الثلاثاء، 21 أكتوبر، 2008

باحث إخواني يدعو للسماح بالتبشير بالمسيحية في المجتمعات الإسلامية


العريان رفض التعقيب لأنه "لا يعلم ما إذا كان ينتمي للإخوان أم لا".. باحث إخواني يدعو للسماح بالتبشير بالمسيحية في المجتمعات الإسلامية
كتب أحمد عثمان وفتحي مجدي (المصريون) : بتاريخ 20 - 10 - 2008
طالب باحث ينتمي لجماعة "الإخوان المسلمين" بحرية السماح للكنائس والمنظمات التبشيرية المختلفة بالدعوة إلى المسيحية في أوساط المجتمعات المسلمة، وذلك بعد أيام من طلب الأنبا مرقس أسقف شبرا الخيمة، بأن تسمح الدولة في مصر للمسلمين الراغبين في التحول إلى المسيحية بحرية العبادة.وقال وصفي عاشور أبو زيد، إنه لا مانع من أن يدعو النصارى إلى دينهم في مجتمع المسلمين؛ لأن هذا ما يكفله مبدأ الحرية الدينية، على حد قوله في كتاب صدر مؤخرا عن مكتبة دار السلام بالقاهرة. ودافع الباحث في رأيه المثير للجدل عن حق غير المسلمين في حرية الدعوة إلى دينهم ما لم يؤد ذلك إلى إثارة الفتن والفوضى في المجتمع، كما أن للمسلم الحق في الدعوة لدينه، وفق الضابط نفسه.وأشار أيضا إلى أن القول بالحرية الدينية يقتضي ألا نكره غير المسلمين بالدخول في الإسلام، وأن يترك لغير المسلمين حرية تأدية شعائرهم.من جانبه، رفض الدكتور عصام العريان القيادي الإخواني البارز التعقيب على دعوة الباحث بالسماح للأقباط في مصر بالتبشير انطلاقا من مبدأ الحرية الدينية، مبررا ذلك بأنه لا يعلم ما إذا كان ينتمي لـ "الإخوان" أم لا، وأوضح أن الرد على مثل هذا البحث يحتاج لقراءته أولا قبل الحكم أو التعقيب عليه.

الخميس، 2 أكتوبر، 2008

المراجعات الفكرية للتراث الإسلامي ... فريضة وضرورة

المراجعات الفكرية للتراث الإسلامي ... فريضة وضرورة

المغرب ـ وصفي عاشور أبو زيد
يعتبر القرآن الكريم بما يحويه من سياقات حجاجية برهانية متماسكة مع الملل والأديان الأخرى، الكتابَ الوحيد الذي أحدث – وما يزال - أكبر مراجعة ملية وفكرية للتراث البشري السابق عليه.
لكن التراث الذي تأسس حول النص القرآني، ومعه النص الحديثي، منذ عصر التدوين خصوصاً إلى عصرنا هذا، قد تضخم وتشعب وطرأت عليه في كثير من الأحيان أشكال مضرة بتوجيهات النصّ ذاته، بغاياته ومقاصده، عقيدة وشريعة، وفي أحكامه العلمية والعملية، مما حجب نوره الذي تناغم مع البداهة الأولى، وعطل دوره في إرشاد العقل المسلم وتسديده في البناء الذاتي والكوني على حد سواء.
ولا يخفى كذلك أن هنالك دراسات وقراءات رصدت لمعالجة هذه الآفات التي عانت وتعاني منها الأمة على امتداد قرون طويلة من الزمان، وفي مناحٍ مختلفة من مجالات وجودها، لكنها في معظمها لم تستطع أن تضع اليد على أبرز مواطن الاختلال، وأن تقدم من المقترحات العلاجية ما يحقق مناط النهوض على النحو الأكمل.
ونعتقد أن من أسباب هذا القصور سببا رئيسا ومهما، وهو عدم استخراج المنهج القرآني النقدي الذي به نخل القرآن الكريم تراث ما قبله في شمولية واستيعاب وفي حجاج برهاني دامغ، وفي واقعية إنسانية، وفي كل ما يمكن استخلاصه من معالم وخصائص لهذا المنهج، وفي عدم تطبيقه في نخل التراث الذي جاء من بعده؛ لأنه لا يمكن أن يصدق ويهيمن بحق إلا خطاب مفارق يتجاوز نسبية وقصور المقاربات والمراجعات البشرية المتحيزة مهما تسلحت بالموضوعية، ويحقق أعلى قدر ممكن من الحق والعدل والفاعلية والوحدة، وكل مسوغات الوجود والشهود في الأمة.
من أجل هذا وغيره كان مؤتمر: "المنهج النقدي في القرآن الكريم والمراجعات الفكرية للتراث الإسلامي"، الذي عقد في 20 – 21 – 22 جمادى الثانية 1429هـ الموافق لـ 24 – 25 – 26 يونيو 2008م في كلية الآداب والعلوم الإنسانية – جامعة السلطان مولاي سليمان – بني ملال بالمملكة المغربية.
وتجمع لهذا المؤتمر صفوة من المفكرين والباحثين من أرجاء العالم الإسلامي، ودارت جلساته حول خمسة محاور: 1ـ معالم المنهج النقدي وخصائصه في القرآن الكريم: أصوله وضوابطه. 2ـ المراجعات النقدية في العقيدة وأصول الدين. 3ـ المراجعات النقدية في التفسير وعلوم القرآن. 4ـ المراجعات النقدية في الفقه وأصوله. 5ـ المراجعات النقدية في اللغة العربية واللسانيات.

الأصول والضوابط للمنهج النقدي في القرآن
في المحور الأول من محاور المؤتمر وفي الجلسة الأولى تحدث الدكتور محمد المستيري مدير المعهد العالمي للفكر الإسلامي في فرنسا في مقدمة تمهيدية عن "تحرير التجديد من مقدمة التأصيل، قراءة لا أصولية للتأصيل"، وذكر أن أول واجب من واجبات التجديد أن نجدد العهد مع الله تعالى على أن نكون الخلفاء والحاملين لهذا الوحي، وبين أننا يمكن أن نعتبر أصول الدين ومبادئه الكلية هي أصول الفقه، وأصول الفقه التقليدية يمكن أن نسميها أصولا تجوُّزًا، وأكد أنه ينبغي أن نطلق العنان للعقل المسلم لينطلق مبدعا ومجتهدا دون أن نقيده بالعديد من القيود والشروط والقواعد التي تثقله وتقعده عن محاولة التجديد والمراجعات.
وتحدث الدكتور إبراهيم عقيلي الأستاذ بكلية الآداب بالجديدة في المغرب عن الأصول والضوابط المنهجية لعملية المراجعات من خلال: ثلاثة أصول للمراجعات، وهي: الأصل البياني، والأصل السمعي، والأصل الفطري والعيني، وختم ورقته بتحديد معنى المراجعة الفكرية للتراث.
كما تحدث الدكتور محمد رفيع أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة بكلية الآداب بفاس، عن المنهج النقدي في القرآن وبناء المشترك الإنساني، وبين الأسس المنهجية للقرآن في هذا البناء، فتحدث عن مفهوم المشترك الإنساني، ثم بين الأسس التي يقوم عليها هذا المشترك وتتمثل في: الأساس التكويني لوحدة المشترك الإنساني، والأساس التشريعي لوحدة المشترك الإنساني، ثم بين الأولويات المقاصدية القرآنية الراهنة في بناء المشترك الإنساني.
أما الأستاذ الدكتور سعيد شبار أستاذ الفكر الإسلامي ومقارنة الأديان ببني ملال فقد أثار الانتباه من جديد إلى حاجة الأمة إلى المنهاج القرآني الكلي المستوعب لتجديد علومها ومعارفها ونظام فكرها وثقافتها، وذلك من خلال عرضٍ مركّز لمداخل هي تشخيصات لعلل وأدواء اشتغلت تاريخيا، ولا تزال تشتغل راهنا ، في كيان الأمة بحيث أقعدتها عن الفعل والمبادرة في وقت تضخمت فيه التحديات والمشكلات بفعل استبداد كثير من النظم والأنساق الثقافية الغربية تحت غطاء العولمة النافذة مما يطرح وبإلحاح المسؤوليات الفكرية والأخلاقية الكونية على الأمة، وهو أمر لا يمكن أن ينهض به إلا فكر مستند ومستمد من رؤية ومنهاج الوحي المطلق باعتباره خطابا للعالمين، وطرح مقدمات ممهدات للبحث في معالم هذا المنهاج الذي صدق وهيمن بالحق وأهل الأمة إلى مقام الاستخلاف، حيث بإمكانها أن تتأهل مرة أخرى للإسهام ترشيدا وإصلاحا في ساحة التدافع والتعارف والبناء الكوني.

مراجعات العقيدة وأصول الدين
وفي محور مراجعات العقيدة وأصول الدين قدَّم الدكتور محمد بو روايح أستاذ مقارنة الأديان بجامعة الأمير عبد القدار بالجزائر، ورقةً عن أصول وضوابط المراجعات في هذا المجال، وتتلخص أصول و ضوابط المراجعة النقدية لمسائل العقيدة ـ كما يراها هو ـ في عدة أمور منها: مراعاة النص الشرعي، ومراعاة أصول العقيدة الإسلامية، ومراعاة المقاصد العامة للشريعة، وتأصيل الخلاف العقائدي بين الفرق الإسلامية، ومراعاة خصوصية العقائد الإسلامية والبعد عن التقليد العقائدي، وفصْل تاريخ العقائد الإسلامية عن تاريخ العقائد الأخرى المخالفة، وتناول بو روايح في ورقته أيضا: فقه المراجعات في الفكر الإسلامي: ملابساته التاريخية وأهم مدارسه، وتحدث عن السياق التاريخي لمسألة المراجعة النقدية للعقيدة الإسلامية، وأصول وضوابط المراجعة النقدية للعقيدة الإسلامية، وبين آثار الالتزام بالأصول والضوابط الشرعية في ترشيد المراجعة النقدية للعقيدة الإسلامية.
أما الدكتور بنسالم الساهل أستاذ العقيدة ببني ملال فقد تحدث في ورقته عن قضايا الاعتقاد بين العرض القرآني والطرح الكلامي، دعوةً للمراجعة على ضوء منهج ومقاصد القرآن، وبين مستويات المراجعة المطلوبة لعلم الكلام، وآليات تلك المراجعة من خلال العرض القرآني والطرح الكلامي للقضايا الإيمانية، والمنهج القرآني في الاستدلال على القضايا الإيمانية، ومقاصد العقائد بين الطرح الكلامي والعرض القرآني.
وبين الباحث وصفي عاشور أبو زيد، الباحث الشرعي بالمركز العالمي للوسطية بالكويت أن محاولة الشيخ محمد الغزالي في علم العقيدة وعلوم أخرى جديرة بالاعتبار والتأمل والنظر، فمن خلال كتابه "عقيدة المسلم" وبعض كتبه الأخرى استطاع الباحث أن يستخرج أهم المعالم المنهجية والتجديدية في محاولة الشيخ لتجديد علم العقيدة، والتي تمثلت في ثمانية معالم، هي: أولا: تخلية العقيدة من شغب الفرق الكلامية. ثانيا: مراجعة العلم من حيث الشكل والمضمون. ثالثا: استقاء العقيدة من نصوص القرآن والسنة. رابعا: الجمع في التناول بين إقناع العقل وإمتاع القلب. خامسا: الاستفادة من حقائق البحث العلمي في تعزيز الإيمان. سادسا: طرح موضوعات جديدة في باب العلم. سابعا: ضرب أمثلة مُحَسَّة من الواقع المعيش. ثامنا: تصحيح الفهم المغلوط لبعض النصوص الشرعية وتوظيف ذلك في الدعوة توظيفا حسنا.

مراجعات الفقه والأصول
وفي محور الفقه والأصول ومراجعتهما الفكرية قدم الدكتور عبد الرحمن العضراوي الأستاذ بكلية الآداب في بني ملال ورقة عنوانها: "الأسس المنهجية القرآنية للدرس المقاصدي والمراجعة النقدية للدرس الأصولي"،وتوقف الباحث عند مصطلحات الأسس المنهجية القرآنية والدرس المقاصدي والدرس الأصولي والمراجعة النقدية في سياق عام يبرز كون العلاقة بين الدرس المقاصدي والدرس الأصولي متكاملة ومتوازنة من حيث إن عملية الفهم للنص الشرعي تفرض وجوبا ذلك التكامل. وأن أي تجزيء لهذه العلاقة لن يحصل من تطبيقه تحقيق رؤيا كونية حضارية قرآنية.
أما الدكتور عمر جدية أستاذ الفقه وأصوله بكلية الآداب بفاس، فقد تناول محاولة الدكتور طه جابر العلواني في مراجعة أصل: "شرع من قبلنا"، وقال: إن العلواني يرى أن الأخذ بهذا الأصل يقدح في مصدرية الشريعة الإسلامية، ومن ثم فلا ينبغي أن نعتبره أصلا في التشريع، وبيّن "جدية" أنه لا تعارض بين الأخذ به ومصدرية الشريعة ما دامت هناك أصول وضوابط تحكم الأخذ بهذا الأصل.
أما الأستاذ محمد همام الباحث المغربي، فقد تناول محاولة الدكتور حسن الترابي في تجديد علم الأصول، وأورد مقترحات الترابي لأصول جديدة بناء على أن الأصول التقليدية القديمة لم تعد وافية حق الوفاء باحتياجاتنا المعاصرة..!! وذكر همام أن محاولة الترابي تصلح لأن تكون أرضية ممهدة لمحاولات أخرى يتم فيها تطوير علم أصول الفقه، وفق الضوابط، أو انطلاقا من الأصول التي اقترحها الترابي!.

مراجعات التفسير وعلوم القرآن والسنة النبوية
أما في محور التفسير وعلوم القرآن فقدم الدكتور أحمد بزوي الضاوي أستاذ التفسير بالجديدة، ورقة عن نقد ابن تيمية لعلم التفسير، عمل فيها على إبراز معالم المنهج النقدي عند ابن تيمية مع التمثيل لذلك بالتفاسير موضوع الدراسة النقدية، و إبراز أهميته في تجديد التفسير، وإعادة النظر في تصنيف التفاسير إلى تفاسير نقلية وأخرى عقلية، باعتبارها مصادرة لواقع التفسير من جهة، وخطورتها من جهة أخرى؛ إذ إنها تعمل على انشطار الذات المسلمة إلى قسمين: قسم مع النقل، وآخر مع العقل، و كأنهما ثنائية ضدية لا يمكن الجمع بين حديها، وغير خاف على أهل الجهة أن صحيح المنقول موافق لصريح المعقول، مع بيان أسباب الاختلاف في تفسير القرآن الكريم، وحقيقة اختلاف السلف في التفسير.
وتناول الدكتور محمد السايسي أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية الآداب بمكناس أسباب النزول في قراءة نقدية تقويمية أو استنباطية استدلالية تسهم في كشف الخلل المنهجي المؤدي بالضرورة إلى الخلل في النتائج، وأبان عن بعض مظاهر الخلل التصنيفي والوظيفي الموجبة للمراجعة.
أما الدكتورة مليكة حقان الأستاذة بكلية الآداب في بني ملال فقد أكدت من خلال ورقتها: "نظرات نقدية في المنهج والأصول لقضايا إعجاز القرآن، دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني نموذجا" أن الجرجاني عبر تأمله لما كتبه سابقوه في إعجاز القرآن، انتهى إلى رفض كل الوجوه التي ارتضاها هؤلاء العلماء دليلا على الإعجاز، فهي حسب رأيه إنما تصدق في آيات من الذكر الحكيم، وتتخلف في آيات أخرى، وبينت أن عبد القاهر الجرجاني استطاع أن يؤسس نظرية لغوية تستند إلى الكلام النفسي، وتبحث في الإعجاز على ضوء العقيدة الأشعرية، والمبادئ اللغوية.
وفي مراجعة العلوم التي نشأت حول السنة النبوية جاءت ورقة وحيدة من الدكتور محمد بن زين العابدين رستم أستاذ السنة وعلوم الحديث في آداب بني ملال، بعنوان: "المراجعات النقدية المعاصرة للسنة النبوية: أحاديث صحيح البخاري والنقد المعاصر نموذجا"، ذكر فيها أن الجامع الصحيح للإمام البخاري تعرض في العصر الحديث لهجمة منكرة، سعى فيها الحداثيون سعيا حثيثا، وتولى كبر هذه الفتنة العصرانيون من دعاة التنوير والتجديد والتمرد والهدم، وأكد أن الشبهات التي روجها هؤلاء المهاجمون تعددت على البخاري وصحيحه، وتباينت مناهجهم في بث الأباطيل حول هذا الكتاب، واختلفت محاولات قراءتهم الجديدة له شكلا ومضمونا، وحاول عرض أحدث القراءات النقدية لأحاديث صحيح البخاري (قراءة جمال البنا، وزكريا أوزون، وخديجة البطار، وخليل محمد عقدة ....)، واستخلاص العبر والدروس من عثرات هذه القراءات، وبيان عوارها وفضح لتفاهة عقول أصحابها، و كشف لسخافة فهم أربابها على حد وصفه.

