديث الدعوية أن يكون الرجال مع الرجال والنساء مع النساء، فهذا أسلم لدين الرجل والمرأة ما لم تدع إليه حاجة أو ضرورة، فإذا دعت الحاجة فينبغي أن نضيف بعض الضوابط التي تختص بهذا النوع من المحادثة على النحو التالي:

أولا: ألا يتطرق الحديث بتاتا إلى المعلومات الشخصية كأن يسأل أحدهما الآخر عن السن أو التعليم أو الحالة الاجتماعية ونحو ذلك.
ثانيا: أن يكون الموضوع يستحق الحديث ، ومن الجدة بموضع بعيدا عن مجرد المهاترات وشغل الوقت.
ثالثا: ألا يتعدى الحديث خارج إطار القضية المطروحة أو موضع المناقشة أو موضوع الحوار المتبادل.
رابعا: إذا شعر الرجل أو المرأة بميل قلبي أو تطرقت الشهوة إلى قلب أحدهما فعليه أن يكف عن الحديث ويقطع المكالمة فورا، وإلا وقع في حبائل الشيطان واتبع خطواته التي نهانا الله عن اتباعها.
خامسا: إذا أمكن الاكتفاء بالكتابة فهو أفضل، وإن كان هناك حاجة إلى الحديث بالصوت لاختصار الوقت مثلا وإنجاز المهام، فيجب مراعاة الضوابط الشرعية لذلك كعدم الخضوع بالقول أو ترقيق الصوت ونحوه.
وأخيرا كل إنسان على نفسه بصيرة، وكل فرد أعلم بنفسه ومدى ضعفها أو قوتا، فمَن علم مِن نفسه ضعفا، وخاف على نفسه الوقوع في مصائد الشيطان وجب عليه الكف عن المحادثة ، وإنقاذ نفسه، ومن ظنَّ في نفسه الثبات واليقين، فإننا نرى جواز هذا الأمر في حقِّه لكن بالشروط السابقة.
وينبغي للمرأة والرجل أن يعلما حكم أي فعل قبل الإقدام عليه ، والسؤال عن جوانبه المختلفة، فالعلم بحدود الله من أفضل ما يسعى الإنسان إلى تحصيله. والله أعلم.

عصام البشير.... معالم إنسانية


عصام البشير.... معالم إنسانية
وصفي عاشور أبو زيد
باحث شرعي بالمركز العالمي للوسطية




عن كَثَبٍ لا عن كُتُبٍ، وعن معايشة لا عن سماع أخط هذه السطور العرجاء في مقام الشيخ الجليل، والداعية الإسلامي اللامع، وخطيب الدعوة المفوَّه الأستاذ الدكتور عصام أحمد البشير حفظه الله وسدد خطاه.
لقد عرفته منذ أكثر من خمسة عشر عاما حينما كنا نجتمع ـ نحن الشباب ـ على أشرطة الفيديو المسجلة له في مؤتمرات في الغرب عن موضوعات دعوية وقضايا شرعية، فكنت أشعر فيه بالاتزان في الحديث، والاعتدال في التناول، والوسطية في الطرح، وألمس فيه الروح المشرقة المحلقة التي زادها بهاء وجمالا تمكُّنُه من الأدب نثرا وشعرا، وحفظه للعديد من قِطَع الأدب المُصفَّى التي يُزيِّن بها كلامه، ويؤيد بها أفكاره، فكانت الكلمات والعبارات والأفكار تخرج صحيحة جميلة جليلة رائقة.
ثم تقابلنا ـ في أول لقاء ـ في مصر في صيف عام 2006م من أجل العمل معه في المركز العالمي للوسطية بدولة الكويت، وكان شرفا لي أفاخر وأباهي به أن أقضي معه هذه الفترة منذ ذلك التاريخ حتى الآن، والتي تعاونا فيها على البر والتقوى، ورابطنا فيها على عمل الخير وخير العمل، وحاولنا القيام بما فيه صالح الكويت والأمة الإسلامية كلها.
وأشهد خلال تلك الفترة أنني وجدت في الشيخ البشير صفات إنسانية نبيلة، وخصالا خلقية حميدة يحسن أن أسجلها في هذا المقام ـ وقد أعفي من منصبه أمينا عاما لمركز الوسطية 21/9/1429هـ/21/9/2008م ـ وفاء لبعض حقه علينا، وعرفانا بمعاملته الراقية التي غمرنا بها، واستبقاء لأخلاق التقدير والإجلال والوفاء التي أصبحت نادرة بين المسلمين في هذا الزمان.
ومع أن الدكتور عصام يتمتع بمواهب في جوانب عديدة؛ فهو السياسي الذي قضى أربعة عشر عاما عضوا في البرلمان السوداني، وأربعة أعوام وزيرا للأوقاف والإرشاد الديني، وهو الخطيب المفوه، والمتحدث البليغ، والمحاور الناجح، والداعية اللامع ـ فإني آثرت أن أكتب عنه من ناحية "الإنسان الفاضل"؛ ذلك لأن الناس إذا عرفوا فيه الخطيب والداعية والعالم والسياسي، فإن كثيرا منهم لا يعرف هذا الجانب الإنساني الذي لا يعلمه إلا من عاشره وعايشه، وقد وجدت فيه معالم هذه الإنسانية متمثلة فيما يلي:

أولا: التواضع المخجل:
من الصفات الإنسانية النبيلة التي رأيتها في الشيخ البشير أنه متواضع لدرجة تخجلك، فما من يوم يأتي في للعمل إلا ويسلم على إخوانه من الباحثين العاملين معه، وإذا كان على سفر ورجع مر عليهم فردًا فردا يسلم عليهم ويعانقهم بحرارة، ولو كان غيرُه لصعَّر خدَّه، وجلس في مكانه ليتوارد عليه المصافحون، فهو اللامع وذو المكانة الكبيرة!!
ولقد رأيته حين يكون اجتماعٌ على طعام يقوم بنفسه ويمر على الضيوف ـ بل على إخوانه من الباحثين الذين يصغرونه ربما بعشرين سنة ـ ويسألهم عن احتياجاتهم، ويعرض عليهم أنواعا من الطعام، ولو كان غيره لجلس في مكانه وجاءه الخدم من يمين وشمال.

ثانيا: السؤال عن إخوانه:
ومن الإنسانيات الجميلة التي عرفتها في البشير أنه دائم السؤال عن إخوانه وتفقد أحوالهم، فإذا سافر أحدنا خارج الكويت اتصل به وسأل عنه، وإذا تغيب البعض عن العمل تفقده وحض الإخوة الباحثين على تفقده وزيارته، بل إنه كان يزور إخوانه في بيوتهم، وإذا دعاه أحدهم لبيته فلا يتأخر، وإذا ألم مرض بأحد كان كثير السؤال عنه، وشديد الحفاوة به، ودائم الإحسان إليه.
وهذه صفة نادرة في زماننا، فالمسئول في العمل ـ غالبا ـ لا يكترث كثيرا ولا قليلا بهذه الإنسانيات في علاقة الرئيس بالمرؤوسين، أو المدير بالمدارين، إنما الهم الأكبر والشغل الشاغل هو الإنجاز في العمل، وممارسة الحدة والغلظة والشراسة.
فكان البشير يهتم بالإنجاز، وفي الوقت نفسه لا يهمل الجوانب الإنسانية التي تُضْفي على العمل فيما بعد أجواء صحية وروابط حميمية تصب في صالح العمل، وتعزز العلاقات الإنسانية، وهي طريقة ناجحة في إدارة الأفراد، تجمع بين الإنجاز واستبقاء العلاقة طيبة صافية صحية نقية، وما استفاد المرء بعد الإيمان أفضل من صحبة صالحة وعلاقة إنسانية راقية.

ثالثا: المزاح المحمود:
مع المهام الكبيرة والانشغالات العديدة والأسفار الكثيرة يغلب على الإنسان طابع الجد، ويكون قليل المزاح والمداعبة، غير أن الدكتور عصام لم يكن هكذا، بل كان كثير المزاح مع إخوانه، لطيف المداعبة طيب المعشر، يحكي وقائع من نوادر العرب، ويورد شعرا ونثرا، ويحكي قصصا تاريخية وواقعية يُدخل بها السرور على من معه، في الرحلات وأماكن اللهو المباح.
وكان يُسمِّي بعضَنا بألقاب تصير علمًا عليه، ويُعرف بها بين الباحثين، ويُذكِّر البعض الآخر ـ وهو يمر هنا أو هناك ـ بكلمة يمازحه بها تلخص موقفا من المواقف، أو معنى من المعاني، أو مشهدا من المشاهد التي شهدها معه وشهدها آخرون، فيضفي على أجواء العمل روحا من المودة والأخوة والسرور، ويعيش الجميع في جوٍّ صحي يساعد على الإنجاز والإتقان والإحسان.

رابعا: حرصه على مشاعر الآخرين:
ومن الصفات الرائقة التي لمستها في البشير أنه يحرص حرصا نادرا على مشاعر الآخرين، فالإنسان أمام مشاغل الحياة وضغوط العمل ـ وما أكثر الضغوط النفسية التي كانت وما تزال تحوط المركز العالمي للوسطية ـ قد يتكلم بكلمة أو يتلفظ بلفظ أو يمارس أسلوبا فيه جفاء، أو يتحدث بطريقة تجرح مشاعر الآخرين.
لكن د. عصام كان حريصا على ألا يقع منه شيء من هذا، وإذا وقع كان سريع الفيء والاعتذار للشخص، حتى الذين يكلفهم بأعمال كثيرة تمثل نوعا من الضغط الجسدي والنفسي كان يأتي أمام جمع من الباحثين أو العلماء الضيوف ويشكره أمامهم، ويبين مدى جهوده الحثيثة وتحمُّله لضغوط العمل، وهذا من شأنه أن يمسح ما ران على القلوب ويزيل ما استقر في الصدور من آثار الضغوط والمعاملة.

خامسا: التواصل مع المخالف:
خلال الفترة التي شرفت فيها بالعمل مع د. عصام البشير لم أر أحدا يملك مهارة التواصل مع المخالف، ويحسن أساليب بناء العلاقات معه من الصفر، وتجسير هذه العلاقة، وتحويل البعض من المهاجمين للفكرة إلى المدافعين عنها كما رأيتها مع هذا الرجل.
ومع أن التواصل مع المخالف صفة علمية ومهارة فكرية، فإنها لا تخلو من المعاني الإنسانية، والفكر شيء والمعاملة شيء، والاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية كما يقولون.
فتواصُلُ الشيخ كان معروفا ومشهودا مع الكتاب المعارضين وأصحاب الأعمدة المهاجمين عبر اللقاءات المباشرة وإرسال مطبوعات المركز والتعريف بإنجازاته، وما من فعالية أو مؤتمر أو منشط قام به المركز إلا دعا له كل ألوان الطيف في المجتمع، من إسلاميين وقوميين، وسنة وشيعة، وإخوان وسلفيين، وعلمانيين ودينيين، وموافقين ومخالفين، ومحبين ومبغضين.
ومع أن هجوم الكاتب على الشخص يجعل الشخص متدابرا ومتنافرا معه، وكاشحا ومعرضا عنه، فقد كان البشير يوجه الدعوة إليهم جميعا ولا يجد في هذا غضاضة، بل يرى فيه نوعا من العمل الصالح، والتواصل المحمود لإجراء حوار بناء حول قضايا الأمة يرفع اللبس، ويدحض الشبهات، ويبدد المعلومات المغلوطة؛ ليتضح الحق، وتستبين السبيل، ويظهر الصبح لذي عينين.
وكان من نتائج ذلك التواصل تحقيق ثمار حميدة، فتحول بعض أصحاب الأقلام من الهجوم إلا الدفاع، والتزم آخرون الصمت بعدما تم تحييدهم، بينما ظل البعض الآخر مهاجما وشانئا، وهذا من طبيعة الأشياء والأشخاص.

سادسا: دموع الفراق:
بعدما صدر القرار بإعفاء الدكتور عصام من منصبه أمينا عاما لمركز الوسطية اجتمع بإخوانه من الباحثين والمسئولين في المركز، وشكرهم على المعاملة الطيبة، وقال كلمة بليغة، لا أقول "كأنها موعظة مودع" لأنها كانت كذلك بالفعل، وطلب العفو والصفح من إخوانه إن كان صدر منه ما يسيء إليهم، وعندها فاضت دموع نبيلة من عينيه تأثرا بالمشهد وتفاعلا مع النفوس الصادقة التي عملت معه وحزنت على فراقه.
ولما صدر قرار بوقفه من الخطابة ذهب ليصلي مأموما هذه المرة في الجمعة الأخيرة من رمضان في مسجده الذي طالما هز أعواد منبره بخطب بليغة عميقة فريدة جامعة، وبعد انتهاء الصلاة التف حوله جمهور المسجد، وظلوا يصافحونه لما يقرب من ساعة في مشهد مملوء بالعواطف الجياشة، ومحموم بالدموع النبيلة، ومسكون بالحزن والألم حتى قال له أحدهم: "نشعر بفراقك أننا أصبحنا أيتاما".
كانت هذه دموعا في وداع البشير ليُسدَل الستار على صفحة مهمة في تاريخ الكويت التي كانت وما تزال مصدرا للإشعاع الخيري والعمل الإسلامي، وليس معنى ما سبق أن د. عصام البشير فوق الخطأ أو المراجعة أو النقد، بل كلٌّ يخطئ ويصيب، ويؤخذ منه ويرد عليه، ولم يدَّعِ لنفسه العصمة ولا ادعاها له أحد، ولكن كما قال الشاعر:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع
في تقديري أن هذه الصفات الإنسانية النبيلة، وتلك الأخلاق الإسلامية الكريمة التي تمتع بها شيخنا البشير كانت من آثار تربيته التي تربى عليها، ونشأته التي نشأ فيها بين صفوف أبناء الحركة الإسلامية التي تُربِّي أبناءها على التواضع والتواصل وخفض الجناح وحب الإخوان، بالإضافة إلى تجربته في الحياة، وخبرته في التعامل مع الناس، ومشاركاته الفاعلة في الدعوة الإسلامية المعاصرة.

حلقة استشارات إيمانية في وداع رمضان


حلقة استشارات إيمانية
الاسم
أبو خالد
البريد الإليكتروني
الدولة
السؤال
السلام عليكم كل عام وانتم بخير استاذنا الكريم مر رمضان سريعا ولا اعلم هل ربحت فيه ام الاخري ، فكيف اعرف ذلك وكيف اعرف هل زاد ايماني ام لا ؟


بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله
فإننا نسمع كثيرا من الخطباء والوعاظ عن مدى سرعة مرور هذا الشهر الكريم منذ بدايته، ولكن من تأمل رمضان وغير رمضان وجد أن هذه سنة الله في الأيام، فأيام رمضان كأيام غيره في المرور وسرعة الانقضاء، وكل يوم يمر فلا يعود، وهكذا الدنيا كلها محطة سريعة ثم ينقضي العمر.
واعلم ـ أخي أبو خالد ـ أن من علامات قبول الطاعة أن يوفقك الله لطاعة أخرى مصداقا لقوله تعالى: " وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ". محمد: 17. فالذي يسلك طريق الهداية ييسر الله له سبله، ويذلل له مسالكه، ويعبد له طرقه، فلا يجد من العقبات والموانع والصوارف ما يحجبه عن طاعة الله والسير في طريق هداه.
ومن علامات زيادة الإيمان إقبال المسلم على الطاعة، فيجده الله محسنا في الفرائض متقنا لها بإخلاص وتجرد ويقين، وأنه لا يزال يتقرب إلى الله تعالى بالنوافل، فالصيام ليست نهايته ـ عنده ـ رمضان، فهناك الستة من شوال، وهناك الاثنين والخميس، وهناك ثلاثة أيام من كل شهر، وكذلك القيام لا ينتهي بانتهاء رمضان، فهناك القيام والتهجد، وفضائل الثلث الأخير من الليل، ولا ينتهي الجود بصدقة الفطر وفعل الخيرات بانقضاء رمضان، إنما هو ممتد في بقية العام، وهكذا.
فمتى كان المؤمن مقبلا على طاعة الله، رقيق النفس، خاشع القلب، قريب الدمعة، معرضا عن سفاسف الأمور، ومتحليا بالأخلاق الحميدة، فإيمانه في ازدياد بإذن الله، والله معك، زادنا الله وإياكم إيمانا وهدى.


مسلمة
البريد الإليكتروني
sherinsa@maktoob.com
الدولة
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ارجو من سيادتكم مساعدنى فى علاج قلبى من الفتور فى العبادة لقد كنت ملتزمة اصلى واقراء القرآن يوميا واتقرب لله بالنوافل ولازلت افعل هذا لكنى اشعر بعدم الاخلاص وعدم الخشوع واخشى من سوء الخاتمة ارجو ان تساعدونى فهناك وساوس تروادنى اثناء قراءة القرآن تشكك فيه واخرى تراودنى تحضنى على الفواحش ولا اعلم كيف اطردها من ذهنى حتى فى رمضان فهل هذا دليل على ان نفسى امرة بالسوء وماذا افعل معها جزاكم الله خيرا


بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله
فإن إحساس المؤمن بمداخلات نفسه حول الرياء والنفاق وعدم الإخلاص لهو دليل على الإخلاص لله تعالى، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن أبي هريرة؛ قال : جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال: "وقد وجدتموه؟" قالوا: نعم. قال" ذاك صريح الإيمان". رواه مسلم.ومعنى: (إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم) أي يجد أحدنا التكلم به عظيما، لاستحالته في حقه سبحانه وتعالى. (ذاك صريح الإيمان) معناه: سبب الوسوسة محض الإيمان. أو الوسوسة علامة محض الإيمان".
أما الفتور فهذا أمر يشعر به كثير من المسلمين، وهي حالة كسل بعد نشاط يصاب بها الإنسان، وربما تساوي ضعف الإيمان، ومن أجل دفع الفتور لابد من العمل على زيادة رصيد الإيمان في قلب المؤمن، ومن وسائل ذلك:
دوام مراقبة الله، ومحاسبة النفس، وذكر الله، وتدبر القرآن، والانكسار بين يدي الله تعالى، والدعاء له بضراعة وبكاء، أن يخلصك من هذه الحالة، ويبعد عنك تلك الوساوس، وما ذلك على الله بعزيز.

