الاثنين، 29 سبتمبر، 2008

الصيام لجام الشهوات الأربع


الصيام لجام الشهوات الأربع
وصفي عاشور أبو زيد
Wasfy75@hotmail.com
يهل رمضان من كل عام وتهل معه الخيرات والبركات، وتتضاعف فيه التنزلات والفيوضات؛ فتفيض فيه المشاعر، وتشف فيه النفس، ويرق فيه القلب، وتقترب فيه الدمعة، ويتكافل فيه المسلمون، وتتوحد فيه الأمة، ويكون المسلم أقرب ما يكون إلى مولاه جل وعلا: "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ". البقرة: 186.
وللصيام فوائد عظيمة على أنحاء كثيرة ومتنوعة، وحسبنا من ذلك أن الصيام لجام الشهوات الأربع: شهوة البطن، وشهوة الجنس، وشهوة الغضب، وشهوة الكلام؛ فالصوم مدرسة لعلاج هذه الشهوات الموجعة للفرد وللأسرة وللمجتمع وللدولة وللأمة وللعالم كله؛ فلا غرو أن يكون الصوم هو هذه "الكبسولة" الربانية التي تعالج الشهوات النفسية، وتعالج أكبر هذه الشهوات في وقت واحد، هذا هو موضوع كتاب: "الصيام لجام الشهوات الأربع" للأستاذ الدكتور صلاح الدين سلطان، المستشار الشرعي للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمملكة البحرين وأستاذ الشريعة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، الذي يبين فيه كيف يكون الصيام منهجا للإصلاح في حياة الناس.
ويقسم المؤلف كتابه إلى ثلاثة مباحث، المبحث الأول: آثار الشهوات الأربع بدون لجام، والمبحث الثاني: أثر الصيام في تهذيب شهوات المسلم والمسلمة، والمبحث الثالث: البرامج العملية لتحصيل لجام الشهوات الأربع.

آثار الشهوات الأربع بدون لجام
ولا يتصور المسلم بدون لجام لشهواته إلا جسدا، الشكل شكل إنسان والروح روح حيوان، بل أضل سبيلا. ومن أهم التدابير الشرعية التي شرعها الله تعالى للجم هذه الشهوات هو الصيام.
فشهوة الطعام لها آثار مدمرة للأسرة والمجتمع من انفلاتها بلا لجام، وحسبنا من ذلك أنها تؤدي إلى السمنة ذات الآثار الصحية الخطيرة والكثيرة والتي تزيد عن خمسة وعشرين مرضاً عضالاً، منها جلطات القلب وضغط الدم، والتهابات المرارة والمفاصل والسرطان في القولون والمستقيم والبروستاتا والرحم والثدي والمرارة وأمراض النقرس، والسكر، والحساسية والحكة، وتذهب الفطنة، وتؤدي إلى الكسل عن الحركة والعمل والإنتاج.
وشهوة الجنس التي تعتبر أكبر تجارة في العالم اليوم إذا تركناها بلا لجام فإن لها آثارا خطيرة، ويذكر الدكتور صلاح إلى أن آخر التقارير لمنظمة الصحة العالمية تشير إلى أن الأمراض الجنسية هي أكثر الأمراض انتشارا في العالم، وأنها أهم وأخطر المشاكل الصحية العاجلة التي تواجه دول الغرب، فعدد الإصابات في ارتفاع مستمر في كل الأعمار خصوصا في مرحلة الشباب، بالإضافة إلى أمراض أخرى مثل: الهربس، القرحة، الرخوة، الورم البلغمي الحبيبي التناسلي، الورم الحبيبي، ثآليل التناسل، المليساء المعدية، التهاب الكبد الفيروسي، إلى غير ذلك من فطريات وطفيليات الجهاز التناسلي التي تصيب ملايين الناس.
وأما شهوة الغضب التي تعتبر جمرة من النار يلقيها الشيطان في قلوب وعقول الناس؛ فنجد خلافات على أشياء قليلة جداً صارت سبباً في مجزرة للبشر مثلما نشر عن غضبة فلاح قام بقتل جاره لأنه ضرب حماره عندما أكل شيئاً قليلاً من حقله، وأخذا بالثأر قُتل صاحب الحمار والجار، وعاش الحمار، ولو حققنا أكثر حالات الشقاق والطلاق فسنجد أن الغضب بلا لجام هو الذي حوَّل الحياة السعيدة إلى نار مستعرة ثم الانفصال، وأحياناً الاعتداء بشكل مريع على الزوجة أو من الزوجة على زوجها، وهي وراء أكبر من هذه الجرائم؛ فالاتحاد السوفيتي قتل أكثر من 19 مليون شخصاً لتأسيس الإمبراطورية السوفيتية، والحرب العالمية الأولى والثانية حصدت ما يزيد عن 20 مليوناً، وقتلت فرنسا في الجزائر أكثر من مليون ونصف، والحرب على العراق وأفغانستان وفلسطين والصومال والشيشان وكشمير تحصد كل عام ما لا يقل عن مليون خاصة من الأطفال والنساء، وهذا بسبب الغضب بلا لجام الذي ملأ عقل ووجدان أعداء الإسلام من الصهاينة والشيوعيين والصليبين والهندوس وغيرهم.
وأما شهوة الكلام بلا لجام فكم أفسدت صداقات حميمة، وعلاقات رصينة، وعشرة قديمة، وصحبة عتيقة، فحولت الوئام إلى خصام، والتوافق إلى تشاقق، والتقارب إلى تباعد، وصلة الأرحام إلى تنابذ وانقسام، والإحسان إلى الجيران إلى التربص والهجران، مما أثار الأنانية والانعزال، وحسبنا فيها ما رواه البخاري بسنده أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً فيُرفع بها في الجنة سبعين خريفاً، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم). رواه البخاري.