المراجعات النقدية في اللسانيات
وفي المحور الأخير للمؤتمر حول اللغة والعلوم الشرعية تحدث الدكتور محمد غازي الأستاذ بكلية الآداب بأغادير عن: " النص القرآني والدرس اللساني: بين توظيف المنهج واستثمار النتائج"، وحاول فيها الوقوف على بعض أوجه الاستفادة من الدرس اللساني في فهم النص الديني وقراءته، سواء من جهة توظيف المنهج اللساني أو من جهة الاستفادة من نتائجه.
وتكونت الورقة من قسمين: قسم نظري يتحدث عن أنه يجب على المسلمين استغلال كل ما توفره المعرفة الإنسانية الحديثة (واللغوية واللسانية منها على وجه الخصوص) لفهم نصوصهم المقدسة (القرآن والسنة)؛ ذلك أن تحقيق المعاصرة يقتضي الاستفادة مما وصل إليه العصر نفسه من معارف ومناهج. وقسم آخر تطبيقي وهو الأكبر: وضح فيه بشكل منهجي وتطبيقي، بالأساس، أنه لا ينبغي أن نستغرب مما سيؤول إليه هذا الاستخدام للمعارف الحديثة؛ ذلك أنه من خلال توظيفنا لإحدى أهم نتائج البحث اللساني- والمرتبطة خصوصا بعلاقة اللغة بالفكر– لفهم بعض النصوص الدينية يتبين أن هذا التوظيف يوصلنا إلى نتيجتين هامتين: أولاهما، الاهتداء إلى معان لم يكن قد فكر فيها المفسرون من قبل. وثانيهما، الكشف عن عيوب في الفهوم السالفة والجهود التفسيرية التراثية على وجه العموم.
أما الدكتور مراد موهوب، الأستاذ بكلية الآداب في بني ملال، فتحدث عن: "بعض آليات الحجاج والحوار في الخطاب القرآني"، وأكد أن القرآن الكريم خطاب لغوي منتظم في عدة مستويات ومتضمن لعدة أبعاد ومقاصد ودلالات. وهو كتاب حوار وحجاج وإقناع، وهذه المظاهر والآليات تظهر لفظا وبيانا وأسلوبا في العديد من السور والآيات وفي الكثير من الصور والتراكيب والعبارات، وبين موهوب بعض الآليات الحجاجية التي تشتغل في النص القرآني من خلال تحليل لساني لبعض المشاهد الحوارية الخطابية الواردة في بعض السور.
بينما رام الدكتور إدريس ميموني الأستاذ بآداب بني ملال الوقوف على ملامح المنهج النقدي في العلوم الإسلامية، من خلال السيوطي باعتباره عالما قدر له أن يعيش في عصر متأخر، وفي بيئة متميزة، جمعت كل خصائص البيئة الإسلامية المتقدمة، وورثت عنها علومها ومناهجها.
وتحدث في ورقته: "المنهج النقدي في العلوم الإسلامية بين التصور الشمولي والتجزيئي، السيوطي نموذجا"، عن أصول اللغة العربية بين النص الشرعي وكلام العرب (الاقتراح في أصول النحو للسيوطي نموذجا) عبر حصر أدلتها المعتمدة عند العلماء وعلاقة ذلك بمناهج علماء أصول الفقه، كما تكلم عن منهج نقد أصول الرواية اللغوية (المزهر للسيوطي نموذجا)، وبين فيه علاقة المناهج اللغوية بمناهج علماء الحديث.
وأكد الباحثون والمعقبون أننا بحاجة ماسة إلى مراجعة تراثنا الإسلامي العظيم بما لا يهدمه ولا يبقيه كما هو، وبينوا أن هذه المراجعة يجب أن تستند إلى طريقة القرآن المنهجية في النقد والمراجعة؛ لأن القرآن مطلق وثابت وخالد، ولذلك يجب أن نحتكم إلى هذه الصفات عند مراجعتنا للنسبي والمتغير وغير الخالد؛ لنأخذ منه ما يتناسب مع أصولنا ومبادئنا وكلياتنا ومقاصدنا، وما يتواءم في الوقت ذاته مع عصرنا ومتطلباته.
كما شددوا على أن هذه المراجعات لا يجوز أن يمارسها إلا الراسخون في هذه العلوم الذين أحاطوا بالتخصص إحاطة معقولة، وفي الوقت ذاته يدركون حاجاتنا في الواقع المعاصر، وتكون ممارسة المراجعة بغير تقديس ولا تبخيس؛ حيث نثبت للسابقين سبقهم وفضلهم ونقدر جهدهم، ونبين ما يحتاجه واقعنا الفكري والمعرفي من هذا التراث العظيم.

ثقافة التآمر لا مؤتمر الثقافة

ثقافة التآمر .. في مؤتمرات رسمية
الحداثيون.. يبشرون بثقافة الهزيمة!

القاهرة: محمد جمال عرفة صلاح حسن رشيد وصفي أبو زيد

شهدت قاهرة المعز.. مؤتمرًا انهزاميًا أقامه المجلس الأعلى للثقافة التابع لوزارة الثقافة المصرية حمل عنوان: "الثقافة العربية.. نحو خطاب ثقافي جديد.. من تحديات الحاضر إلى آفاق المستقبل"، بهدف إيجاد حلول وإجابات شافية لأسباب الهزيمة النفسية والسياسية والعسكرية والثقافية التي نحياها اليوم بعد احتلال العراق، وللأسف فقد جاءت الإجابة في المؤتمر الذي استمر ثلاثة أيام .. من وجهة نظر المحتلين!.

طرح الفكرة كان عملاً من المتصور أن يصب في نهر تكاتف الأيدي والتيارات والأفكار من أجل مواجهة الهيمنة الأمريكية وتوحشها في البيئة العربية، إلا أن المؤتمر الذي حضره مائتا "مثقف" عربي أبي إلا أن يحمل طرحاً أحادي الجانب، وانعزل عن تيارات المجتمع العربي الإسلامي كافة، مستبعدًا التيار الإسلامي والأزهر وعلماء الأمة المعتدلين.. المهمومين بفكرة الصحوة والنهضة، والتخلص من أسباب الهزيمة الحضارية التي نحياها اليوم.

يشهد على ذلك أسماء الحضور من ذوي الثقافات والتوجهات المعارضة بشدة للإسلام والعروبة، ومن المدافعين عن العولمة، والحداثة أمثال: أدونيس وعبد السلام المسدي وحمادي صمود، وجابر عصفور وصلاح فضل، والطيب صالح، ومحيي الدين اللاذقاني، وعلي حرب، وحسن حنفي، وهشام شرابي، وحسين أحمد أمين، وفيصل دراج، وميلاد حنا، ورفعت السعيد، وأحمد عبد المعطي حجازي، وجورج طرابيشي، ومحمود أمين العالم، ومحمد برادة، في حين أنه تجاهل عن عمد وسوء نية علماء ومفكرين من مثل: الدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور محمد عمارة، والدكتور طه جابر العلواني، والمستشار طارق البشري، وفهمي هويدي، والدكتور مصطفى الشكعة.


تطاول فج على الإسلام
وتشهد كلمات الحضور وأبحاثهم على تهجمهم الصريح على الشريعة الإسلامية ومطالبتهم بنقدها.. ففي كلمة أدونيس قال بالحرف الواحد: "لا أدري لماذا نحن مجتمعون هنا؟ أمن أجل تجديد الثقافة فعلاً والمصارحة؟ أم السكوت عن التابوهات؟! ولماذا لا تتكلمون صراحة عن أول عقبات التطوير المتمثلة في "الوحي الإلهى"، وفي الإسلام؟! لابد من تناول هذه النقطة بجرأة وصراحة، وإلا فلن يكون هناك تطوير يُذكر".
هكذا يدعو أدونيس إلى نقد كتاب الله عز وجل، ناسيًا. أو متناسيًا، أن القرآن كتاب قدسي منزه عن شطحات المجانين والعابثين، الذين تتلمذوا على أيدي الصهاينة والمستشرقين وأعداء الدين واللغة العربية.. قال هذا الهراء في بلد الأزهر وصرح الإسلام.
كما شاعت داخل أروقة المؤتمر، وبين ثنايا المتحدثين نبرة اليأس والكآبة والانهزامية، وإعلان وفاة العرب والمسلمين بفعل الزحف الإمبريالي الصهيوني على المنطقة.
وبنظرة عجلى لأسماء أبحاث هؤلاء الانهزاميين يتبين تغلغل هذه السلبية والدعوة إلى الفتور مثل: "ثقافة الهزيمة" لخلدون النقيب، و"من ثقافة السلطة إلى سلطة الثقافة" لحسن حنفي، و"انشقاق المثقف وانتقاض الموقف" لعبد السلام المسدي، و"حول المُسلمات الثقافية ..ضرورة المراجعة" لمحمود عودة.
والأغرب.. بل ما يدخل في خانة المستحيلات.. أن يدير مائدة تجديد الخطاب الديني الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري بينما المتحدثون عن هذه القضية المحورية من غير المتخصصين في هذا الشأن ولا في الدراسات الإسلامية، بل هم من العلمانيين أمثال: أحمد عبد المعطي حجازي والعفيف الأخضر، وحسن حنفي، وحسين أحمد أمين، وميلاد حنا، وفيصل دراج، بينما خلت القائمة من اسم أي عالم أزهري ولو على سبيل المجاملة!.
وهكذا بات المدافع عن كرامة العروبة والإسلام هم أرباب العولمة وأبناء الاستشراق وغلمان الكوكبية ومريدي الحداثة، والداعين إلى تشويه التراث والعبث به، وهدم كل ما هو "ماضوي" كما يسمون حضارتنا وتراثنا.
وفي الوقت الذي يدعو فيه المفكرون والمصلحون إلى إظهار معالم الإسلام السمحة وأخلاقه الإنسانية العظيمة حتى لا يُتَّهم بالإرهاب والعدوانية كما شاع اليوم، تأتي نتائج المؤتمر مخيبة للآمال الوطنية والعربية والثقافية على حد سواء.
لقد مورست على الإسلام في هذا المؤتمر وما حواه من ندوات، أساليب عدوانية لا يحلم بها من يتربصون بالإسلام وعرقلة خطابه السمح الباهر، فاتهموا الإسلام بأنه يدعو إلى الاستعلاء وعدم قبول الآخر من خلال الآية: كنتم خير أمة أخرجت للناس (آل عمران:110) ، فهي بزعمهم تمثل عمق الأزمة عند المسلمين وسبب تخلفهم، وأنه يجب عدم استخدام أو حتى حذف مادة "كفر" من القرآن؛ لأنها ترسخ ثقافة العدوانية ومصادرة رأي الآخر! كما قالوا إن الإسلام دعوة لعدم التحاور وتثبيت لثقافة الهيمنة من خلال الحديث الشريف: "خير القرون قرني".

مؤتمر موصول بالمخططات الأمريكية
كان من اللافت في مبادرة تعليم العرب والمسلمين الديمقراطية التي اقترحتها الخارجية الأمريكية في ديسمبر2002 أن هناك بنوداً تنص على تخصيص أموال لتدريب مثقفين وصحفيين عرب في دورات تدريبية أمريكية بهدف تغيير ما سمي (لغة الخطاب العدائي العربي والإسلامي ضد أمريكا).
وسبق أن تكرر السيناريو نفسه مع 50 امرأة عربية ما بين برلمانية وسيدة أعمال وناشطة في اتحاد نسائي وأستاذة جامعية وصحافية في مؤتمر عقد في السادس من نوفمبر 2002 برعاية الخارجية الأمريكية عنوانه (بناء الديمقراطية) جرى التركيز فيه على دور المرأة العربية والجمعيات النسائية في تغيير النظرة العدائية السلبية لدى الشعوب العربية والإسلامية تجاه أمريكا.
وعلى غرار هذه المؤتمرات عقد هذا المؤتمر..لا ليؤنب العرب والمسلمين على أفعالهم الشنيعة وغير المسؤولة بالتحريض على أمريكا أعدل دولة في العالم فحسب.. ولكن ظهر (مثقفون) يدعون إلى:
اعتبار آية كنتم خير أمة أخرجت للناس (آل عمران:110) دعوة للاستعلاء!!
الدعوة إلى حذف كلمة "الكفار" من قاموس المسلمين لأن فيها عنصرية!؟
اعتبار أن الفقه الإسلامي سبب إرهاب المسلمين وبالتالي يدعون لعدم الالتزام بفقهاء السنة الأربعة!.
وهكذا مثلما ظهرت عشرات المصطلحات التي انتشرت عقب 11 سبتمبر وتدور كلها حول تفريغ العقل العربي والمسلم من ثقافته وتراثه الإسلامي بدعوى تطويره كي لا يهاجم أو يحرض ضد أمريكا مثل (نحو خطاب ديني جديد)، و(نحو حوار ديني عالمي جديد)، دشن هؤلاء (المثقفون العرب العلمانيون) مجاناً مصطلحاً جديداً هو (نحو خطاب ثقافي جديد)، عماده مهاجمة تعاليم الإسلام واعتبار المؤتمر فرصة للنيل من خصومهم الإسلاميين.
صحيح أن بعض المشاركين ركزوا على نقد حبس السلطة العربية للإبداع الثقافي العربي، وعلى أهمية أن يكون هناك دور جديد للمثقف العربي في حوار حضاري عالمي جديد، ولكن الكارثة أن هذه الشعارات العامة أظهرت خلفها عداءً غير مبرر للتدين.
فالدكتور حيدر إبراهيم أستاذ الفلسفة بجامعة الخرطوم شطح واستغل المناسبة للحديث عما أسماه (اللاهوت الديني) غير الموجود أصلاً في الإسلام، ودعا ل "لاهوت تحرير إسلامي لتجديد الخطاب الديني"، وقال إن التجديد في الخطاب الديني يتطلب أن تمهد له ثورات اجتماعية وسياسية تحسن وضع الحريات ودمقرطة المجتمعات الإسلامية وتحسين الأوضاع المعيشية!.
الغرب يجدد الخطاب الديني الإسلامي!؟: وكانت ندوة (تجديد الخطاب الديني) التي عقدت على هامش فاعليات مؤتمر الثقافة العربية هي أكثر الندوات جدلا ًوهجوماً على الدين، بعد أن حولها بعض المثقفين اليساريين والعلمانيين إلى محاكمة للدين والنصوص القرآنية.
فقد اقتصرت الندوة على بعض الشخصيات التي تدعو دائماً إلى عولمة الدين وفصله نهائياً عن الدولة، الأمر الذي أثار شكوك مثقفين بعثوا إلى المؤتمر يرفضون الحضور، خصوصاً أن الندوة ركزت على الهجوم على الدين، ولم تهتم بالحديث عن ظروف الاحتلال الأمريكي والإسرائيلي للمنطقة.
فالدكتور حيدر إبراهيم قدم ورقة بحث عن وجود (لاهوت تحرير إسلامي جديد) يعمل على تجديد الخطاب الديني، واعتبر أن هذا اللاهوت هو البداية الكاملة لمجتمع عصري حديث يكون الإنسان هو العامل الأساسي فيه.
وزعم أن تأخر المسلمين إلى الآن قائم على أساس التوتر الحاد بينهم حول ثبات النص أو التحول للحياة، وأن هناك فجوة عميقة بين تحقيق الآمال والطموحات من جهة، والتفكير في الموت من ناحية أخرى، وهذا يكرس فكرة أن المسلمين يفكرون دائماً في الآخرة أكثر من التفكير في الحياة ويعتبرون أنفسهم فوق الكمال، وهو الأمر الذي طرح العديد من التساؤلات حول تأخر المسلمين وتخلفهم.
ثم أفصح الدكتور حيدر إبراهيم عما يريد داعياً إلى ضرورة عدم تمسك المسلمين بمقولة: كنتم خير أمة أخرجت للناس(آل عمران:110) لأن هذا المصطلح يعبر عن استعلاء في رأيه!!. ولبس مسوح رجال الدين ليفسر القرآن على هواه قائلاً: إن الآية التي تقول ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون (آل عمران:139) تشكل عمق الأزمة التي يعيشها المسلمون باعتبار أن الإحساس بالاستعلاء سبب تخلف هذه الأمة!؟.
كما وجه حيدر النقد للحركات التجديدية واعتبرها حركات سلفية جامدة، ووصف الشيخ محمد عبده بأنه وقف في منتصف الطريق ولم يستطع استكماله حتى النهاية، وزعم أن أصحاب الحساسية الدينية عندما يتعاملون مع الدين في الحياة اليومية فإن العقيدة تبدأ في الضعف والتآكل، وأن كثيراً من المسلمين اعتبر الحياة متاعاً فانياً وبالتالي فهي ليست مجالاً للتعمير والتقدم وهو سبب تأخر المسلمين حتى الآن!
أما العفيف الأخضر أحد أكثر خصوم التيار الإسلامي ومشجعي التغريب فقد حاول منذ بداية حديثه وضع أسس ونظريات لتعميم التجربة التونسية على جميع العواصم العربية حيث تباهى بأنه كان وراء إغلاق جامعة الزيتونة في تونس في عام 1956 والتي كما قال كانت تغسل عقول طلبتها بالفقه القديم وتعتمد على تفسيرات بعض الفقهاء!!.
وزعم هذا المتغرب أنه لإيجاد تعليم ديني تنويري من الضروري استئناف حركة الإصلاح الديني وفلسفة الأنوار الفرنسية وتعليم الأجيال الصاعدة قراءة النص الديني قراءة تاريخية وإثراء خيالها بالقيم الإنسانية التي جاءت بها فلسفة الأنوار في القرن الثامن عشر وذلك للانتهاء من تطبيق أحكام الفقه القديم التي باتت كالدواء الذي انتهت مدة صلاحيته حسب زعمه.
وشطح الأخضر بدعوة الغرب للتدخل لمساعدة المسلمين على إصلاح التعليم الديني "لأن الغرب من وجهة نظره أصبح صاحب مصلحة في ذلك بعد أن امتد إليه خطر الإرهاب الديني، وأن السبب فيما يعيشه العالم الإسلامي الآن من إرهاب يعود إلى اعتماد المسلمين على فقه القرون الوسطى الذي صاغ شعورنا بتحريم تقليد غير المسلمين وأن نرجسيتنا الدينية اعتبرت جميع الأديان الأخرى منسوخة بالإسلام".
وطرح ما أسماه (مشروع تعليم تنويري) على حد قوله قائمًا على تعميم التجربة التونسية في جميع الدول العربية يقوم على تحرير العلم من الوصاية والنصوص الدينية والاعتراف الكامل بحقوق المرأة في كل شيء، كما طالب برد الاعتبار لغير المسلمين في العالم العربي بتدريس تاريخ مشاركتهم في صنع الحضارة العربية الإسلامية بالترجمة.


هجوم على التعليم الإسلامي
ولأن القاعة كانت خالية سوى من العلمانيين واليساريين والمغلوبين على أمرهم، فقد استمر الأخضر يهاجم التعليم الإسلامي في المملكة العربية السعودية، ولولا عقد المؤتمر في بلد الأزهر لهاجم التعليم الأزهري أيضاً، وزعم أن التعليم الديني السعودي منبع الإرهاب حيث يقوم على غسل أدمغة التلاميذ بعداء غير المسلمين وحسب دعواه.
وقال إن التعليم الذي تقوم عليه بعض الأنظمة العربية تعليم ديني ظلامي يقوم على التطويع النفسي للتلميذ ليتصرف وفق ما يطلبه معلمه، كما يقوم أيضاً "على الاغتصاب النفسي وتحفيظ النصوص الدينية التي تعوق العقل عن التفكير فيها حيث يعتمد الحفظ لهذه النصوص على البعد عن الفحص النقدي لحساب التسليم الإيماني واليقين الأعمى".
كما ربط الأخضر بين انتشار فتاوى التكفير وإهدار الدماء وانتشار هذا التعليم الذي تخصص في تخريج فقهاء الإرهاب ويقوم على محاربة العقل بالنقل وينقل كل الغرائز والعدوانية من غريزة الموت إلى الخوف من الجديد لتكفير الحداثة وقيمها وغرائز الحياة التي حررتها، حسب زعمه.
وفي هذا الصدد دعا إلى العمل على إقصاء كلمة (الكفار) من الفقه الإسلامي واعتبر هذه التسمية تفرقة عنصرية (!) وطالب بضرورة تدريس مادة حقوق الإنسان في كافة نواحي الحياة بجميع الدول العربية كما هو الحال في تونس لتحرير الوعي الإسلامي من قيمة الحلال والحرام!.
وخرج جمال البنا بكلامه الذي يردده منذ قديم بأنه إن كنا نريد التجديد الحقيقي للخطاب الديني فعلينا أن نلتزم بثلاثة أشياء ونتخلى عن ثلاثة أخرى.
أما الواجب الالتزام به فهو: أن نلتزم بالقرآن الكريم، والصحيح الثابت المنضبط بالقرآن من عمل الرسول وقوله، ثم استلهام "الحكمة".
أما الثلاثة الواجب التخلي عنها فهي: تفسير المفسرين للقرآن الكريم بدءاً من ابن عباس حتى سيد قطب، فليست هذه التفاسير في رأيه إلا إسقاطاً بشرياً على النص المعجز المقدس وهو أمر يكاد يكون شركاً؛ فضلاً عما وضعه المفسرون مما أطلقوا عليه "علوم القرآن" من نسخ أو أسباب نزول أو إيضاح المبهمات وغير ذلك مما يعد عنده افتئاتاً صريحاً على القرآن ميَّع إعجازه وأقحم معاني وقيما تخالف قيم القرآن نفسه!!، والأمر الثاني: هو الصورة التي يقدمها المحدثون للسنة من كلامهم على السند واعتباره ضابطاً للصحة والضعف بالنسبة للحكم على الحديث، فيرى البنا أنه يجب أن نترك الحكم على الحديث من خلال السند ونحل محله مقاييس القرآن ومعاييره؛ لأننا والكلام له بقبولنا الحديث من خلال السند نكون قد أدخلنا على السنة مئات من الأحاديث بالنسبة للصحاح، وآلافاً من الأحاديث بالنسبة لباقي كتب السنة تجافي بزعمه قيم القرآن وأخلاق الرسول، أما الأمر الثالث فهو أن نطرح آراء الفقهاء بمذاهبهم الأربعة، فليس من المعقول أن تظل آراؤهم وهم بشر يصيبون ويخطئون في إطار "اللامساس" بعد أن مر عليها أكثر من ألف عام.
هذا باختصار ما يراه جمال البنا لإصلاح الخطاب الإسلامي وتجديده، ولن يحدث تجديد جذري إلا بهذا!.
ليس البنا وحده، إنما هناك كثيرون هاجموا ثوابت الأمة وقيمها، ووصفوا للإسلام بأنه دين الإرهاب وهو المسؤول الأول عما نعانيه اليوم... إلى غير ذلك من افتراءات صارخة، وصل عددهم إلى ما يقارب مائتي مفكر وكاتب، معظمهم من الشيوعيين واللادينيين، ولم يحضر من سواهم سوى د.أحمد كمال أبو المجد، ود. محمد سليم العوا.


تحليق في عالم الخيال
ودارت كذلك معظم الكلمات والأبحاث في فضاء الخيال، واللغة الشعرية الانفعالية، والتنظير الأجوف، والتأطير الأعمى، والتفكيك الحداثي لمسميات غير مفهومة لتكريس هدف واحد، هو هزيمة الأمة في نهاية المطاف، والإلحاح على هذه النتيجة، وكأن المؤتمر قد انعقد لإعلان ذلك، ولم يجتهد هؤلاء التغريبيون في أن يقدموا دراسات تطبيقية عملية تبحث عن حلول ناجعة لأمراض المسلمين والعرب اليوم، أو تتحدث عن خطاب عملي جماعي، بدلاً من الاعتماد على الأحادية القاصرة كلغة رسمية للمؤتمر، وكأن كل واحد منهم ينعقُ في واد.
والخلاصة.. كلام أجوف، وتسطيح لهموم الأمة، وادِّعاء البكاء ولكن من دون أن تنزل من العين دمعة واحدة.


علامات الاستفهام على المؤتمر
ويبدو أنه منذ اللحظة الأولى للإعداد لهذا المؤتمر وتوقيته وطبيعة المدعوين له كانت هناك أمور أثارت توجس مثقفين مصريين وعرب وطنيين من المؤتمر بشكل دعاهم لوضع العشرات من علامات الاستفهام وإشارات الارتياب، ومن ثم الاعتذار عن عدم الحضور من البداية.
فقد وقع ستة من أبرز الكتاب في مصر على بيان يطرح أكثر من علامة استفهام حول هذا المؤتمر وعنوانه العام (الثقافة العربية من تحديات الحاضر إلى آفاق المستقبل)، حيث استغرب الستة وهم: (المستشار طارق البشري ود. عبد العظيم أنيس ود. رضوى عاشور وصنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني ومحمد البساطي) التعجل الشديد في عقد المؤتمر، الذي لم يخطط له مسبقاً ولا كان مدرجاً ضمن أنشطة المجلس الأعلى للثقافة.
كما عبروا عن استيائهم من تحاشي المؤتمر ذكر القضايا الأكثر إلحاحاً على مثقفي الأمة وشعوبها، خصوصاً احتلال العراق والإبادة اليومية للشعب الفلسطيني، والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، ولم تطرح مسألة المخططات الأمريكية للهيمنة على المنطقة.
كما لخص الأديب الجزائري (طاهر وطار) في رده على دعوة وزير الثقافة المصري لحضور المؤتمر أسباب رفض كثير من المثقفين المشاركة في هذا المؤتمر، إذ رفض أن "يلعب المثقفون دور الفقهاء المكلفين بتجديد الخطاب الديني وتحريره من التطرف بحسب الأجندة الأمريكية"، وقال "إن الطريقة التي تمت بها الدعوة للمؤتمر كانت أشبه بلغة الاستدعاءات البوليسية"!.
وانتقد الطاهر وطار خلو محاور المؤتمر من قضية العراق رغم وجود نصف مليون جندي مدججين بالأسلحة في منطقتنا، ورصد الأديب الجزائري محاولات التلاعب التي تمارسها المؤسسة الثقافية على المثقفين العرب، وحذر من النزوع لتيار الثقافة الكونية الذي يفضي للانخراط في سياق السلام الوهمي والتطبيع مع الكيان الصهيوني.
وقد استغرب مثقفون أن تغلب على المؤتمر منذ جلسة الافتتاح حتى جلسة الختام قضية تجديد الخطاب الديني، وأن يكون لها الأولوية القصوى على سائر القضايا، ويجري الحديث حول حذف آيات من القرآن وكثير من النصوص الدينية والفقهية، وبالمقابل لا يثار أي حديث عن احتلال أراضي الأمة والهيمنة عليها.
وقد لفت هذا أنظار بعض الحاضرين فعلقوا عليه مدافعين عن الخط الذي سار عليه المؤتمر مثل الدكتور جابر عصفور والشاعر أدونيس، حيث دافع هؤلاء عن المخاوف التي أثيرت من تطابق توصيات المؤتمر مع الأجندة الأمريكية بقولهم: "إننا منذ أكثر من أربعين عاماً ننادي ونطالب بتجديد الخطاب الديني وتحديث المجتمع المدني و"الدمقرطة"، فهل إذا تطابقت الرؤية الأمريكية الجديدة مع ما سبق أن طرحناه يعتبروننا تابعين للأجندة الأمريكية؟!".


البيان الختامي والتوصيات..جلد الذات
وتضمن البيان الختامي للمؤتمر والذي جاء تحت عنوان (إعلان القاهرة الثقافي) تسع توصيات، نصفها يدعو لوحدة الثقافة العربية باعتبارهاً عاملاً رئيساً في وحدة الشعوب العربية وأساساً لتجديد المشروع الحضاري العربي، والنصف الثاني يتضمن توصيات تغريبية تفكيكية.
وبالنسبة للخطاب الديني، طالب المثقفون ب"أفق مجتمعي جديد يضمن حرية الاجتهاد الفكري المسؤول (...) الذي يرفض الوصايات التي تحتكر المقدسات القومية والدينية". واعتبروا أن ذلك "يمر عبر الوصول إلى الشروط الاجتماعية والثقافية التي تنتج خطاباً دينياً متطوراً منفتحاً على العصر يتجاوز الخطابات الدينية الركودية والمتزمتة التي أساءت إلى الإسلام والعرب والمسلمين".
وبشكل عام لوحظ أن النصف الأول من التوصيات شدد على إنجاز الاستقلال الوطني والقومي وتحرير فلسطين والتنديد بالاحتلال العسكري الأمريكي للعراق، وطالب المشاركون أيضا بإلغاء الأوضاع العرفية التي تحاصر الحريات العامة والإبداع وكذلك المطالبة بحرية الاجتهاد الفكري المسؤول وإصلاح التعليم وتطويره وخلق وعي قومي.
أما النصف الثاني فتضمن: الاعتراف بالفئات غير العربية وثقافتها (!)، و"تجاوز الخطابات الدينية الركودية والمتزمتة لإنتاج خطاب ديني متطور"!!
وقد انعكست العولمة والاستجابة للمطالب الأمريكية بشدة على بقية التوصيات مثل: تشديد المشاركين "على وحدة الحضارة الإنسانية" ورفض دعوات الانعزال عن العالم أو مناصبته العداء!!، وهذه الأخيرة لا تحتاج لوضوح في انسياقها للمطالب الأمريكية الداعية لوقف التحريض ضد الأمريكيين في الثقافة العربية.
والأعجب أن البيان الذي ألقاه وزير الأوقاف المصري حمدي زقزوق حول قضية تجديد الخطاب الديني تضمن بدوره الحديث عن عدم معادة الآخرين (المقصود الأمريكان بالطبع!)، حيث تحدث الوزير عن خمسة شروط لتجديد الخطاب الديني أربعة منها تحدث فيها عن مراعاة فقه الأولويات والتيسير والانفتاح على الآخر وإبراز الوجه الإنساني والحضاري.
أما الخامسة فكانت تنص على: (الوعي بأن التضامن الإسلامي لا يعني معاداة الآخرين وإعادة النظر في مصطلحات الفقهاء حول دار الحرب ودار السلام وغيرهما من المفاهيم)!
القضية بالتالي لا تحتاج إلى كثير وضوح.. فبعدما سعت أمريكا لتطويع الخطاب الديني الإسلامي بالقوة عبر تغيير مناهج التعليم الديني ووضع ضغوط عليه، أصبح من الضروري، الانتقال إلى المرحلة الثانية وهي تغيير الخطاب الثقافي، خصوصاً أن العالم العربي والإسلامي يدرك أهمية الكلمة وخطورتها، والتغيير المنشود يمكن أن ياتي إذا وضع الأمريكان أيديهم في أيدي مثقفين علمانيين ويساريين عرب لهم عداء تاريخي مع الثقافة الإسلامية!
ويتصل بكل هذا ما يتردد عن إلغاء مادة الدين وأن تستبدل بها مادة الأخلاق وحوار الحضارات، وما يتردد عن إلغاء معاهد دينية والتضييق على مناهج التعليم الديني عموماً، وتدخل خبراء أمريكان في مناهج التعليم العام العربية.
لقد جاء المؤتمر في أوانه حقاً، لكن الأوراق التي تناولها أساءت إساءة بالغة إلى الخطاب الثقافي والإسلامي الذي جاءوا للكلام عن تجديده والتواصل من أجله، ولا أدل على ذلك من أن الطاهر وطار وهو كاتب جزائري يساري كتب إلى وزير الثقافة المصري ينتقد هذا المؤتمر، فأرجع د. جابر عصفور هذا النقد إلى انتماء الطاهر وطار إلى الجماعات الإسلامية الجزائرية!.
إن هذا المؤتمر وما انتهى إليه يهدم ما تقوم به مؤسسة مثل وزارة الأوقاف المصرية من ندوات ومؤتمرات لتجلية صورة الإسلام الصحيحة، ومواجهة التحديات المعاصرة للمسلمين في أنحاء المعمورة كان آخرها مؤتمر المجلس الأعلى الإسلامي الخامس عشر، الذي جاء تحت عنوان "مستقبل الأمة الإسلامية".
بالإضافة إلى أن ما جاء بالمؤتمر الثقافي وما دار فيه من ندوات يخالف مخالفة صريحة نصوص خطابات الرئيس المصري في المناسبات الإسلامية المختلفة من أن الإسلام دين السماحة ودين الحضارة الراقية، ودين المدنية والارتقاء.
كل ذلك يجعلنا نقول إنه كان مؤتمراً لترسيخ "ثقافة التآمر" على قيم الإسلام وثوابته، ولم يكن "مؤتمراً للثقافة"، وصدق الشاعر حين قال:

متى يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟

ولله در الآخر حين يقول:
فلو ألف بانٍ خلفهم هادمٌ كفى فكيف ببانٍ خلفه ألفُ هادم؟
على أن المؤتمر ذاته وفي جميع جلساته تقريباً أرجع الحالة التي تعيشها الشعوب العربية من تخلف وضعف إلى حالة الاستبداد السياسي الذي يعد سبباً في التخلف الثقافي والعلمي والحضاري.
وشهد المؤتمر إجماعاً على أن مشكلة الثقافة العربية الرئيسة تنبع من النظام السلطوي في العالم العربي وهو ما أكده في بحثه الدكتور خلدون النقيب تحت عنوان "ثقافة الهزيمة"" حيث أرجع الحالة التي نعيشها الآن من اضمحلال سياسي وفكري إلي الغطاء التاريخي للتحولات السياسة الدولية مع الساداتية والريجانية في نهاية السبعينيات ونتاج اعتناق نوع من الليبرالية التسلطية والخضوع للغرب فكريًا وفقدان المرجعية السياسية والثقافية.
مطلوب اليوم من المفكرين الإسلاميين الذين استُبعد معظمهم من حضور المؤتمر أن يقاتلوا في جبهتين: جبهة خارجية تمثلها القوى الغربية الأوروبية والأمريكية بما تمارسه من سياسات عدوانية وفلسفات منحرفة، وجبهة داخلية تتمثل في مواجهة مثل تلك الدعاوى والعمل على النهوض بالعقل المسلم والمحافظة على الهوية العربية والثوابت الإسلامية، ولا يجوز أن ننفلت بعيداً عن عقيدتنا وهويتنا التي تحفظ على الأمة تفردها، وتُبقي لها شخصيتها.

الاثنين، 29 سبتمبر، 2008

الضوابط الشرعية للحديث بين الرجل والمرأة على الإنترنت

الضوابط الشرعية للحديث بين الرجل والمرأة على الإنترنت

وصفي عاشور أبو زيد

الحديث على الإنترنت بين الرجل والمرأة حكمه ـ في كثير من جوانبه ـ حكم الحديث مباشرة وجها لوجه، لا سيما وقد أتيح الآن الرؤية عن طريق الكاميرات المعروفة في هذا الشأن، وليس هناك فرق من حيث الشكل سوى عدم تحقق الخلوة التي هي ذريعة لارتكاب الفاحشة.
غير أن المحادثة عبر "الماسنجر" يعطي للرجل والمرأة على السواء بعض الأمن عبر بعد المسافة وعدم المواجهة ما يتيح لهما الجرأة في الطرح، والكلام فيما قد يُستَحَى الحديث فيه عبر المواجهة.

الحرام لذاته والحرام لغيره
وينبغي أن نفرق بين أمرين في حكم الحرام، وهو أن الحرام نوعان: حرام لذاتيه، وحرام لغيره، فالحرام لذاته هو الذي يحرم لذات الفعل مثل شرب الخمر والسرقة والزنا، والحرام لغيره ما كان حلالا في أصله لكن قد يطرأ عليه من المتغيرات والخارجيات ما ينقله من منطقة الحل إلى منطقة الحرمة.

الأصل الإباحة وقد يَرِدُ ما يُحَرِّم
ونستطيع أن نقول باطمئنان: إن لقاء الرجل بالمرأة وحديثهما معا لا يوجد دليل على حرمته الذاتية، لكن قد يطرأ عليه ما يجعله حراما، فالحرمة ـ إن وجدت هنا ـ كانت حرمة خارج الأمر لا نابعة من ذاته.

ضوابط عامة
ومن هنا وضع الفقهاء ضوابط لحديث الرجل مع المرأة، ووردت فيها الآيات الكريمة، مثل عدم الخضوع بالقول، والحشمة الشرعية بشروطها التي لا تشف ولا تصف وتشمل جميع البدن ما عدا الوجه والكفين في قول الجمهور، وحظر كل فعل أو قول يمكن أن يكون ذريعة لشعور بشهوة أو مقدمة للتفكير في المعاصي.