الاسم
حامد
البريد الإليكتروني
الدولة
العراق
السؤال
في رمضان تكون همة الانسان عالية فإذا ما انقضي رمضان ضعفت الهمم فكيف احافظ علي همتي بعد رمضان ؟

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،
من الضروري لكل ذي قلب أن يراجع نصوص القرآن والسنة حول صفات وخصائص الدنيا والآخرة، كي يعيد التوازن إلى حياته ، ويزيد من ثوابت الإيمان استعدادًا للقاء الرحمن ، وينال من رضاه وجنته ما يجعله سعيدًا في معاشه ومعاده .
وقد كان لأصحاب رسول الله ثوابت عامة إيمانية ، وثوابت خاصة لكل منهم في جانب نبغ فيه من جوانب الخير، و نحتاج أن نكتشف أنفسنا لتكون لنا الصبغة العامة والثوابت الخاصة .

فمن ثوابت الإيمان بعد رمضان:
1ـ الانتقال إلى عمارة المساجد عددًا ونوعًا في توسيع رسالة المسجد الروحية والعلمية والصحية والاجتماعية والفنية .
2ـ تجويد القرآن والانتظام في ختمه قراءة ومعايشة لآياته تدبرًا بالعقل وتأثرًا بالقلب، وتغيرًا بالنفس، وإنشاء حَِلق للقرآن في المساجد والمدارس والبيوت .
3ـ الاحتفاظ بقدر من الصيام طوال العام سواء الست البيض أم عرفة وتاسوعاء وعاشوراء وشعبان والاثنين والخميس ولكسر الشهوة أو الصيام الواجب نذرًا أو كفارة .

4ـ الاندماج في أعمال البر ومؤسسات النفع العام قتلا للرتابة وملأ للفراغ بما ينفع الناس ، ويجعل لحياة الإنسان قيمة عليا في الدنيا والآخرة .

ومن الجوانب العملية المفيدة في الالتزام بثوابت الإيمان بعد رمضان العلم المنهجي الذي يزيل الشبهات، ويزكي الطاقات والقدرات ، ثم مجاهدة النفس التي تعالج نزغات الهوى وضغط الشهوات، ومعاقبة النفس إن تخلت عن ثابت من ثوابت الآخرة ، بترك ثابت من ثوابت الدنيا .

إبراهيم غالب
البريد الإليكتروني
almesbahi1@yemen.net.ye
الدولة
اليمن
السؤال
كيف نودع رمضان و كيف نعرف اناكنا من المقبولين في رمضان

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،
الخروج من شهر الصيام أو القرب من الخروج منه ينبغي أن يكون قلب الإنسان فيه واجفا خائفا ألا يتقبل الله منا، فيظل الإنسان يدعو ويجأر إلى الله أن يتقبل منه الصلاة والصيام والقيام والزكاة وكل الطاعات.
وإذا بقي في رمضان يوم أو يومان، ساعة أو ساعتان، فعلى المسلم أن يجتهد فيها أملا في رحمة الله ومغفرته، وطمعا في العتق من النيران، فلعل الله لا يغفر للبعض إلا في هذه الساعة.
ومن هنا لا ينبغي أبدا أن نشيع مثل هذا الخطاب التعجيزي والتيئيسي منذ أول يوم في رمضان؛ حيث يصرخ الدعاة والوعاظ في وجوه الناس أن رمضان قد انتهى وولى، خسر فيه من خسر وربح فيه من ربح؛ لأن من شأن هذا أن يعجِّز عالي الهمة، ويجعل المقصر أكثر تقصيرا وإعراضا عما يمكن أن يقوم به فيما تبقى من رمضان.
فعلى المسلم أن يستثمر كل لحظة بقيت في رمضان، وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم تعطها أمة قبلهم خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا ويزين الله عز وجل كل يوم جنته ثم يقول يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليك ويصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصوا إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره ويغفر لهم في آخر ليلة، قيل يا رسول الله أهي ليلة القدر قال لا ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله".

ومعرفة القبول على وجه اليقين لا يعلمه إلا الله، وهذا من شأنه أن يجعل المسلم يزيد في دعائه وتضرعه إلى الله اأن يجعله في عداد المقبولين الفائزين، ولكن من علامات القبول أن يوفق الله عبده إلى الاستقامة على الإيمان، والثبات على الطاعات بعد رمضان، والله أعلم.

الاسم
راوية
البريد الإليكتروني
الدولة
السؤال
دعوة الله باخلاص شديد خلال رمضان فهل سيتحقق دعائي؟ ام قد لايتحقق؟ وكيف امنع اليأس و القنوط عن نفسي؟ واستمر بالعبادة كما يرضي الله و كما ينبغي لنور وجهه الكريم؟ وماهي الذنوب التي تجلب البلاء و تحبس الدعاء؟

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،

اعلمي أيتها الأخت الفاضلة أن الله تعالى وعد بإجابة الدعاء، فهو القائل جل شأنه: "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم"، وقال: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان".
ولكن ـ كما تعلمين ـ ليس معنى إجابة الدعاء أن يتحقق أمام عينيك، وإن كانت هذه من صور تحقق الدعاء، فقد قال العلماء: يستجاب الدعاء بثلاثة أشكال: تعجل إجابته في الدنيا، أو تؤخر له في الآخرة، أو يغفر لصاحبه بمقدار ما دعا.
عن أبي هريرة - رضي الله عنه – قال: قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "ما من رجل يدعو بدعاء إلا استجيب له، فإما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يؤخر له في الآخرة، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بمقدار ما دعا".
وذكروا أنه يستجاب يقيناً إذا توافرت شروط أربعة:
- اليقين في الإجابة: "ادعوا الله وأنتم موقنون في الإجابة".
- الخشوع بين يدي الله والذل: "اعلموا أن الله لا يستجيب الدعاء من قلب غافل لاه".
- عدم الاستعجال: "يستجاب لأحدكم ما لم يستعجل، يقول قد دعوت وقد دعوت، فلم أر يستجاب لي، فيترك الدعاء"
- أكل الحلال: "أطب مطمعك تكن مستجاب الدعوة".

وإذا اتصلت بالله تعالى وقويت صلتك به فلن يكون لليأس ولا للقنوط إليك سبيلا، فإنه ليس من شيم المؤمنين، ولا من صفات المتقين، وإنما هو من لوازم الكفر والضلال كما ذكر القرآن الكريم، وقانا والله وإياكم شر الكفر والضلال.
والوسائل التي ذكرتها في إجابتي على الأخ حامد فيها من عوامل الثبات على الطاعة ما يمكن أن يوفق الله به.
ومن المشهور من الذنوب التي تحبس الدعاء :

ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد ورد عن المصطفى عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام : {لتأمرنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر ، أو ليسلـّطـَن اللهُ شراركم على خياركم ، فيدعو خياركم فلا يـُستجاب لهم}

ومن المؤكـّد أنّ الطعام والملبس الحرام من موانع الاستجابة : فعن المصطفى عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام لمن قال له: أحب أن يستجاب دعائي : طهـّر مأكلك ولا تـُدخل بطنك الحرام }
وحتماً الكسب الحرام يحبس الدعاء ، فعن المصطفى عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام : { أطب كسبك تـُستجـَب دعوتـُكَ ، فإنّ الرجلَ يرفعُ اللقمة إلى فيه حراماً ، فما تـُستجابُ دعوتهُ أربعين يوماً }


كما أنّ الذنوب بشكلٍ عام من أهم أسباب حبس الدعاء ، ومن المؤكـّد أيضاً أن حبس حقوق العباد وحقوق الله وتأخيرها مـِن أبرز عوامل حبس الدعاء، واللهُ هو الموفـِّق.

الاسم
هيمن
البريد الإليكتروني
hemn_iq@yahoo.com
الدولة
العراق
السؤال
السلام عليكم استاذى ما هو وصيت النبى صلى الله عليه وسلم للاستقامة لمابعد رمضان؟


بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،
لا أعرف للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصية خاصة للاستقامة بعد رمضان، وإنما هناك ما سبق ذكره في الإجابات على أسئلة الإخوة من الاجتهاد في الطاعة، والاستمرار عليها، وممارسة الدعوة إلى الله، والدعاء الخاشع أن يتقبل الله الصيام والقيام والصدقات، ومحاولة استصحاب روح رمضان بعده، واستشراف رمضان القادم، والدعاء أن يبلغنا الله إياه.

الصيام لجام الشهوات الأربع


الصيام لجام الشهوات الأربع
وصفي عاشور أبو زيد
Wasfy75@hotmail.com
يهل رمضان من كل عام وتهل معه الخيرات والبركات، وتتضاعف فيه التنزلات والفيوضات؛ فتفيض فيه المشاعر، وتشف فيه النفس، ويرق فيه القلب، وتقترب فيه الدمعة، ويتكافل فيه المسلمون، وتتوحد فيه الأمة، ويكون المسلم أقرب ما يكون إلى مولاه جل وعلا: "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ". البقرة: 186.
وللصيام فوائد عظيمة على أنحاء كثيرة ومتنوعة، وحسبنا من ذلك أن الصيام لجام الشهوات الأربع: شهوة البطن، وشهوة الجنس، وشهوة الغضب، وشهوة الكلام؛ فالصوم مدرسة لعلاج هذه الشهوات الموجعة للفرد وللأسرة وللمجتمع وللدولة وللأمة وللعالم كله؛ فلا غرو أن يكون الصوم هو هذه "الكبسولة" الربانية التي تعالج الشهوات النفسية، وتعالج أكبر هذه الشهوات في وقت واحد، هذا هو موضوع كتاب: "الصيام لجام الشهوات الأربع" للأستاذ الدكتور صلاح الدين سلطان، المستشار الشرعي للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمملكة البحرين وأستاذ الشريعة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، الذي يبين فيه كيف يكون الصيام منهجا للإصلاح في حياة الناس.
ويقسم المؤلف كتابه إلى ثلاثة مباحث، المبحث الأول: آثار الشهوات الأربع بدون لجام، والمبحث الثاني: أثر الصيام في تهذيب شهوات المسلم والمسلمة، والمبحث الثالث: البرامج العملية لتحصيل لجام الشهوات الأربع.

آثار الشهوات الأربع بدون لجام
ولا يتصور المسلم بدون لجام لشهواته إلا جسدا، الشكل شكل إنسان والروح روح حيوان، بل أضل سبيلا. ومن أهم التدابير الشرعية التي شرعها الله تعالى للجم هذه الشهوات هو الصيام.
فشهوة الطعام لها آثار مدمرة للأسرة والمجتمع من انفلاتها بلا لجام، وحسبنا من ذلك أنها تؤدي إلى السمنة ذات الآثار الصحية الخطيرة والكثيرة والتي تزيد عن خمسة وعشرين مرضاً عضالاً، منها جلطات القلب وضغط الدم، والتهابات المرارة والمفاصل والسرطان في القولون والمستقيم والبروستاتا والرحم والثدي والمرارة وأمراض النقرس، والسكر، والحساسية والحكة، وتذهب الفطنة، وتؤدي إلى الكسل عن الحركة والعمل والإنتاج.
وشهوة الجنس التي تعتبر أكبر تجارة في العالم اليوم إذا تركناها بلا لجام فإن لها آثارا خطيرة، ويذكر الدكتور صلاح إلى أن آخر التقارير لمنظمة الصحة العالمية تشير إلى أن الأمراض الجنسية هي أكثر الأمراض انتشارا في العالم، وأنها أهم وأخطر المشاكل الصحية العاجلة التي تواجه دول الغرب، فعدد الإصابات في ارتفاع مستمر في كل الأعمار خصوصا في مرحلة الشباب، بالإضافة إلى أمراض أخرى مثل: الهربس، القرحة، الرخوة، الورم البلغمي الحبيبي التناسلي، الورم الحبيبي، ثآليل التناسل، المليساء المعدية، التهاب الكبد الفيروسي، إلى غير ذلك من فطريات وطفيليات الجهاز التناسلي التي تصيب ملايين الناس.
وأما شهوة الغضب التي تعتبر جمرة من النار يلقيها الشيطان في قلوب وعقول الناس؛ فنجد خلافات على أشياء قليلة جداً صارت سبباً في مجزرة للبشر مثلما نشر عن غضبة فلاح قام بقتل جاره لأنه ضرب حماره عندما أكل شيئاً قليلاً من حقله، وأخذا بالثأر قُتل صاحب الحمار والجار، وعاش الحمار، ولو حققنا أكثر حالات الشقاق والطلاق فسنجد أن الغضب بلا لجام هو الذي حوَّل الحياة السعيدة إلى نار مستعرة ثم الانفصال، وأحياناً الاعتداء بشكل مريع على الزوجة أو من الزوجة على زوجها، وهي وراء أكبر من هذه الجرائم؛ فالاتحاد السوفيتي قتل أكثر من 19 مليون شخصاً لتأسيس الإمبراطورية السوفيتية، والحرب العالمية الأولى والثانية حصدت ما يزيد عن 20 مليوناً، وقتلت فرنسا في الجزائر أكثر من مليون ونصف، والحرب على العراق وأفغانستان وفلسطين والصومال والشيشان وكشمير تحصد كل عام ما لا يقل عن مليون خاصة من الأطفال والنساء، وهذا بسبب الغضب بلا لجام الذي ملأ عقل ووجدان أعداء الإسلام من الصهاينة والشيوعيين والصليبين والهندوس وغيرهم.
وأما شهوة الكلام بلا لجام فكم أفسدت صداقات حميمة، وعلاقات رصينة، وعشرة قديمة، وصحبة عتيقة، فحولت الوئام إلى خصام، والتوافق إلى تشاقق، والتقارب إلى تباعد، وصلة الأرحام إلى تنابذ وانقسام، والإحسان إلى الجيران إلى التربص والهجران، مما أثار الأنانية والانعزال، وحسبنا فيها ما رواه البخاري بسنده أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً فيُرفع بها في الجنة سبعين خريفاً، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم). رواه البخاري.


أثر الصيام في تهذيب المسلمين
يقول الدكتور صلاح سلطان: "الصيام عامة وفي رمضان خاصة ذو أثر مباشر في تهذيب النفس روحيا وخلقيا وعقليا وبدنيا ليكون اللجام للنفس قويا أخذا بعنان المسلم والمسلمة من جميع جوانب انفلات الهوى، حتى يجعله عبداً ربانياً، يحمل مكارم الأخلاق ويتحلى بعقل راجح ، وبنيان قوي". ومن هنا سيتناول أثر الصيام في إصلاح الفرد في جوانبه الأربعة: الروحية، والخلقية والعقلية، والجسدية:

أولا: الجانب الروحي:
فالجانب الروحي في الإنسان هو مصدر سعادة الفرد أو شقائه، فقد يؤتَى الإنسان من نعيم الدنيا ما يشبع الجسد، وقد يتعلم من فنون العلم ما يجعله في مصاف الحكماء والعلماء، ولكن انشراح الصدر، واطمئنان القلب، وهدوء النفس لا يأتي إلا بإصلاح الجانب الروحي الذي للصيام في إصلاحه نصيب كبير.
فالصيام بآدابه وأركانه يؤدي إلى التقوى لقوله تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183)، والمسلم الذي يحب الله تعالى يداوم على الصيام فهو ينتظر شهر رمضان ليغسل نفسه غسلاً كاملاًَ من الذنوب والآثام ، ويطهر نفسه من المعاصي، وهذا يزيل الران على القلب، فإذا ما انتهى رمضان صار الصوم له إلفا ومصدر سعادة قلبية، لانشراحه برحمة الله وفضله.
كما يجد المسلم نشاطاً روحيا خاصة في شهر رمضان؛ وذلك لأن الله تعالى يقيد مردة الشياطين، ويرسل ملائكته تنادي: "يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أدبر"، وشعور العبد أن الفريضة في رمضان تعدل سبعين فريضة فيما سواه، وأن النافلة مثل ثواب الفريضة، وأنه شهر العتق من النار، والعودة إلى الله، وتحري ليلة القدر، والاعتكاف في العشر الأواخر، هذا يمثل جرعة روحية كبيرة لا تكاد تعدلها جرعة أخرى طوال العام اللهمّ إلا جرعة الحج لله تعالى .
ويؤكد الدكتور صلاح أنه إذا كان المسلم في رمضان يجد نشاطاً روحياً بالنهار لأنه يدع شهوته لله تعالى، فإنه بالليل ينعم أيضاً بهذا النشاط الروحي بقيام الليل في صلاة التراويح كل ليلة، ومن المنح الروحية في الصيام أن له دعوة ما ترد، ويظل المسلم والمسلمة ينتقل من خير إلى خير، فيزداد تعلق القلب بالله تعالى، ويقل تعلقه بالدنيا؛ فيشعر أنه بحاجة إلى خلوة مع ربه جل وعلا فيلجأ إلى الاعتكاف آخر الشهر في العشر الأواخر ليزيد حبال المودة بالرغبة والرهبة والخوف والرجاء.

ثانيا: الجانب الخلقي:
فالصيام من أهم العبادات التي توصل المسلم أو المسلمة إلى مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، وتباعد بينه وبين سفاسفها، فالصيام هو إمساك المكلف بنية عن المطعم والمشرب والجماع والاستمناء والاستقاء من الفجر إلى المغرب، وهذه تجمع الشهوات الغالبة التي تهوي بالنفس إلى مستنقع الرذيلة.
والصيام يقيم سياجاً قويا بين المسلم أو المسلمة وما حرم الله تعالى؛ فإذا كان قد غلب نفسه، وحرمها من الحلال الطيب في الأصل في وقت معين بنية وعزيمة واستعانة بالله تعالى، فهو لا شك أقدر على الامتناع عن الحرام في كل وقت وحين، ومن أجل هذا يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه". رواه البخاري.
والصيام يحرر المسلم أو المسلمة من داء الشح وهو مرض عضال يُهلك أي إنسان، والصيام يعوّد المسلم خلق العفة والطهارة، ويحجب عنه هواجس النفس وثوران الشهوات؛ ولهذا كان الصيام مستحبا لكسر الشهوة كما سبق حتى لا تستعبده شهوة الفرج، وبريق ماء وجهه في السعي وراء المحرمات، وتنتهك عرض العفيفات فينقلهن إلى دائرة الفحش والرذيلة، أو ينحاز إلى نفسه ويغرق في بحر الاستمناء مما يضعف مقاومته لشهوته، ويضاعف آلامه النفسية، ويحرمه من الثقة في نفسه.
والصيام ينمي في المسلم أو المسلمة أعظم أخلاق الإسلام وهو الحياء، ويعوّد الصيام المسلم على احترام قيمة الوقت، ويربطه دائماً بطاعة الله تعالى.