أثر الصيام في تهذيب المسلمين
يقول الدكتور صلاح سلطان: "الصيام عامة وفي رمضان خاصة ذو أثر مباشر في تهذيب النفس روحيا وخلقيا وعقليا وبدنيا ليكون اللجام للنفس قويا أخذا بعنان المسلم والمسلمة من جميع جوانب انفلات الهوى، حتى يجعله عبداً ربانياً، يحمل مكارم الأخلاق ويتحلى بعقل راجح ، وبنيان قوي". ومن هنا سيتناول أثر الصيام في إصلاح الفرد في جوانبه الأربعة: الروحية، والخلقية والعقلية، والجسدية:

أولا: الجانب الروحي:
فالجانب الروحي في الإنسان هو مصدر سعادة الفرد أو شقائه، فقد يؤتَى الإنسان من نعيم الدنيا ما يشبع الجسد، وقد يتعلم من فنون العلم ما يجعله في مصاف الحكماء والعلماء، ولكن انشراح الصدر، واطمئنان القلب، وهدوء النفس لا يأتي إلا بإصلاح الجانب الروحي الذي للصيام في إصلاحه نصيب كبير.
فالصيام بآدابه وأركانه يؤدي إلى التقوى لقوله تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183)، والمسلم الذي يحب الله تعالى يداوم على الصيام فهو ينتظر شهر رمضان ليغسل نفسه غسلاً كاملاًَ من الذنوب والآثام ، ويطهر نفسه من المعاصي، وهذا يزيل الران على القلب، فإذا ما انتهى رمضان صار الصوم له إلفا ومصدر سعادة قلبية، لانشراحه برحمة الله وفضله.
كما يجد المسلم نشاطاً روحيا خاصة في شهر رمضان؛ وذلك لأن الله تعالى يقيد مردة الشياطين، ويرسل ملائكته تنادي: "يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أدبر"، وشعور العبد أن الفريضة في رمضان تعدل سبعين فريضة فيما سواه، وأن النافلة مثل ثواب الفريضة، وأنه شهر العتق من النار، والعودة إلى الله، وتحري ليلة القدر، والاعتكاف في العشر الأواخر، هذا يمثل جرعة روحية كبيرة لا تكاد تعدلها جرعة أخرى طوال العام اللهمّ إلا جرعة الحج لله تعالى .
ويؤكد الدكتور صلاح أنه إذا كان المسلم في رمضان يجد نشاطاً روحياً بالنهار لأنه يدع شهوته لله تعالى، فإنه بالليل ينعم أيضاً بهذا النشاط الروحي بقيام الليل في صلاة التراويح كل ليلة، ومن المنح الروحية في الصيام أن له دعوة ما ترد، ويظل المسلم والمسلمة ينتقل من خير إلى خير، فيزداد تعلق القلب بالله تعالى، ويقل تعلقه بالدنيا؛ فيشعر أنه بحاجة إلى خلوة مع ربه جل وعلا فيلجأ إلى الاعتكاف آخر الشهر في العشر الأواخر ليزيد حبال المودة بالرغبة والرهبة والخوف والرجاء.