ضوابط خاصة
لكن في الحديث على الإنترنت عبر "الماسنجر" يستحب في هذه المنتديات أو تلك الأحاديث الدعوية أن يكون الرجال مع الرجال والنساء مع النساء، فهذا أسلم لدين الرجل والمرأة ما لم تدع إليه حاجة أو ضرورة، فإذا دعت الحاجة فينبغي أن نضيف بعض الضوابط التي تختص بهذا النوع من المحادثة على النحو التالي:

أولا: ألا يتطرق الحديث بتاتا إلى المعلومات الشخصية كأن يسأل أحدهما الآخر عن السن أو التعليم أو الحالة الاجتماعية ونحو ذلك.
ثانيا: أن يكون الموضوع يستحق الحديث ، ومن الجدة بموضع بعيدا عن مجرد المهاترات وشغل الوقت.
ثالثا: ألا يتعدى الحديث خارج إطار القضية المطروحة أو موضع المناقشة أو موضوع الحوار المتبادل.
رابعا: إذا شعر الرجل أو المرأة بميل قلبي أو تطرقت الشهوة إلى قلب أحدهما فعليه أن يكف عن الحديث ويقطع المكالمة فورا، وإلا وقع في حبائل الشيطان واتبع خطواته التي نهانا الله عن اتباعها.
خامسا: إذا أمكن الاكتفاء بالكتابة فهو أفضل، وإن كان هناك حاجة إلى الحديث بالصوت لاختصار الوقت مثلا وإنجاز المهام، فيجب مراعاة الضوابط الشرعية لذلك كعدم الخضوع بالقول أو ترقيق الصوت ونحوه.
وأخيرا كل إنسان على نفسه بصيرة، وكل فرد أعلم بنفسه ومدى ضعفها أو قوتا، فمَن علم مِن نفسه ضعفا، وخاف على نفسه الوقوع في مصائد الشيطان وجب عليه الكف عن المحادثة ، وإنقاذ نفسه، ومن ظنَّ في نفسه الثبات واليقين، فإننا نرى جواز هذا الأمر في حقِّه لكن بالشروط السابقة.
وينبغي للمرأة والرجل أن يعلما حكم أي فعل قبل الإقدام عليه ، والسؤال عن جوانبه المختلفة، فالعلم بحدود الله من أفضل ما يسعى الإنسان إلى تحصيله. والله أعلم.

عصام البشير.... معالم إنسانية


عصام البشير.... معالم إنسانية
وصفي عاشور أبو زيد
باحث شرعي بالمركز العالمي للوسطية




عن كَثَبٍ لا عن كُتُبٍ، وعن معايشة لا عن سماع أخط هذه السطور العرجاء في مقام الشيخ الجليل، والداعية الإسلامي اللامع، وخطيب الدعوة المفوَّه الأستاذ الدكتور عصام أحمد البشير حفظه الله وسدد خطاه.
لقد عرفته منذ أكثر من خمسة عشر عاما حينما كنا نجتمع ـ نحن الشباب ـ على أشرطة الفيديو المسجلة له في مؤتمرات في الغرب عن موضوعات دعوية وقضايا شرعية، فكنت أشعر فيه بالاتزان في الحديث، والاعتدال في التناول، والوسطية في الطرح، وألمس فيه الروح المشرقة المحلقة التي زادها بهاء وجمالا تمكُّنُه من الأدب نثرا وشعرا، وحفظه للعديد من قِطَع الأدب المُصفَّى التي يُزيِّن بها كلامه، ويؤيد بها أفكاره، فكانت الكلمات والعبارات والأفكار تخرج صحيحة جميلة جليلة رائقة.
ثم تقابلنا ـ في أول لقاء ـ في مصر في صيف عام 2006م من أجل العمل معه في المركز العالمي للوسطية بدولة الكويت، وكان شرفا لي أفاخر وأباهي به أن أقضي معه هذه الفترة منذ ذلك التاريخ حتى الآن، والتي تعاونا فيها على البر والتقوى، ورابطنا فيها على عمل الخير وخير العمل، وحاولنا القيام بما فيه صالح الكويت والأمة الإسلامية كلها.
وأشهد خلال تلك الفترة أنني وجدت في الشيخ البشير صفات إنسانية نبيلة، وخصالا خلقية حميدة يحسن أن أسجلها في هذا المقام ـ وقد أعفي من منصبه أمينا عاما لمركز الوسطية 21/9/1429هـ/21/9/2008م ـ وفاء لبعض حقه علينا، وعرفانا بمعاملته الراقية التي غمرنا بها، واستبقاء لأخلاق التقدير والإجلال والوفاء التي أصبحت نادرة بين المسلمين في هذا الزمان.
ومع أن الدكتور عصام يتمتع بمواهب في جوانب عديدة؛ فهو السياسي الذي قضى أربعة عشر عاما عضوا في البرلمان السوداني، وأربعة أعوام وزيرا للأوقاف والإرشاد الديني، وهو الخطيب المفوه، والمتحدث البليغ، والمحاور الناجح، والداعية اللامع ـ فإني آثرت أن أكتب عنه من ناحية "الإنسان الفاضل"؛ ذلك لأن الناس إذا عرفوا فيه الخطيب والداعية والعالم والسياسي، فإن كثيرا منهم لا يعرف هذا الجانب الإنساني الذي لا يعلمه إلا من عاشره وعايشه، وقد وجدت فيه معالم هذه الإنسانية متمثلة فيما يلي:

أولا: التواضع المخجل:
من الصفات الإنسانية النبيلة التي رأيتها في الشيخ البشير أنه متواضع لدرجة تخجلك، فما من يوم يأتي في للعمل إلا ويسلم على إخوانه من الباحثين العاملين معه، وإذا كان على سفر ورجع مر عليهم فردًا فردا يسلم عليهم ويعانقهم بحرارة، ولو كان غيرُه لصعَّر خدَّه، وجلس في مكانه ليتوارد عليه المصافحون، فهو اللامع وذو المكانة الكبيرة!!
ولقد رأيته حين يكون اجتماعٌ على طعام يقوم بنفسه ويمر على الضيوف ـ بل على إخوانه من الباحثين الذين يصغرونه ربما بعشرين سنة ـ ويسألهم عن احتياجاتهم، ويعرض عليهم أنواعا من الطعام، ولو كان غيره لجلس في مكانه وجاءه الخدم من يمين وشمال.

ثانيا: السؤال عن إخوانه:
ومن الإنسانيات الجميلة التي عرفتها في البشير أنه دائم السؤال عن إخوانه وتفقد أحوالهم، فإذا سافر أحدنا خارج الكويت اتصل به وسأل عنه، وإذا تغيب البعض عن العمل تفقده وحض الإخوة الباحثين على تفقده وزيارته، بل إنه كان يزور إخوانه في بيوتهم، وإذا دعاه أحدهم لبيته فلا يتأخر، وإذا ألم مرض بأحد كان كثير السؤال عنه، وشديد الحفاوة به، ودائم الإحسان إليه.
وهذه صفة نادرة في زماننا، فالمسئول في العمل ـ غالبا ـ لا يكترث كثيرا ولا قليلا بهذه الإنسانيات في علاقة الرئيس بالمرؤوسين، أو المدير بالمدارين، إنما الهم الأكبر والشغل الشاغل هو الإنجاز في العمل، وممارسة الحدة والغلظة والشراسة.
فكان البشير يهتم بالإنجاز، وفي الوقت نفسه لا يهمل الجوانب الإنسانية التي تُضْفي على العمل فيما بعد أجواء صحية وروابط حميمية تصب في صالح العمل، وتعزز العلاقات الإنسانية، وهي طريقة ناجحة في إدارة الأفراد، تجمع بين الإنجاز واستبقاء العلاقة طيبة صافية صحية نقية، وما استفاد المرء بعد الإيمان أفضل من صحبة صالحة وعلاقة إنسانية راقية.

ثالثا: المزاح المحمود:
مع المهام الكبيرة والانشغالات العديدة والأسفار الكثيرة يغلب على الإنسان طابع الجد، ويكون قليل المزاح والمداعبة، غير أن الدكتور عصام لم يكن هكذا، بل كان كثير المزاح مع إخوانه، لطيف المداعبة طيب المعشر، يحكي وقائع من نوادر العرب، ويورد شعرا ونثرا، ويحكي قصصا تاريخية وواقعية يُدخل بها السرور على من معه، في الرحلات وأماكن اللهو المباح.
وكان يُسمِّي بعضَنا بألقاب تصير علمًا عليه، ويُعرف بها بين الباحثين، ويُذكِّر البعض الآخر ـ وهو يمر هنا أو هناك ـ بكلمة يمازحه بها تلخص موقفا من المواقف، أو معنى من المعاني، أو مشهدا من المشاهد التي شهدها معه وشهدها آخرون، فيضفي على أجواء العمل روحا من المودة والأخوة والسرور، ويعيش الجميع في جوٍّ صحي يساعد على الإنجاز والإتقان والإحسان.

رابعا: حرصه على مشاعر الآخرين:
ومن الصفات الرائقة التي لمستها في البشير أنه يحرص حرصا نادرا على مشاعر الآخرين، فالإنسان أمام مشاغل الحياة وضغوط العمل ـ وما أكثر الضغوط النفسية التي كانت وما تزال تحوط المركز العالمي للوسطية ـ قد يتكلم بكلمة أو يتلفظ بلفظ أو يمارس أسلوبا فيه جفاء، أو يتحدث بطريقة تجرح مشاعر الآخرين.
لكن د. عصام كان حريصا على ألا يقع منه شيء من هذا، وإذا وقع كان سريع الفيء والاعتذار للشخص، حتى الذين يكلفهم بأعمال كثيرة تمثل نوعا من الضغط الجسدي والنفسي كان يأتي أمام جمع من الباحثين أو العلماء الضيوف ويشكره أمامهم، ويبين مدى جهوده الحثيثة وتحمُّله لضغوط العمل، وهذا من شأنه أن يمسح ما ران على القلوب ويزيل ما استقر في الصدور من آثار الضغوط والمعاملة.

خامسا: التواصل مع المخالف:
خلال الفترة التي شرفت فيها بالعمل مع د. عصام البشير لم أر أحدا يملك مهارة التواصل مع المخالف، ويحسن أساليب بناء العلاقات معه من الصفر، وتجسير هذه العلاقة، وتحويل البعض من المهاجمين للفكرة إلى المدافعين عنها كما رأيتها مع هذا الرجل.
ومع أن التواصل مع المخالف صفة علمية ومهارة فكرية، فإنها لا تخلو من المعاني الإنسانية، والفكر شيء والمعاملة شيء، والاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية كما يقولون.
فتواصُلُ الشيخ كان معروفا ومشهودا مع الكتاب المعارضين وأصحاب الأعمدة المهاجمين عبر اللقاءات المباشرة وإرسال مطبوعات المركز والتعريف بإنجازاته، وما من فعالية أو مؤتمر أو منشط قام به المركز إلا دعا له كل ألوان الطيف في المجتمع، من إسلاميين وقوميين، وسنة وشيعة، وإخوان وسلفيين، وعلمانيين ودينيين، وموافقين ومخالفين، ومحبين ومبغضين.
ومع أن هجوم الكاتب على الشخص يجعل الشخص متدابرا ومتنافرا معه، وكاشحا ومعرضا عنه، فقد كان البشير يوجه الدعوة إليهم جميعا ولا يجد في هذا غضاضة، بل يرى فيه نوعا من العمل الصالح، والتواصل المحمود لإجراء حوار بناء حول قضايا الأمة يرفع اللبس، ويدحض الشبهات، ويبدد المعلومات المغلوطة؛ ليتضح الحق، وتستبين السبيل، ويظهر الصبح لذي عينين.
وكان من نتائج ذلك التواصل تحقيق ثمار حميدة، فتحول بعض أصحاب الأقلام من الهجوم إلا الدفاع، والتزم آخرون الصمت بعدما تم تحييدهم، بينما ظل البعض الآخر مهاجما وشانئا، وهذا من طبيعة الأشياء والأشخاص.

سادسا: دموع الفراق:
بعدما صدر القرار بإعفاء الدكتور عصام من منصبه أمينا عاما لمركز الوسطية اجتمع بإخوانه من الباحثين والمسئولين في المركز، وشكرهم على المعاملة الطيبة، وقال كلمة بليغة، لا أقول "كأنها موعظة مودع" لأنها كانت كذلك بالفعل، وطلب العفو والصفح من إخوانه إن كان صدر منه ما يسيء إليهم، وعندها فاضت دموع نبيلة من عينيه تأثرا بالمشهد وتفاعلا مع النفوس الصادقة التي عملت معه وحزنت على فراقه.
ولما صدر قرار بوقفه من الخطابة ذهب ليصلي مأموما هذه المرة في الجمعة الأخيرة من رمضان في مسجده الذي طالما هز أعواد منبره بخطب بليغة عميقة فريدة جامعة، وبعد انتهاء الصلاة التف حوله جمهور المسجد، وظلوا يصافحونه لما يقرب من ساعة في مشهد مملوء بالعواطف الجياشة، ومحموم بالدموع النبيلة، ومسكون بالحزن والألم حتى قال له أحدهم: "نشعر بفراقك أننا أصبحنا أيتاما".
كانت هذه دموعا في وداع البشير ليُسدَل الستار على صفحة مهمة في تاريخ الكويت التي كانت وما تزال مصدرا للإشعاع الخيري والعمل الإسلامي، وليس معنى ما سبق أن د. عصام البشير فوق الخطأ أو المراجعة أو النقد، بل كلٌّ يخطئ ويصيب، ويؤخذ منه ويرد عليه، ولم يدَّعِ لنفسه العصمة ولا ادعاها له أحد، ولكن كما قال الشاعر:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع
في تقديري أن هذه الصفات الإنسانية النبيلة، وتلك الأخلاق الإسلامية الكريمة التي تمتع بها شيخنا البشير كانت من آثار تربيته التي تربى عليها، ونشأته التي نشأ فيها بين صفوف أبناء الحركة الإسلامية التي تُربِّي أبناءها على التواضع والتواصل وخفض الجناح وحب الإخوان، بالإضافة إلى تجربته في الحياة، وخبرته في التعامل مع الناس، ومشاركاته الفاعلة في الدعوة الإسلامية المعاصرة.

حلقة استشارات إيمانية في وداع رمضان


حلقة استشارات إيمانية
الاسم
أبو خالد
البريد الإليكتروني
الدولة
السؤال
السلام عليكم كل عام وانتم بخير استاذنا الكريم مر رمضان سريعا ولا اعلم هل ربحت فيه ام الاخري ، فكيف اعرف ذلك وكيف اعرف هل زاد ايماني ام لا ؟


بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله
فإننا نسمع كثيرا من الخطباء والوعاظ عن مدى سرعة مرور هذا الشهر الكريم منذ بدايته، ولكن من تأمل رمضان وغير رمضان وجد أن هذه سنة الله في الأيام، فأيام رمضان كأيام غيره في المرور وسرعة الانقضاء، وكل يوم يمر فلا يعود، وهكذا الدنيا كلها محطة سريعة ثم ينقضي العمر.
واعلم ـ أخي أبو خالد ـ أن من علامات قبول الطاعة أن يوفقك الله لطاعة أخرى مصداقا لقوله تعالى: " وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ". محمد: 17. فالذي يسلك طريق الهداية ييسر الله له سبله، ويذلل له مسالكه، ويعبد له طرقه، فلا يجد من العقبات والموانع والصوارف ما يحجبه عن طاعة الله والسير في طريق هداه.
ومن علامات زيادة الإيمان إقبال المسلم على الطاعة، فيجده الله محسنا في الفرائض متقنا لها بإخلاص وتجرد ويقين، وأنه لا يزال يتقرب إلى الله تعالى بالنوافل، فالصيام ليست نهايته ـ عنده ـ رمضان، فهناك الستة من شوال، وهناك الاثنين والخميس، وهناك ثلاثة أيام من كل شهر، وكذلك القيام لا ينتهي بانتهاء رمضان، فهناك القيام والتهجد، وفضائل الثلث الأخير من الليل، ولا ينتهي الجود بصدقة الفطر وفعل الخيرات بانقضاء رمضان، إنما هو ممتد في بقية العام، وهكذا.
فمتى كان المؤمن مقبلا على طاعة الله، رقيق النفس، خاشع القلب، قريب الدمعة، معرضا عن سفاسف الأمور، ومتحليا بالأخلاق الحميدة، فإيمانه في ازدياد بإذن الله، والله معك، زادنا الله وإياكم إيمانا وهدى.


مسلمة
البريد الإليكتروني
sherinsa@maktoob.com
الدولة
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ارجو من سيادتكم مساعدنى فى علاج قلبى من الفتور فى العبادة لقد كنت ملتزمة اصلى واقراء القرآن يوميا واتقرب لله بالنوافل ولازلت افعل هذا لكنى اشعر بعدم الاخلاص وعدم الخشوع واخشى من سوء الخاتمة ارجو ان تساعدونى فهناك وساوس تروادنى اثناء قراءة القرآن تشكك فيه واخرى تراودنى تحضنى على الفواحش ولا اعلم كيف اطردها من ذهنى حتى فى رمضان فهل هذا دليل على ان نفسى امرة بالسوء وماذا افعل معها جزاكم الله خيرا


بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله
فإن إحساس المؤمن بمداخلات نفسه حول الرياء والنفاق وعدم الإخلاص لهو دليل على الإخلاص لله تعالى، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن أبي هريرة؛ قال : جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال: "وقد وجدتموه؟" قالوا: نعم. قال" ذاك صريح الإيمان". رواه مسلم.ومعنى: (إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم) أي يجد أحدنا التكلم به عظيما، لاستحالته في حقه سبحانه وتعالى. (ذاك صريح الإيمان) معناه: سبب الوسوسة محض الإيمان. أو الوسوسة علامة محض الإيمان".
أما الفتور فهذا أمر يشعر به كثير من المسلمين، وهي حالة كسل بعد نشاط يصاب بها الإنسان، وربما تساوي ضعف الإيمان، ومن أجل دفع الفتور لابد من العمل على زيادة رصيد الإيمان في قلب المؤمن، ومن وسائل ذلك:
دوام مراقبة الله، ومحاسبة النفس، وذكر الله، وتدبر القرآن، والانكسار بين يدي الله تعالى، والدعاء له بضراعة وبكاء، أن يخلصك من هذه الحالة، ويبعد عنك تلك الوساوس، وما ذلك على الله بعزيز.

الاسم
حامد
البريد الإليكتروني
الدولة
العراق
السؤال
في رمضان تكون همة الانسان عالية فإذا ما انقضي رمضان ضعفت الهمم فكيف احافظ علي همتي بعد رمضان ؟

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،
من الضروري لكل ذي قلب أن يراجع نصوص القرآن والسنة حول صفات وخصائص الدنيا والآخرة، كي يعيد التوازن إلى حياته ، ويزيد من ثوابت الإيمان استعدادًا للقاء الرحمن ، وينال من رضاه وجنته ما يجعله سعيدًا في معاشه ومعاده .
وقد كان لأصحاب رسول الله ثوابت عامة إيمانية ، وثوابت خاصة لكل منهم في جانب نبغ فيه من جوانب الخير، و نحتاج أن نكتشف أنفسنا لتكون لنا الصبغة العامة والثوابت الخاصة .

فمن ثوابت الإيمان بعد رمضان:
1ـ الانتقال إلى عمارة المساجد عددًا ونوعًا في توسيع رسالة المسجد الروحية والعلمية والصحية والاجتماعية والفنية .
2ـ تجويد القرآن والانتظام في ختمه قراءة ومعايشة لآياته تدبرًا بالعقل وتأثرًا بالقلب، وتغيرًا بالنفس، وإنشاء حَِلق للقرآن في المساجد والمدارس والبيوت .
3ـ الاحتفاظ بقدر من الصيام طوال العام سواء الست البيض أم عرفة وتاسوعاء وعاشوراء وشعبان والاثنين والخميس ولكسر الشهوة أو الصيام الواجب نذرًا أو كفارة .

4ـ الاندماج في أعمال البر ومؤسسات النفع العام قتلا للرتابة وملأ للفراغ بما ينفع الناس ، ويجعل لحياة الإنسان قيمة عليا في الدنيا والآخرة .

ومن الجوانب العملية المفيدة في الالتزام بثوابت الإيمان بعد رمضان العلم المنهجي الذي يزيل الشبهات، ويزكي الطاقات والقدرات ، ثم مجاهدة النفس التي تعالج نزغات الهوى وضغط الشهوات، ومعاقبة النفس إن تخلت عن ثابت من ثوابت الآخرة ، بترك ثابت من ثوابت الدنيا .

إبراهيم غالب
البريد الإليكتروني
almesbahi1@yemen.net.ye
الدولة
اليمن
السؤال
كيف نودع رمضان و كيف نعرف اناكنا من المقبولين في رمضان

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،
الخروج من شهر الصيام أو القرب من الخروج منه ينبغي أن يكون قلب الإنسان فيه واجفا خائفا ألا يتقبل الله منا، فيظل الإنسان يدعو ويجأر إلى الله أن يتقبل منه الصلاة والصيام والقيام والزكاة وكل الطاعات.
وإذا بقي في رمضان يوم أو يومان، ساعة أو ساعتان، فعلى المسلم أن يجتهد فيها أملا في رحمة الله ومغفرته، وطمعا في العتق من النيران، فلعل الله لا يغفر للبعض إلا في هذه الساعة.
ومن هنا لا ينبغي أبدا أن نشيع مثل هذا الخطاب التعجيزي والتيئيسي منذ أول يوم في رمضان؛ حيث يصرخ الدعاة والوعاظ في وجوه الناس أن رمضان قد انتهى وولى، خسر فيه من خسر وربح فيه من ربح؛ لأن من شأن هذا أن يعجِّز عالي الهمة، ويجعل المقصر أكثر تقصيرا وإعراضا عما يمكن أن يقوم به فيما تبقى من رمضان.
فعلى المسلم أن يستثمر كل لحظة بقيت في رمضان، وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم تعطها أمة قبلهم خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا ويزين الله عز وجل كل يوم جنته ثم يقول يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليك ويصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصوا إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره ويغفر لهم في آخر ليلة، قيل يا رسول الله أهي ليلة القدر قال لا ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله".

ومعرفة القبول على وجه اليقين لا يعلمه إلا الله، وهذا من شأنه أن يجعل المسلم يزيد في دعائه وتضرعه إلى الله اأن يجعله في عداد المقبولين الفائزين، ولكن من علامات القبول أن يوفق الله عبده إلى الاستقامة على الإيمان، والثبات على الطاعات بعد رمضان، والله أعلم.

الاسم
راوية
البريد الإليكتروني
الدولة
السؤال
دعوة الله باخلاص شديد خلال رمضان فهل سيتحقق دعائي؟ ام قد لايتحقق؟ وكيف امنع اليأس و القنوط عن نفسي؟ واستمر بالعبادة كما يرضي الله و كما ينبغي لنور وجهه الكريم؟ وماهي الذنوب التي تجلب البلاء و تحبس الدعاء؟

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،

اعلمي أيتها الأخت الفاضلة أن الله تعالى وعد بإجابة الدعاء، فهو القائل جل شأنه: "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم"، وقال: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان".
ولكن ـ كما تعلمين ـ ليس معنى إجابة الدعاء أن يتحقق أمام عينيك، وإن كانت هذه من صور تحقق الدعاء، فقد قال العلماء: يستجاب الدعاء بثلاثة أشكال: تعجل إجابته في الدنيا، أو تؤخر له في الآخرة، أو يغفر لصاحبه بمقدار ما دعا.
عن أبي هريرة - رضي الله عنه – قال: قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "ما من رجل يدعو بدعاء إلا استجيب له، فإما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يؤخر له في الآخرة، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بمقدار ما دعا".
وذكروا أنه يستجاب يقيناً إذا توافرت شروط أربعة:
- اليقين في الإجابة: "ادعوا الله وأنتم موقنون في الإجابة".
- الخشوع بين يدي الله والذل: "اعلموا أن الله لا يستجيب الدعاء من قلب غافل لاه".
- عدم الاستعجال: "يستجاب لأحدكم ما لم يستعجل، يقول قد دعوت وقد دعوت، فلم أر يستجاب لي، فيترك الدعاء"
- أكل الحلال: "أطب مطمعك تكن مستجاب الدعوة".

وإذا اتصلت بالله تعالى وقويت صلتك به فلن يكون لليأس ولا للقنوط إليك سبيلا، فإنه ليس من شيم المؤمنين، ولا من صفات المتقين، وإنما هو من لوازم الكفر والضلال كما ذكر القرآن الكريم، وقانا والله وإياكم شر الكفر والضلال.
والوسائل التي ذكرتها في إجابتي على الأخ حامد فيها من عوامل الثبات على الطاعة ما يمكن أن يوفق الله به.
ومن المشهور من الذنوب التي تحبس الدعاء :

ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد ورد عن المصطفى عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام : {لتأمرنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر ، أو ليسلـّطـَن اللهُ شراركم على خياركم ، فيدعو خياركم فلا يـُستجاب لهم}

ومن المؤكـّد أنّ الطعام والملبس الحرام من موانع الاستجابة : فعن المصطفى عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام لمن قال له: أحب أن يستجاب دعائي : طهـّر مأكلك ولا تـُدخل بطنك الحرام }
وحتماً الكسب الحرام يحبس الدعاء ، فعن المصطفى عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام : { أطب كسبك تـُستجـَب دعوتـُكَ ، فإنّ الرجلَ يرفعُ اللقمة إلى فيه حراماً ، فما تـُستجابُ دعوتهُ أربعين يوماً }


كما أنّ الذنوب بشكلٍ عام من أهم أسباب حبس الدعاء ، ومن المؤكـّد أيضاً أن حبس حقوق العباد وحقوق الله وتأخيرها مـِن أبرز عوامل حبس الدعاء، واللهُ هو الموفـِّق.

الاسم
هيمن
البريد الإليكتروني
hemn_iq@yahoo.com
الدولة
العراق
السؤال
السلام عليكم استاذى ما هو وصيت النبى صلى الله عليه وسلم للاستقامة لمابعد رمضان؟


بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،
لا أعرف للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصية خاصة للاستقامة بعد رمضان، وإنما هناك ما سبق ذكره في الإجابات على أسئلة الإخوة من الاجتهاد في الطاعة، والاستمرار عليها، وممارسة الدعوة إلى الله، والدعاء الخاشع أن يتقبل الله الصيام والقيام والصدقات، ومحاولة استصحاب روح رمضان بعده، واستشراف رمضان القادم، والدعاء أن يبلغنا الله إياه.

الصيام لجام الشهوات الأربع


الصيام لجام الشهوات الأربع
وصفي عاشور أبو زيد
Wasfy75@hotmail.com
يهل رمضان من كل عام وتهل معه الخيرات والبركات، وتتضاعف فيه التنزلات والفيوضات؛ فتفيض فيه المشاعر، وتشف فيه النفس، ويرق فيه القلب، وتقترب فيه الدمعة، ويتكافل فيه المسلمون، وتتوحد فيه الأمة، ويكون المسلم أقرب ما يكون إلى مولاه جل وعلا: "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ". البقرة: 186.
وللصيام فوائد عظيمة على أنحاء كثيرة ومتنوعة، وحسبنا من ذلك أن الصيام لجام الشهوات الأربع: شهوة البطن، وشهوة الجنس، وشهوة الغضب، وشهوة الكلام؛ فالصوم مدرسة لعلاج هذه الشهوات الموجعة للفرد وللأسرة وللمجتمع وللدولة وللأمة وللعالم كله؛ فلا غرو أن يكون الصوم هو هذه "الكبسولة" الربانية التي تعالج الشهوات النفسية، وتعالج أكبر هذه الشهوات في وقت واحد، هذا هو موضوع كتاب: "الصيام لجام الشهوات الأربع" للأستاذ الدكتور صلاح الدين سلطان، المستشار الشرعي للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمملكة البحرين وأستاذ الشريعة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، الذي يبين فيه كيف يكون الصيام منهجا للإصلاح في حياة الناس.
ويقسم المؤلف كتابه إلى ثلاثة مباحث، المبحث الأول: آثار الشهوات الأربع بدون لجام، والمبحث الثاني: أثر الصيام في تهذيب شهوات المسلم والمسلمة، والمبحث الثالث: البرامج العملية لتحصيل لجام الشهوات الأربع.

آثار الشهوات الأربع بدون لجام
ولا يتصور المسلم بدون لجام لشهواته إلا جسدا، الشكل شكل إنسان والروح روح حيوان، بل أضل سبيلا. ومن أهم التدابير الشرعية التي شرعها الله تعالى للجم هذه الشهوات هو الصيام.
فشهوة الطعام لها آثار مدمرة للأسرة والمجتمع من انفلاتها بلا لجام، وحسبنا من ذلك أنها تؤدي إلى السمنة ذات الآثار الصحية الخطيرة والكثيرة والتي تزيد عن خمسة وعشرين مرضاً عضالاً، منها جلطات القلب وضغط الدم، والتهابات المرارة والمفاصل والسرطان في القولون والمستقيم والبروستاتا والرحم والثدي والمرارة وأمراض النقرس، والسكر، والحساسية والحكة، وتذهب الفطنة، وتؤدي إلى الكسل عن الحركة والعمل والإنتاج.
وشهوة الجنس التي تعتبر أكبر تجارة في العالم اليوم إذا تركناها بلا لجام فإن لها آثارا خطيرة، ويذكر الدكتور صلاح إلى أن آخر التقارير لمنظمة الصحة العالمية تشير إلى أن الأمراض الجنسية هي أكثر الأمراض انتشارا في العالم، وأنها أهم وأخطر المشاكل الصحية العاجلة التي تواجه دول الغرب، فعدد الإصابات في ارتفاع مستمر في كل الأعمار خصوصا في مرحلة الشباب، بالإضافة إلى أمراض أخرى مثل: الهربس، القرحة، الرخوة، الورم البلغمي الحبيبي التناسلي، الورم الحبيبي، ثآليل التناسل، المليساء المعدية، التهاب الكبد الفيروسي، إلى غير ذلك من فطريات وطفيليات الجهاز التناسلي التي تصيب ملايين الناس.
وأما شهوة الغضب التي تعتبر جمرة من النار يلقيها الشيطان في قلوب وعقول الناس؛ فنجد خلافات على أشياء قليلة جداً صارت سبباً في مجزرة للبشر مثلما نشر عن غضبة فلاح قام بقتل جاره لأنه ضرب حماره عندما أكل شيئاً قليلاً من حقله، وأخذا بالثأر قُتل صاحب الحمار والجار، وعاش الحمار، ولو حققنا أكثر حالات الشقاق والطلاق فسنجد أن الغضب بلا لجام هو الذي حوَّل الحياة السعيدة إلى نار مستعرة ثم الانفصال، وأحياناً الاعتداء بشكل مريع على الزوجة أو من الزوجة على زوجها، وهي وراء أكبر من هذه الجرائم؛ فالاتحاد السوفيتي قتل أكثر من 19 مليون شخصاً لتأسيس الإمبراطورية السوفيتية، والحرب العالمية الأولى والثانية حصدت ما يزيد عن 20 مليوناً، وقتلت فرنسا في الجزائر أكثر من مليون ونصف، والحرب على العراق وأفغانستان وفلسطين والصومال والشيشان وكشمير تحصد كل عام ما لا يقل عن مليون خاصة من الأطفال والنساء، وهذا بسبب الغضب بلا لجام الذي ملأ عقل ووجدان أعداء الإسلام من الصهاينة والشيوعيين والصليبين والهندوس وغيرهم.
وأما شهوة الكلام بلا لجام فكم أفسدت صداقات حميمة، وعلاقات رصينة، وعشرة قديمة، وصحبة عتيقة، فحولت الوئام إلى خصام، والتوافق إلى تشاقق، والتقارب إلى تباعد، وصلة الأرحام إلى تنابذ وانقسام، والإحسان إلى الجيران إلى التربص والهجران، مما أثار الأنانية والانعزال، وحسبنا فيها ما رواه البخاري بسنده أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً فيُرفع بها في الجنة سبعين خريفاً، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم). رواه البخاري.


أثر الصيام في تهذيب المسلمين
يقول الدكتور صلاح سلطان: "الصيام عامة وفي رمضان خاصة ذو أثر مباشر في تهذيب النفس روحيا وخلقيا وعقليا وبدنيا ليكون اللجام للنفس قويا أخذا بعنان المسلم والمسلمة من جميع جوانب انفلات الهوى، حتى يجعله عبداً ربانياً، يحمل مكارم الأخلاق ويتحلى بعقل راجح ، وبنيان قوي". ومن هنا سيتناول أثر الصيام في إصلاح الفرد في جوانبه الأربعة: الروحية، والخلقية والعقلية، والجسدية:

أولا: الجانب الروحي:
فالجانب الروحي في الإنسان هو مصدر سعادة الفرد أو شقائه، فقد يؤتَى الإنسان من نعيم الدنيا ما يشبع الجسد، وقد يتعلم من فنون العلم ما يجعله في مصاف الحكماء والعلماء، ولكن انشراح الصدر، واطمئنان القلب، وهدوء النفس لا يأتي إلا بإصلاح الجانب الروحي الذي للصيام في إصلاحه نصيب كبير.
فالصيام بآدابه وأركانه يؤدي إلى التقوى لقوله تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183)، والمسلم الذي يحب الله تعالى يداوم على الصيام فهو ينتظر شهر رمضان ليغسل نفسه غسلاً كاملاًَ من الذنوب والآثام ، ويطهر نفسه من المعاصي، وهذا يزيل الران على القلب، فإذا ما انتهى رمضان صار الصوم له إلفا ومصدر سعادة قلبية، لانشراحه برحمة الله وفضله.
كما يجد المسلم نشاطاً روحيا خاصة في شهر رمضان؛ وذلك لأن الله تعالى يقيد مردة الشياطين، ويرسل ملائكته تنادي: "يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أدبر"، وشعور العبد أن الفريضة في رمضان تعدل سبعين فريضة فيما سواه، وأن النافلة مثل ثواب الفريضة، وأنه شهر العتق من النار، والعودة إلى الله، وتحري ليلة القدر، والاعتكاف في العشر الأواخر، هذا يمثل جرعة روحية كبيرة لا تكاد تعدلها جرعة أخرى طوال العام اللهمّ إلا جرعة الحج لله تعالى .
ويؤكد الدكتور صلاح أنه إذا كان المسلم في رمضان يجد نشاطاً روحياً بالنهار لأنه يدع شهوته لله تعالى، فإنه بالليل ينعم أيضاً بهذا النشاط الروحي بقيام الليل في صلاة التراويح كل ليلة، ومن المنح الروحية في الصيام أن له دعوة ما ترد، ويظل المسلم والمسلمة ينتقل من خير إلى خير، فيزداد تعلق القلب بالله تعالى، ويقل تعلقه بالدنيا؛ فيشعر أنه بحاجة إلى خلوة مع ربه جل وعلا فيلجأ إلى الاعتكاف آخر الشهر في العشر الأواخر ليزيد حبال المودة بالرغبة والرهبة والخوف والرجاء.

ثانيا: الجانب الخلقي:
فالصيام من أهم العبادات التي توصل المسلم أو المسلمة إلى مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، وتباعد بينه وبين سفاسفها، فالصيام هو إمساك المكلف بنية عن المطعم والمشرب والجماع والاستمناء والاستقاء من الفجر إلى المغرب، وهذه تجمع الشهوات الغالبة التي تهوي بالنفس إلى مستنقع الرذيلة.
والصيام يقيم سياجاً قويا بين المسلم أو المسلمة وما حرم الله تعالى؛ فإذا كان قد غلب نفسه، وحرمها من الحلال الطيب في الأصل في وقت معين بنية وعزيمة واستعانة بالله تعالى، فهو لا شك أقدر على الامتناع عن الحرام في كل وقت وحين، ومن أجل هذا يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه". رواه البخاري.
والصيام يحرر المسلم أو المسلمة من داء الشح وهو مرض عضال يُهلك أي إنسان، والصيام يعوّد المسلم خلق العفة والطهارة، ويحجب عنه هواجس النفس وثوران الشهوات؛ ولهذا كان الصيام مستحبا لكسر الشهوة كما سبق حتى لا تستعبده شهوة الفرج، وبريق ماء وجهه في السعي وراء المحرمات، وتنتهك عرض العفيفات فينقلهن إلى دائرة الفحش والرذيلة، أو ينحاز إلى نفسه ويغرق في بحر الاستمناء مما يضعف مقاومته لشهوته، ويضاعف آلامه النفسية، ويحرمه من الثقة في نفسه.
والصيام ينمي في المسلم أو المسلمة أعظم أخلاق الإسلام وهو الحياء، ويعوّد الصيام المسلم على احترام قيمة الوقت، ويربطه دائماً بطاعة الله تعالى.

ثالثا: الجانب العقلي:
مما يعجب له المؤمن أن يكون للصيام أثر على نماء العقل وتفتيح آفاقه وتوسيع مداركه، فإذا كان من ثمار الصيام التقوى، فإن هذه التقوى تفتح على المسلم آفاق العلم والخير، والصيام يجعل عقل الإنسان أكثر نشاطاً وإدراكاً؛ لأن البطن إذا امتلأت تذهب الفطنة كما جاء في الأثر "البطنة تذهب الفطنة"، ومن أكل كثيراً نام كثيراً وحُرم من خير كثير.
وكثرة قراءة القرآن في هذا الشهر، أو الاستماع إليه في صلاة التراويح أو غيرها مما يرسي أصول العلم لدى المسلم أو المسلمة، ففي القرآن أصول العلم التجريبي، وأصول العقيدة الصحيحة وقواعد التشريع الكاملة، وقصص السابقين من الطائعين والعاصين، وهذا من أكبر موارد النمو العقلي.
ولا شك أيضاً أن عقلية المسلم تكون في غاية المرونة وهو يقرأ من أحكام الصيام أن كل ما دخل الجوف مما يستحيل التحرز منه لا يفطر مثل رائحة الدخان أو الطيب أو الماء الذي يسبق إلى الجوف عند المضمضة مع عدم المبالغة وما دخل عن طريق المسامع عند العطس أو الاستحمام ومن خرج منه منيٌّ بغير شهوة فصومه صحيح، ومن ذرعه القيء فلا شيء عليه، ومن أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه، والقطرة في العين لرمد لا يفطر الصائم، والحقن للتداوي لا تفطر.
هذه الأحكام وأمثالها تصوغ العقل المسلم صياغة رائعة مرنة قوية، يضع الحدود ويقدر الأعذار ويراعي الظروف والأحوال التي تخرج من طاقة كل إنسان فيقدرها بقدرها.

رابعا الجانب الجسدي:
فالإسلام يحرص على بناء الجسد بناء قويا سليما صحيحا؛ ينهض بالتكاليف ، ويخطو إلى الإنتاج ، ويصلح للجهاد في سبيل الله، ويتقدم في شجاعة وبسالة نحو مجد أمته.
وحسبنا في دور الصيام في إصلاح الجانب الجسدي عند الإنسان ما جاء عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "صوموا تصحوا".
فالصوم صحة للجسد وقوة للبناء، وفيه تعويد على خشونة العيش، والحق أن الإنسان إذا لم يصم يُرهق معدته ويُمرض جسده، لكن الصيام يعطي للمعدة هدنة مؤقتة تعود إلى نشاطها مع المغرب فتكون الفائدة من الطعام أتمّ وأوفى.
ويشير الدكتور صلاح إلى أن فريقًا من الباحثين المسلمين قام ببحث علمي تجريبي انتهى إلى أن الصيام يزيد الصحة، ويقوي جهاز المناعة، وقاموا بإجراء التجارب على الصائمين قبل الصيام وأثناءه وبعده وذلك في مدينة بنما سيتي ولاية فلوريدا بأمريكا، وانتهوا في أبحاثهم التي أجروها على أكثر من مائة حالة أن الصيام بالفعل يقوي جهاز المناعة الذي يقاوم بأمر الله تعالى كل الأمراض التي يتعرض لها جسم الإنسان دائماً، وهذا عكس ما يتصوره بعض عوام المسلمين أن الصيام يضعف الجسم وينهك الجسد.
ومن أجل صحة الجسد منع الإسلام وصال الصوم لأنه يضعفه، واستحب السحور؛ لأنه يقوي البدن على الصيام، وجعل الطعام والشراب لوقت محدد، ومنعه أيضا لوقت محدد، وفي هذا تعويد للبدن على التقشف والدربة والمران على الأوضاع المختلفة، ومن هنا تبدو آثار الصيام ثم الاقتصاد في الطعام والتدرج فيتناوله فيزداد الجسد قوة وحيوية.

البرامج العملية لتحصيل لجام الشهوات الأربع
وحتى يكون الكلام متوازنا ونافعا، وتكون جوانب الموضوع حاضرة والمشهد مكتملا أورد الدكتور صلاح سلطان في نهاية الكتاب برنامجا عمليا إذا سعى عليه المسلم استطاع أن يلجم شهواته، ولا غرو فالإسلام جمع بين المثالية والواقعية، والجماعية والفردية، والبدنية والروحية ، والدنيا والآخرة.
وقد وضع المؤلف عشرة برامج عملية يقول عنها: "هناك وسائل عشرة أرجو أن نعاهد الله عليها، ولا تخشى ـ أخي وأختي في الله تعالى ـ من البدء في لبس اللجام الرباني فإن الله سيعيننا، ألا نرى الكثير يلبس سنوات معادن على أسنانه لإعادة تقويمها وتحسين شكلها، فهل يليق بالمسلم أو المسلمة أن يستنكف اللجام الرباني الذي يعود عليه بخيري الدنيا والآخرة؟ في داخلنا بلا شك فطره تحب هذه البرامج العشرة إذا أزلنا صدأ المعاصي بالتوبة النصوح، وجاهدنا أنفسنا في لُبس اللجام الرباني، منتظرين دائماً عون الله سبحانه وتعالى ففي أعماقنا قوة داخلية نحتاج إلى استثمارها، كما نرى كثيراً جداً من المدخنين، بل من الذين يسكرون يمتنعون ويتوقفون في رمضان، معناه فيهم خير، وفيك خير، فينا قوة تستطيع أن تمتنع عن الحرام".
وهذه البرامج هي: البرنامج الأول: الإخلاص. البرنامج الثاني: الاقتصاد في الطعام والشراب. البرنامج الثالث: قراءة القرآن. البرنامج الرابع: القيام. البرنامج الخامس: الأذكار. البرنامج السادس: الدعاء. البرنامج السابع: الاعتكاف. البرنامج الثامن: الجود والكرم. البرنامج التاسع: الحلم والصفح. البرنامج العاشر: هو إصلاح ذات البين.
ويبين فضل كل برنامج منها، ثم يوضح وجه الإصلاح الذي يقوم به كل برنامج، ويختتم كتابه بكلمات طيبة يقول فيها: "إن مدرسة الصيام مدرسة تربوية ربانية، تنقل الإنسان من البطنة إلى الفطنة والصحة، تنقل الإنسان من الخسة إلى العفة، تنقل الإنسان من الثرثرة إلى الحكمة، تنقل الإنسان من الغضب والعويل إلى الحلم والصفح الجميل، فهل نعاهد الله أن يكون رمضان في كل عام سبباً في أن نعالج هذه الشهوات الأربع؟!". نرجو ذلك، وما هو على الله بعزيز.

تفجير النفس في العدو ...رؤية فقهية

تفجير النفس في العدو ...رؤية فقهية
وصفي عاشور أبو زيد
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإن الجهاد طريقة متبعة، وسنة ماضية، وفريضة محكمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولقد رفع الإسلام شأنه، وأعلى في الدنيا والآخرة ذكره، فجعله ذروة سنام الإسلام في أحكام الدنيا، وجعل صاحبه مع النبيين والصديقين والربانيين في أحكام الآخرة.

الجهاد في القرآن والسنة والتاريخ:
والقرآن الكريم تفيض من بينه الآيات التي تُوجب الجهاد وتحرض عليه، وتبين عاقبته وفضله في الدنيا والآخرة، بل إن سُوَرًا كاملةً سُميت بأسماء تُشير إليه وتدل عليه، مثل سورة "الأنفال" وهي من آثار القتال، وسورة "القتال" التي تعرف بسورة "محمد".
والسنة النبوية هي الأخرى حافلة بالأحاديث التي تُبين موقع هذه الفريضة الغائبة من الدين، وتبرز مكانة الشهيد ومنزلته في الجنة، وحسبنا قولُ النبي- صلى الله عليه وسلم-: "انتدب الله- عز وجل- لمن خرج في سبيله، لا يُخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي، أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل"(
[1]).
والتاريخ الإسلامي مليء بالقصص والمعارك البطولية التي جاد فيها أبطال المسلمين بأرواحهم ودمائهم، وقدموها رخيصةً في سبيل الله طلبًا لرضاه، وفوزًا بجنته، وحمايةً للأعراض، وذَوْدًا عن الحرمات، واستبقاء للأرض والمقدسات، حتى إن بعضهم كان يرمي تمرات في يده استعجالاً للشهادة وفوزًا بجنات النعيم.
وليس الجهاد مقصورًا على القتال فقط- كما شاع بين الناس اليوم- فإذا ذُكر الجهاد انصرفت الأذهان إلى المواجهة والقتال، والواقع أن الجهاد أشملُ من هذا بكثير، وقد نيَّفه العلامة المحقق "ابن قيم الجوزية" على عشرة أنواع في كتابه: "زاد المعاد".
وأساليب أعدائنا دائمًا في تطور وتقدم مذهل وسريع في المكر والخداع، والقوة والإعداد، والتخطيط والتدبير، ومطلوب من المعسكر الإسلامي أن يكون على نفس المستوى- إن لم يكن أعلى- من التخطيط والتدبير، والتقدم والتطور، ومسايرة هذه الأساليب، بل يجب سبقها وابتكار ما يقذف في قلوبهم الرعب والفزع، واستحداث ما يلقي في نفوسهم الرهبة والهلع؛ تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ...﴾ (الأنفال:60).

نوع جديد من المقاومة:
ولقد أفرز العدوان الصهيوني في أرض البطولات ومحضن الرسالات الإلهية "فلسطين"- التي جعلها الله سببًا للصراع بين الحق والباطل على مر التاريخ- نوعًا جديدًا في شكله قديمًا في مضمونه من المقاومة لهذا الطغيان الهادر، والحاجة أمّ الاختراع كما يقولون.
هذا النوع عبارة عن: أن يذهب الشاب المسلم "مُقنبِلاً" نفسه، فيملأ حزامًا ناسفًا أو حقيبة أو سيارة بالمواد المتفجرة ثم يقتحم على العدو مكان تجمعهم أو يشاركهم في وسيلة من وسائل المواصلات ويتظاهر بالاستسلام لهم، ويوهمهم أنه واحد منهم، حتى إذا أيقن أنه سيقتل أكبر عدد ممكن ورأى الفرصة مواتيةً فجَّر ما يحمله من هذه المواد في نفسه ومن حوله فيخرُّون بين قتلى وجرحى، وحتمًا سيكون هذا الشاب من بين القتلى؛ لأنه يكون الأقرب إلى المادة المتفجرة.

اختلاف العلماء حوله:
وقد اختلف العلماء حول هذا النوع من المقاومة بين مجيز ومحرّض، ومانع ومحذّر، ومتوقّف متبين، وسوف نشير فيما يلي إلى رأيَين تلخَّصت فيهما- تقريبًا- آراء العلماء المعاصرين، يتبلور الأول في إجازة هذا النوع من المقاومة والتحريض عليه ومدِّه ومؤازرته بكل أنواع المؤازرة، إذ إن هذا الفريق رأى أن هذا النوع من المقاومة يُعد أرقى أنواع الجهاد في سبيل الله في هذا العصر.
والفريق الثاني يجيزها بضوابط وشروط ما تحققت فهي جائزة، وما لم تتحقق فهي ممنوعة، وقد يدخل صاحبها في زمرة المنتحِرين.

الرأي الأول:
يرى أصحاب هذا الرأي أن هذه العمليات من أرقى أنواع الشهادة في سبيل الله، وأنها جندٌ من جنوده سبحانه، وأنها هي التي أفقدت الصهاينة وأعوانهم الأمن والسلام، وقذفت في قلوبهم الرعب والفزع، وأحدثت توازن الرعب الذي نسمع عنه كثيرًا ونقرأ عنه أكثر، ولا تمت بصلة إلى الانتحار أو الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة.
ومن العلماء الذين أيدوا هذا الرأي: جبهة علماء الأزهر، ومجموعة من العلماء في الأردن، والدكتور "محمد الزحيلي" والدكتور "وهبة الزحيلي"، والدكتور "محمد سعيد رمضان البوطي"، والدكتور "نزار عبد القادر ريان"، والشيخ "عكرمة سعيد صبرى"، والدكتور "علي محمد الصوا"، والدكتور "همام سعيد"، والدكتور "يوسف القرضاوي"، والدكتور "جاسم عجيل النشمي"، والدكتور "عبد الرزاق الشايجي"، والداعية "فتحي يكن"، وشيخ قراء الشام "محمد كريم راجح"، والشيخ "محمد متولي الشعراوي"، والدكتور "إبراهيم البيومي"، والشيخ "عبد المجيد زيدان"، والشيخ "سلمان بن فهد العودة"، والدكتور "محمد عبد الحليم عمر"، والدكتور "جلال الدين عبد الرحمن"، والشيخ "جمال قطب"، والدكتور "محمد بلتاجي حسن"، والشيخ "فيصل مولوي"، والشيخ "عبد الوهاب الديلمي"، والشيخ "سليمان بن ناصر العلوان"، والدكتور "رفعت فوزي عبد المطلب"، وغير ذلك من علماء(
[2]).
وسوف نقتصر من هذا الفريق على فتوى الشيخ "يوسف القرضاوي"؛ لأنها أبينُها وأوضحُها، وأكثرها إيرادًا لأقوال الفقهاء والمفسرين، وأكثرها توضيحًا لهذا الرأي، وأيضًا فهي أدفع فتاوى هذا الرأي للشبهات.

يقول فضيلة الشيخ الدكتور "يوسف القرضاوي":
تساءل الكثيرون بعد التفجيرات الأخيرة التي تمت في القدس وتل أبيب وعسقلان، وقتل فيها من قتل من الصهيونيين، نتيجة العمليات الاستشهادية التي قام بها شباب من حركة المقاومة الإسلامية (حماس).. تساءلوا عن حُكم هذه العمليات التي يُسمونها (انتحارية) هل تُعد جهادًا في سبيل الله أو إرهابًا؟ وهل هؤلاء الشباب الذين يضحون بأنفسهم في هذه العمليات يعتبرون شهداء أو يعتبرون منتحرين؛ لأنهم قتلوا أنفسهم بأيديهم؟ وهل يعتبر عمل هؤلاء من باب الإلقاء باليد في التهلكة الذي نهى عنه القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة:195)؟!.
وأود أن أقول هنا: إن هذه العمليات تُعد من أعظم أنواع الجهاد في سبيل الله، وهي من الإرهاب المشروع الذي أشار إليه القرآن في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال:60)، وتسمية هذه العمليات (انتحارية) تسمية خاطئة ومضللة، فهي عمليات فدائية بطولية استشهادية، وهي أبعد ما تكون عن الانتحار، ومن يقوم بها أبعد ما يكون عن نفسية المنتحر.
إن المنتحر يقتل نفسه من أجل نفسه، وهذا يقدم نفسه ضحيةً من أجل دينه وأمته، والمنتحر إنسان يائس من نفسه ومن روح الله، وهذا المجاهد إنسان كله أمل في روح الله تعالى ورحمته.. المنتحر يتخلص من نفسه ومن همومه بقتل نفسه، والمجاهد يقاتل عدو الله وعدوه بهذا السلاح الجديد، الذي وضعه القدَر في يد المستضعفين ليقاوموا به جبروت الأقوياء المستكبرين: أن يصبح المجاهد (قنبلة بشرية) تنفجر في مكان معين وزمان معين في أعداء الله والوطن، الذين يقفون عاجزين أمام هذا البطل الشهيد، الذي باع نفسه لله، ووضع رأسه على كفه، مبتغيًا الشهادة في سبيل الله.
فهؤلاء الشباب الذين يدافعون عن أرضهم- وهي أرض الإسلام- وعن دينهم وعرضهم وأمتهم- ليسوا بمنتحرين، بل أبعد ما يكونون عن الانتحار، وإنما هم شهداء حقًا، بذلوا أرواحهم- وهم راضون- في سبيل الله، ما دامت نياتهم لله، وما داموا مضطرين لهذا الطريق لإرعاب أعداء الله، المصرِّين على عدوانهم، المغرورين بقوتهم، وبمساندة القوى الكبرى لهم، والأمر كما قال الشاعر العربي قديمًا:
إذا لم يكن إلا الأسنةَ مركبٌ فما حيلة المضطر إلا ركوبها!
وليسوا بمنتحرين، وليسوا بإرهابيين، فهم يقاومون- مقاومة شرعية- من احتل أرضهم وشردهم وشرد أهلهم، واغتصب حقهم، وصادر مستقبلهم، ولا زال يُمارس عدوانه عليهم، ودينهم يفرض عليهم الدفاع عن أنفسهم، ولا يجيز لهم التنازل باختيارهم عن ديارهم، التي هي جزء من دار الإسلام.
ولا يعد عمل هؤلاء الأبطال من الإلقاء باليد إلى التهلكة، كما يتصور بعض البسطاء من الناس، بل هو عمل من أعمال المخاطرة المشروعة والمحمودة في الجهاد، يقصد به النكاية في العدو، وقتل بعض أفراده، وقذف الرعب في قلوب الآخرين، وتجرئة المسلمين عليهم.....ولا بأس أن أسوق هنا ما ذكره الفقهاء في هذا الجانب وما ذكره المفسرون في آية ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة:195).

ما قاله "الجصاص الحنفي":
قال الإمام "الجصاص الحنفي" في كتابه (أحكام القرآن) في تفسير هذه الآية: قد قيل فيه وجوه، أحدها: ما رواه بسنده عن أسلم بن عمران قال غزونا بالقسطنطينية وعلى الجماعة "عبد الرحمن بن الوليد"، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مه مه! لا إله إلا الله! يلقي بيديه إلى التهلكة! فقال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر دينه الإٍسلام، فقلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة:195) فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة هو أن نقيم في أموالنا فنصلحها وندع الجهاد، قال أبوعمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دُفن بالقسطنطينية.. فأخبر أبو أيوب أن الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة هو ترك الجهاد في سبيل الله، وأن الآية في ذلك نزلت، ورُوي مثله عن ابن عباس وحذيفة والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك.
ورُوي عن البراء بن عازب وعبيدة السلماني... الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة هو اليأس من المغفرة بارتكاب المعاصي، وقيل: هو الإسراف في الإنفاق حتى لا يجد ما يأكل ويشرب فيتلف، وقيل: هو أن يقتحم الحرب من غير نكاية في العدو، وهو الذي تأوله القوم الذي أنكر عليهم "أبو أيوب" وأخبر فيه بالسَّبب، وليس يمتنع أن يكون جميع هذه المعاني مراده بالآية لاحتمال اللفظ لها، وجواز اجتماعها من غير تضادّ ولا تناف.
فأما حمله على الرجل الواحد يحمل على حلبة العدو، فإن "محمد بن الحسن" ذكر في السير الكبير: أن رجلاً لو حمل على ألف رجل وهو وحده لم يكن بذلك بأس، إذا كان يطمع في نجاة، أو نكاية، فإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية، فإني أكره له ذلك، لأنه عرض نفسه للتلف من غير منفعة للمسلمين، فإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية، ولكنه يجَرّئ المسلمين بذلك حتى يفعلوا مثل ما فعل، فيقتلون ويغيظون العدو فلا بأس بذلك إن شاء الله، لأنه لو كان على طمع من النكاية في العدو ولا يطمع في النجاة، لم أر بأسًا أن يحمل عليهم، فكذلك إذا طمع أن ينكى غيره فيهم بحملته عليهم فلا بأس بذلك، وأرجو أن يكون فيه مأجورًا، وإنما يكره له ذلك إذا كان لا منفعة فيه على وجه من الوجوه، وإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية ولكنه مما يرهب العدو فلا بأس بذلك؛ لأن هذا أفضل النكاية، وفيه منفعة المسلمين.

ما قاله "القرطبي" المالكي:
وقال الإمام "القرطبي" المالكي في تفسيره: اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده، فقال "القاسم بن مخيرة" و"القاسم بن محمد" و"عبد الملك" من علمائنا: لا بأس أن يُحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة، وكان لله بنية خالصة، فإن لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة.
وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية فيُحمل؛ لأن مقصوده واحد منهم، وذلك بيِّنٌ في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ﴾ (البقرة من الآية 207).
قال "القرطبي": ومن هذا ما رُوي أن رجلاً قال للنبي- صلى الله عليه وسلم-: أرأيت إن قُتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا؟ قال: (فلك الجنة)، فانغمس في العدو حتى قتل، ثم ذكر "القرطبي" كلمةَ "محمد بن الحسن"، التي نقلها "الجصَّاص".

ما قاله "الرازي" الشافعيّ:
وقال الإمام "الرازي" الشافعي في تفسيره: المراد من قوله ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة من الآية 195) أي لا تقتحموا في الحرب بحيث لا ترجون النفع، ولا يكون لكم فيه إلا قتل أنفسكم، فإن ذلك لا يحلّ، وإنما يجب أن يقتحم إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل، فأمَّا إذا كان آيسًا من النكاية وكان الأغلب أنه مقتول فليس له أن يُقدِم عليه، وهذا الوجه منقول عن "البراء بن عازب"، ونُقل عن "أبي هريرة"- رضي الله عنه- أنه قال في هذه الآية: هو الرجل يستقلّ بين الصفَّين. قال "الرازي": ومن الناس من طَعن في هذا التأويل، وقال: هذا القتل غير محرم، واحتج عليه بوجوه:
(الأول) روي أن رجلاً من المهاجرين حُمل على صف العدو فصاح به الناس: ألقى بيده إلى التهلكة! فقال "أبو أيوب الأنصاري": نحن أعلم بهذه الآية وإنما نزلت فينا.. وذكر خلاصة ما حكاه "الجصَّاص" في سبب نزول الآية.
(والثاني) روى "الشافعي" رضي الله عنه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذكر الجنَّة، فقال له رجل من الأنصار: أرأيت، يا رسول الله، إن قُتلت صابرًا محتسبًا؟ قال- عليه الصلاة والسلام-: لك الجنة. فانغمس في جماعة العدو فقتلوه بين يدي رسول الله.. وإن رجلاً من الأنصار ألقَى درعًا كانت عليه حين ذكر النبي- صلى الله عليه وسلم- الجنة، ثم انغمس في العدو فقتله.
(والثالث) روي أن رجلاً من الأنصار تخلَّف عن بني "معاية"، فرأى الطير عطوفًا على من قُتل من أصحابه، فقال لبعضِ من معه: سأتقدَّم إلى العدو فيقتلونني، ولا أتخلَّف عن مشهد قُتل فيه أصحابي، ففعل ذلك فذكروا ذلك للنبي- صلى الله عليه وسلم-، فقال فيه قولاً حسنًا.
(الرابع) روي أن قومًا حاصروا حِصنًا، فقاتل رجل حتى قتل، فقيل: ألقى بيده إلى التهلكة، فبلغ "عمر بن الخطاب"- رضي الله عنه- ذلك فقال: كَذَبوا أليس يقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ﴾ (البقرة من الآية207)، ولمن نصر ذلك التأويل أن يجيب عن هذه الوجوه فيقول: إنا إنما حرمنا إلقاء النفس في صف العدو إذا لم يتوقع إيقاع نكاية فيهم، فأما إذا توقع فنحن نجوّز ذلك.

ما رواه "ابن كثير" و"الطبري":
روى الحافظ "ابن كثير" أن رجلاً قال لـ"البراء بن عازب" الأنصاري: إن حملت على العدو فقتلوني أكنت ألْقيت بيدي إلى التهلكة؟ قال: لا، قال الله لرسوله: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾ (النساء:84)، وإنما هذه في النفقة، أي في ترك النفقة في الجهاد.
وروى الإمام "الطبري" بسنده في تفسيره عن أبي إسحاق السبيعي قال: قلت للبراء بن عازب (الصحابي): يا أبا عمارة، الرجل يلقَى ألفًا من العدو، فيُحمل عليهم، وإنما هو وحده (يعني: أنه مقتول في العادة لا محالة) أيكون ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؟ فقال: لا، ليقاتل حتى يُقتل، قال الله لنبيه- صلى الله عليه وسلم-: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾ (النساء:84).

ما قاله "ابن تيمية":
وذكر نحو ذلك شيخ الإسلام "ابن تيمية"- في فتواه المشهورة في قتال التتار-، مستدلاً بما روى مسلم في صحيحه عن النبي- صلى الله عليه وسلم- من قصة أصحاب الأخدود، وفيها: أن الغلام أَمر بقتل نفسه؛ لأجل مصلحة ظهور الدين (حين طلب إليهم أن يرموه بالسهم ويقولوا: باسم الله رب الغلام)، قال: ولهذا جوَّز الأئمة الأربعةُ أن ينغمس المسلم في صف الكفار، وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحةٌ للمسلمين.

ما قاله "الشوكاني":
وقال الإمام الشوكاني في تفسيره (فتح القدير): والحق أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما صدق عليه أنه تهلُكة في الدين أو في الدنيا فهو داخل في هذا، ومن جملة ما يدخل تحت الآية: أن يقتحم الرجل في الحرب فيُحمل على الجيش، مع عدم قدرته على التخلُّص، وعدم تأثيره لأثر ينفع المجاهدين، ومعنى هذا: أنَّه إذا كان لاقتحامه أثر ينفع المجاهدين- كإرهاب العدو وإفزاعه- لم يُعدّ هذا في التهلكة.

ما قاله صاحب تفسير المنار:
وفي عصرنا قال العلامة "رشيد رضا" في تفسير المنار: "ويدخل في النهي الدخول في الحرب بغير علم بالطُّرق الحربية، التي يعرفها العدو، كما يدخل فيه كلُّ مخاطرة غير مشروعة، بأن تكون لاتباع الهوى لا لنصر الحق وتأييده" .
ومفهوم هذا أن المُخاطَرة المشروعة المحسوبة- التي يرجى بها إرهاب عدو الله وعدوّنا، ويُبْتَغَى فيها نصر الحق لا اتباع الهوى- لا تكون من الإلقاء باليد إلى التهلكة.
أعتقد أن الحق قد تَبَيَّن، وتبين الصبح لذي العينين، وأن هذه الأقوال كلها ترد على أولئك المتطاولين، الذين اتهموا هؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم هدى، والذين باعوا أنفسهم لله، وقُتلوا في سبيله بأنهم قد انتحروا، وألقوا بأيديهم إلى التهلكة، فهم- إن شاء الله- في طليعة الشهداء عند الله، وهم العنصر الحيّ المعبّر عن حيوية الأمة، وإصرارها على المقاومة، وأنها حية لا تموت، باقية لا تزول.
كل ما نطلبه هنا أن تكون هذه العمليات الاستشهادية بعد دراسة وموازنة لإيجابياتها وسلبياتها، وينبغي أن يتم ذلك عن طريق تفكير جماعي من مسلمين ثقات، فإذا وجدوا الخير
في الإقدام أقدموا وتوكلوا على الله ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال:49). انتهت الفتوى، والله أعلم.



الرأي الثاني:
ويضع أصحاب هذا الرأي بعض الشروط التي يجب أن تتوافر في هذا النوع من المقاومة، على رأسهم الشيخ "حسن أيوب"، والشيخ "محمد ناصر الدين الألباني".

فتوى الشيخ "حسن أيوب":
يرى الشيخ "حسن أيوب" ـ رحمه الله ـ أن من ألقى نفسه في الهلاك لصالح دينه أو لصالح المسلمين، فقد فدى دينه وإخوانَه بنفسه، وذلك غاية التضحية وأعلاها، فكم للمسلمين الأوائل من مواقف مشهودة كلها تضحية وفداء، وبذلك تستطيع أن تجيز ما يعمله الفدائي في عصرنا هذا من أعمال يذهب هو ضحيتها بعد أن يكون قد نكل بالعدو ودمر، وذلك مثل: إغراق سفينة بمن فيها من الأعداء وهو معهم، احتلال فندق لقتل من فيه من المقاتلين وهو يعلم أنه يقتل معهم، وضع المتفجرات في معسكر أو في مصنع حربي، أو في إدارة عسكرية للقضاء على من فيها وهو يعلم أنه لا نجاة له إلى آخر مثل هذه الأمور.
ولكن لا يجوز أن يلتفَّ بحزام ناسف لينسف نفسه ومن بجواره، والفرق أن الأصل في الحالة الأولى أنه يقتل عدوه، وجاء قتله تبعًا لذلك، ولذلك لو استطاع الهروب من القتل والنجاة بعد التفجير وجب عليه ذلك، أما الحالة الثانية فالأصل فيها قتل نفسه أولاً ليقتل غيره، وقد لا يقتل هذا الغير لسبب من الأسباب، وإقدامه على قتل نفسه ابتداءً لا يحل في مثل هذه الظروف(
[3]).

فتوى الشيخ "الألباني":
وقد تعرّض العلامة "الألباني"- رحمه الله- إلى تطاول البعض، فنسبوا إليه زورًا وبهتانًا أنّه حكم على من يُقتَل في عمليّة تفجير- يقوم بها في صفوف العدو- بالانتحار، والشيخ بريء من ذلك، ومن فتاواه في هذا الباب ما هو مثبت بصوته(
[4])، حيث سُئل- رحمه الله- سؤالاً قال صاحبه: هناك قوات تسمَّى بالكوماندوز، فيكون فيها قوات للعدو تضايق المسلمين، فيضعون- أي المسلمون- فرقة انتحارية تضع القنابل ويدخلون على دبابات العدو، ويكون هناك قتل... فهل يعد هذا انتحارًا؟ فأجاب بقوله: "لا يُعد هذا انتحارًا؛ لأنّ الانتحار هو أن يقتل المسلم نفسه خلاصًا من هذه الحياة التعيسة، أما هذه الصورة التي أنت تسأل عنها فليست انتحارًا، بل هذا جهاد في سبيل اللّه، إلا أن هناك ملاحظة يجب الانتباه لها، وهي أن هذا العمل لا ينبغي أن يكون فرديًّا شخصيًّا، إنما هذا يكون بأمر قائد الجيش، فإذا كان قائد الجيش يستغني عن هذا الفدائي، ويرى أن في خسارته ربحًا كبيرًا من جهة أخرى، وهو إفناء عدد كبير من المشركين والكفار، فالرأي رأيه، وتجب طاعته، حتى ولو لم يرضَ هذا الإنسان فعليه الطاعة".
إلى أن قال: "الانتحار من أكبر المحرَّمات في الإسلام؛ لأنّه لا يفعله إلا غضبان على ربه ولم يرض بقضاء اللّه، أما هذا فليس انتحارًا، كما كان يفعله الصحابة.. يهجم الرجل على جماعة من الكفار بسيفه، ويعمل فيهم بالسيف حتى يأتيه الموت وهو صابر؛ لأنه يعلم أن مآله إلى الجنة، فشتَّان بين من يقتل نفسه بهذه الطريقة الجهادية وبين من يتخلص من حياته بالانتحار، أو يركب رأسه ويجتهد بنفسه، فهذا يدخل في باب إلقاء النفس في التهلكة". ويركز الشيخ على حتمية وجود القائد، وإلا فلا يجوز أي نوع من أنواع المقاومة. انتهى.

مناقشة الفتويين:
يفرق الشيخ "حسن أيوب" بين من يغرق سفينة وهو منهم، وبين من يفجِّر في نفسه بين الأعداء حزامًا ناسفًا، فيُجيز الأولى ويحرِّم الثانية، ووجه ذلك عنده أن الأصل في الحالة الأولى أنه يقتل عدوه، وجاء قتله تبعًا لذلك، أما الحالة الثانية فالأصل فيها قتل نفسه أولاً ليقتل غيره، وقد لا يقتل هذا الغيرَ لسبب من الأسباب.
والذي نراه أن أقوال الفقهاء في الاقتحام على العدو اقتحامًا لا تُرجى معه نجاة تتَّسع لهذا النوع الذي حرمه الشيخ ما دام يغلب على الظن النكاية بالأعداء، بل إن هذا النوع هو الأكثر نكايةً بالأعداء، حيث يتحكم المجاهد مع هذا النوع في الوقت المناسب والمكان المناسب؛ فيكون أكثر نكاية بالأعداء.
أما القول بأن المجاهد في هذا النوع يقتل نفسه وقد لا يقتل غيره فهذا وارد في أي من الحالتين، فهو مجرد ظن لا اعتبار له؛ وذلك لأن الحكم يُعطَى لغلبة الظن، ويغلب الظن بل يتأكد أن نوع الحزام الناسف وما شابهه من أنكى الوسائل بالأعداء، كما أثبت الواقع ويثبت.
أما رأْي الشيخ "الألباني" فنتفق معه في إباحة هذا النوع من المقاومة أصلاً، وإلا لم تكن جائزة بإذن الإمام؛ لأن طاعة الإمام في دائرة المباحات، وإلاَّ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهذا مفهوم رأْي الشيخ ابتداءً.
أمَّا ما يشترطه الشيخ من إذْن الإمام فهذا ما يحتاج إلى مناقشة، هل اشترط الفقهاء وجود خليفة لجواز القتال، وما حكم القتال حال وجوده دون إذنه؟ والحقيقة أنه لم يرِدْ عن أحد من العلماء اشتراط وجود خليفة لجواز قتال الأعداء، بل إن كثيرًا من الأحداث في عهد النبي- صلى الله عليه وسلم- تدل دلالةً واضحةً على عدم اشتراط وجود وليّ أمر لمباشرة القتال، ومن ذلك قصة "أبي بصير" ومن معه من المستضعفين(
[5]).
أما القتال بغير إذن الإمام حال وجوده فقد قال "الخطيب الشربيني" من فقهاء الشافعية: "يكره غزوٌ بغير إذن الإمام أو نائبه تأدبًا معه، ولأنه أعرفُ من غيره بمصالح الجهاد، وإنما لم يحرم لأنه ليس فيه أكثر من التغرير بالنفوس وهو جائز في الجهاد، وينبغي كما قال "الأذرعي" تخصيص ذلك بالمتطوعة، أما المرتزقة فلا يجوز لهم ذلك؛ لأنهم مرصدون لمهمّات تعرض للإسلام، يصرفهم فيها الإمام فهم بمنزلة الأُجَراء".
ثم قال "الشربيني": "تنبيه: استثنى "البلقيني" من الكراهة صورًا:
أحدها: أن يفوت المقصود بذهابه للاستئذان.
ثانيها: إذا عطل الإمام الغزو، وأقبل هو وجنوده على أمور الدنيا كما يشاهَد.
ثالثها: إذا غلب على ظنه أنه لو استأذنه لم يأذن له"(
[6]).
وقال "ابن قدامة": "إذا جاء العدو صار الجهاد عليهم فرض عين فوجب على الجميع، فلم يجز لأحد التخلُّف عنه، فإذا ثبت هذا فإنهم لا يخرجون إلا بإذن الأمير؛ لأن أمر الحرب موكول إليه وهو أعلم بكثرة العدو وقلتهم ومكامن العدو وكيدهم، فينبغي أن يرجع إلى رأيه؛ لأنه أحوط للمسلمين إلا أن يتعذر استئذانه لمفاجأة عدوهم لهم فلا يجب استئذانه؛ لأن المصلحة تتعين في قتالهم والخروج إليهم، ولذلك لما أغار الكفار على لقاح النبي- صلى الله عليه وسلم- فصادفهم "سلمة بن الأكوع" خارجًا من المدينة تبعهم فقاتلهم من غير إذن فمدحه النبي- صلى الله عليه وسلم-، وقال: خيرُ رجالَتنا "سلمة بن الأكوع"، وأعطاه سهم فارس وراجل"(
[7]).
ومعنى ذلك أن الأمر ليس محرَّمًا على إطلاقه، كما ذهب الشيخ "الألباني"، فالأمر يدور مع تحقيق المصلحة والنكاية كما ذكر الفقهاء.

أثر السياسة في آراء بعض العلماء في هذه المسألة:
الفريقان السابقان الأول منهم أجاز وحرَّض، والثاني منهم من منع ومنهم من أجاز بشروط، لكن هناك فريقًا من العلماء الذين يُعدون رموزًا للإسلام ومراجع له داروا مع السلطان ولم يدوروا مع القرآن، فأباحوه عامًا وحرموه عامًا، كما تمليه عليهم رغبات الحكام وشهواتهم.
وللسياسة دور منذ القدم في اختلاف الفقهاء، وأثر واضح في التحليل والتحريم في الفتاوى الصادرة، وهذا ناتج عن الضعف النفسي والإيماني لهؤلاء العلماء فيُثنيهم الوعد، ويرهبهم الوعيد، ويتزلفون وينافقون، حتى لو كان على حساب الدين، فيبيعون دينهم بدنيا غيرهم، أو يبيعون دينهم بعرض من الدنيا.
وهذا الأمر- أعني أثر السياسة- في حاجة إلى باحث جاد وواعد يتناوله على مدى تاريخنا الإسلامي، ويبين ما للسياسة والسلطان من أثَر ملحوظ في اختلاف الفقهاء.

تسميتها بـ"الاستشهادية" لا يصح ابتداءً:
ومن الأمور التي شاعت مع ظهور الانتفاضة والمقاومة عموما أن أيّ فتوى تظهر أو أي بحث يُطبع، دائمًا ما يعنون بـ"العمليات الاستشهادية"، فيقال حكم العمليات الاستشهادية، أو العمليات الاستشهادية في الميزان، حتى السؤال نفسه الذي يوجهه البعض لأهل العلم يكون بهذا الشكل: ما حكم العمليات الاستشهادية؟ وهذا لا يصح لا عقلاً ولا شرعًا؛ لأننا إذا قلنا العمليات الاستشهادية حلال، فما الذي أفادته كلمة حلال بعد قولنا "استشهادية"؟، وإذا كانت "استشهادية" فلماذا نسأل عن حكمها؟ و"الاستشهاد" معروف حكمه في الإسلام، سواءٌ في أحكام الدنيا أو أحكام الآخرة.
ولهذا آثرنا أن نسمي البحث "تفجير النفس في العدو"؛ لأن هذا هو طبيعة الفعل الذي يقوم به المقاوم، ومن ثم يتطلَّب حكمًا شرعيًا، فيفتي العلماء ويحكمون على هذا الفعل بالاستشهاد أو بغير ذلك.

الحكم على أي عمل يتوقف على النيَّة:
والحكم على هذا النوع من المقاومة- بل على أي عمل- يتوقف على نية صاحبه، وهذا هو محك الخلاف بين من قال إنه انتحار ومن قال إنه استشهاد، وبه ينحسم الخلاف بين الفريقين.
عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلَّم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال كذبت. ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال كذبت ولكنك فعلت ليُقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار"(
[8]).
إذا تبيّن ذلك فإن نفسيَّة المنتحر ونيَّته تخْتلف تمامًا عن نية المقاوِم ونفسيَّته، فإذا كان المنتحِر معترضًا على قضاء الله ومتسخِّطًا على قدَره، فإن الاستشهاديّ قدَرٌ من أقدار الله وجُند من جنوده يُبطل الله به كيدَ الكافرين، ويُدخِل به الرعبَ والفزع في قلوب المعتدين؛ ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
([1])أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة. كتاب الإيمان. باب الجهاد من الإيمان.
([2])اعتمدتُ في ذكر أسماء هؤلاء العلماء لهذا الرأي والرأي التالي على كتاب: "العمليات الاستشهادية في الميزان الفقهي" لنواف هايل تكروري، طبْع مركز الإعلام العربي بالقاهرة. رقم 23 ضمن سلسلة كتاب القدس- الطبعة الأولى 1424هـ، وموقعَي: المركز الفلسطيني للإعلام وإسلام أون لاين.

([3]) انظر: الجهاد والفدائية في الإسلام للشيخ "حسن أيوب": 243-244 نقلاً عن العمليات الاستشهادية: 94-95.
([4]) في الشريط الرابع والثلاثين بعد المائة من سلسلة الهدى والنور.
([5]) انظر تاريخ الطبري: 2/125. دار الكتب العلمية. بيروت. ط أولى 1407هـ، وسيرة ابن هشام: 4/292. تحقيق طه عبد الرءوف سعد. دار الجيل بيروت ط أولى 1411هـ.
([6]) مغني المحتاج: 4/220. دار الفكر. بيروت.
([7]) المغني: 9/174. دار الفكر بيروت. ط أولى. 1405هـ.
([8]) رواه مسلم. كتاب الإمارة. باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار.

مقدمتي لكتاب الدكتور صلاح سلطان عن سورة الكهف

تقديم
الحمد لله رب العالمين، أحمده حق حمده بكل المحامد على كل النِّعم، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادةً تُدفَع بها عنا النقم، وأشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله خيرُ الأمم، اللهم صلِّ وسلم وزِدْ وباركْ عليه وعلى آله وأصحابه الأطهار الأبرار الأخيار، أولي الأيدي والأبصار وأصحاب الهمم، ومن اقتفى أثرهم وسلك نهجهم إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد،،
فقد طلب إليَّ أستاذي الجليل الأستاذ الدكتور صلاح الدين سلطان أن أكتب مقدمة لهذا الكتاب البديع: "سورة الكهف، منهجيات في الإصلاح والتغيير، دراسة تأصيلية تطبيقية"، فظننتُه في أول الأمر يمزح، لكنه قرر رغبته وكرر طلبه، فقلت لفضيلته: إن شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي لما أراد أن يكتب عن الداعية المجدد الشيخ محمد الغزالي ورحلة نصف قرن قال: إن الإمام محمدًا أبا زهرة لما كتب عن الأئمة قال: لا يكتب عن الأئمة إلا إمام، وقال العقادُ حين كتب عبقرياته: لا يكتب عن العباقرة إلا عبقريّ، ثم قال الشيخ القرضاوي: "ومن لي بالإمامة والعبقرية حتى أكتب عن إمام وعبقري مثل الغزالي".
ولما قدَّم الشيخ القرضاوي ـ وهو مَنْ هو!! ـ لفتاوى الفقيه الجليل الشيخ مصطفى الزرقا قال: "وما كان لمثلي أن يقدم مثله، لكنه أَمَرَ وَرَغِبَ، وليس عليَّ إلا السمعُ والطاعة، وقديما قالوا: الامتثالُ خيرٌ من الأدب". فرد عليَّ د. صلاح وقال مبتسمًا: إذًا عليك أن تَمْـتَثِل..!!
وعلمتُ بعد ذلك سرَّ هذه الرغبة المقدورة، وهو أنه ـ حفظه الله ـ يريد أن يَلْفِتَ النظرَ إلى منهجية أخلاقية تربوية مهمة، تتلخص في أنَّ عهْدَنا دائما أن يكونَ الوفاءُ من التلميذ للأستاذ، ومن الابن لأبيه وأمه، ومن الزوجة لزوجها، ومن المرؤوسين للرئيس، ونادرًا ما تجد أستاذًا يذكر تلميذَه، أو يحرصُ على إبرازه ورفع مقامه، أو تجد والدًا يذكر فضلَ ولدِه، وهكذا، وهي منهجية تربوية مهمة يَتَمَثَّلُ فيها تمثُّلا واضحًا المنهاجُ الأخلاقيُّ في الإسلام.
وأود في هذا المقام أن أشير إلى أمرٍ آخرَ، وهو أنَّ الدكتور صلاحًا قَبْل نشر الكتاب وقبل أن يشرفني بكتابة مقدمة له أرسله إليَّ، وطلب أن أقرأه وأُبْدِي عليه ملاحظاتي، فتعجبتُ من هذا المسلك؛ لأنَّ المعهود أن يرفعَ التلميذُ عملَه لأستاذه؛ يُصَحِّحُه بخبرتِه، ويُقَوِّمُه برؤيته، ويوجِّهُه بعلمه ونظْرتِه، فكيف يَسْتَنْصِحُ الأستاذُ تلميذَه ويطلبُ منه رأيَه؟!
ولهذا ظننتُ هذا تواضعًا منه ـ وتواضعُه سجيًّةٌ لا تكلفَ فيه ـ فقرأتُ الكتابَ ولم أرسلْ له رأيي، لكنه أكد الرغبةَ وأعاد الطلب وقال: "لن أدفع بالكتاب للمطبعة حتى أتلقى ملاحظاتك!!"، فلم أجد بدًّا من كتابة رأيي على خجلٍ، فسطرتُ له خمس صفحات؛ ثناءاتٍ للكتاب بما يستحقُّ، وتعليقاتٍ وملاحظات على بعض المنهجيات ومضمونها، بل نقدًا أحيانا لبعض ما جاء فيها، وأشهد أنه لم يضق ذرعًا بذلك، كما يفعل كثير من الأساتذة مع تلاميذهم، بل رحَّبَ بها، وهشَّ وبشَّ لها، وشكرها وأثنى عليها، وأخذ بمعظمها تعديلاً وتصحيحًا، وهكذا تكون أخلاقُ الكبار.
وبعدما فرغت من قراءة هذه الدراسة قراءةً أرجو أن تكون واعية، قفز إلى ذهني ما رواه الترمذيُّ في سننه بسندٍ فيه مقال عن الحارث الأعور أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال عن القرآن: "...هو الذي لا يزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه...".
وتذكرت قول الإمام الشاطبي من أن القرآن الكريم "كليةُ الشريعة، وعمدةُ الملة، وينبوعُ الحكمة، وآيةُ الرسالة، ونورُ الأبصار والبصائر، وأنه لا طريقَ إلى الله سواه، ولا نجاةَ بغيره، ولا تَمَسُّكَ بشيء يخالفُه ... وإذا كان كذلك لَزِمَ ضرورةً لمن رامَ الاطلاعَ على كلياتِ الشريعة، وطَمِعَ في إدراك مقاصدِها واللِّحاقِ بأهلها أن يتخذَه سميرَه وأنيسَه، وأن يجعلَه جليسَه على مَرِّ الأيام والليالي؛ نظرًا وعملاً، لا اقتصارًا على أحدهما، فيوشك أن يفوزَ بالبُغْيَةِ، ويَظْفرَ بالطُّلْبَةِ، ويجدَ نفسَه من السابقين وفي الرعيل الأول". الموافقات: 4/346. طبعة دار الفكر العربي.
وأحسب أن هذا الكتاب ثمرةٌ طبيعية لاتخاذِ القرآن الكريم ـ وبخاصةٍ سورةُ الكهف ـ سميرًا وأنيسًا، وجعْلِه جليسًا على مَرِّ الأيام والليالي نظرًا وعملاً، ففاز كاتبُه بالبُغية، وظفر بالطُّلبة، وكان من السابقين إن شاء الله، وفي الرعيل الأول، ولا نذهب بعيدا فها هو يقول في مقدمته: "…وبعد، فقد لامسَتْ سورةُ الكهف ـ كلَّ جمعة ـ شغافَ قلبي، وحبَّاتِ عقلي، وذرَّاتِ جسمي، وهِمْتُ بها، فأعطاني الله فيها من عمق التدبر العقلي، وشدةِ التأثر القلبي، ما جعلني أشعرُ أنها جزءٌ من منظومة فكري ومنهاجِ حياتي".
إن القرآن الكريم بمثابة اللآلئ التي تسكنُ الصَّدَفَ، فإذا فتحنا هذا الصدف تكشَّفَ لنا اللؤلؤ، وفاضَ فيضُه المكنون..!! وهذا الفيض الربانيُّ والكشفُ الإلهيُّ لا يتسنى إلا لمن ملك مؤهلاتِ استنزاله في القلوب والعقول؛ مِنْ عِلْمٍ وخُلُق، وعملٍ ودعوة، وحركة وإصلاح، وشغلٍ بالقرآن، واستمداد منه، وإقبالٍ عليه.
ولقد غاص المؤلف الكريم ـ بما مَنَّ الله به عليه من مؤهلات ـ في بحر القرآن العظيم، ففتح هذا الصدف، وتكشَّفتْ له سورةُ الكهف كما لم تتكشفْ لأحد، وسمحتْ له من المعاني والنظرات والمنهجيات بما لم أره عند غيره من علمائنا السابقين فيما أعلم، وهذا مصداق القول السابق للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن القرآن، الذي وُصِفَ بأنه "الكريم"؛ فهو كريمٌ في كلامه، كريم في تشريعاته، كريم في أفكاره وتصوراته، كما أنه كريم في عطائه وفيوضاته متى أقبل عليه قارئه في خشوع وتدبر، وتقدير وتعظيم، ويقين وثقة واستسلام..!
لقد استخرج الأستاذ الدكتور صلاح سلطان أربع عشرة منهجية غيرَ مسبوقةٍ في تفاسير هذه السورة، على كثرتها وتنوعها وامتدادها التاريخي، وهي منهجياتٌ أصوليَّةٌ دعويةٌ حركيةٌ تربويةٌ إصلاحيةٌ، من شأنها أن تكون زادًا نافعًا لأبناء الحركة الإسلامية؛ يُعمِّق فكرها، ويُسدِّد عملها، ويُرَشِّد مسيرتها، ويحفظُها من الخللِ الفكري، والضعفِ التربوي، والانحراف السلوكي والخلقي.


إن هذه الدراسةَ تنبعُ أهميتُها ـ في تقديري ـ من أمرين:
الأول: المنهاج الذي سار عليه المؤلفُ فيها، وطريقته في التعامل مع النص القرآني؛ حيث التحم معه التحاما مباشرًا بعد تأمل وتدبر طويلين، فانكشفت له من هذه السورة تلك المعاني الجديدة، وأفاضت هذه الفيوضاتِ والتَّنَزُّلات، وأسفرت عن هذه المنهجيات المبتكرة، التي جمعت بين الدعوة والحركة، ومزجتْ بين العلم والعمل، ووصلتْ بين التأصيل والتطبيق، وربطتْ بين الدنيا والآخرة، دون أن تخبوَ هذه الفيوضاتُ في ثنايا الأقوال والفُهُومِ الأخرى، التي ربما حجَّمت من فيض هذا التَّنَزُّلِ الملهم، ودون أن تنطفئَ هذه الأنوارُ بين يدي ما يَنْقُلُه المفسرون من أقوالٍ وروايات، ربما كان فيها بعضُ الموضوعات والإسرائيليات.
كما كان من نتائج هذا الالتحام المباشر ـ إلى هذه الفيوضات والأنوار ـ تَتَبُّعُ كلِّ منهجية في السورة كلها، فكلُّنا يقرأ سورةَ الكهف أسبوعيًّا ولم يتنبهْ لمعظم ما جاء في هذه الدراسة، لكن حين نقرؤها في ضوء هذا المنهاج نجد عجبًا..!
لقد تنادت الآيات للدكتور صلاح فاجتمعت عنده، وتجمعت المعاني والأفكار فانتظمت له، ولَمْلَمَتِ الشواردُ بعضَها فتواردت عليه، واستطاع أن يؤلفَ بينها، ويجمعَ شتاتَها حتى أخرج لنا هذا العقدَ الفريدَ في حُلًّةٍ بهيَّةٍ باهرةٍ، كأنها تنزيلٌ من التنزيل، أو قبسٌ من نور الذكر الحكيم.

والأمر الثاني: أن صاحبها هو الأستاذ الدكتور صلاح الدين سلطان، صاحب التجربة الثرية والواسعة في الدعوة إلى الله تعالى، وصاحب العلم الغزير، والخلق الكريم، والفقه في الدين؛ فهو أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم بالقاهرة، وعضو المجامع الفقهية في أمريكا وأوربا والهند، ورئيس الجامعة الإسلامية الأمريكية سابقا، والذي طاف الأرض شرقا وغربا داعيا إلى الله، غيرَ راغبٍ في فضلٍ من أحد سواه، جاعلاً أنيسَه وشعارَه: "وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ". الشعراء: 109.
قد يحسب البعض أن هذا هو منطقُ التلميذِ والمحب ـ وإنْ كنتُ لا أنكر أنني أتقرب إلى الله بحبه ـ أو يقولون إن التلميذَ لا يَسَعُهُ إلا أن يمتدحَ أستاذَه، فلْيكنْ هذا أو ذاك، لكن من عايش الدكتور صلاحًا، وتابع نشاطه العلميَّ والدعويَّ في أرجاء الأرض لا يسعه إلا أن يسطرَ عنه هذا أو يزيد، نحسبه كذلك والله حسيبه، وما شهدنا إلا بما علمنا، وما كنا للغيب حافظين.
ومن المعلوم أنَّ تجاربَ المفسرين وثقافاتِهم واهتماماتِهم تظهرُ آثارُها في تفسيرهم لكتاب الله، فاللغويُّ يظهرُ في تفسيره الاهتمامُ باللغة، والأثريُّ تظهر فيه الأخبار والآثار، والبلاغيُّ تظهر فيه البلاغةُ والبيان، والكلاميُّ تظهر فيه آراءُ المذاهب والملل والكلام، والفقيهُ يظهر فيه الفقهُ والأحكام، وأحسبُ أنَّ علمَ الدكتور صلاح وتجربتَه في الإصلاح والدعوة والتغيير كانت مرآةً انعكستْ عليها سورةُ الكهف، فَنَضَحَتْ بآثارِها على هذا التفسير المبارك.
ولا أحولنَّ بين القارئ الكريم والاستمتاع بهذه الدراسة؛ ليرى فيها مصداقَ ما أقول، ولْتَكُنْ هذه السورةُ فاتحةَ خيرٍ عليه وعلينا وعلى الأمة الإسلامية كلها، نحوَ انطلاقةٍ جديدة إلى تفسيرٍ للقرآن الكريم كلِّه على هذا النحو؛ بحثًا عن منهجيات الإصلاح والتغيير، التي يفرضها الدينُ، ويُحَتِّمُها الواقع، ويفتقرُ إليها واقعُ العملِ الإسـلامي، ضارعًا إلى الله تعالى أن ينفع بهذه الدراسة، وأن تجد من اهتمام أهل العلم والفكر وقاداتِ العمل الإسلامي ما هي له أهل، وأن تكون نبراسًا للدعاة والمجاهدين، ووميضًا يبرق للعاملين والمصلحين، وأن يجزيَ أستاذَنا عنها وعنَّا خيرَ ما يجزي به العلماءَ العاملين، والدعاةَ الصادقين الربانيين، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين،،،

الفقير إلى عفو ربه
وصفي عاشور أبو زيد
Wasfy75@yahoo.com
الكويت في 26 جمادى الآخرة 1429 هـ - 30/6/2008م