ثالثا: الجانب العقلي:
مما يعجب له المؤمن أن يكون للصيام أثر على نماء العقل وتفتيح آفاقه وتوسيع مداركه، فإذا كان من ثمار الصيام التقوى، فإن هذه التقوى تفتح على المسلم آفاق العلم والخير، والصيام يجعل عقل الإنسان أكثر نشاطاً وإدراكاً؛ لأن البطن إذا امتلأت تذهب الفطنة كما جاء في الأثر "البطنة تذهب الفطنة"، ومن أكل كثيراً نام كثيراً وحُرم من خير كثير.
وكثرة قراءة القرآن في هذا الشهر، أو الاستماع إليه في صلاة التراويح أو غيرها مما يرسي أصول العلم لدى المسلم أو المسلمة، ففي القرآن أصول العلم التجريبي، وأصول العقيدة الصحيحة وقواعد التشريع الكاملة، وقصص السابقين من الطائعين والعاصين، وهذا من أكبر موارد النمو العقلي.
ولا شك أيضاً أن عقلية المسلم تكون في غاية المرونة وهو يقرأ من أحكام الصيام أن كل ما دخل الجوف مما يستحيل التحرز منه لا يفطر مثل رائحة الدخان أو الطيب أو الماء الذي يسبق إلى الجوف عند المضمضة مع عدم المبالغة وما دخل عن طريق المسامع عند العطس أو الاستحمام ومن خرج منه منيٌّ بغير شهوة فصومه صحيح، ومن ذرعه القيء فلا شيء عليه، ومن أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه، والقطرة في العين لرمد لا يفطر الصائم، والحقن للتداوي لا تفطر.
هذه الأحكام وأمثالها تصوغ العقل المسلم صياغة رائعة مرنة قوية، يضع الحدود ويقدر الأعذار ويراعي الظروف والأحوال التي تخرج من طاقة كل إنسان فيقدرها بقدرها.

رابعا الجانب الجسدي:
فالإسلام يحرص على بناء الجسد بناء قويا سليما صحيحا؛ ينهض بالتكاليف ، ويخطو إلى الإنتاج ، ويصلح للجهاد في سبيل الله، ويتقدم في شجاعة وبسالة نحو مجد أمته.
وحسبنا في دور الصيام في إصلاح الجانب الجسدي عند الإنسان ما جاء عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "صوموا تصحوا".
فالصوم صحة للجسد وقوة للبناء، وفيه تعويد على خشونة العيش، والحق أن الإنسان إذا لم يصم يُرهق معدته ويُمرض جسده، لكن الصيام يعطي للمعدة هدنة مؤقتة تعود إلى نشاطها مع المغرب فتكون الفائدة من الطعام أتمّ وأوفى.
ويشير الدكتور صلاح إلى أن فريقًا من الباحثين المسلمين قام ببحث علمي تجريبي انتهى إلى أن الصيام يزيد الصحة، ويقوي جهاز المناعة، وقاموا بإجراء التجارب على الصائمين قبل الصيام وأثناءه وبعده وذلك في مدينة بنما سيتي ولاية فلوريدا بأمريكا، وانتهوا في أبحاثهم التي أجروها على أكثر من مائة حالة أن الصيام بالفعل يقوي جهاز المناعة الذي يقاوم بأمر الله تعالى كل الأمراض التي يتعرض لها جسم الإنسان دائماً، وهذا عكس ما يتصوره بعض عوام المسلمين أن الصيام يضعف الجسم وينهك الجسد.
ومن أجل صحة الجسد منع الإسلام وصال الصوم لأنه يضعفه، واستحب السحور؛ لأنه يقوي البدن على الصيام، وجعل الطعام والشراب لوقت محدد، ومنعه أيضا لوقت محدد، وفي هذا تعويد للبدن على التقشف والدربة والمران على الأوضاع المختلفة، ومن هنا تبدو آثار الصيام ثم الاقتصاد في الطعام والتدرج فيتناوله فيزداد الجسد قوة وحيوية.

البرامج العملية لتحصيل لجام الشهوات الأربع
وحتى يكون الكلام متوازنا ونافعا، وتكون جوانب الموضوع حاضرة والمشهد مكتملا أورد الدكتور صلاح سلطان في نهاية الكتاب برنامجا عمليا إذا سعى عليه المسلم استطاع أن يلجم شهواته، ولا غرو فالإسلام جمع بين المثالية والواقعية، والجماعية والفردية، والبدنية والروحية ، والدنيا والآخرة.
وقد وضع المؤلف عشرة برامج عملية يقول عنها: "هناك وسائل عشرة أرجو أن نعاهد الله عليها، ولا تخشى ـ أخي وأختي في الله تعالى ـ من البدء في لبس اللجام الرباني فإن الله سيعيننا، ألا نرى الكثير يلبس سنوات معادن على أسنانه لإعادة تقويمها وتحسين شكلها، فهل يليق بالمسلم أو المسلمة أن يستنكف اللجام الرباني الذي يعود عليه بخيري الدنيا والآخرة؟ في داخلنا بلا شك فطره تحب هذه البرامج العشرة إذا أزلنا صدأ المعاصي بالتوبة النصوح، وجاهدنا أنفسنا في لُبس اللجام الرباني، منتظرين دائماً عون الله سبحانه وتعالى ففي أعماقنا قوة داخلية نحتاج إلى استثمارها، كما نرى كثيراً جداً من المدخنين، بل من الذين يسكرون يمتنعون ويتوقفون في رمضان، معناه فيهم خير، وفيك خير، فينا قوة تستطيع أن تمتنع عن الحرام".
وهذه البرامج هي: البرنامج الأول: الإخلاص. البرنامج الثاني: الاقتصاد في الطعام والشراب. البرنامج الثالث: قراءة القرآن. البرنامج الرابع: القيام. البرنامج الخامس: الأذكار. البرنامج السادس: الدعاء. البرنامج السابع: الاعتكاف. البرنامج الثامن: الجود والكرم. البرنامج التاسع: الحلم والصفح. البرنامج العاشر: هو إصلاح ذات البين.
ويبين فضل كل برنامج منها، ثم يوضح وجه الإصلاح الذي يقوم به كل برنامج، ويختتم كتابه بكلمات طيبة يقول فيها: "إن مدرسة الصيام مدرسة تربوية ربانية، تنقل الإنسان من البطنة إلى الفطنة والصحة، تنقل الإنسان من الخسة إلى العفة، تنقل الإنسان من الثرثرة إلى الحكمة، تنقل الإنسان من الغضب والعويل إلى الحلم والصفح الجميل، فهل نعاهد الله أن يكون رمضان في كل عام سبباً في أن نعالج هذه الشهوات الأربع؟!". نرجو ذلك، وما هو على الله بعزيز.

تفجير النفس في العدو ...رؤية فقهية

تفجير النفس في العدو ...رؤية فقهية
وصفي عاشور أبو زيد
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإن الجهاد طريقة متبعة، وسنة ماضية، وفريضة محكمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولقد رفع الإسلام شأنه، وأعلى في الدنيا والآخرة ذكره، فجعله ذروة سنام الإسلام في أحكام الدنيا، وجعل صاحبه مع النبيين والصديقين والربانيين في أحكام الآخرة.

الجهاد في القرآن والسنة والتاريخ:
والقرآن الكريم تفيض من بينه الآيات التي تُوجب الجهاد وتحرض عليه، وتبين عاقبته وفضله في الدنيا والآخرة، بل إن سُوَرًا كاملةً سُميت بأسماء تُشير إليه وتدل عليه، مثل سورة "الأنفال" وهي من آثار القتال، وسورة "القتال" التي تعرف بسورة "محمد".
والسنة النبوية هي الأخرى حافلة بالأحاديث التي تُبين موقع هذه الفريضة الغائبة من الدين، وتبرز مكانة الشهيد ومنزلته في الجنة، وحسبنا قولُ النبي- صلى الله عليه وسلم-: "انتدب الله- عز وجل- لمن خرج في سبيله، لا يُخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي، أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل"(
[1]).
والتاريخ الإسلامي مليء بالقصص والمعارك البطولية التي جاد فيها أبطال المسلمين بأرواحهم ودمائهم، وقدموها رخيصةً في سبيل الله طلبًا لرضاه، وفوزًا بجنته، وحمايةً للأعراض، وذَوْدًا عن الحرمات، واستبقاء للأرض والمقدسات، حتى إن بعضهم كان يرمي تمرات في يده استعجالاً للشهادة وفوزًا بجنات النعيم.
وليس الجهاد مقصورًا على القتال فقط- كما شاع بين الناس اليوم- فإذا ذُكر الجهاد انصرفت الأذهان إلى المواجهة والقتال، والواقع أن الجهاد أشملُ من هذا بكثير، وقد نيَّفه العلامة المحقق "ابن قيم الجوزية" على عشرة أنواع في كتابه: "زاد المعاد".
وأساليب أعدائنا دائمًا في تطور وتقدم مذهل وسريع في المكر والخداع، والقوة والإعداد، والتخطيط والتدبير، ومطلوب من المعسكر الإسلامي أن يكون على نفس المستوى- إن لم يكن أعلى- من التخطيط والتدبير، والتقدم والتطور، ومسايرة هذه الأساليب، بل يجب سبقها وابتكار ما يقذف في قلوبهم الرعب والفزع، واستحداث ما يلقي في نفوسهم الرهبة والهلع؛ تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ...﴾ (الأنفال:60).

نوع جديد من المقاومة:
ولقد أفرز العدوان الصهيوني في أرض البطولات ومحضن الرسالات الإلهية "فلسطين"- التي جعلها الله سببًا للصراع بين الحق والباطل على مر التاريخ- نوعًا جديدًا في شكله قديمًا في مضمونه من المقاومة لهذا الطغيان الهادر، والحاجة أمّ الاختراع كما يقولون.
هذا النوع عبارة عن: أن يذهب الشاب المسلم "مُقنبِلاً" نفسه، فيملأ حزامًا ناسفًا أو حقيبة أو سيارة بالمواد المتفجرة ثم يقتحم على العدو مكان تجمعهم أو يشاركهم في وسيلة من وسائل المواصلات ويتظاهر بالاستسلام لهم، ويوهمهم أنه واحد منهم، حتى إذا أيقن أنه سيقتل أكبر عدد ممكن ورأى الفرصة مواتيةً فجَّر ما يحمله من هذه المواد في نفسه ومن حوله فيخرُّون بين قتلى وجرحى، وحتمًا سيكون هذا الشاب من بين القتلى؛ لأنه يكون الأقرب إلى المادة المتفجرة.

اختلاف العلماء حوله:
وقد اختلف العلماء حول هذا النوع من المقاومة بين مجيز ومحرّض، ومانع ومحذّر، ومتوقّف متبين، وسوف نشير فيما يلي إلى رأيَين تلخَّصت فيهما- تقريبًا- آراء العلماء المعاصرين، يتبلور الأول في إجازة هذا النوع من المقاومة والتحريض عليه ومدِّه ومؤازرته بكل أنواع المؤازرة، إذ إن هذا الفريق رأى أن هذا النوع من المقاومة يُعد أرقى أنواع الجهاد في سبيل الله في هذا العصر.
والفريق الثاني يجيزها بضوابط وشروط ما تحققت فهي جائزة، وما لم تتحقق فهي ممنوعة، وقد يدخل صاحبها في زمرة المنتحِرين.

الرأي الأول:
يرى أصحاب هذا الرأي أن هذه العمليات من أرقى أنواع الشهادة في سبيل الله، وأنها جندٌ من جنوده سبحانه، وأنها هي التي أفقدت الصهاينة وأعوانهم الأمن والسلام، وقذفت في قلوبهم الرعب والفزع، وأحدثت توازن الرعب الذي نسمع عنه كثيرًا ونقرأ عنه أكثر، ولا تمت بصلة إلى الانتحار أو الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة.
ومن العلماء الذين أيدوا هذا الرأي: جبهة علماء الأزهر، ومجموعة من العلماء في الأردن، والدكتور "محمد الزحيلي" والدكتور "وهبة الزحيلي"، والدكتور "محمد سعيد رمضان البوطي"، والدكتور "نزار عبد القادر ريان"، والشيخ "عكرمة سعيد صبرى"، والدكتور "علي محمد الصوا"، والدكتور "همام سعيد"، والدكتور "يوسف القرضاوي"، والدكتور "جاسم عجيل النشمي"، والدكتور "عبد الرزاق الشايجي"، والداعية "فتحي يكن"، وشيخ قراء الشام "محمد كريم راجح"، والشيخ "محمد متولي الشعراوي"، والدكتور "إبراهيم البيومي"، والشيخ "عبد المجيد زيدان"، والشيخ "سلمان بن فهد العودة"، والدكتور "محمد عبد الحليم عمر"، والدكتور "جلال الدين عبد الرحمن"، والشيخ "جمال قطب"، والدكتور "محمد بلتاجي حسن"، والشيخ "فيصل مولوي"، والشيخ "عبد الوهاب الديلمي"، والشيخ "سليمان بن ناصر العلوان"، والدكتور "رفعت فوزي عبد المطلب"، وغير ذلك من علماء(
[2]).
وسوف نقتصر من هذا الفريق على فتوى الشيخ "يوسف القرضاوي"؛ لأنها أبينُها وأوضحُها، وأكثرها إيرادًا لأقوال الفقهاء والمفسرين، وأكثرها توضيحًا لهذا الرأي، وأيضًا فهي أدفع فتاوى هذا الرأي للشبهات.

يقول فضيلة الشيخ الدكتور "يوسف القرضاوي":
تساءل الكثيرون بعد التفجيرات الأخيرة التي تمت في القدس وتل أبيب وعسقلان، وقتل فيها من قتل من الصهيونيين، نتيجة العمليات الاستشهادية التي قام بها شباب من حركة المقاومة الإسلامية (حماس).. تساءلوا عن حُكم هذه العمليات التي يُسمونها (انتحارية) هل تُعد جهادًا في سبيل الله أو إرهابًا؟ وهل هؤلاء الشباب الذين يضحون بأنفسهم في هذه العمليات يعتبرون شهداء أو يعتبرون منتحرين؛ لأنهم قتلوا أنفسهم بأيديهم؟ وهل يعتبر عمل هؤلاء من باب الإلقاء باليد في التهلكة الذي نهى عنه القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة:195)؟!.
وأود أن أقول هنا: إن هذه العمليات تُعد من أعظم أنواع الجهاد في سبيل الله، وهي من الإرهاب المشروع الذي أشار إليه القرآن في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال:60)، وتسمية هذه العمليات (انتحارية) تسمية خاطئة ومضللة، فهي عمليات فدائية بطولية استشهادية، وهي أبعد ما تكون عن الانتحار، ومن يقوم بها أبعد ما يكون عن نفسية المنتحر.
إن المنتحر يقتل نفسه من أجل نفسه، وهذا يقدم نفسه ضحيةً من أجل دينه وأمته، والمنتحر إنسان يائس من نفسه ومن روح الله، وهذا المجاهد إنسان كله أمل في روح الله تعالى ورحمته.. المنتحر يتخلص من نفسه ومن همومه بقتل نفسه، والمجاهد يقاتل عدو الله وعدوه بهذا السلاح الجديد، الذي وضعه القدَر في يد المستضعفين ليقاوموا به جبروت الأقوياء المستكبرين: أن يصبح المجاهد (قنبلة بشرية) تنفجر في مكان معين وزمان معين في أعداء الله والوطن، الذين يقفون عاجزين أمام هذا البطل الشهيد، الذي باع نفسه لله، ووضع رأسه على كفه، مبتغيًا الشهادة في سبيل الله.
فهؤلاء الشباب الذين يدافعون عن أرضهم- وهي أرض الإسلام- وعن دينهم وعرضهم وأمتهم- ليسوا بمنتحرين، بل أبعد ما يكونون عن الانتحار، وإنما هم شهداء حقًا، بذلوا أرواحهم- وهم راضون- في سبيل الله، ما دامت نياتهم لله، وما داموا مضطرين لهذا الطريق لإرعاب أعداء الله، المصرِّين على عدوانهم، المغرورين بقوتهم، وبمساندة القوى الكبرى لهم، والأمر كما قال الشاعر العربي قديمًا:
إذا لم يكن إلا الأسنةَ مركبٌ فما حيلة المضطر إلا ركوبها!
وليسوا بمنتحرين، وليسوا بإرهابيين، فهم يقاومون- مقاومة شرعية- من احتل أرضهم وشردهم وشرد أهلهم، واغتصب حقهم، وصادر مستقبلهم، ولا زال يُمارس عدوانه عليهم، ودينهم يفرض عليهم الدفاع عن أنفسهم، ولا يجيز لهم التنازل باختيارهم عن ديارهم، التي هي جزء من دار الإسلام.
ولا يعد عمل هؤلاء الأبطال من الإلقاء باليد إلى التهلكة، كما يتصور بعض البسطاء من الناس، بل هو عمل من أعمال المخاطرة المشروعة والمحمودة في الجهاد، يقصد به النكاية في العدو، وقتل بعض أفراده، وقذف الرعب في قلوب الآخرين، وتجرئة المسلمين عليهم.....ولا بأس أن أسوق هنا ما ذكره الفقهاء في هذا الجانب وما ذكره المفسرون في آية ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة:195).