ثانيا: الجانب الخلقي:
فالصيام من أهم العبادات التي توصل المسلم أو المسلمة إلى مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، وتباعد بينه وبين سفاسفها، فالصيام هو إمساك المكلف بنية عن المطعم والمشرب والجماع والاستمناء والاستقاء من الفجر إلى المغرب، وهذه تجمع الشهوات الغالبة التي تهوي بالنفس إلى مستنقع الرذيلة.
والصيام يقيم سياجاً قويا بين المسلم أو المسلمة وما حرم الله تعالى؛ فإذا كان قد غلب نفسه، وحرمها من الحلال الطيب في الأصل في وقت معين بنية وعزيمة واستعانة بالله تعالى، فهو لا شك أقدر على الامتناع عن الحرام في كل وقت وحين، ومن أجل هذا يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه". رواه البخاري.
والصيام يحرر المسلم أو المسلمة من داء الشح وهو مرض عضال يُهلك أي إنسان، والصيام يعوّد المسلم خلق العفة والطهارة، ويحجب عنه هواجس النفس وثوران الشهوات؛ ولهذا كان الصيام مستحبا لكسر الشهوة كما سبق حتى لا تستعبده شهوة الفرج، وبريق ماء وجهه في السعي وراء المحرمات، وتنتهك عرض العفيفات فينقلهن إلى دائرة الفحش والرذيلة، أو ينحاز إلى نفسه ويغرق في بحر الاستمناء مما يضعف مقاومته لشهوته، ويضاعف آلامه النفسية، ويحرمه من الثقة في نفسه.
والصيام ينمي في المسلم أو المسلمة أعظم أخلاق الإسلام وهو الحياء، ويعوّد الصيام المسلم على احترام قيمة الوقت، ويربطه دائماً بطاعة الله تعالى.

ثالثا: الجانب العقلي:
مما يعجب له المؤمن أن يكون للصيام أثر على نماء العقل وتفتيح آفاقه وتوسيع مداركه، فإذا كان من ثمار الصيام التقوى، فإن هذه التقوى تفتح على المسلم آفاق العلم والخير، والصيام يجعل عقل الإنسان أكثر نشاطاً وإدراكاً؛ لأن البطن إذا امتلأت تذهب الفطنة كما جاء في الأثر "البطنة تذهب الفطنة"، ومن أكل كثيراً نام كثيراً وحُرم من خير كثير.
وكثرة قراءة القرآن في هذا الشهر، أو الاستماع إليه في صلاة التراويح أو غيرها مما يرسي أصول العلم لدى المسلم أو المسلمة، ففي القرآن أصول العلم التجريبي، وأصول العقيدة الصحيحة وقواعد التشريع الكاملة، وقصص السابقين من الطائعين والعاصين، وهذا من أكبر موارد النمو العقلي.
ولا شك أيضاً أن عقلية المسلم تكون في غاية المرونة وهو يقرأ من أحكام الصيام أن كل ما دخل الجوف مما يستحيل التحرز منه لا يفطر مثل رائحة الدخان أو الطيب أو الماء الذي يسبق إلى الجوف عند المضمضة مع عدم المبالغة وما دخل عن طريق المسامع عند العطس أو الاستحمام ومن خرج منه منيٌّ بغير شهوة فصومه صحيح، ومن ذرعه القيء فلا شيء عليه، ومن أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه، والقطرة في العين لرمد لا يفطر الصائم، والحقن للتداوي لا تفطر.
هذه الأحكام وأمثالها تصوغ العقل المسلم صياغة رائعة مرنة قوية، يضع الحدود ويقدر الأعذار ويراعي الظروف والأحوال التي تخرج من طاقة كل إنسان فيقدرها بقدرها.