ما قاله "الجصاص الحنفي":
قال الإمام "الجصاص الحنفي" في كتابه (أحكام القرآن) في تفسير هذه الآية: قد قيل فيه وجوه، أحدها: ما رواه بسنده عن أسلم بن عمران قال غزونا بالقسطنطينية وعلى الجماعة "عبد الرحمن بن الوليد"، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مه مه! لا إله إلا الله! يلقي بيديه إلى التهلكة! فقال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر دينه الإٍسلام، فقلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة:195) فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة هو أن نقيم في أموالنا فنصلحها وندع الجهاد، قال أبوعمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دُفن بالقسطنطينية.. فأخبر أبو أيوب أن الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة هو ترك الجهاد في سبيل الله، وأن الآية في ذلك نزلت، ورُوي مثله عن ابن عباس وحذيفة والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك.
ورُوي عن البراء بن عازب وعبيدة السلماني... الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة هو اليأس من المغفرة بارتكاب المعاصي، وقيل: هو الإسراف في الإنفاق حتى لا يجد ما يأكل ويشرب فيتلف، وقيل: هو أن يقتحم الحرب من غير نكاية في العدو، وهو الذي تأوله القوم الذي أنكر عليهم "أبو أيوب" وأخبر فيه بالسَّبب، وليس يمتنع أن يكون جميع هذه المعاني مراده بالآية لاحتمال اللفظ لها، وجواز اجتماعها من غير تضادّ ولا تناف.
فأما حمله على الرجل الواحد يحمل على حلبة العدو، فإن "محمد بن الحسن" ذكر في السير الكبير: أن رجلاً لو حمل على ألف رجل وهو وحده لم يكن بذلك بأس، إذا كان يطمع في نجاة، أو نكاية، فإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية، فإني أكره له ذلك، لأنه عرض نفسه للتلف من غير منفعة للمسلمين، فإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية، ولكنه يجَرّئ المسلمين بذلك حتى يفعلوا مثل ما فعل، فيقتلون ويغيظون العدو فلا بأس بذلك إن شاء الله، لأنه لو كان على طمع من النكاية في العدو ولا يطمع في النجاة، لم أر بأسًا أن يحمل عليهم، فكذلك إذا طمع أن ينكى غيره فيهم بحملته عليهم فلا بأس بذلك، وأرجو أن يكون فيه مأجورًا، وإنما يكره له ذلك إذا كان لا منفعة فيه على وجه من الوجوه، وإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية ولكنه مما يرهب العدو فلا بأس بذلك؛ لأن هذا أفضل النكاية، وفيه منفعة المسلمين.

ما قاله "القرطبي" المالكي:
وقال الإمام "القرطبي" المالكي في تفسيره: اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده، فقال "القاسم بن مخيرة" و"القاسم بن محمد" و"عبد الملك" من علمائنا: لا بأس أن يُحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة، وكان لله بنية خالصة، فإن لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة.
وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية فيُحمل؛ لأن مقصوده واحد منهم، وذلك بيِّنٌ في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ﴾ (البقرة من الآية 207).
قال "القرطبي": ومن هذا ما رُوي أن رجلاً قال للنبي- صلى الله عليه وسلم-: أرأيت إن قُتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا؟ قال: (فلك الجنة)، فانغمس في العدو حتى قتل، ثم ذكر "القرطبي" كلمةَ "محمد بن الحسن"، التي نقلها "الجصَّاص".

ما قاله "الرازي" الشافعيّ:
وقال الإمام "الرازي" الشافعي في تفسيره: المراد من قوله ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة من الآية 195) أي لا تقتحموا في الحرب بحيث لا ترجون النفع، ولا يكون لكم فيه إلا قتل أنفسكم، فإن ذلك لا يحلّ، وإنما يجب أن يقتحم إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل، فأمَّا إذا كان آيسًا من النكاية وكان الأغلب أنه مقتول فليس له أن يُقدِم عليه، وهذا الوجه منقول عن "البراء بن عازب"، ونُقل عن "أبي هريرة"- رضي الله عنه- أنه قال في هذه الآية: هو الرجل يستقلّ بين الصفَّين. قال "الرازي": ومن الناس من طَعن في هذا التأويل، وقال: هذا القتل غير محرم، واحتج عليه بوجوه:
(الأول) روي أن رجلاً من المهاجرين حُمل على صف العدو فصاح به الناس: ألقى بيده إلى التهلكة! فقال "أبو أيوب الأنصاري": نحن أعلم بهذه الآية وإنما نزلت فينا.. وذكر خلاصة ما حكاه "الجصَّاص" في سبب نزول الآية.
(والثاني) روى "الشافعي" رضي الله عنه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذكر الجنَّة، فقال له رجل من الأنصار: أرأيت، يا رسول الله، إن قُتلت صابرًا محتسبًا؟ قال- عليه الصلاة والسلام-: لك الجنة. فانغمس في جماعة العدو فقتلوه بين يدي رسول الله.. وإن رجلاً من الأنصار ألقَى درعًا كانت عليه حين ذكر النبي- صلى الله عليه وسلم- الجنة، ثم انغمس في العدو فقتله.
(والثالث) روي أن رجلاً من الأنصار تخلَّف عن بني "معاية"، فرأى الطير عطوفًا على من قُتل من أصحابه، فقال لبعضِ من معه: سأتقدَّم إلى العدو فيقتلونني، ولا أتخلَّف عن مشهد قُتل فيه أصحابي، ففعل ذلك فذكروا ذلك للنبي- صلى الله عليه وسلم-، فقال فيه قولاً حسنًا.
(الرابع) روي أن قومًا حاصروا حِصنًا، فقاتل رجل حتى قتل، فقيل: ألقى بيده إلى التهلكة، فبلغ "عمر بن الخطاب"- رضي الله عنه- ذلك فقال: كَذَبوا أليس يقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ﴾ (البقرة من الآية207)، ولمن نصر ذلك التأويل أن يجيب عن هذه الوجوه فيقول: إنا إنما حرمنا إلقاء النفس في صف العدو إذا لم يتوقع إيقاع نكاية فيهم، فأما إذا توقع فنحن نجوّز ذلك.

ما رواه "ابن كثير" و"الطبري":
روى الحافظ "ابن كثير" أن رجلاً قال لـ"البراء بن عازب" الأنصاري: إن حملت على العدو فقتلوني أكنت ألْقيت بيدي إلى التهلكة؟ قال: لا، قال الله لرسوله: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾ (النساء:84)، وإنما هذه في النفقة، أي في ترك النفقة في الجهاد.
وروى الإمام "الطبري" بسنده في تفسيره عن أبي إسحاق السبيعي قال: قلت للبراء بن عازب (الصحابي): يا أبا عمارة، الرجل يلقَى ألفًا من العدو، فيُحمل عليهم، وإنما هو وحده (يعني: أنه مقتول في العادة لا محالة) أيكون ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؟ فقال: لا، ليقاتل حتى يُقتل، قال الله لنبيه- صلى الله عليه وسلم-: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾ (النساء:84).

ما قاله "ابن تيمية":
وذكر نحو ذلك شيخ الإسلام "ابن تيمية"- في فتواه المشهورة في قتال التتار-، مستدلاً بما روى مسلم في صحيحه عن النبي- صلى الله عليه وسلم- من قصة أصحاب الأخدود، وفيها: أن الغلام أَمر بقتل نفسه؛ لأجل مصلحة ظهور الدين (حين طلب إليهم أن يرموه بالسهم ويقولوا: باسم الله رب الغلام)، قال: ولهذا جوَّز الأئمة الأربعةُ أن ينغمس المسلم في صف الكفار، وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحةٌ للمسلمين.

ما قاله "الشوكاني":
وقال الإمام الشوكاني في تفسيره (فتح القدير): والحق أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما صدق عليه أنه تهلُكة في الدين أو في الدنيا فهو داخل في هذا، ومن جملة ما يدخل تحت الآية: أن يقتحم الرجل في الحرب فيُحمل على الجيش، مع عدم قدرته على التخلُّص، وعدم تأثيره لأثر ينفع المجاهدين، ومعنى هذا: أنَّه إذا كان لاقتحامه أثر ينفع المجاهدين- كإرهاب العدو وإفزاعه- لم يُعدّ هذا في التهلكة.

ما قاله صاحب تفسير المنار:
وفي عصرنا قال العلامة "رشيد رضا" في تفسير المنار: "ويدخل في النهي الدخول في الحرب بغير علم بالطُّرق الحربية، التي يعرفها العدو، كما يدخل فيه كلُّ مخاطرة غير مشروعة، بأن تكون لاتباع الهوى لا لنصر الحق وتأييده" .
ومفهوم هذا أن المُخاطَرة المشروعة المحسوبة- التي يرجى بها إرهاب عدو الله وعدوّنا، ويُبْتَغَى فيها نصر الحق لا اتباع الهوى- لا تكون من الإلقاء باليد إلى التهلكة.
أعتقد أن الحق قد تَبَيَّن، وتبين الصبح لذي العينين، وأن هذه الأقوال كلها ترد على أولئك المتطاولين، الذين اتهموا هؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم هدى، والذين باعوا أنفسهم لله، وقُتلوا في سبيله بأنهم قد انتحروا، وألقوا بأيديهم إلى التهلكة، فهم- إن شاء الله- في طليعة الشهداء عند الله، وهم العنصر الحيّ المعبّر عن حيوية الأمة، وإصرارها على المقاومة، وأنها حية لا تموت، باقية لا تزول.
كل ما نطلبه هنا أن تكون هذه العمليات الاستشهادية بعد دراسة وموازنة لإيجابياتها وسلبياتها، وينبغي أن يتم ذلك عن طريق تفكير جماعي من مسلمين ثقات، فإذا وجدوا الخير
في الإقدام أقدموا وتوكلوا على الله ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال:49). انتهت الفتوى، والله أعلم.



الرأي الثاني:
ويضع أصحاب هذا الرأي بعض الشروط التي يجب أن تتوافر في هذا النوع من المقاومة، على رأسهم الشيخ "حسن أيوب"، والشيخ "محمد ناصر الدين الألباني".

فتوى الشيخ "حسن أيوب":
يرى الشيخ "حسن أيوب" ـ رحمه الله ـ أن من ألقى نفسه في الهلاك لصالح دينه أو لصالح المسلمين، فقد فدى دينه وإخوانَه بنفسه، وذلك غاية التضحية وأعلاها، فكم للمسلمين الأوائل من مواقف مشهودة كلها تضحية وفداء، وبذلك تستطيع أن تجيز ما يعمله الفدائي في عصرنا هذا من أعمال يذهب هو ضحيتها بعد أن يكون قد نكل بالعدو ودمر، وذلك مثل: إغراق سفينة بمن فيها من الأعداء وهو معهم، احتلال فندق لقتل من فيه من المقاتلين وهو يعلم أنه يقتل معهم، وضع المتفجرات في معسكر أو في مصنع حربي، أو في إدارة عسكرية للقضاء على من فيها وهو يعلم أنه لا نجاة له إلى آخر مثل هذه الأمور.
ولكن لا يجوز أن يلتفَّ بحزام ناسف لينسف نفسه ومن بجواره، والفرق أن الأصل في الحالة الأولى أنه يقتل عدوه، وجاء قتله تبعًا لذلك، ولذلك لو استطاع الهروب من القتل والنجاة بعد التفجير وجب عليه ذلك، أما الحالة الثانية فالأصل فيها قتل نفسه أولاً ليقتل غيره، وقد لا يقتل هذا الغير لسبب من الأسباب، وإقدامه على قتل نفسه ابتداءً لا يحل في مثل هذه الظروف(
[3]).

فتوى الشيخ "الألباني":
وقد تعرّض العلامة "الألباني"- رحمه الله- إلى تطاول البعض، فنسبوا إليه زورًا وبهتانًا أنّه حكم على من يُقتَل في عمليّة تفجير- يقوم بها في صفوف العدو- بالانتحار، والشيخ بريء من ذلك، ومن فتاواه في هذا الباب ما هو مثبت بصوته(
[4])، حيث سُئل- رحمه الله- سؤالاً قال صاحبه: هناك قوات تسمَّى بالكوماندوز، فيكون فيها قوات للعدو تضايق المسلمين، فيضعون- أي المسلمون- فرقة انتحارية تضع القنابل ويدخلون على دبابات العدو، ويكون هناك قتل... فهل يعد هذا انتحارًا؟ فأجاب بقوله: "لا يُعد هذا انتحارًا؛ لأنّ الانتحار هو أن يقتل المسلم نفسه خلاصًا من هذه الحياة التعيسة، أما هذه الصورة التي أنت تسأل عنها فليست انتحارًا، بل هذا جهاد في سبيل اللّه، إلا أن هناك ملاحظة يجب الانتباه لها، وهي أن هذا العمل لا ينبغي أن يكون فرديًّا شخصيًّا، إنما هذا يكون بأمر قائد الجيش، فإذا كان قائد الجيش يستغني عن هذا الفدائي، ويرى أن في خسارته ربحًا كبيرًا من جهة أخرى، وهو إفناء عدد كبير من المشركين والكفار، فالرأي رأيه، وتجب طاعته، حتى ولو لم يرضَ هذا الإنسان فعليه الطاعة".
إلى أن قال: "الانتحار من أكبر المحرَّمات في الإسلام؛ لأنّه لا يفعله إلا غضبان على ربه ولم يرض بقضاء اللّه، أما هذا فليس انتحارًا، كما كان يفعله الصحابة.. يهجم الرجل على جماعة من الكفار بسيفه، ويعمل فيهم بالسيف حتى يأتيه الموت وهو صابر؛ لأنه يعلم أن مآله إلى الجنة، فشتَّان بين من يقتل نفسه بهذه الطريقة الجهادية وبين من يتخلص من حياته بالانتحار، أو يركب رأسه ويجتهد بنفسه، فهذا يدخل في باب إلقاء النفس في التهلكة". ويركز الشيخ على حتمية وجود القائد، وإلا فلا يجوز أي نوع من أنواع المقاومة. انتهى.

مناقشة الفتويين:
يفرق الشيخ "حسن أيوب" بين من يغرق سفينة وهو منهم، وبين من يفجِّر في نفسه بين الأعداء حزامًا ناسفًا، فيُجيز الأولى ويحرِّم الثانية، ووجه ذلك عنده أن الأصل في الحالة الأولى أنه يقتل عدوه، وجاء قتله تبعًا لذلك، أما الحالة الثانية فالأصل فيها قتل نفسه أولاً ليقتل غيره، وقد لا يقتل هذا الغيرَ لسبب من الأسباب.
والذي نراه أن أقوال الفقهاء في الاقتحام على العدو اقتحامًا لا تُرجى معه نجاة تتَّسع لهذا النوع الذي حرمه الشيخ ما دام يغلب على الظن النكاية بالأعداء، بل إن هذا النوع هو الأكثر نكايةً بالأعداء، حيث يتحكم المجاهد مع هذا النوع في الوقت المناسب والمكان المناسب؛ فيكون أكثر نكاية بالأعداء.
أما القول بأن المجاهد في هذا النوع يقتل نفسه وقد لا يقتل غيره فهذا وارد في أي من الحالتين، فهو مجرد ظن لا اعتبار له؛ وذلك لأن الحكم يُعطَى لغلبة الظن، ويغلب الظن بل يتأكد أن نوع الحزام الناسف وما شابهه من أنكى الوسائل بالأعداء، كما أثبت الواقع ويثبت.
أما رأْي الشيخ "الألباني" فنتفق معه في إباحة هذا النوع من المقاومة أصلاً، وإلا لم تكن جائزة بإذن الإمام؛ لأن طاعة الإمام في دائرة المباحات، وإلاَّ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهذا مفهوم رأْي الشيخ ابتداءً.
أمَّا ما يشترطه الشيخ من إذْن الإمام فهذا ما يحتاج إلى مناقشة، هل اشترط الفقهاء وجود خليفة لجواز القتال، وما حكم القتال حال وجوده دون إذنه؟ والحقيقة أنه لم يرِدْ عن أحد من العلماء اشتراط وجود خليفة لجواز قتال الأعداء، بل إن كثيرًا من الأحداث في عهد النبي- صلى الله عليه وسلم- تدل دلالةً واضحةً على عدم اشتراط وجود وليّ أمر لمباشرة القتال، ومن ذلك قصة "أبي بصير" ومن معه من المستضعفين(
[5]).
أما القتال بغير إذن الإمام حال وجوده فقد قال "الخطيب الشربيني" من فقهاء الشافعية: "يكره غزوٌ بغير إذن الإمام أو نائبه تأدبًا معه، ولأنه أعرفُ من غيره بمصالح الجهاد، وإنما لم يحرم لأنه ليس فيه أكثر من التغرير بالنفوس وهو جائز في الجهاد، وينبغي كما قال "الأذرعي" تخصيص ذلك بالمتطوعة، أما المرتزقة فلا يجوز لهم ذلك؛ لأنهم مرصدون لمهمّات تعرض للإسلام، يصرفهم فيها الإمام فهم بمنزلة الأُجَراء".
ثم قال "الشربيني": "تنبيه: استثنى "البلقيني" من الكراهة صورًا:
أحدها: أن يفوت المقصود بذهابه للاستئذان.
ثانيها: إذا عطل الإمام الغزو، وأقبل هو وجنوده على أمور الدنيا كما يشاهَد.
ثالثها: إذا غلب على ظنه أنه لو استأذنه لم يأذن له"(
[6]).
وقال "ابن قدامة": "إذا جاء العدو صار الجهاد عليهم فرض عين فوجب على الجميع، فلم يجز لأحد التخلُّف عنه، فإذا ثبت هذا فإنهم لا يخرجون إلا بإذن الأمير؛ لأن أمر الحرب موكول إليه وهو أعلم بكثرة العدو وقلتهم ومكامن العدو وكيدهم، فينبغي أن يرجع إلى رأيه؛ لأنه أحوط للمسلمين إلا أن يتعذر استئذانه لمفاجأة عدوهم لهم فلا يجب استئذانه؛ لأن المصلحة تتعين في قتالهم والخروج إليهم، ولذلك لما أغار الكفار على لقاح النبي- صلى الله عليه وسلم- فصادفهم "سلمة بن الأكوع" خارجًا من المدينة تبعهم فقاتلهم من غير إذن فمدحه النبي- صلى الله عليه وسلم-، وقال: خيرُ رجالَتنا "سلمة بن الأكوع"، وأعطاه سهم فارس وراجل"(
[7]).
ومعنى ذلك أن الأمر ليس محرَّمًا على إطلاقه، كما ذهب الشيخ "الألباني"، فالأمر يدور مع تحقيق المصلحة والنكاية كما ذكر الفقهاء.

أثر السياسة في آراء بعض العلماء في هذه المسألة:
الفريقان السابقان الأول منهم أجاز وحرَّض، والثاني منهم من منع ومنهم من أجاز بشروط، لكن هناك فريقًا من العلماء الذين يُعدون رموزًا للإسلام ومراجع له داروا مع السلطان ولم يدوروا مع القرآن، فأباحوه عامًا وحرموه عامًا، كما تمليه عليهم رغبات الحكام وشهواتهم.
وللسياسة دور منذ القدم في اختلاف الفقهاء، وأثر واضح في التحليل والتحريم في الفتاوى الصادرة، وهذا ناتج عن الضعف النفسي والإيماني لهؤلاء العلماء فيُثنيهم الوعد، ويرهبهم الوعيد، ويتزلفون وينافقون، حتى لو كان على حساب الدين، فيبيعون دينهم بدنيا غيرهم، أو يبيعون دينهم بعرض من الدنيا.
وهذا الأمر- أعني أثر السياسة- في حاجة إلى باحث جاد وواعد يتناوله على مدى تاريخنا الإسلامي، ويبين ما للسياسة والسلطان من أثَر ملحوظ في اختلاف الفقهاء.

تسميتها بـ"الاستشهادية" لا يصح ابتداءً:
ومن الأمور التي شاعت مع ظهور الانتفاضة والمقاومة عموما أن أيّ فتوى تظهر أو أي بحث يُطبع، دائمًا ما يعنون بـ"العمليات الاستشهادية"، فيقال حكم العمليات الاستشهادية، أو العمليات الاستشهادية في الميزان، حتى السؤال نفسه الذي يوجهه البعض لأهل العلم يكون بهذا الشكل: ما حكم العمليات الاستشهادية؟ وهذا لا يصح لا عقلاً ولا شرعًا؛ لأننا إذا قلنا العمليات الاستشهادية حلال، فما الذي أفادته كلمة حلال بعد قولنا "استشهادية"؟، وإذا كانت "استشهادية" فلماذا نسأل عن حكمها؟ و"الاستشهاد" معروف حكمه في الإسلام، سواءٌ في أحكام الدنيا أو أحكام الآخرة.
ولهذا آثرنا أن نسمي البحث "تفجير النفس في العدو"؛ لأن هذا هو طبيعة الفعل الذي يقوم به المقاوم، ومن ثم يتطلَّب حكمًا شرعيًا، فيفتي العلماء ويحكمون على هذا الفعل بالاستشهاد أو بغير ذلك.

الحكم على أي عمل يتوقف على النيَّة:
والحكم على هذا النوع من المقاومة- بل على أي عمل- يتوقف على نية صاحبه، وهذا هو محك الخلاف بين من قال إنه انتحار ومن قال إنه استشهاد، وبه ينحسم الخلاف بين الفريقين.
عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلَّم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال كذبت. ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال كذبت ولكنك فعلت ليُقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار"(
[8]).
إذا تبيّن ذلك فإن نفسيَّة المنتحر ونيَّته تخْتلف تمامًا عن نية المقاوِم ونفسيَّته، فإذا كان المنتحِر معترضًا على قضاء الله ومتسخِّطًا على قدَره، فإن الاستشهاديّ قدَرٌ من أقدار الله وجُند من جنوده يُبطل الله به كيدَ الكافرين، ويُدخِل به الرعبَ والفزع في قلوب المعتدين؛ ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
([1])أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة. كتاب الإيمان. باب الجهاد من الإيمان.
([2])اعتمدتُ في ذكر أسماء هؤلاء العلماء لهذا الرأي والرأي التالي على كتاب: "العمليات الاستشهادية في الميزان الفقهي" لنواف هايل تكروري، طبْع مركز الإعلام العربي بالقاهرة. رقم 23 ضمن سلسلة كتاب القدس- الطبعة الأولى 1424هـ، وموقعَي: المركز الفلسطيني للإعلام وإسلام أون لاين.

([3]) انظر: الجهاد والفدائية في الإسلام للشيخ "حسن أيوب": 243-244 نقلاً عن العمليات الاستشهادية: 94-95.
([4]) في الشريط الرابع والثلاثين بعد المائة من سلسلة الهدى والنور.
([5]) انظر تاريخ الطبري: 2/125. دار الكتب العلمية. بيروت. ط أولى 1407هـ، وسيرة ابن هشام: 4/292. تحقيق طه عبد الرءوف سعد. دار الجيل بيروت ط أولى 1411هـ.
([6]) مغني المحتاج: 4/220. دار الفكر. بيروت.
([7]) المغني: 9/174. دار الفكر بيروت. ط أولى. 1405هـ.
([8]) رواه مسلم. كتاب الإمارة. باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار.

مقدمتي لكتاب الدكتور صلاح سلطان عن سورة الكهف

تقديم
الحمد لله رب العالمين، أحمده حق حمده بكل المحامد على كل النِّعم، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادةً تُدفَع بها عنا النقم، وأشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله خيرُ الأمم، اللهم صلِّ وسلم وزِدْ وباركْ عليه وعلى آله وأصحابه الأطهار الأبرار الأخيار، أولي الأيدي والأبصار وأصحاب الهمم، ومن اقتفى أثرهم وسلك نهجهم إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد،،
فقد طلب إليَّ أستاذي الجليل الأستاذ الدكتور صلاح الدين سلطان أن أكتب مقدمة لهذا الكتاب البديع: "سورة الكهف، منهجيات في الإصلاح والتغيير، دراسة تأصيلية تطبيقية"، فظننتُه في أول الأمر يمزح، لكنه قرر رغبته وكرر طلبه، فقلت لفضيلته: إن شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي لما أراد أن يكتب عن الداعية المجدد الشيخ محمد الغزالي ورحلة نصف قرن قال: إن الإمام محمدًا أبا زهرة لما كتب عن الأئمة قال: لا يكتب عن الأئمة إلا إمام، وقال العقادُ حين كتب عبقرياته: لا يكتب عن العباقرة إلا عبقريّ، ثم قال الشيخ القرضاوي: "ومن لي بالإمامة والعبقرية حتى أكتب عن إمام وعبقري مثل الغزالي".
ولما قدَّم الشيخ القرضاوي ـ وهو مَنْ هو!! ـ لفتاوى الفقيه الجليل الشيخ مصطفى الزرقا قال: "وما كان لمثلي أن يقدم مثله، لكنه أَمَرَ وَرَغِبَ، وليس عليَّ إلا السمعُ والطاعة، وقديما قالوا: الامتثالُ خيرٌ من الأدب". فرد عليَّ د. صلاح وقال مبتسمًا: إذًا عليك أن تَمْـتَثِل..!!
وعلمتُ بعد ذلك سرَّ هذه الرغبة المقدورة، وهو أنه ـ حفظه الله ـ يريد أن يَلْفِتَ النظرَ إلى منهجية أخلاقية تربوية مهمة، تتلخص في أنَّ عهْدَنا دائما أن يكونَ الوفاءُ من التلميذ للأستاذ، ومن الابن لأبيه وأمه، ومن الزوجة لزوجها، ومن المرؤوسين للرئيس، ونادرًا ما تجد أستاذًا يذكر تلميذَه، أو يحرصُ على إبرازه ورفع مقامه، أو تجد والدًا يذكر فضلَ ولدِه، وهكذا، وهي منهجية تربوية مهمة يَتَمَثَّلُ فيها تمثُّلا واضحًا المنهاجُ الأخلاقيُّ في الإسلام.
وأود في هذا المقام أن أشير إلى أمرٍ آخرَ، وهو أنَّ الدكتور صلاحًا قَبْل نشر الكتاب وقبل أن يشرفني بكتابة مقدمة له أرسله إليَّ، وطلب أن أقرأه وأُبْدِي عليه ملاحظاتي، فتعجبتُ من هذا المسلك؛ لأنَّ المعهود أن يرفعَ التلميذُ عملَه لأستاذه؛ يُصَحِّحُه بخبرتِه، ويُقَوِّمُه برؤيته، ويوجِّهُه بعلمه ونظْرتِه، فكيف يَسْتَنْصِحُ الأستاذُ تلميذَه ويطلبُ منه رأيَه؟!
ولهذا ظننتُ هذا تواضعًا منه ـ وتواضعُه سجيًّةٌ لا تكلفَ فيه ـ فقرأتُ الكتابَ ولم أرسلْ له رأيي، لكنه أكد الرغبةَ وأعاد الطلب وقال: "لن أدفع بالكتاب للمطبعة حتى أتلقى ملاحظاتك!!"، فلم أجد بدًّا من كتابة رأيي على خجلٍ، فسطرتُ له خمس صفحات؛ ثناءاتٍ للكتاب بما يستحقُّ، وتعليقاتٍ وملاحظات على بعض المنهجيات ومضمونها، بل نقدًا أحيانا لبعض ما جاء فيها، وأشهد أنه لم يضق ذرعًا بذلك، كما يفعل كثير من الأساتذة مع تلاميذهم، بل رحَّبَ بها، وهشَّ وبشَّ لها، وشكرها وأثنى عليها، وأخذ بمعظمها تعديلاً وتصحيحًا، وهكذا تكون أخلاقُ الكبار.
وبعدما فرغت من قراءة هذه الدراسة قراءةً أرجو أن تكون واعية، قفز إلى ذهني ما رواه الترمذيُّ في سننه بسندٍ فيه مقال عن الحارث الأعور أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال عن القرآن: "...هو الذي لا يزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه...".
وتذكرت قول الإمام الشاطبي من أن القرآن الكريم "كليةُ الشريعة، وعمدةُ الملة، وينبوعُ الحكمة، وآيةُ الرسالة، ونورُ الأبصار والبصائر، وأنه لا طريقَ إلى الله سواه، ولا نجاةَ بغيره، ولا تَمَسُّكَ بشيء يخالفُه ... وإذا كان كذلك لَزِمَ ضرورةً لمن رامَ الاطلاعَ على كلياتِ الشريعة، وطَمِعَ في إدراك مقاصدِها واللِّحاقِ بأهلها أن يتخذَه سميرَه وأنيسَه، وأن يجعلَه جليسَه على مَرِّ الأيام والليالي؛ نظرًا وعملاً، لا اقتصارًا على أحدهما، فيوشك أن يفوزَ بالبُغْيَةِ، ويَظْفرَ بالطُّلْبَةِ، ويجدَ نفسَه من السابقين وفي الرعيل الأول". الموافقات: 4/346. طبعة دار الفكر العربي.
وأحسب أن هذا الكتاب ثمرةٌ طبيعية لاتخاذِ القرآن الكريم ـ وبخاصةٍ سورةُ الكهف ـ سميرًا وأنيسًا، وجعْلِه جليسًا على مَرِّ الأيام والليالي نظرًا وعملاً، ففاز كاتبُه بالبُغية، وظفر بالطُّلبة، وكان من السابقين إن شاء الله، وفي الرعيل الأول، ولا نذهب بعيدا فها هو يقول في مقدمته: "…وبعد، فقد لامسَتْ سورةُ الكهف ـ كلَّ جمعة ـ شغافَ قلبي، وحبَّاتِ عقلي، وذرَّاتِ جسمي، وهِمْتُ بها، فأعطاني الله فيها من عمق التدبر العقلي، وشدةِ التأثر القلبي، ما جعلني أشعرُ أنها جزءٌ من منظومة فكري ومنهاجِ حياتي".
إن القرآن الكريم بمثابة اللآلئ التي تسكنُ الصَّدَفَ، فإذا فتحنا هذا الصدف تكشَّفَ لنا اللؤلؤ، وفاضَ فيضُه المكنون..!! وهذا الفيض الربانيُّ والكشفُ الإلهيُّ لا يتسنى إلا لمن ملك مؤهلاتِ استنزاله في القلوب والعقول؛ مِنْ عِلْمٍ وخُلُق، وعملٍ ودعوة، وحركة وإصلاح، وشغلٍ بالقرآن، واستمداد منه، وإقبالٍ عليه.
ولقد غاص المؤلف الكريم ـ بما مَنَّ الله به عليه من مؤهلات ـ في بحر القرآن العظيم، ففتح هذا الصدف، وتكشَّفتْ له سورةُ الكهف كما لم تتكشفْ لأحد، وسمحتْ له من المعاني والنظرات والمنهجيات بما لم أره عند غيره من علمائنا السابقين فيما أعلم، وهذا مصداق القول السابق للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن القرآن، الذي وُصِفَ بأنه "الكريم"؛ فهو كريمٌ في كلامه، كريم في تشريعاته، كريم في أفكاره وتصوراته، كما أنه كريم في عطائه وفيوضاته متى أقبل عليه قارئه في خشوع وتدبر، وتقدير وتعظيم، ويقين وثقة واستسلام..!
لقد استخرج الأستاذ الدكتور صلاح سلطان أربع عشرة منهجية غيرَ مسبوقةٍ في تفاسير هذه السورة، على كثرتها وتنوعها وامتدادها التاريخي، وهي منهجياتٌ أصوليَّةٌ دعويةٌ حركيةٌ تربويةٌ إصلاحيةٌ، من شأنها أن تكون زادًا نافعًا لأبناء الحركة الإسلامية؛ يُعمِّق فكرها، ويُسدِّد عملها، ويُرَشِّد مسيرتها، ويحفظُها من الخللِ الفكري، والضعفِ التربوي، والانحراف السلوكي والخلقي.


إن هذه الدراسةَ تنبعُ أهميتُها ـ في تقديري ـ من أمرين:
الأول: المنهاج الذي سار عليه المؤلفُ فيها، وطريقته في التعامل مع النص القرآني؛ حيث التحم معه التحاما مباشرًا بعد تأمل وتدبر طويلين، فانكشفت له من هذه السورة تلك المعاني الجديدة، وأفاضت هذه الفيوضاتِ والتَّنَزُّلات، وأسفرت عن هذه المنهجيات المبتكرة، التي جمعت بين الدعوة والحركة، ومزجتْ بين العلم والعمل، ووصلتْ بين التأصيل والتطبيق، وربطتْ بين الدنيا والآخرة، دون أن تخبوَ هذه الفيوضاتُ في ثنايا الأقوال والفُهُومِ الأخرى، التي ربما حجَّمت من فيض هذا التَّنَزُّلِ الملهم، ودون أن تنطفئَ هذه الأنوارُ بين يدي ما يَنْقُلُه المفسرون من أقوالٍ وروايات، ربما كان فيها بعضُ الموضوعات والإسرائيليات.
كما كان من نتائج هذا الالتحام المباشر ـ إلى هذه الفيوضات والأنوار ـ تَتَبُّعُ كلِّ منهجية في السورة كلها، فكلُّنا يقرأ سورةَ الكهف أسبوعيًّا ولم يتنبهْ لمعظم ما جاء في هذه الدراسة، لكن حين نقرؤها في ضوء هذا المنهاج نجد عجبًا..!
لقد تنادت الآيات للدكتور صلاح فاجتمعت عنده، وتجمعت المعاني والأفكار فانتظمت له، ولَمْلَمَتِ الشواردُ بعضَها فتواردت عليه، واستطاع أن يؤلفَ بينها، ويجمعَ شتاتَها حتى أخرج لنا هذا العقدَ الفريدَ في حُلًّةٍ بهيَّةٍ باهرةٍ، كأنها تنزيلٌ من التنزيل، أو قبسٌ من نور الذكر الحكيم.

والأمر الثاني: أن صاحبها هو الأستاذ الدكتور صلاح الدين سلطان، صاحب التجربة الثرية والواسعة في الدعوة إلى الله تعالى، وصاحب العلم الغزير، والخلق الكريم، والفقه في الدين؛ فهو أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم بالقاهرة، وعضو المجامع الفقهية في أمريكا وأوربا والهند، ورئيس الجامعة الإسلامية الأمريكية سابقا، والذي طاف الأرض شرقا وغربا داعيا إلى الله، غيرَ راغبٍ في فضلٍ من أحد سواه، جاعلاً أنيسَه وشعارَه: "وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ". الشعراء: 109.
قد يحسب البعض أن هذا هو منطقُ التلميذِ والمحب ـ وإنْ كنتُ لا أنكر أنني أتقرب إلى الله بحبه ـ أو يقولون إن التلميذَ لا يَسَعُهُ إلا أن يمتدحَ أستاذَه، فلْيكنْ هذا أو ذاك، لكن من عايش الدكتور صلاحًا، وتابع نشاطه العلميَّ والدعويَّ في أرجاء الأرض لا يسعه إلا أن يسطرَ عنه هذا أو يزيد، نحسبه كذلك والله حسيبه، وما شهدنا إلا بما علمنا، وما كنا للغيب حافظين.
ومن المعلوم أنَّ تجاربَ المفسرين وثقافاتِهم واهتماماتِهم تظهرُ آثارُها في تفسيرهم لكتاب الله، فاللغويُّ يظهرُ في تفسيره الاهتمامُ باللغة، والأثريُّ تظهر فيه الأخبار والآثار، والبلاغيُّ تظهر فيه البلاغةُ والبيان، والكلاميُّ تظهر فيه آراءُ المذاهب والملل والكلام، والفقيهُ يظهر فيه الفقهُ والأحكام، وأحسبُ أنَّ علمَ الدكتور صلاح وتجربتَه في الإصلاح والدعوة والتغيير كانت مرآةً انعكستْ عليها سورةُ الكهف، فَنَضَحَتْ بآثارِها على هذا التفسير المبارك.
ولا أحولنَّ بين القارئ الكريم والاستمتاع بهذه الدراسة؛ ليرى فيها مصداقَ ما أقول، ولْتَكُنْ هذه السورةُ فاتحةَ خيرٍ عليه وعلينا وعلى الأمة الإسلامية كلها، نحوَ انطلاقةٍ جديدة إلى تفسيرٍ للقرآن الكريم كلِّه على هذا النحو؛ بحثًا عن منهجيات الإصلاح والتغيير، التي يفرضها الدينُ، ويُحَتِّمُها الواقع، ويفتقرُ إليها واقعُ العملِ الإسـلامي، ضارعًا إلى الله تعالى أن ينفع بهذه الدراسة، وأن تجد من اهتمام أهل العلم والفكر وقاداتِ العمل الإسلامي ما هي له أهل، وأن تكون نبراسًا للدعاة والمجاهدين، ووميضًا يبرق للعاملين والمصلحين، وأن يجزيَ أستاذَنا عنها وعنَّا خيرَ ما يجزي به العلماءَ العاملين، والدعاةَ الصادقين الربانيين، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين،،،

الفقير إلى عفو ربه
وصفي عاشور أبو زيد
Wasfy75@yahoo.com
الكويت في 26 جمادى الآخرة 1429 هـ - 30/6/2008م

رد الشيعة على القرضاوي...ومستقبل التقريب

رد الشيعة على القرضاوي...ومستقبل التقريب
وصفي عاشور أبو زيد
باحث مصري في العلوم الشرعية
كان رد مراجع الشيعة على كلام الإمام القرضاوي عنهم فيما يمارسونه من تبشير ونشرٍ لمذهبهم في المناطق السنية الخالصة، ولعنِهم لأبي بكر وعمر وعائشة، واتهامهم للصحابة بأنهم خانوا الأمانة وكتموا الحق في الوصية ـ بزعمهم ـ لعلي رضي الله عنه، وقولهم بأن في القرآن تحريفا، كان ردًّا مستغربا ومستهجنا في الوقت نفسه.
أما كونه مستغربا فلأن الشيخ الإمام لم يقل هذا الكلام للمرة الأولى الآن ـ كما جاء في حواره مع جريدة المصري اليوم مؤخرا ـ وإنما هذا ما قاله وردده عشرات المرات في مؤتمرات التقريب التي قدم فيها أبحاثا مقدورة، بل قاله في عقر دارهم في إيران، ووافقه عليه مراجعهم وآياتهم، ومع هذا جاء رد التسخيري وفضل الله ـ وهما المحسوبان على الاعتدال والوسطية في تيار الشيعة ـ صادمة؛ حيث حمَّلت الموقف فوق ما يستحق، فكشفت عن موقفهم الحقيقي.
وأما كونه مستهجنا فللطريقة التي قيل بها، وللألفاظ السافرة التي نالت شخص الشيخ مغالطة وتجريحا وتلفيقا، وناقضت تاريخه ومواقفه ومؤلفاته وخطبه ومحاضراته، كما بين هو في بيانه الذي أصدره قبل أيام، وزاد الطين بلة ما جاء على لسان بعض شيعة دولة قطر الذين رفعوا دعوى ضد الشيخ، وطالبوا أمير قطر بـ "سحب الجنسية القطرية منه؛ لأنه لا يستحقها كونه يثير الفتنة، وإذا لم يَمْثُل أمام المحكمة لاعتبارات سنه المتقدمة ـ 82 عاما ـ فيجب الحجر عليه"!!.

بيان الشيخ ورد الشيعة
ثم كتب الشيخ بيانا طويلا ومفصلا ليس ردا ولا هجوما وإنما أشبه بـ "بيان موقف"، وجاء رد الشيعة على بيان القرضاوي بما يشبه الاعتذار، وبأن عتابهم جاء على قدر مكانة الشيخ ورمزيته في الأمة، وهو رد سياسي أكثر منه علميا أو موضوعيا؛ حيث خلا من أي نفي لما جاء على ألسنتهم أو اعتذار عما قالوه من أن الشيخ يثير الفتنة، وأنه ينطق على ألسنة الصهاينة وحاخمات اليهود، وأنه لم يهاجم العلمانية أو الماسونية والصهيونية.
بعد هذا الرد الهادئ منهم، والذي يشتم منه إرادة نزع فتيل الأزمة وإطفاء النار، مع الإبقاء طبعا على ما قالوه دون اعتذار، خرج علينا بعض المفكرين الإسلاميين يقودون تحركا يجبر الشيخ على الاعتذار رغم أنه لم يجرح أحدا، ولم يشتم أحدا، بل كل الشتائم والإهانات والسفالات أتت من الطرف الآخر، وهذا موقف غير مستغرب؛ إذ إنه يعبر عن الاستخذاء والضعف والترهل لبعض رموز السنة أمام ضغط المعسكر الشيعي!.

سيناريوهات المشهد
المطروح الآن أو المتصور أن يصمم الشيخ على رأيه، ويتمسك بموقفه، ولا يأبه لهذه الأصوات التي تطلب منه أو تجبره على الاعتذار دون ذنب أو جريرة ـ وهو ما نراه وندعمه ـ وفي هذه الحالة ستتأثر علاقة الشيخ بإخوانه المفكرين وزملائه في أمانة اتحاد علماء المسلمين، بالإضافة إلى ضعف العلاقات السنية الشيعية، لكن في الوقت نفسه يكون قد تمسك بما رآه حقًّا يلقى الله عليه؛ علميا وواقعيا، وربما سياسيا أيضا، ورضا الله كان حاديا للشيخ في مواقفه وكلماته!.
أو يخضع الشيخ لهذه الرغبة، ويوافق على صدور اعتذار، وهنا ستهتز صورة الشيخ لدي أهل السنة بعدما رأوا منه وفي فكره تطورا حسنا تجاه الشيعة، وفي الوقت ذاته سيسقط كرمز وإمام لأهل السنة في نظر الشيعة، ومن ثم يزداد تبشيرهم ونشاطهم في نشر مذهبهم في عقر ديار أهل السنة، ولن يجدوا بعد ذلك رادعا، أو طرفا مقابلا في رمزية ووزن القرضاوي.
ولا يُغني هنا أن نقول إن كلام مراجع الشيعة تم تحريفه، أو فهم خطأ، في محاولة لحمل القرضاوي على الموافقة على إصدار الاعتذار، وتخفيف وطأته على نفسه؛ لأنه حتى هذه اللحظة لم يصدر عن أي واحد منهم شبه اعتذار أو نفي لما تفوه به كل منهم، وهي ردود جاءت معبرة عن نفوسهم، ومحملة للموقف أكثر مما يحتمل بكثير، فضلا عن أن الشيخ لم يتلفظ بما يوجب الاعتذار!.

أصل المشكلة
وفي تقديري أن أصل هذا الجدل راجع إلى ما ذكره العلامة القرضاوي في حواره مع جريدة المصري اليوم من لعن الشيعة للصحابة، ونشر لمذهبهم في بلاد السنة، والقول بتحريف القرآن، رغم أن مراجع الشيعة تنفي هذا الكلام في المؤتمرات والمحافل الدولية، وأن مصحفهم الذي يدرسونه لأبنائهم هو مصحف مجمع الملك فهد الذي هو مصحف أهل السنة.
وإذا كان المرحوم الشيخ محمود شلتوت أصدر فتوى شهيرة تقضي بأنه يجوز للمسلم أن يتعبد على المذهب الإمامي، ومعظم علماء السنة المعتدلين يرفضون تكفير الشيعة، فلماذا لم يصدر عن مراجع الشيعة أو أحدهم حتى الآن فتاوى وبيانات لقواعدهم بجواز التعبد على أحد مذاهب أهل السنة، وهي أربعة، إن أرادوا التقريب حقا؟ بل إننا نجد في كتاب حسين فضل الله: "مسائل عقدية" ص: 110 ما ينفي هذا؛ حيث أجاب على سؤال يقول: هل يجوز التعبد في فروع الدين بالمذاهب السنية الأربعة، وكذلك بقية المذاهب غير الشيعية؟ فكان جوابه بالنص: "جواب: لا يجوز التعبد بأي مذهب إسلامي غير مذهب أهل البيت عليهم السلام؛ لأنه المذهب الذي قامت عليه الحجة القاطعة".
ولماذا أيضا لم يُصدر أحدهم بيانا أو فتوى يلزم بها أتباعه أو قواعده بحرمة سب الصحابة ولعن أبي بكر وعمر وعائشة؟ ولماذا لم يصدروا فتوى بأن الذي يقول بتحريف القرآن أو بأن فيه زيادة أو نقصا فإن هذا قول قد يخرج صاحبه من الملة؟؟! أم أن التصريح بهذا الكلام في المؤتمرات لذر الرماد في العيون فقط، وتبقى المراجع مع قواعدها على ما هي عليه؟!.
أتصور لو أن هناك بياناتٍ وتصريحات واضحةً وملزمة لقواعد الشيعة وعوامهم، لما استمر هذا الخلاف المذهبي، وعدمُ وجود هذه الفتاوى أو البيانات يفسر لنا الهجوم الذي وقع منهم ردا على كلام القرضاوي؛ حيث جاء مبالغا فيه بشكل ملحوظ.

شماعة وحدة الأمة
ما يشك أحد في أن وحدة الأمة من أفرض الفرائض وأوجب الواجبات، ولا يخفى أيضا أن رمزا مقدورا كالقرضاوي أفنى حياته من أجل تحقيق هذا المقصد الأكبر، وأفتى ضد الصهيونية ومؤيدا لحركات المقاومة المشروعة في أرجاء الأرض، وكتب ضد العلمانية والشيوعية والاشتراكية والرأسمالية وكل مذاهب الأرض المنحرفة حرصا على تحقيق وحدة الأمة وحفظ هويتها، وهذا لا يجادل فيه أو يقلل منه إلا جاحد أو مكابر.
لكن لماذا لا يحرص الشيعة ويحرص رموزهم ومراجعهم على وحدة الأمة كما يحرص أهل السنة، ولماذا يبادر أهل السنة بمؤتمرات الحوار وندوات التقريب ثم لا يجنون منها شيئا؛ في الوقت الذي يمارس فيه الشيعة تسيير مخططهم في العالم، وتنفيذ مشروعهم حتى في البلاد الخالصة لأهل السنة مثل سوريا ومصر والجزائر والمغرب؟
لماذا يلتقي مراجع الشيعة مع رموز السنة في منتديات التقريب نظريا، ثم يقوم الشيعة عمليا بممارسة أبشع أنواع التهجير والطرد والتقتيل ـ كما حدث في العراق بالذات من قبل ـ حتى كانوا يذبحون من يعرفون بأن اسمه عمر أو أبو بكر أو عائشة؟!!
إذا كان الأمر كذلك فلابد من وقفة، ولابد من مراجعة، ولابد من النظر واقعيا هنا: أين مصلحة الأمة، وأين تكمن وحدتها: هل هي في مؤتمرات التقريب ثم يمارس الشيعة نشر مذهبهم في البلاد الآمنة، ويمارسون القتل والتهجير في البلاد المحتلة، أم هل هو في اتخاذ موقف يتناسب مع هذه الممارسات التي تهدد وحدة الأمة، وتصب في النهاية في تحقيق مخططات الشيعة وتنفيذ مشروعهم السياسي في مواجهة أهل السنة الذين لا يملكون مشروعا ولا شبه مشروع بكل أسف؟؟!
أعتقد أن الأمر يحتاج إلى وقفة وإلى مراجعة؛ لأننا سنختلف في تقدير المصالح والمفاسد المترتبة على تبني أي من الاختيارين، وما هي الأسس والضوابط التي نُقدِّر على أساسها المفسدة والمصلحة؛؛ وذلك نتيجة طبيعية لتشابك الواقع وتعقيد المسائل والقضايا، ودخول أبعاد محلية وعالمية في الموضوع، وتحديد أين تكمن مصلحة وحدة الأمة وحفظ هويتها، مع الموازنة بين هذا كله والأخطار الخارجية التي تتهدد وحدتها وتستهدف مقدراتها، واختلاف وجهات النظر إزاء هذا كله!!.

همسة عتاب للقرضاوي
وفي هذا المقام الذي أكتب فيه متضامنا مع الشيخ لا لذاته أو شخصه ـ وإن كان يستحق هذا وأكثر ـ وإنما نصرة للحق ومؤازرة له، ودحضا للباطل وتحقيقا للمصلحة ـ أود أن أهمس في أذن الشيخ الإمام بأنه ما كان يليق بمنزلته ومكانته أن يتجرد شخصيا، وينزل عن مكانته السامقة ليتولى بنفسه الرد عليهم، فكان يكفي أن يقوم تلاميذه أو تلاميذ تلاميذه ـ وما أكثرهم ـ بهذا الدور، ويعددوا جهاده ويبينوا تاريخه ليدحضوا به هذه الافتراءات ويردوا بها على تلك السفاهات؛ لأن في تجرد الشيخ للرد مجانبة للتوفيق ـ في تقديري ـ من وجهتين:
الأولى: أن الشيخ وارد عليه الخطأ، ولو أخطأ هنا فلا مجال للاعتذار، ولو اعتذر فربما يكون خصما من رصيده في قلوب الأمة، واهتزازا لمكانته في العالم الإسلامي، أما لو أخطأ أحد تلاميذه ففي هذه الحالة يقوم هو بالاعتذار عنه ويبين الموقف الصحيح، وقد رأينا أن حسين فضل الله تولى بنفسه الرد أول مرة، ثم بعد ذلك كان الرد من مدير مكتبه.
والوجهة الثانية: أن الشيخ ـ حفظه الله ـ تكلم في هذا البيان عن تاريخه وجهاده في نصرة الحق، وفتاويه في مؤازرة المقاومة، وخطبه ومحاضراته في دعم مسيرة الأمة وحفظ وحدتها، وأخشى ـ وهذا هو الأخطر وما يَحْذرُه الشيخ (راجع كلمته في الجلسة الافتتاحية لملتقى الإمام القرضاوي ... مع التلاميذ والأصحاب يوليو 2007م) ـ أن ينال استعراضُ هذا كله من ثواب الشيخ عند الله، أو يتداخل النفسَ البشرية بعضُ الشعور بالمن وإظهار الفضل وتزكية النفس، وإن كنت أستبعد أن هذا الشعور يمكن أن يخامر نفس الشيخ، أو تتوارد عليه هذه الهواجس، لكن حرصا على مكانة المسلم فضلا عن العالم عند الله، وثواب العمل والجهاد المتواصل، كنت أود أن يبين هذا التاريخَ ويعدد هذا الجهادَ تلاميذُه ومحبوه، ولا شك أنهم كانوا فاعلين لولا مبادرة الشيخ بالرد على ما قيل.

مستقبل التقريب
في ظل هذه الأجواء ما هو مستقبل العلاقة بين أهل السنة وأهل الشيعة، وبخاصة بعدما توترت العلاقات بين أبرز رموزهم الذين كانوا يدعون للتقريب، ويتبنون ثقافة الحوار، ومسالك الوحدة بين المذاهب داخل حظيرة الإسلام؟
هل ستضعف فكرة التقريب بناء على اهتزاز العلاقة بين الرموز، أم هل ستنتهي فكرة التقريب تماما ويعمل كل فريق على شاكلته بما يلائم ظروفه وواقعه ومشروعه، أم أن فكرة التقريب بين المذاهب لن تتأثر بهذه التناوشات وتلك التراشقات، وما هي إلا سحابة صيف ثم تنقشع، و"تعود المياه إلى مجاريها"؟.
أتوقع أن العلاقة سوف تهتز وبخاصة بعدما جرى في مؤتمر التقريب الأخير في الدوحة بناء على ما جرى في العراق، ثم ما حدث على فضائية الجزيرة بين القرضاوي ورفسنجاني، ثم كانت الأزمة الأخيرة.
ومن المستبعد أن تعود العلاقة كما كانت من قبل بعد هذه المطبات والمحطات المتباينة اهتزازا واضطرابا وتجسيرا للتباعد والتدابر، واختلافا بين رموز أهل السنة أو رمزها الأكبر متمثلا في القرضاوي، وبين مراجع الشيعة ومن أبرزهم فضل الله والتسخيري..
ومن هنا إذا أردنا للتقريب أو الحوار أن يواصل مسيرته أو يستعيد عافيته فيجب أن يكون بضوابط جديدة، وعلى أسس مختلفة تحقق نتائج عملية واقعية مباشرة بعيدا عن المجاملات وكلام الدبلوماسية المقيت، ولا يمنع أن يكون هناك حوار في بعض المسائل العقدية والأصولية التي هي أساس هذا الخلاف، وبذلك يكون عندنا اتجاهان في حوار التقريب:
الأول: المسائل النظرية والعقدية والأصولية، وهذه يليق لها البحث العلمي الرصين، والدراسة المجردة من كل أهواء وتعصب، وتكون نتائجها ملزمة للطرفين، وساعتها ستتبين صدق النوايا في الرغبة الصادقة في الحوار من أجل التقريب.
والثاني: قضايا واقع الأمة السياسية والاجتماعية وغيرها، وهذه يليق لها ورش عمل عملية بعيدا عن النظر الفلسفي المجرد، وهذه خطوة ستنبني على نجاح الأولى، وتخرج هذه الورش بنتائج حاسمة يلتزم بها الجميع، هذا كله مع اعتبار المصالح العليا للأمة، وإلا فلا أتوقع أن تقوم للحوار أو التقريب بعد ذلك قائمة.

60 وصية عملية في حقوق الأبناء على الآباء


60 وصية عملية في حقوق الأبناء على الآباء

وصفي عاشور أبو زيد
"الأسرة المسلمة الصالحة" أحد محاور المشروع الفكري لأستاذنا الدكتور صلاح الدين سلطان، أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم بالقاهرة، وقد أصدر في ذلك: "الحياة الزوجية في الغرب، مشكلات واقعية وحلول عملية"، و"الألفة بين الزوجين"، و"مفاتيح الحب القلبي بين الزوجين"، و"مخاطر العولمة على الأسرة عالميا وإسلاميا وعربيا وسبل الوقاية والعلاج"، وها هو يستكمل هذا المحور فيكتب عن علاقة الأبناء بالآباء من خلال ستين وصية عملية تجب على الآباء والأمهات لأبنائهم وبناتهم، وهي وصايا تمس الحياة العملية المعاصرة، وتتصل بالواقع المعيش.
ويأتي هذا الكتاب في وقت تسعى فيه العولمة لتفكيك الأسرة وتحللها من الدين والخلق والقيم والأعراف الاجتماعية الأصيلة، ومن ناحية أخرى ليُصلح من حال البيوت التي تحولت من محاضن للتربية إلى "زرائب" أو حظائر للتسمين والعلف، فكم من أبٍ تحول من مربٍّ إلى مموِّل، وكم من أمٍّ تحولت من مربية إلى خادمة!!.
وقد تكلم عن حقوق الأبناء؛ لأنه من الشائع ـ كما يقول هو ـ في عالمنا اليوم "الحديث عن حقوق الأقوياء من ذوي السلطة حكاماً ومدرسين، وأغنياء وآباء، ويقل - إن لم يندر- الحديث عن الضعفاء من المحكومين والفقراء والأبناء، ومن هنا آثر أن يبدأ بالحديث عن حقوق الأبناء على الآباء، قبل الزواج، ثم قبل الولادة، وبعد الولادة إلى الطفولة المبكرة، ومنها إلى البلوغ، وما بعد البلوغ إلى تمام الرشد، وأخيرا من تمام الرشد إلى الشباب".
ويقسم المستشار الشرعي للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمملكة البحرين بحثه إلى مطلبين: الأول عن الواجبات الإيمانية، والثاني عن الواجبات العملية، ويقسم المطلب الثاني إلى ست مراحل: مرحلة ما قبل الزواج، ومرحلة ما قبل الإنجاب، ومرحلة ما بعد الولادة حتى الطفولة المبكرة، ومرحلة من الطفولة المبكرة إلى ما قبل البلوغ، ومرحلة ما بعد البلوغ إلى تمام الرشد، ومرحلة من تمام الرشد إلى الشباب.

الواجبات الإيمانية
وانطلق المؤلف من الواجبات الإيمانية العملية التي تجب على الآباء والأمهات لأبنائهم وبناتهم؛ لما لها من أهمية تأسيسية في العلاقات البشرية بشكل عام، والعلاقات الأسرية بشكل خاص، وعلاقة الآباء مع الأبناء بشكل أخص، وقد وضع لهذه الواجبات سبع وصايا عملية:
1ـ اعتقاد ضعف الإنسان في احتياجه للولد، فالله وحده هو الذي استغنى بنفسه عن الشريك والولد، لكن الإنسان مهما أوتي من السلطة والمال، والعلم والأنفال، فسيبقى فقيرا إلى أن يكون له ولد يعينه في كل حال، ويخلفه بعد المآل.
2ـ اعتقاد أن الولد نعمة من فضل الله، ومنته وليس بحول الإنسان وقوته.
3ـ اعتقاد أن بعض الولد نقمة، وذلك إذا كانوا بعيدين عن الله؛ فيرهقون الأبوين في الدنيا حتى لو كانا مؤمنين، ولا يغنون عنا شيئا عند الله يوم القيامة.
4ـ اعتقاد أن الولد مداد للخير، وحجاب من النار.
5ـ اعتقاد أن الأولاد لا يحملون أوزارنا يوم القيامة؛ فيجب أن تنصرف همة الأبوين أولاً إلى إرضاء الله قبل الأولاد، وأن يكون حبهم واسترضاؤهم تالياً وتابعاً لحب الله تعالى.
6ـ اعتقاد أن الولاء للأولاد مرتبط بولائهم لرب العباد، فإن شبوا على الكفر والعناد والشقاق والنفاق، فيبالغ الأب في دعوتهم لكنه يعلن براءته منهم، فإن كانوا مسلمين صالحين فيجب أن يبقى حبهم في درجة أدنى من حب الله ورسوله والجهاد في سبيله.
7ـ أن يقلب الأبوان وجهيهما في السماء ويَدْعُوَا؛ لتكون الأسرة كلها في أعلى الجنان.

الواجبات العملية
وهذه هي الواجبات العملية التي تتوزع مراحل العمر المختلفة، وقد قسمها المؤلف إلى ست مراحل كما سبقت الإشارة:

أولا: مرحلة ما قبل الزواج:
وفيها ثلاث وصايا على النحو التالي:
8ـ المبالغة في التقرب إلى الله ومجاهدة النفس والصراع مع الشيطان، والاقتراب من صبغة الله، ليحظى كلٌ بهداية الله في حسن اختيار الأم أو الأب للأبناء.
9ـ التعفف من الطرفين، الشاب والفتاة، حتى يغنيهم الله بالحلال الطيب.
10ـ التدقيق في اختيار ليس شريك الحياة فقط، وإنما الأب أو الأم الصالحين للأولاد أيضا؛ حيث ثبت من النقل والعقل والشرع والعلم أن الأخلاق بأنواعها تورث، والطبائع تنتقل بين الأجيال.



ثانياً: مرحلة ما قبل الإنجاب:
ويذكر فيها المؤلف ست وصايا:
11ـ أن يصل الأبوان إلى منهجية واضحة في الحب القلبي والتفاهم العقلي والتناغم الجسدي؛ حيث إن ذلك يعتبر حجر الزاوية في إصلاح الأولاد قبل مجيئهم، والنموذج العملي أكبر مؤثر في نفوس الأبناء.
12ـ استدامة التضرع والدعاء مع الرقة والذلة والرجاء أن يرزقنا الله من خيرة الأبناء ما تقر بهم العيون، وتنشرح بهم الصدور.
13ـ الاستحضار الدائم للذكر في معاشرة الرجل لزوجته، لحفظ أولادنا من مس الشياطين.
14ـ الرفق الشديد بالأم في فترة الحمل يهدئ من روعها، ويمسح على قلبها، ويطيب قلبها بما يجعل فترة الحمل تخلو من العصبية والحدة، وهذا يؤثر عصبيا على الجنين.
15ـ كثرة قراءة القرآن والأذكار في فترة الحمل يطبع على شرائح العقل وحبات القلب هذا النور الرباني؛ فقد ثبت علميا أن الأولاد الذين كانت أمهم تقرأ وتسمع القرآن أثناء فقرة الحمل حفظوه سريعا، واستوعبوا النصوص أسرع من غيرهم.
16ـ الاستعداد لاستقبال الأولاد بالعلم قبل العمل بقراءات متعمقة، ودورات موثقة، على أيدي ذوي علم وتجربة، وهو أهم من شراء احتياجاته المادية.

ثالثاً: مرحلة ما بعد الولادة حتى الطفولة المبكرة:
ويذكر فيها ست وصايا أيضا:
17ـ الشكر لله والثناء عليه لاكتمال الولادة وتمام العافية، فتسجد الأسرة كلها على نعمة الولد، على أن يكون الحمد من أعماق القلب متساويا في الرزق سواءً بالذكر أو بالأنثى.
18ـ اتباع سنن الولادة والفطرة من الأذان في أذنه اليمنى، والإقامة في أذنه اليسرى، وباقي أحكام المولود التي فصلها ابن القيم في كتابه تحفة الودود بأحكام المولود.
19ـ الحرص الشديد على إكمال الرضاعة سنتين كاملتين لتكتمل الصحة النفسية والجسدية لهذه المرحلة ذات الأهمية الخاصة في التأسيس لحياة طويلة، وقد أراد الله أن نصل إلى التمام: "لمن أراد أن يتم الرضاعة"، وأن ما دون ذلك قصور ونقص وحرمان.
20ـ استصحاب منهجية "يرتع ويلعب"، فمن حق الولد في هذه المرحلة أن يجد القوت المتنوع المناسب، والألعاب التي تُفْرح قلبَه وتدخل السرور إلى نفسه؛ لينمو جسده مع عقله ووجدانه نموًّا طبيعيًّا.
21ـ تعريف الأولاد على الله ربًّا قبل أن نعرفهم على الله إلهًا؛ ولذلك كان الهدي النبوي ألا نأمر الأولاد بالصلاة إلا بعد بلوغهم سبع سنوات؛ ليكون تعريفهم على الله رباً فياضاً في العطاء، لتؤسس العلاقة مع الله على الحب قبل الخوف من عقابه.
22ـ تقديم قصص قصيرة من حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنبياء الله لتحقيق أمرين: حب الله تعالى لأنبيائه وحبهم له، ثم صفاتهم الأخلاقية الراقية التي اتصفوا بها.

رابعاً: مرحلة من الطفولة المبكرة إلى ما قبل البلوغ:
وفيها سبع عشرة وصية:
23ـ تأكيد الربوبية في نفوس الأولاد مع الألوهية، في التذكير بالواجبات الشرعية الأصلية، وتعليمهم ما لا تصح عبادتهم إلا به سواء من خلال جلسات أسرية، أو مسجدية، أو دورات خفيفة، أو مخيمات مرحة، أو قراءات شخصية.
24ـ حسن تقديم المكارم الأخلاقية من خلال القدوة العملية أولا، ثم القصص والنصوص الموحية ثانيا، والصحبة الراقية، والملاحظة الواعية، ثم الإشارات المعبرة، والمحاسبات الخفيفة، والعقوبات التربوية.
25ـ اصطحاب الأولاد إلى المساجد ومجالس العلم وحلقات التحفيظ، وضمهم إلى برامج تربوية متنوعة وشاملة.
26ـ الدقة والسخاء معاً في اختيار أحسن المدارس للأولاد التي يُفضَّل فيها الأدب على العلم، والتربية على الثقافة، والأصول على الفروع، والمضمون على الشكل.
27ـ توفير مناخ لصحبة صالحة للأولاد من خلال الأصدقاء المقربين، والأقارب المحبوبين، والمدارس المتميزة، والسكن في المناطق الراقية أخلاقيا، وليس فقط ماديا.
28ـ تكوين شخصية الطفل في البيت بإنشاء مجلس شورى الأسرة ليجتمع الأولاد أسبوعيا على قراءة آيات من القرآن والأحاديث والسيرة النبوية والآداب الأخلاقية والمشاورات العائلية.
29ـ اكتشاف مواهب وقدرات الطفل الرياضية والفنية والفكرية، وإلحاقه بنوادٍ أو جمعيات أو مجموعات تُنضج مواهبه، وتزكي قدراته، وتضاعف ثقته بنفسه.
30ـ الخروج المنفرد مع الطفل مرة كل أسبوعين على الأقل، ساعة أو ساعتين ينفرد الأب والأم أو كلٌّ على حدته بالطفل في خروج يتسم بالحب والصحبة، والتلقائية في التعبير مع مشرب أو مأكل في مكان يحبه الطفل.
31ـ أن يكون التأديب مشفوعاً بالحب والإشفاق، وبيان المحاسن، وعدم الرضا عن السلبيات، والوصول إلى أن يقتنع بالعقوبة، وخطورة هذا الخلل عليه دنياه وآخرته.
32ـ أن يجدد الآباء معلوماتهم عن تطور النمو عند الأطفال في الجوانب النفسية والجسمية والاجتماعية.
33ـ عدم ترك تربية البنين والبنات للخادمات، فكم من طفل يستجدي أباه أن يجلس معه ليشعر بأبوته الحانية وتربيته الواقية.
34ـ الاتفاق على المعايير الشرعية لمواجهة أخطاء الآخرين، ويكون معيار الصواب والخطأ هو النص القرآني والهدي النبوي.
35ـ رعاية العدل بين الأولاد وبذل الفضل لهم.
36ـ الاتفاق في مجلس الأسرة على الأولويات، وهي أربعة بهذا الترتيب: أرقى علاقة مع الله تعالى، أرقى المكارم الأخلاقية مع الناس، أرقى مستوى تعليمي، الكفاية والسعة المادية.
37ـ الاتفاق في مجلس الأسرة على الواجبات التعليمية، وهي خمسة: حفظ آيات من القرآن، مراجعة ما تم حفظه سابقا، مذاكرة ما تمت دراسته في اليوم نفسه في المدرسة، حل الواجبات المدرسية، تحضير ودراسة ما ستتم دراسته غدا.
38ـ تحديد أوقات اللعب؛ حيث تكون بعد الانتهاء من الواجبات، وبحضور أحد أفراد الأسرة مع الحوار حول البرامج الهادفة من الهابطة؛ لإيصال الأولاد إلى قناعة شخصية بالعزوف عن السفاسف، وحسن اختيار البرامج، دون ملاحقتهم والضغط عليهم.
39ـ أن يرى الأبناء غاية البر وتمام الرعاية منا للأجداد والجدات، مما يؤثر عمليا في تربية أبنائنا على البر بنا.

خامساً: مرحلة ما بعد البلوغ إلى تمام الرشد:
وفيها يذكر الدكتور صلاح سلطان أربع عشرة وصية:
40ـ المصاحبة والنصيحة والتناصح والتصحيح، وهو عنوان هذه المرحلة، وإلا كان البديل المشاحنة والفضيحة والتجريح.
41ـ من الضروري غض الطرف عن بعض الصغائر (مع كثرتها) والتركيز على علاج الكبائر، توفيرا لجهد تعالج فيه الكبائر لخطورتها.
42ـ الأب والأم الناجحان تربويا يعلمان أولادهما في هذه المرحلة معايير الاختيار للأصدقاء والكتب والتخصصات والأزواج، ويتركون لهم الاختيار وفق هذه المعايير.
43ـ لا يستغني أبٌ أو أمٌّ راشدان عن دراسة التغيرات الهائلة نفسيا وجسديا والضغوط الاجتماعية من الإعلام والأصدقاء والمجتمع والسياسة، مما يحتاج إلى معالجات جديدة ليست كلها من الموروث عن الآباء والأجداد وإنما من المناسب للواقع والتحديات.
44ـ ربط التصرفات بالحلال والحرام التي تُرضي أو تُغضب الرحمن، وليس فقط بمفهوم "العيب" الذي يُغضب الناس.
45ـ في مرحلة ما بعد البلوغ يعد أفضل مدخل لتثقيف أولادنا جنسيا دراسة التطورات النفسية والجسمية والجنسية والعواطف القلبية من خلال الفقه الإسلامي المتعلق بالطهارة والغسل والتزام الواجبات الأصلية، ومن الخطورة ترك الأولاد بدون هذه الثقافة الشفافة، فيملئون الفراغ من مستنقعات قذرة تفرض نفسها على شبابنا.
46ـ الثناء على الإنجازات مهما قلت، والتشجيع على تجاوز العقبات مهما اشتدت، وتجنب لغة اللوم المستمر والإحباط الدائم.
47ـ يجب تجنب الإحراج أمام الأشقاء أو الأصدقاء أو الأقارب، فإن ذلك من أعنف المؤثرات السلبية على هذا السن خاصة.
48ـ غض الطرف مع الملاحظة؛ فمن الضروري جدا إذا اكتشف الأبوان أو أحدهما من غير تجسس ولا تحسس أن هناك علاقة للابن/الابنة مع الجنس الآخر أو صور غير لائقة أو خطابات غرامية أن يغضوا الطرف قليلا مع التذكير من بعيد بحب الله ومراقبته سبحانه، وملاحظة التغيير، فإن لم يكن فحوار خاص آخر خارج البيت من أحد الأبوين.
49ـ يجب أن يكون هناك دائما ربط الطلبات بتحقيق الإنجازات.
50ـ تعويد الأبناء على العطاء الإيجابي وليس الاستهلاك السلبي، والمشاركة في الأعمال التطوعية.
51ـ يلزم لهذه المرحلة زيادة التشاور مع الأولاد وإبداء الرأي، وقيادة الأسرة في رحلة أو في نزهة، وأن يتولى كل واحد منهم مصروف البيت شهرا، لتأكيد الثقة في الأبناء، وتدريبهم على الاعتدال وترك التقتير أو التبذير.
52ـ يجب إعادة التأكيد المستمر والتذكير الدائم بأولويات الأسرة في تحقيق أرقى علاقة مع الله، وأفضل خلق مع الناس، والتفوق العلمي، بشرط أن يكون الأبوان نموذجين في هذه الجوانب.
53ـ استحداث مشاريع أسرية حسب طاقة الأسرة ومنها: حفظ القرآن الكريم، وحفظ حديث من كل باب من رياض الصالحين، ودراسة السيرة النبوية، وتاريخ الخلافة والحضارة الإسلامية، أو مشاريع مساعدة عدد من الأيتام، ونحو ذلك.

سادسا: مرحلة من تمام الرشد إلى الشباب:
وفيها باقي الوصايا الستين وهي سبعة:
54ـ الأبوة الحانية والأمومة الراقية؛ حيث يظل أبناؤنا مهما استطالت أجسامهم، وتوسعت معارفهم، وانتشرت حركتهم، في حاجة إلى أمومة حانية وأبوة حكيمة، وإشعارهم بالاعتزاز والفخار بهم.
55ـ الحث على استمرار التعلم، وأن نهيئ لهم ما يساعدهم على الاستقرار المادي، وأن نبذل قصارى جهدنا في مساعدتهم على العفة والزواج، ويمكن أن نعرض عليهم بعض النماذج الصالحة دون أن نلزمهم باختياراتنا.
56ـ الانتباه إلى الغيرة في مرحلة الخطبة، فإذا خطب الابن أو خطبت البنت يجب على الآباء والأمهات أن ينتبهوا إلى الغيرة الفطرية التي تدفعهم إلى تصرفات غير سوية؛ يحرجون بها الأبناء، مما يجعلهم في مأزق بين إرضاء الأب والأم، أو الزوج والزوجة.
57ـ الاستقلال الإداري بعد الزواج، وهو ما يجب قوله بأعلى صوت لكل أب أو أم، فإذا تزوج الأبناء والبنات، فأعطوهم فرصة إدارة حياتهم بأنفسهم ولا تتدخلوا إلا بنصيحة خفيفة وليس بإدارة كثيفة، وعدم السؤال عن تفصيلات حياتهم؛ فإن ذلك يؤذي كلاًّ منهم.
58ـ لا يقل عما سبق أهمية الاستقلال الاقتصادي لأبنائنا وبناتنا بعد الزواج بأن يكون لهم طموحهم المادي المستقل.
59ـ آداب الزيارة بعد الزواج، فزيارة الأبناء والبنات بعد زواجهم واستقلالهم فريضة يوجبها الشرع والعرف، لكن بشرط ألا يكون ذلك عبئًا عليهم في طول أو كثرة الزيارات.
60ـ أن يشعر الأحفاد من الآباء بكامل الحب وتمام العناية على ألا يكون ذلك ملاذًا عند تمردهم على توجيهات آبائهم وأمهاتهم.
وهكذا تختم الوصايا الستون، أو الواجبات الستون العملية التي هي على الآباء والأمهات لأبنائهم وبناتهم، يوردها المؤلف، ثم يستشهد لها من نصوص القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة، وأقوال علماء السلوك والأخلاق، مستصحبا الأعراف العربية الأصيلة ذات المروءة والنجدة والوفاء، وهي واجبات حية وواقعية وعملية نلمس حاجتنا لها، كما يلمس آثارها من يقوم بها أو ببعضها، "ولعل البداية المبكرة تؤدي إلى الوقاية المعمرة، بدلا من الجراحات المؤثرة، في بيوتنا الزاخرة، بألوان من التصرفات المرضية والنافرة".

هنية للشعب الفلسطيني: حق لكم أن تفرحوا رغم الجراح والآلام

في خطبة عيد الفطر
هنية للشعب الفلسطيني: حق لكم أن تفرحوا رغم الجراح والآلام

وصفي عاشور أبو زيد
"اليوم تشرق الأرض بنور ربها على أرض فلسطين، وقد أكرمنا الله بعيدين يوم الجمعة ويوم عيد الفطر، وهي بشائر الخير في شرعة الإسلام وأمة الإسلام، فحُقَ لكم هنا على أرض فلسطين أن تحتفوا بأعيادكم رغم الاحتلال ورغم الآلام، رغم الجراح رغم العذابات رغم الفراق رغم التشر رغم اللجوء رغم الإبعاد، حق لكم أن تحيوا سنة نبيكم، وأن تحتفوا بأعيادكم، وأن تكبروا الله على ما هداكم".
بهذه الكلمات بدأ إسماعيل هنية خطبته لعيد الفطر المبارك يوم الجمعة الماضية في ملعب فلسطين بغزة في فلسطين.
تغييب رموز الشرعية وفرض الحصار
وقال: هذا هو العيد الثاني الذي يأتي على فلسطين ورموز الشرعية الفلسطينية مغيبون في غياهب السجون الصهيونية على رأسهم رئيس المجلس التشريعي عزيز الدويك وإخوانه النواب والوزراء؛ لأنهم أبوا إلا أن يكونوا رجالا لفلسطين، أو يعطوا الدنية في الدين، أو يوقعوا صك التنازل عن الأرض أو اللاجئين، تغيبوا لأنهم أرادوا أن يقيموا نظاما سياسيا فلسطينيا خاليا من الفساد والرشاوى والابتزاز، والفساد السياسي والمالي والإداري.
وأضاف أن هذا هو العيد العيد الثالث والحصار الظالم مفروض على هذا الشعب، حيث إن قوى دولية، وللأسف محلية وراء هذا الحصار الذي جاء بعد انتخابات حرة ونزيهة، شارك فيها الشعب الفلسطيني، وقدم نموذجا عظيما في الاختيار والاقتراع والديموقراطية وحرية الإرادة، فأفرز ما أفرز على أرض فلسطين، لكن القوى الظالمة التي تتشدق بالديموقراطية وحقوق الإنسان هي التي أدارت ظهرها لهذه المعاني، وضربت بها عرض الحائط، ولم تحترم إرادة الشعب وتآمرت عليه وفرضت حصارا جائرا.
وأردف أنه العيد المائة أو ربما الألف الذي يأتي على فلسطين وأكثر من عشرة آلاف من أبطالها الذين قدموا زهرة شبابهم وضحوا بالغالي والرخيص مغيبون في سجون الاحتلال الإسرائيلي، ومنذ أكثر من ستين عاما وشعبنا يعاني من الشتات واللجوء في الدول المختلفة: سوريا لبنان والأردن ونهر البارد وغيرها، حيث كتب على هذا الشعب التشرد والشتات وأن يخرج من أرضه: بيت المقدس وأكناف بيت المقدس.
وزاد: أنه العيد الستين الذي يمر علينا وما زالت القدس أسيرة، والأقصى يئنّ تحت وطأة الاحتلال، وما زال المسلمون محرومين من الصلاة فيه، ومع كل هذه التحديات والجراحات صبر شعبنا وصمد في وجه كل الأعاصير، فما انكسرت له إرادة، وما لانت له قناة، وما وهنت له عزيمة، بل قدم الآلاف من الشهداء والقادة العظام من أجل أن تبقى الرايات خفاقة والهامات مرفوعة، والصوت مجلجلا: لا وألف لا للتنازل عن أي شبر من فلسطين والقدس والأقصى، أو التنازل عن حق عودة اللاجئين إلى ديارهم.

مؤتر السلام ومسلسل التنازلات
وأشار هنية في خطبته إلى مؤتمر السلام المزمع انعقاده في الفترة القادمة، وقال: إن هذا المؤتمر يحمل في ثناياه مخاطر جمة على القضية الفلسطينية بل على المنطقة العربية والإسلامية، فالأمريكان والصهاينة يريدون من هذا المؤتمر أن يكون خطوة على طريق التنازلات على حساب القدس والأقصى واللاجئين، وأن يكون مناسبة للتطبيع مع دولنا دون أن يقدموا شيئا، وأن يكون غطاء لسياساتهم تجاه الدول في المنطقة سواء في فلسطين والعراق، أو لبنان وسوريا وأخيرا إيران. يريدون من الدول العربية أن تبارك هذه السياسات التي تستهدف ضرب الأمة والقضاء على مواقع المقاومة والممانعة فيها.
ووجه هنية خطابه إلى فلسطين متمثلة في رئيسها أبي مازن وللحكام العرب قائلا: إياكم أن تنخدعوا أو تقعوا في شرك دعاوى السلام لتنازلات جديدة في أي من قضايانا الرئيسية، ولا تمنحوا الاحتلال شرعية الاحتلال على أرض فلسطين، أو تمنحوا إسرائيل حق التطبيع معكم في ظل احتلال هذه الأرض وحصار هذا الشعب وتشريد هذه الملايين من أبناء الشعب الفلسطيني.
وخص هنية مناشدته لمصر والسعودية لما لهما من عمق وأهمية ألا يمنحا الاحتلال شرعية التطبيع من خلال حضور هذا المؤتمر أو الموافقة بشكل أو بآخر على هذه السياسات الخبيثة.
وتعجب هنية أن يتوجه بعض أبناء الشعب لحضور هذا المؤتمر في ظل انقسام خطير في فلسطين، وعدم امتلاكهم لأي من أوراق القوة وأولها وحدة الشعب الفلسطيني، وأكد وجوب الالتزام الكامل بحماية الوحدة الوطنية الفلسطينية، وتوفير كل عناصر القوة لأبناء الشعب، وقال: من أجل هذا نادينا بالحوار، وما زلنا ننادي به بالرغم من كل الأصوات التي أدارت ظهرها له.
وقد كان العلامة يوسف القرضاوي قد صرح في برنامج: "يا فضيلة الشيخ" من إذاعة إسلام أونلاين مؤخرا أن الحوار بين فتح وحماس واجب شرعي لن تُحل الأزمة الفلسطينية إلا به.
تسعة مبادئ وأسس لحل الأزمة
وطرح إسماعيل هنية تسعة نقاط في خطبته يرى من خلالها الحل لما يعيشه الشعب الفلسطيني من أزمات:
أولا: الالتزام باتفاق مكة المكرمة واتفاق القاهرة ووثيقة الوفاق الوطني.
ثانيا: وحدة الضفة والقطاع ولا فصل بينهما بتاتا.
ثالثا: وحدة النظام السياسي الفلسطيني، ولا نريد أبدا أن نقيم دولة في غزة منفصلة عن بقية فلسطين، فبالرغم من عظم مكانة غزة في فلسطين والتاريخ فلن نقيم عليها كيانا منفصلا عن بقية الأرض لكننا سندير القطاع بكل أمانة ونزاهة وشرف ومسئولية حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق.
رابعا: احترام الشرعية الفلسطينية متمثلة في رئاسة السلطة والمجلس التشريعي وحكومة الوحدة الوطنية التي تأسست على اتفاق مكة المكرمة.
خامسا: احترام القانون الفلسطيني وعدم الخروج عليه أو على بعض مواده.
سادسا: إعادة بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية على أسس الوطنية والمهنية بحيث تكون خاضعة للحكومة والسلطة دون تدخل من هذا الطرف أو ذاك.
سابعا: تأسيس وإقامة حكومة وحدة وطنية مركزية قوية للضفة وغزة.
ثامنا: احترام الخيار الديموقراطي للشعب الفلسطيني.
تاسعا: العمل على إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية لتكون ممثلا لكل الشعب الفلسطيني حتى تشارك كل القوى الإسلامية الحية التي هي خارج إطاره.



معاني العيد وشهداء فلسطين
ولم يفت رئيس حكومة الوحدة الوطنية أن يذكر جماهير الشعب التي احتشدت في هذه المناسبة بقيم التغافر والتصافح ومعاني العفو والحب، فلنتغافر ولنتصافح تحت ظلال فلسطين رغم الجراحات والآلام التي يجب أن نترفع عليها حتى يستعيد الشعب الفلسطيني صورته المشرقة في الاتحاد والقوة والصفح.
ودعا كل أبناء الشعب أن يزوروا بيوت الشهداء لاستحضار فضلهم ومكانتهم، كما أكد على ضرورة الإفراج عن كافة أبناء الشعب الذين يرزحون في سجون السلطة في الضفة الغربية، ووجوب إعادة اللحمة بين الضفة وغزة، وناشد أبناء الأمة العربية والإسلامية ألا يتخلوا عن قضية فلسطين ويقدموا كل العون والمساعدة لهم وخاصة في قطاع غزة الذي يعاني من حصار ظالم؛ لأن قضية فلسطين ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، وإنما قضية الأمة العربية والإسلامية جمعاء.

الأحد، 28 سبتمبر، 2008

وحدة الأمة في القرآن الكريم


وحدة الأمة في القرآن الكريم

وصفي عاشور أبو زيد



من علامات أهمية موضوعٍ ما وروده بكثرة في القرآن الكريم، وموضوع الوحدة من الموضوعات التي حظيت باهتمام القرآن الكريم وكثرة وروده، سواء كان ذلك نصًّا بالاسم أم بالمعنى، كما لاقى هذا الموضوع رواجا كبيرا، لاسيما في واقعنا المعاصر الذي يستشهد فيه الدعاة والعلماء بآيات الوحدة ومعانيها؛ لانتشال الأمة من وهدتها، وإنقاذها من أزمتها، في محاولة للمِّ الشمل، ورأب الصدع، وإعادة الأمة إلى وحدتها وقوتها، وتسييرها على صراط دينها القويم.
وما من شك في أن تحقيق وحدة الأمة من المقاصد العظيمة لهذا الدين؛ فقد شرع لها الإسلام ما يوجدها ويزكيها، وحدد لها ما يبقيها ويقويها، وبين لها ما يتعاهدها وينميها، كما حرَّم كل شيء يأتي عليها، أو ينقضها، أو يوهنها، أو يضعفها، أو يعمل على أن تتنكب الأمة صراط القوة، وطريق العزة، وسبيل الوحدة بين المؤمنين.
فكيف ورد الحديث عن الوحدة في القرآن الكريم؟ وما هي جوانب الموضوع التي جاءت بها آياته؟ وماذا شرع الإسلام لوجودها وبقائها؟ وماذا حرم مما ينقضها أو يضعفها؟ وما هي الوسائل والطرق التي توصل لها؟ وماذا عن التدابير الوقائية من فقدها وضياعها؟ هذا ما نجيب عنه في السطور التالية.

أولا: الأمر بها صراحة
فقد أمر الله أمة الإسلام في القرآن أمرا صريحا أن تتحد وتقوى، والأمر يفيد الوجوب كما يقول الأصوليون، فقال تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران : 103].
وقال: {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام : 153].
وقال: {فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج : 78].

ثانيا: النهي عن الفرقة والاختلاف
ومع أن الآيات السابقة تضمنت النهي عن الفرقة مع الأمر بالوحدة، فإن هناك آيات نهت أيضا عن الفرقة، فقال تعالى: {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال : 46]، وقال: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران : 105]، وقال: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 31-32]، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [الأنعام : 159]، ولا يخفى ما فيه من تنفير عن التفرق والتشيع والتحزب الممقوت.

ثالثا: صور وحدة الأمة
قد ورد في القرآن الكريم بعض الصور التي يحب الله تعالى أن يكون المؤمنون فيها صفا واحدا، ويدا واحدة، وأمة واحدة، ومن هذه الصور:
1- حال الأمة بشكل عام: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون: 52]، ومثلها آية رقم "92" من سورة الأنبياء.
2- في النفير العام: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعا} [النساء : 71].
3- في القتال: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف : 4]، وقال: {وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة : 36].
4- هذا بالإضافة إلى طريقة أداء النسك في شعائر العبادات الكبرى من صلاة، وصيام، وحج، فنسكها يؤدى بطريقة واحدة، ترى فيها القوة والوحدة والتماسك؛ ولهذا نرى فيها الأمر بصيغة الجمع: { وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ}، {وَآتُواْ الزَّكَاةَ}، وكذلك في أوامر أخرى كثيرة.

رابعا: أسباب الفرقة
وردت في القرآن الكريم آيات تبين أسباب التنكب عن طريق الوحدة، والوقوع في براثن الفرقة والخلاف، ومن ذلك:
1- نزغ الشيطان واتباعه: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً} [الإسراء: 53].
2- المجادلة بغير علم: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ [الحج : 8]، {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء : 36]، {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ} [الحج : 3]، وفي الجدال بغير علم بث للتعصب، وزرع للكراهية والبغضاء.
3- إثارة الخصم، قال تعالى: {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام : 108]، وإثارة الخصم تؤدي إلى الكبر والعناد، وتهديد المجتمع بأمراض اجتماعية خطيرة.
4- التنازع والعصيان: {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران : 152]، وقال: {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال : 46]، فانظر كيف كان الفشل وذهاب الريح نتيجة حتمية للتنازع والاختلاف!.

خامسا: أسباب الوحدة
وكما بين القرآن الكريم أسباب الفرقة فقد رسم معالم الوحدة وبين الطريق إليها، فمن أسباب الوحدة:
1- طاعة الله ورسوله: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54]، ولا شك أن من معاني الهدايةِ: الهداية إلى طريق الوحدة والتمسك بها، وقال سبحانه: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور : 51].
2- التحاكم إلى القرآن والسنة: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء : 59]، وقال: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الشورى : 10].
3- التحدث بالقول الأحسن، وليس الحسن فقط، فإن كان هناك خياران للكلام: حسن وأحسن، وجب على المسلم أن يتخير الأحسن ويترك الحسن، ولا يخفى ما في هذا من عمل على الوحدة ونبذ للفرقة، ودحض لأحابيل الشيطان {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً} [الإسراء : 53]، وقال: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} [البقرة : 263].
4- الجدال بالتي هي أحسن، خاصة مع المخالفين: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت : 46].
5- الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل : 125]، وقال: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} [البقرة : 269]، فالدعوة من خلال الحكمة يكون بتقدير الأمور تقديرا حسنا، فيراعي الأولويات، ويقدم ما من حقه التقديم، ويؤخر ما من حقه التأخير، والموعظة الحسنة لترقيق القلوب، فالحكمة للعقل والموعظة للقلب، وهذا من شأنه أن يحقق الوحدة.
6- الإصلاح بين الإخوة: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات : 10]، وفيه من تقوية نسيج الصف المسلم الاجتماعي ما لا يخفى.
7- التبين والتحقق من الادعاءات والأخبار: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات : 6]، وعدم التبين يؤدي إلى اتهام الآخرين بما ليس فيهم؛ ما يؤدي إلى حالة من البلبلة والفتنة في المجتمع، وفي قصة الإفك خير شاهد.
8- الإعراض عن اللغو: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص : 55]، وقال: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً} [الفرقان : 72]، ففضول الكلام وكثرته تؤدي إلى الوقوع في الأخطاء الأخلاقية والاجتماعية.
9- العفو والتسامي عن الجاهلين: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف : 199]، وقال: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً} [الفرقان : 63]، فالاشتباك مع الجاهلين يعطل عن إنجاز المهام، والوقوع في الشقاق والتنازع.
10- دفع السيئة بالتي هي أحسن: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} [المؤمنون : 96]، وقال: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت : 34]، وبين جزاء هذا السلوك في الآخرة فقال: {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ} [الرعد: 22-23]، وقال: {أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [القصص : 54].
11- الكفر بالطاغوت والإيمان بالله: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة : 256].
وبهذا يكون القرآن قد رسم صورة متكاملة عن الوحدة؛ فقد أمر بها، ونهى عن ضدها، وبين أسباب الفرقة، ورسم الطريق للوحدة وسبل الوصول إليها.
وإذا كنا ذكرنا أربعة أسباب للفرقة والاختلاف، فقد ذكرنا أحد عشر سببا للوحدة والتماسك والتلاحم، وفيه إشارة إلى أن القرآن ركز على الأمر الإيجابي، وهو ذكر أسباب الوحدة دون التركيز أو التفصيل في الأمر السلبي، وهو أسباب الفرقة.
وفيه درس للدعاة والمصلحين أن يزرعوا في الناس الخير والرشاد والوحدة، وسوف يتولى الخير تلقائيا مطاردة الشر، ويعمل الرشاد على نفي الغي، وتقوم الوحدة بالقضاء على النزاع والفرقة؛ متى زرعنا هذه الإيجابيات بفهم وعلم وحكمة، ويقين وتجرد وإخلاص.

باحث دكتوراه في مقاصد الشريعة - كلية دار العلوم بالقاهرة