رابعا الجانب الجسدي:
فالإسلام يحرص على بناء الجسد بناء قويا سليما صحيحا؛ ينهض بالتكاليف ، ويخطو إلى الإنتاج ، ويصلح للجهاد في سبيل الله، ويتقدم في شجاعة وبسالة نحو مجد أمته.
وحسبنا في دور الصيام في إصلاح الجانب الجسدي عند الإنسان ما جاء عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "صوموا تصحوا".
فالصوم صحة للجسد وقوة للبناء، وفيه تعويد على خشونة العيش، والحق أن الإنسان إذا لم يصم يُرهق معدته ويُمرض جسده، لكن الصيام يعطي للمعدة هدنة مؤقتة تعود إلى نشاطها مع المغرب فتكون الفائدة من الطعام أتمّ وأوفى.
ويشير الدكتور صلاح إلى أن فريقًا من الباحثين المسلمين قام ببحث علمي تجريبي انتهى إلى أن الصيام يزيد الصحة، ويقوي جهاز المناعة، وقاموا بإجراء التجارب على الصائمين قبل الصيام وأثناءه وبعده وذلك في مدينة بنما سيتي ولاية فلوريدا بأمريكا، وانتهوا في أبحاثهم التي أجروها على أكثر من مائة حالة أن الصيام بالفعل يقوي جهاز المناعة الذي يقاوم بأمر الله تعالى كل الأمراض التي يتعرض لها جسم الإنسان دائماً، وهذا عكس ما يتصوره بعض عوام المسلمين أن الصيام يضعف الجسم وينهك الجسد.
ومن أجل صحة الجسد منع الإسلام وصال الصوم لأنه يضعفه، واستحب السحور؛ لأنه يقوي البدن على الصيام، وجعل الطعام والشراب لوقت محدد، ومنعه أيضا لوقت محدد، وفي هذا تعويد للبدن على التقشف والدربة والمران على الأوضاع المختلفة، ومن هنا تبدو آثار الصيام ثم الاقتصاد في الطعام والتدرج فيتناوله فيزداد الجسد قوة وحيوية.

البرامج العملية لتحصيل لجام الشهوات الأربع
وحتى يكون الكلام متوازنا ونافعا، وتكون جوانب الموضوع حاضرة والمشهد مكتملا أورد الدكتور صلاح سلطان في نهاية الكتاب برنامجا عمليا إذا سعى عليه المسلم استطاع أن يلجم شهواته، ولا غرو فالإسلام جمع بين المثالية والواقعية، والجماعية والفردية، والبدنية والروحية ، والدنيا والآخرة.
وقد وضع المؤلف عشرة برامج عملية يقول عنها: "هناك وسائل عشرة أرجو أن نعاهد الله عليها، ولا تخشى ـ أخي وأختي في الله تعالى ـ من البدء في لبس اللجام الرباني فإن الله سيعيننا، ألا نرى الكثير يلبس سنوات معادن على أسنانه لإعادة تقويمها وتحسين شكلها، فهل يليق بالمسلم أو المسلمة أن يستنكف اللجام الرباني الذي يعود عليه بخيري الدنيا والآخرة؟ في داخلنا بلا شك فطره تحب هذه البرامج العشرة إذا أزلنا صدأ المعاصي بالتوبة النصوح، وجاهدنا أنفسنا في لُبس اللجام الرباني، منتظرين دائماً عون الله سبحانه وتعالى ففي أعماقنا قوة داخلية نحتاج إلى استثمارها، كما نرى كثيراً جداً من المدخنين، بل من الذين يسكرون يمتنعون ويتوقفون في رمضان، معناه فيهم خير، وفيك خير، فينا قوة تستطيع أن تمتنع عن الحرام".
وهذه البرامج هي: البرنامج الأول: الإخلاص. البرنامج الثاني: الاقتصاد في الطعام والشراب. البرنامج الثالث: قراءة القرآن. البرنامج الرابع: القيام. البرنامج الخامس: الأذكار. البرنامج السادس: الدعاء. البرنامج السابع: الاعتكاف. البرنامج الثامن: الجود والكرم. البرنامج التاسع: الحلم والصفح. البرنامج العاشر: هو إصلاح ذات البين.
ويبين فضل كل برنامج منها، ثم يوضح وجه الإصلاح الذي يقوم به كل برنامج، ويختتم كتابه بكلمات طيبة يقول فيها: "إن مدرسة الصيام مدرسة تربوية ربانية، تنقل الإنسان من البطنة إلى الفطنة والصحة، تنقل الإنسان من الخسة إلى العفة، تنقل الإنسان من الثرثرة إلى الحكمة، تنقل الإنسان من الغضب والعويل إلى الحلم والصفح الجميل، فهل نعاهد الله أن يكون رمضان في كل عام سبباً في أن نعالج هذه الشهوات الأربع؟!". نرجو ذلك، وما هو على الله بعزيز.

ليست هناك تعليقات: