السبت، 2 فبراير 2008

زاد العشر الأوائل ـ حلقة استشارات إيمانية


الأستاذ وصفي عاشور أبو زيد
اسم الضيف
زاد العشر الأوائل
موضوع الحوار
2006/12/18 الاثنين
اليوم والتاريخ
مكة من... 14:30...إلى... 16:30 غرينتش من... 11:30...إلى...13:30
الوقت

المحررة - وسام كمال -
الاسم
الوظيفة
هل بدأ الحوار؟
السؤال
نعم ... ونرجو من الإخوة المشاركين معنا أن يلتزموا بموضوع الحوار، وهو "استشارات إيمانية حول العشر الأوائل"؛ علما بأن إدخال الأسئلة يكون عبر العلامة الوامضة تحت عبارة "إدخال الأسئلة"... ولن نلتفت لأي سؤال خارج موضوع الحوار.
الإجابة

إحسان - فلسطين
الاسم
الوظيفة
بمناسبة قدوم موسم الحج.. أقدم لكم نصيحة لكل مسلم واستشارة، لقد تركت فتاة أحبها لان موعد خطبتنا تعارض مع موعد الحج وفضلت أن أحج بيت الله على الخطبة وحصل بيني وبين الفتاة مشاكل بسبب هذا وتركنا بعضنا وبعد رجوعي من الحج بدأت أبحث عن فتاة أخرى وبعد أن طال بي الزمن ومللت البحث وأنا أبحث عن زوجة، قبلت في النهاية بمن أشار بها علي أهلي والنتيجة كانت كارثة. يقولون إن الزواج إكمال لنصف الدين الآخر ولكن ما حصل معي أنني خسرت النصف الأول، سبب لي الزواج تعاسة مرعبة وبعد أن كنت ملتزما مستقر الإيمان حافظا لكتاب الله أصبحت عبادتي كأني مجبور عليها أؤديها وأنا مضطر ولم أعد أحب أن أسمع كلام الدين والإيمان. أولا أنصح كل مسلم ألا يتزوج إلا بمن عندما يراها يؤدم بينهما أي يحبها أو تتحرك مشاعره لها ثم أبحث بعد ذلك في دينها وخلقها وثانيا أطلب نصيحتكم ماذا أفعل؟ إنني أدخل بمرحلة من الكآبة تكاد أن تقتلني وتدمر ديني؟
السؤال
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.. بداية أحييك ـ أخي إحسان ـ على ما فعلته حين قدَّمت الحج على الخطبة؛ إذ تعارض كل منهما، وأشعر أن عندك فقها للأوليات ظاهرا بما فعلت، وهو الصحيح إن شاء الله. ولا تدري لعل المخطوبة الأولى صرفها الله عنك وصرفك عنها لحكمة يعلمها هو ولا تعلمها أنت، فنحن البشر لا نرى أبعد من أقدامنا، ولا ندري ماذا سيقع بعد لحظة من اللحظات، أما وقد اختار الله لك ذلك فليكن ملء قلبك الرضا بقضاء الله، والاطمئنان إلى قدره، وربك يخلق ما يشاء ويختار. وإنه من تمام إيمان المؤمن بل من أركان إيمانه أن يؤمن إيمانا لا يخالطه شك أن قدر الله هو الخير على كل حال، وأن ما أصاب المؤمن لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا. ونصف دينك الآخر لم يضع إن شاء الله، إنما الإنسان هو الذي يقرر إن كان يريد تضييعه من أجل امرأة أم لا، وأنت ـ بعقلك الكبير وفقهك المتميز ـ لا أظن أنك تقصد ما تقول، وإنما هي زفرات مكظوم، وأنّات مجروح سرعان ما ستذهب مع الأيام إن شاء الله، والزمن جزء من العلاج، وبصحبة الأخيار من الناس والرجوع إلى الله في كل وقت يتيسر لك كل عسير. وللحب بين الزوجين أسباب، ما أظن أنك أخذت بها، وكثير من الناس يقول: "لا يبدأ الود والتوافق بين الرجل والمرأة إلا بعد الزواج"، فلماذا لا تفكر في هذا؟ أعتقد أنك بحاجة إلى حوار هادئ بينك وبين زوجتك تشخصان فيه الداء وتصفان فيه الدواء، وتتفقان على صيغة للحياة سويا، وتبحثان عن أسباب السعادة الزوجية، وهي متوفرة بكثرة لا سيما على موقعكم إسلام أون لاين الذي تناول هذه المسألة بما فيه الكفاية. حاور زوجتك، اقترب منها، خذ بأسباب السعادة الزوجية، شاور أهل الرأي والخبرة، ألزم زوجتك بصحبة من تثق بها من النساء أصحاب الرأي والنهى، والله معك وهو حسبك.
الإجابة

sanae -
الاسم
الوظيفة
السلام عليكم.. كيف يمكننا أن نستثمر العشر الأوائل من ذي الحجة؟ وكيف نجعلها حسر لربط العشر الأواخر من رمضان الفائتة لتكون لنا حصنا منيعا وجسرا للثبات؟
السؤال
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.. مرحبا بك أختي الكريمة.. اعلمي أن كل ما يقوم به المؤمن من نوافل يكمل الله بها ما وقع تقصير في الفرائض، وهذا في كل الأعمال، في الصلاة وفي الزكاة وفي الصيام وفي الحج، فيُجْبَرُ تقصير الصلاة بنوافلها، والزكاة بنوافلها (الصدقة) وصوم رمضان بصوم التطوع، والحج بالعمرة وحج التطوع؛ لما رواه الإمام أحمد بسنده عن تميم الداري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال": أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة فإن كان أكملها كتبت له كاملة وإن لم يكن أكملها قال للملائكة انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فأكملوا بها ما ضيع من فريضة ثم الزكاة ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك". ولما رواه الترمذي بسنده عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله الصلاة فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر وإن انتقص من فريضة قال الرب: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك". قال الحافظ العراقي: المراد من الإكمال إكمال ما انتقص من السنن والهيئات المشروعة وأنه يحصل له ثوابه في الفرض وإن لم يفعله أو ما انتقص من فروضها وشروطها أو ما ترك من الفرائض رأساً ا.هـ. فاجتهدي ـ أختنا الكريمة ـ في هذه الأيام، فالعمل الصالح فيها يتضاعف أجره، وإنها لأيام نفحات، عسى الله أن يجبر تقصيرنا وتقصيرك.
الإجابة

عليّ - قطر
الاسم
الوظيفة
ما فضل العشر الأوائل؟ وما هي أفضل العبادات التي يمكن إحياء العشر الأوائل بها؟
السؤال
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد .. فإن فضل العشر الأوائل من ذي الحجة لا يخفى على أحدمن المسلمين، وبخاصة الملتزمون منهم، وحسبنا أن الله تعالى أقسم بها في كتابه الكريم، فقال: "والفجر. وليال عشر". قال المفسرون: هي العشر الأوائل من ذي الحجة. وما رواه البخاري بسنده عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنهُما قال: قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى اللَّه من هذه الأيام> يعني أيام العشر. قالوا: يا رَسُول اللَّهِ ولا الجهاد في سبيل اللَّه؟ قال: <ولا الجهاد في سبيل اللَّه إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء". ويمكنك أن تحيي هذه الأيام بكثير من العبادات على رأسها الصيام، وبخاصة صيام يوم عرفة، الذي قال فيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " صيام يوم عرفة: إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده". كما يمكنك أن تحييها بقراءة القرآن والذكر والدعاء والابتهال إلى الله تعالى أن يعفو عنك ويتقبل منك، أن يجعل للأمة فرجا ومخرجا مما هي فيه. وإن أفضل ما تحيي به هذه الأيام ـ أخي علي ـ أن تُجوّد من أدائك في الفرائض، وهو أمر له الأولوية، لأن إتقان الفرائض أولى من القيام بالنوافل، وأحب شيء يتقرب به العبد إلى الله تعالى هو أداؤه للفرائض، فأتقن الفرائض أولا، ومرّس نفسك على ذلك، ثم يسعك أن تقوم بما شاء من صيام وذكر ودعاء ، وغير ذلك، والله يتقبل منا ومنكم.
الإجابة

سائلة -
الاسم
الوظيفة
ما هو فضل صيام العشر الأوائل ؟ وجزاكم الله خيرا
السؤال
المحررة: لقد تم الإجابة على سؤالك من قبل...
الإجابة

ali -
الاسم
p.r.o manager
الوظيفة
أنا إنسان أخاف الله جدا محافظ على صلواتي وكل أمور ديني من صوم وزكاة وحجيت أكثر من مرة وأعملت عمرة كثيرة جدا جدا ولا امن على الله سبحانه وتعالي أساعد الآخرين وأتصدق باستمرار اكره الكذب ولا اضر احد واعمل أشياء كثيرة طيبة وصادق النية ولكن (عندي معصية واحدة تبت عنها عدة مرات وأعود إليها ولم أفلح في التخلص منها برغم محاولاتي الكثيرة أعود إليها غصباً عني وفي كل مرة أعمل فيها هذه المعصية أندم جدا وأستغفر وألوم نفسي بشدة). سؤالي هل كل أعمالي الصالحة التي ذكرتها مردودة ولا يقبلها الله سبحانه وتعالي من أجل هذه المعصية؟ وهل هناك معصية واحدة يعملها الإنسان تكون سببا في رد كل أعمالة وجزاكم الله خير الجزاء وأعانكم على الأمانة التي تحملونها في أعناقكم.
السؤال
أخي الكريم علي: أسأل الله أن يتقبل الله منك كل ما تقوم به من خير سواء كان هذا الخير لنفسك أو لغيرك، إنما يتقبل الله من المتقين. ورحمة الله تعالى أوسع من أن يبطل كل أعمال المسلم من أجل معصية يقوم بها إلا إن كانت ترك الصلاة فللعلماء هنا أقوال، ولا أظن أن معصيتك هي ترك الصلاة. ولكن يبقى عليك أن تتوب إلى الله فورا وتقلع عن هذا الذنب الذي تكرره "رغما عنك" كما تقول، لأنه إن كان صغيرة فتكراره يدخله في باب الكبائر، وإن كانت كبيرة فلها حديث آخر. ومما يعينك على تركها معصيتك: ـ أن تتذكر عظمة الله في نفسك قبل إقدامك عليها، وهل لو أن أحدا ممن تحترمهم من قومك اطلع عليك وأنت على معصيتك تلك، ماذا يكون موقفك؟ فما بالك بربك؟ ـ أنك لن تضمن عمرك، فربما أتاك الموت وأنت عليها، فتختم حياتك بمعصية تكررها، وإنما الأعمال بالخواتيم، فكيف تقابل ربك؟ ـ اصطحب الأخيار الأبرار ، ولا تترك نفسك للفراغ الذي يحمل الإنسان على التفكير بالمعاصي، واشغل نفسك دائما بالطاعة والقرب من الله تعالى. ـ طالع سير التائبين والعابدين والصالحين واقرأ أقوالهم وتأمل أحوالهم عسى الله أن يجعل لك فيهم قدوة. ـ اضرع إلى الله تعالى أن ينجيك وينقيك من هذا المعصية ويبعدك عنها ويبعدها عنك، وما ذلك على الله بعزيز. المهم أن تكون عندك العزيمة والرغبة القوية، والنية الصادقة للإقلاع عنها، والله يوفقك ويعينك.
الإجابة

Zeena - الأردن
الاسم
الوظيفة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. هل هناك دعاء معين يستحب الإكثار منه في هذه الأيام؟
السؤال
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد، لا يستحب لغير الحاج أدعية أو أذكار معينة في هذه الأيام، أما الحاج فله أذكار معينة يستحب له أن يقولها، إنما عليه الاجتهاد والجهاد في العبادة والتقرب إلى الله تعالى بكل خصال الخير، والذكر بابه واسع، وكذلك الدعاء، فعليك بالمأثور منه، ثم ما تيسر لك.
الإجابة

n -
الاسم
الوظيفة
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته.. قربنا على العشر الأواخر ولكن نفسيتي تعبانة جدا ممن حولي فأكون متأكدة من حديث دار بينى وبين زميلتي مثلا وتقسم بالله وتحلف على المصحف أن ما تم عكس ذلك وتقسم أنني قلت أشياء مستحيل أن أنطق بها حاسة أن عندى حالة اكتئاب وليس من هذا الموقف أنا أذكره لأنه حدث الآن منذ دقائق.. أعلم وأحمد لله على كل النعم التي أنعم علي بها ولا أنكر ذلك أبدا وأشعر من داخلى بكرم ربنا فى كل شيء ولكن حالتى صعبه من جميع من حولى نفسى أبدا العشر أيام بنفس صافية كيف؟ وأستغفر الله العظم عندما أمسك المصحف ألاقي نفسي بنشغل بأي شيء ولا أقرأ شيئا.. آسفة للإطالة..
السؤال
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.. اعلمي أيتها السائلة أن البشر يصيب ويخطئ وتعتريه لحظات ضعف يخالف فيها المنهج، ويعصي فيها الله تعالى، وهذه هي طبيعة البشر التي لن تنفك عن أي إنسان، وليس كل الناس إنسانا واحدا، بل البشر مختلفون، ولن تجدي كلهم كما تحبين، بل فيهم الطيب والخبيث، وفيهم الصالح والطالح، وفيهم المخلص والمنافق، وفيهم الكاذب والصادق، فوطِّني نفسك على ذلك حتى لا تصدم نفسك عندما تقابلين نماذج مخالفة. واعلمي أن الأيام القادمة كلها خير ، يضاعف الله فيها الحسنات، ويجزي فيها على الخير الكثير والكثير. انصرفي عن كل هذه المشاعر، ولعلها وساوس شيطان، أو وساوس نفس أمارة بالسوؤ لتشغلك عن استغلال هذه الأيام، فكوني أقوى من نفسك، وأقوى من الشيطان، وأقبلي على الله بالطاعة يقبل عليك بالرحمة والقبول.
الإجابة

ام فاطمة - الإمارات العربية المتحدة
الاسم
موظفة
الوظيفة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وكل عام وانتك جميعا بخير فضيلة الشيخ الكريم نحب أن نعلم فضل العشر الأوائل من شهر ذي الحجة وهل صوم العشرة أيام جميعها سنة عن الرسول الكريم وماذا يجب على المسلم الحق أن يتسفيد ويستزيد من فضل تلك الأيام المباركة وجزاكم الله سبحانه وتعالى عنا خير جزاء..
السؤال
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد، سبق أن تكلمنا عن فضل الأيام العشر من ذي الحجة، لكن صيام تسعة أيام من الشهر ـ لأن اليوم العاشر يوم العيد محرم صومه ـ ليس من السنة الثابتة أنه كان يصومها جميعا، وإنما من صامها فهو أمر مطلوب لأن الصيام من خصال الخير، إنما السنة الثابتة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم عرفة ويرتب عليه الثواب الجزيل. وعلى المسلم في هذه الأيام تحسين الفرائض وتجويد أدائها ويتقنها بكل ما فيها من أقوال وأعمال، ثم باب النوافل مفتوح أمامه على مصراعيه من صيام وذكر ودعاء وقراءة للقرآن وصلة للأرحام وصدقة وبر بالوالدين وغير ذلك من أبواب الخير، وتقبل الله منا ومنكم.
الإجابة

مسلمة -
الاسم
الوظيفة
السلام عليكم ورحمة الله.. أصبحت بعد رمضان متلهفة على نفحات الإيمان وأحرص حرصا شديدا عليها لمد جسر طويل فيما بين المناسبات علة مدار العام في محاولة مني لسد اي منفد للشيطان. وفي أيامنا هذه أود أن أسأل طريقة تقودني لخير استثمار للعشر الاوائل..
السؤال
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.. فإن المنهج الإسلامي في تشريعاته عبادات وشعائر، هو منهج مثالي واقعي في نفس الوقت، بحيث لو التزمت عليه النفس وصفت أقدامها عليه وصلت إلى الكمال الإنساني إن صحت التسمية، فهاهي الصلاة خمس مرات يوميا تطهر الإنسان من كل شيء، وهاهو الصيام نفحة ربانية كبيرة تدفع الإنسان على طاعة الله حينا من الدهر بما فيها من العشرة الأواخر التي يتركز فيها العلمل الصالح ويزداد فتصفو النفس وتشرق الروح، ثم يكون الستة من شوال، ثم تأتي العشر الأوائل التي نحن على أبوابها، ثم مواسم الخير المتتابعة من نوافل موجودة طوال الوقت من صيام وقيام وأذكار وقراءة للقرآن...الخ أرأيت كيف لم يدع التشريع الإسلامي النفس المسلمة تلتقط أنفاسها خارج حظيرة الإيمان؟! ما تلبث تحرج من عبادة حتى تدخل غيرها فهي دائما إما في صلاة أو صيام أو ذكر أو دعاء أو مطالعة لأحول الناس الماضين والحاليين، وهكذا ينشئ الإسلام النفس الإنسانية، حتى تصير خلقا آخر تتحقق فيها كل معاني الإنسانية بأشمل معانيها. أما ما سألتي عنه من طريقة للإفادة من هذه الأيام، فأعتقد أن ما قيل فيما سبق من استشارات فيه الكفاية، وتقبل الله منا ومنكم جميعا صالح الأعمال، وغفر لنا ولكم، وعفا عنا وعنكم.
الإجابة

الأربعاء، 30 يناير 2008

رمضان... شهر العبادة والعمل


رمضان... شهر العبادة والعمل
وصفي عاشور أبو زيد**
يأتي شهر الصوم كل عام، ويشيع بين المسلمين شائعة مدعاة ووهم فاسد وهو أن رمضان شهر التراخي والنوم والكسل، رغم أن ذلك يتنافى مع قواعد العقل وأدلة الشرع، ومن ثم يتخففون من العمل، ليخلدوا إلى الراحة ويتفرغون للهو والمسليات، والعمل القليل الذي يؤدونه يشوبه كثير من القصور والتفريط، ويصاب الصائمون بضيق الذرع وضيق الصدر بمن حولهم ومن يتعاملون معهم بحجة أنهم صائمون.
وهناك فريق من المسلمين يتفرغون من أعمالهم، ليتأهبوا ويستعدوا للعبادة فقط، ولا مكان عندهم للعمل في هذا الشهر، فهو شهر العبادة، والعبادة فقط، وهو فرصة تتضاعف فيها الأعمال، وتشحن فيها الهمم، ويزداد فيها الإيمان، ويتزود فيها المسلم لباقي العام، "وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى" (البقرة: 197)، ومن ثم ينصرف عن عمله ولا يلقي له بالا.
وفريق آخر يتخفف من عمله الكسبي لا ليعبد الله، ولكن ليصرف وقته أمام التلفاز واللهو والنوم والعبث، حتى يمر الوقت وينقضي الشهر دون أن يشعر بألم الجوع أو مرارة العطش.
بل إن بعضهم يفطر بحجة أن الصيام يضعف الإنتاج، يقول داعيتنا الكبير الشيخ محمد الغزالي ساخرًا ومستنكرًا وقاحةَ الذين يفطرون بحجة ضعف الإنتاج: "ويفطر أحدهم في رمضان ويأمر الآخرين بالفطر، ويضع قدمًا على أخرى في مكتبه، وهو يهتك حرمة الشهر، ويشرب القهوة والدخان، لكن لماذا يفعل ذلك، وقد قال الله: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ". لا.. إن هذا الصوم يضعف الإنتاج، ونحن في عصر يتطلب المزيد منه".
وما من شك في أن هذا الفريق أو ذاك لا يمثل المنهاج الإسلامي الصحيح، ولا يحقق أيٌّ منهما ما شُرع له الصوم من مقاصد وحكم وغايات، وهما بعيدان كل البعد عن الوسطية والاعتدال اللذين تميزت بهما الشريعة الإسلامية والأمة الإسلامية في غير طغيان ولا إخسار: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً". (البقرة: 143).
فهو منهج يجمع بين العقل والروح، وبين العبادة والعمل، وبين الشمول والعمق، ويمزج بين العلم والدعوة، وبين الثقافة والجهاد، وبين الدنيا والآخرة، ويوازن بين مصلحة الفرد والجماعة، وبين حاجات الأجيال المعاصرة، ومتطلبات الأجيال المستقبلة.
الدين ليس أفيون الشعوب
وليس الدين أفيون الشعوب ـ كما زعم البعض ـ يُسْكِرُهم ويجعلهم يخلدون إلى الراحة والدعة والكسل، بل هو الذي خرّج أجيالا وربى أمة وصنع حضارة عمرها أكثر من أربعة عشر قرنا، وشرّق وغرب، وسيبلغ ـ كما أخبر المعصوم عليه الصلاة والسلام ـ ما بلغ الليل والنهار.
وليس في الدين فرائض أو أوامر تدعو للتراخي أو الكسل، يقول الإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين: "ولم يشرع الدين من العبادات ما يضيق به وقت العمل للحياة مقدار أنملة؛ فنحن نرى الذين هم عن الآخرة غافلون يشغلون جانبًا من أوقاتهم في راحة ولهو، أفلا يحق للمؤمن أن يقضي جزءًا من وقت راحته في الوقوف بين يدي الخالق وابتغاء رضوانه، وهذا الجزء لا يزيد على ساعة في اليوم والليلة إذا شاء؟
ليفعل هذا وليقس حياته بحياة من يصرف أوقاته في جمع المال، وإذا انتقل عنه فإلى راحة ولهو، فإنه يجد من طمأنينة القلب وارتياح النفس ما يجعل عيشه أهنأ وحياته أطيب مصداقَ قوله تعالى: "من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون". [من مقال له بعنوان: "المدينة الفاضلة في الإسلام". نشر في عام 1931هـ].
لا يفترقان..
والعمل والعبادة لا يفترقان في التصور الإسلامي، ولا يتعارضان بل كلاهما يستدعي الآخر ويتطلبه؛ لأن العبادة عندنا عمل والعمل عندنا عبادة، فالعمل في لغة القرآن مقرون بالإيمان، فلا تكاد تجد آية فيها عمل إلا مصحوبة بالإيمان، أو إيمانا إلا مصحوبا بالعمل، فتارة يقرن الإيمان بكلمة العمل كقوله تعالى: " وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ" (البقرة: 25).
وتارة يتبع الإيمان بأمر أو نهي وكلاهما عمل، فالأمر كقوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ" (البقرة: 153)، والنهي كقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى" (البقرة: 264).
وتارة أخرى يأمر بالعمل أمرا صريحا مباشرا فيقول: "وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" (التوبة: 105).
ومن هنا فالإيمان والعبادة مقرونان بالعمل، فلا إيمان بلا عمل، ولا عمل بغير إيمان، وإذا كان العمل عبادة فلا تعارض بين العمل والعبادة.
الرسول أسوة
وكان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجمع بين العبادة والعمل انطلاقا من هذا التصور الإسلامي، فلم يُرْوَ عنه قول أو فعل أو تقرير يجعل العمل والعبادة متعارضين بل العكس هو الذي روي، وأحيانا يرفع العبادة التي تمتلئ بالعمل والحركة على العبادة التي يتمحض فيها معنى التعبد ويقدمها عليها، مثل ما حدث حين خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب فقيل له بعد ذلك إن بعض الناس قد صام فقال: "أولئك العصاة، أولئك العصاة".
بل إن رجلا ذهب إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستأذنه في الجهاد، فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أحيٌّ والداك؟ قال نعم، قال ففيهما فجاهد.
وخلَّف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليا ـ رضي الله عنه ـ في الهجرة ليرد الأمانات إلى أهلها، وكان ابن عباس يقطع اعتكافه من أجل قضاء مصالح الناس وحوائجهم، فلما سئل في ذلك قال: هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا عبد الله بن المبارك الذي كان يفضل الجهاد مع أداء الفرائض على الانقطاع الكامل للعبادة كما كان الفضل بن عياض الذي أرسل له ابن المبارك رسالة كتب فيها شعرا يقول فيه:
يا عابـد الحرمين لو أبصرتنا
لعلمت أنك في العبـادة تلعب
من كان يخضب جيده بدموعه
فنحورنا بدمائنـا تتخضـب
أو كان يتعب خيله في باطـل
فخيولنا يوم الصبيحـة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا
رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانـا من مقـال نبينـا
قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي وغبار خيل الله في
أنف امرئ ودخان نار تلهب
التاريخ شاهد عيان
وتاريخ المسلمين الطويل شاهد على أن هذا الشهر هو شهر الإنتاج والعمل، وشهر الانتصارات الكبرى، حين تهب ريح الإيمان، ونسمات التقوى، وتتعالى صيحات الله أكبر فيتنزل النصر من الله تعالى، على قلة العَدد وقلة العُدد، ابتداء من بدر، ومرورا بفتح مكة وحطين وعين جالوت، وانتهاء بحرب العاشر من رمضان 1393هـ التي نحيا على أطلالها حتى اليوم.
فهل شهر رمضان بعد هذا كله شهر التراخي والكسل وعدم إتقان العمل، ونقول إن الدين أفيون الشعوب؟!
إن العمل والإنتاج والأداء الأفضل عبادة لله علي قدم المساواة مع عبادات الصلاة والصيام والقيام، بل إن هذه العبادات مع العمل تجعل أجر العبادة أكبر وأفضل عند الله؛ لأن العمل فرض وتكليف والفرار منه فرار من أمر إسلامي وواجب ديني، وما أظن في ذلك شكا أو خلافا بين فقهاء.
إن المسلمين هم الذين حوَّلوا هذا الشهر إلى شهر كسل وتراخٍ بما يسهرونه من الليل وينامونه من النهار، ولو أنهم صاموا حق الصيام، وتحرَّوا الوصول إلى مقاصد الصيام العظيمة لتحقق للأمة في هذا الشهر من الكفاية الإنتاجية ما يكفيها باقي السنة.. صحيح أن الصوم يضعف البدن، لكنه يقوِّي العزم، ويشدُّ الظهر، ويعوِّد الصبر، ويربِّي المؤمن على طول التحمل وقوة الإرادة.
وذلك لأن المعدة تخلو مما يثقل البدن ويرهقه، فتنطلق الروح ويسعد القلب ويرقى؛ وفي هذا الإطار نفهم حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه".
أوهام فاسدة
لم يبق من حجة لهذه الأوهام الفاسدة والعادات السيئة التي تذهب بأجر الصيام، وتجعل الصيام لا يحقق مقاصده مع هذه السلوكيات الفاسدة بعد أن اتضح من منهج القرآن ومنهج الرسول ـ عليه السلام ـ والتاريخ والواقع أننا نحن الذين صنعنا هذه الترهات التي لا حقيقة لها، ولا دليل عليها من عقل أو شرع.
يبقى على المسلم أن يعود لخالص دينه، ويعمل جاهدا على تحقيق المعاني السامية للصيام؛ حتى تعود على النفس والعقل والبدن ثمراته، وتتحقق فيه مقاصده كما أراد الله، فيحرص على وقته ـ والوقت هو الحياة ـ ولا يصرف جزءا منه في غير فائدة، وينام مبكرا، وإن استطاع القيلولة فحسن.
وليعلم أن العمل مع الصيام يزيد ثواب الصائم، ويرفع من قيمة العمل وأجره يوم الحساب، وليحذر شياطين الجن والإنس حتى لا يمر الشهر وينفض السوق ويخرج منه خائبا خاسرا.
** باحث مصري.

أوجاع رمضانية


أوجاع رمضانية*
وصفي عاشور أبو زيد
يُعتبر الصيام من أخص العبادات وأشرفها، فهو كف وترك لا يرى العبدَ فيه أحدٌ سوى الله تعالى، في حين أن كل العبادات والشعائر الكبرى بمشهد من الخلق؛ ولهذا فهو من أخص العبادات، وأما أنه من أشرفها؛ فلأن عبادة من العبادات لم ينسبها الله إلى ذاته العلية نسبة تشريف كما نسب الصوم.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل: "كل عمل بن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به" (متفق عليه(.
وهو رحلة روحية يستشعر الإنسان فيها وجود الله ومعيته، ويطوي فيها فواصل البعد بينه وبين معبوده؛ ليحقق في قلبه معنى التقوى، ويملأ صدره بالسكينة والطمأنينة؛ ويخلص نفسه من المعاني الأرضية، وينطلق من أوهاق جسده ومطالبه، ويحقق رغبات روحه وأشواقها، فيعيش أسعد لحظات الإيمان والحب والرضا.
ولما كانت هذه هي مقاصد الصيام الكبرى فوجب على كل مسلم أن يسلك كل سبيل ويتخذ كل وسيلة مشروعة تحقق له هذه المقاصد. ويبتعد عن كل شيء يقطع عليه طريقه، ويقلع عن كل عادة سيئة تعوقه عن الوصول إلى هدفه السعيد وغايته النبيلة، ومطلوبه الأعلى.
لكن هناك عادات وتقاليد تغلغلت في المجتمع الإسلامي منذ قرون أفسدت على المسلمين صيامهم، وضيَّعت عليهم قيامهم، وأطاحت بكل المقاصد العليا للصوم. وفي السطور القليلة التالية نحاول رصد أبرز هذه العادات السيئة وبيان إفسادها لمقاصد الصيام.
الإسراف في الأكل والشرب
فالأكل والشرب عموما ليس عادة سيئة، بل هو من مطالب الجسد المجبول عليها؛ ولأن هناك في رمضان السحور والإفطار فقد يتحول شهر الصيام والتقليل من الطعام إلى مأكلة ومشربة ومسرفة.
يشرب فيه المسلمون ويأكلون من أنواع الطعام والشراب وأصناف الحلوى ما لا يأكلونه ويشربونه في السنة كلها. وتتحول المحال التجارية إلى أسواق كبرى في هذا الشهر. فهذا ما لم يُشرَع له الصوم، وهو من أسوأ العادات؛ لأنه يذهب بثمرات الصيام أدراج الرياح.
يقول أبو حامد الغزالي رضي الله عنه- وهو في معرض الحديث عن صوم الخصوص- إن تمامه يكون بستة أمور، قال في الأمر الخامس وما أحسن ما قال: ألا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلئ جوفُه، فما مِن وعاء أبغض إلى الله عز وجل من بطن مُلئ من حلال، وكيف يستفاد من الصوم في قهر عدو الله وكسر الشهوة إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره، وربما يزيد عليه في ألوان الطعام، حتى استمرت العادات بأن تُدخر جميع الأطعمة لرمضان فيؤكل من الأطعمة فيه ما لا يؤكل في عدة أشهر؟!.
ومعلوم أن مقصود الصوم الخواء وكسر الهوى لتَقْوَى النفس على التقوى. وإذا دفعت المعدة من ضحوة النهار إلى العشاء؛ حتى هاجت شهوتها وقويت رغبتها ثم أُطعمت من اللذات، وأشبعت زادت لذتها وتضاعفت قوتها، وانبعث من الشهوات ما عساها كانت راكدة لو تُركت على عادتها.
فروح الصوم وسره تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان في العود إلى الشرور، ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل، وهو أن يأكل التي كان يأكلها في ليله لو لم يصم، فأما إذا جمع ما كان يأكل ضحوة إلى ما كان يأكل ليلا فلم ينتفع بصومه (إحياء علوم الدين: 342).
ومعلوم أن أبا حامد الغزالي قد توفِّي في العام 505هـ/1111م، يعني منذ ما يقرب من ألف سنة إلا خمسين عاما، وهذا يشير إلى أنها عادة ليست بمستحدثة على المسلمين، بل هي من العادات السيئة القديمة التي ضربت بجذورها في حياتهم، ومع ذلك فهو يصف المجتمع في عصره كما لو كان يعيش بيننا اليوم.
ثم يقول الإمام في لفتة عميقة إلى الطعام الكثير والشراب الكثير وآثارهما المدمرة على ليلة القدر: وليلة القدر عبارة عن الليلة التي ينكشف فيها شيء من الملكوت، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾(القدر: 1).
ومن جعل بين قلبه وبين صدره مخلاة من الطعام فهو عنه محجوب، ومن أخلَى معدته فلا يكفيه ذلك لرفع الحجاب ما لم يُخْلِ همتَه من غير الله عز وجل، وذلك هو الأمر كله، ومبدأ جميع ذلك تقليل الطعام (المصدر السابق).
وتحت عنوان "تقاليد لا بد من تغييرها" يقول الشيخ محمد الغزالي المعاصر- رحمه الله-: "تقاليد المسلمين جعلت شهر الصيام شهر طعام، وجعلت النفقة فيه أربى من غيرها في سائر الشهور، ما العمل؟ لنكن صرحاء ولنقل: إن على المسلمين تغيير تقاليدهم القائمة على الإسراف!! ويجب أن تعود صبغة العبادة لشهر العبادة، وأن يبرز في الصيام معنى الجهاد والقدرة على مقاومة شتى الرغبات.
إن البيت الإسلامي يقوم على إعداد الطعام لأهله، وليست مهمته أن يكون عادات البطنة والتشبع، أو أن يدخل في منافسات مادية سفيهة لتقديم الأشهى والأغلى، والظروف السياسية والعسكرية التي تمر بأمتنا تفرض علينا ألوانا من التقشف لا ألوانا من اللذات" (قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة).
وإذا كان الصوم يُعوِّد المسلم الصبر، ويُحيي فيه قوة الإرادة، ويُعمِّق فيه التحمل الطويل والصلابة، فإن مطاوعته لنفسه وتركه العنان لها ترتع وتلعب في مراتع الرخاء وملاعب الأكل والشرب لن تجعله يحصِّل من هذه الأمور شيئا مذكورا.
وفي هذا المعنى يقول الشيخ الغزالي في كلام نفيس: "إن الدابة تفعل ما تحب، وتدع ما يضايقها، والمسافة بين عزيمتها وشهوتها معدومة، بل لا عزيمة هنالك، ولا صراعَ بين شهوات وواجبات، أما الإنسان فيتطلع إلى أمور تردعه حواجز شتى، فإن غلب رشده كان عقله حاكما لرغائبه، وإلا فهو إلى الدواب أدنى.
ذلك وليس الصيام عن الشهوات فارقا فقط بين الإنسان والحيوان، بل هو فارق بين الناجحين من الناس والفاشلين؛ فالنجاح في كل شيء قدرة على تحميل النفس الصعاب، وتصبيرها على الشدائد، وقدرة على منعها ما تستحلي، وفطامها عما تبغي.
ومن قديم عَرف طلاب العلا هذه الحقيقة، واستيقنوا من أن الراحة الكبرى لا تنال إلا على جسر من التعب، وأن من طلب عظيما خاطر بعظيمته، وأن ركوب المشقات هو الوسيلة الوحيدة لإدراك المجد، وقد شرع الإسلام الصيام للناس كي يدربهم على قيادة شهواتهم لا الانقياد لها" (هذا ديننا: 118، 119).
والآيات والأحاديث والأقوال التي تحذر من الإسراف عموما كثيرة في القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: 31).
وقال أيضا وهو يعدِّد صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاما﴾ (الفرقان: 67). وأورد ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنه قال: أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة. وقال: إسناده صحيح.
قال الصنعاني: فإن السرف في كل شيء مضرٌّ بالجسد ومضرٌّ بالمعيشة، ويؤدي إلى الإتلاف فيضر بالنفس؛ إذ كانت تابعة للجسد في أكثر الأحوال، والمخيلة تضر بالنفس حيث تكسبها العجب، وتضر بالآخرة حيث تكسبها الإثم، وبالدنيا حيث تكسبها المقت من الناس (سبل السلام، دار إحياء التراث العربي: بيروت. ط4) ولما كان الإسراف منهيّا عنه في غير رمضان، فإن النهي عنه في رمضان يكون أشد وأقوى؛ لأنه فيه من مخالفة أغراض الصيام وإضاعة ثمراته ما فيه.
وإذا ذهبنا إلى الفقهاء نستفتيهم في حكم الإسراف في الطعام والشراب لأفتونا بالحرمة قطعا؛ لأن نهي الإسلام عن الإسراف واضح وصريح، فكيف إذا كان في عبادة يهوي الإسراف بثمراتها ومقاصدها في مكان سحيق؟ لا شك أن الحرمة تكون مؤكدة.
وإن المؤمن الصادق الإيمان لن يقدم على شيء حرمه الإسلام وهو يتقرب إلى الله تعالى بأخص العبادات وأشرفها، بل سيحمله إيمانه وحساسية ضميره إلى الكف الفوري عما حرم الله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور:51).
السهر بالليل في اللهو والباطل
وهذه أيضا من عادات المسلمين السيئة في الشهر الكريم، فيجعلون من الليل- الذي أحرى بهم أن يجعلوه عبادة وتقربا إلى الله- وقتا للهو وما لا فائدة فيه. بل إن بعضهم يقضي وقت ليله فيما يُذهب ثمرات صوم نهاره؛ حيث التلفاز وما فيه من مسلسلات وأفلام وبرامج عبثية، يقوم بالاستعداد لها والتخطيط من أجلها شياطين الإنس والجن قبل مجيء رمضان بستة أشهر.
ومن الناس من يقضي ليله في الحديث الباطل. فيتسامر ويتساهر مع غيره حتى يذهب بأثمن الأوقات وأغلاها سدى. ويضيِّع شهر القرآن والقيام، فإذا ما اقترب وقت الفجر تململ إلى نومه كالأنعام ليبول الشيطان في أذنه، فلا هو صلى، ولا انتفع بصومه.
وإذا كانت دقائق الليل غالية في كل وقت فإنها في رمضان أغلى وأزكى. ولِمَ لا ورب العزة تبارك وتعالى يتنزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ويتجلى ساعة النزول الإلهي لعباده يناديهم إلى عبادته، ويطلب إليهم أن يمتثلوا لندائه؛ ليدْعوه ويرجوه، ويفتح لهم أبواب التوبة حتى يتوب عليهم..؟! ألا ما أتعسَ وأقل حياء الإنسان الذي ينادي عليه مولاه وخالقه، وهو عنه معرض، وبغيره منشغل!!.
النوم الكثير أثناء النهار
وهي عادة سيئة ونتيجة طبيعية تنبثق عن سابقتها، فمن طال سهرُه بالليل طال نومُه بالنهار، فكما ضيَّع الليل في اللهو والباطل ضيَّع نهاره في النوم؛ فالحسنات تجلب الحسنات، ولا تجلب السيئاتُ إلا الخسار والبوار، في موسم تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتصفَّد فيه الشياطين، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر.
يقول أبو حامد الغزالي مبينا علة عدم الكثرة من النوم في نهار رمضان: من الآداب ألاَّ يَكثر النوم بالنهار حتى يحس بالجوع والعطش، ويستشعر بضعف القوى، فيصفو عند ذلك قلبُه، ويستديم في كل ليلة قدرا من الضعف حتى يخف عليه تهجده وأوراده، فعسى الشيطان ألا يحوم على قلبه فينظر إلى ملكوت السماء (إحياء علوم الدين).
الإفطار على المحرم
وهذه يفعلها أغلب المدخِّنين؛ حيث يصومون عن الحلال طوال النهار، ولا يفطرون إلا على السجائر، التي حرمها كثيرٌ من فقهاء العصر؛ لما ثبت فيها من ضررٍ محقَّق، وليس في الإسلام ضرر ولا ضرار، فبمجرد انطلاق الأذان لا يفطر كما كان يفطر الرسول عليه السلام، بل يفطر على ما حرم الله، بعد أن منع نفسه مما أحل الله.
وقد نقلنا من قبل عن أبي حامد الغزالي قوله في تمام صوم الخصوص: "ألا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلئ جوفه، فما من وعاء أبغض إلى الله -عز وجل- من بطن ملئ من حلال"، فإذا كان البطن الذي يملؤه صاحبه من حلال هو أبغض وعاء إلى الله فما حال مَن يفطر على محرم؟!.
ويقول الشيخ الغزالي: "كنت أحب ممن صرعتهم عادة التدخين أن ينتهزوا الفرصة -يعني شهر رمضان- فينسلخوا عن هذه العادة، إما بإرادة قاهرة ناجحة، وإما بتدرج مقرون بالعزم" (قضايا المرأة: 188).
فأحرى وأولى بالمسلم الذي استجاب لربه ومنع نفسه عما أباحه الله أن يجاهدها ويفطمها عما حرم الله، ويقلع عن هذه العادة المدمرة الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، وإنما تحلق المال والصحة.
ترك العمل والإنتاج
يتصور كثير من المسلمين أن رمضان شهرٌ تتعطل فيه المصالح، ويتخفف فيه الصائمون من العمل، ولا يتحمل فيه مسلم مسلما. وهذه عادةٌ سيئةٌ من سيئ عادات المسلمين في رمضان، فلا هو شهر كسل ودعة، ولا هو شهر تعطيل المصالح والتخفف من العمل، ألا ساء ما يتصورون!!.
إن التاريخ يقول لنا: لم ينتصر المسلمون في شهر كما انتصروا في رمضان، وهو كلام أشهر من أن يذكر، وهل هناك عمل أشق على البدن من القتال؟ كلا. كلا.
يقول الشيخ الغزالي ساخرا ومستنكرا وقاحةَ الذين يفطرون بحجة ضعف الإنتاج: "ويفطر أحدهم في رمضان ويأمر الآخرين بالفطر، ويضع قدما على أخرى في مكتبه، وهو يهتك حرمة الشهر، ويشرب القهوة والدخان، لكن لماذا يفعل ذلك، وقد قال الله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ لا.. إن هذا الصوم يضعف الإنتاج، ونحن في عصر يتطلب المزيد منه" (الإسلام في وجه الزحف الأحمر!!).
إن المسلمين هم الذين حوَّلوا هذا الشهر إلى شهر كسل وتراخٍ بما يسهرونه من الليل وينامونه من النهار، ولو أنهم صاموا حق الصيام، وتحرَّوا الوصول إلى مقاصد الصيام العظيمة لتحقق للأمة في هذا الشهر من الكفاية الإنتاجية ما يكفيها باقي السنة. صحيح أن الصوم يضعف البدن، لكنه يقوِّي العزم، ويشدُّ الظهر، ويعوِّد الصبر، ويربِّي المؤمن على طول التحمل وقوة الإرادة.
إن بدَنا من الأبدان قد يكون صحيحا معافى، لكنه لا يستطيع أن يصل بصاحبه إلى تحقيق هدف أو يصعد به نحو المعالي ونحو النور؛ لأنه قعدت به عزيمته، وتأخرت به إرادته، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وربَّ جسد حطمته الأمراض وركبته العلل.
لكنَّ عزيمةَ صاحبه تسوق هذا الجسد الهامد نحو العلا وتحقق به الغايات البعيدة، وما أصدق قول أبي الطيب، وهو يعاني شدائد الحمى:
فإنْ أُحْمم فما حُمَّ اعتزامِي وإنْ أمْرَضْ فما مَرِضَ اصطبَارِي
وإنْ أسـلمْ فَمَا أَبَقَى وَلَكِنْ سَلِمْتُ مِنَ الْحِمَـامِ إِلى الْحِمامِ
وأحب أن أشير في النهاية إلى أن الإسلام يدعو بيقين إلى محاربة هذه العادات في كل زمن. وإذا كانت محظورة في غير رمضان فإنه يتأكد حظرُها في هذا الشهر الفضيل، الذي جعله الله زادا يتزود منه المؤمنون، وجعله مغفرة للسيئات، وصعودا في مدارج السالكين.
إن الإنسان لو لم يستطع أن يقود نفسه للإقلاع عن هذه العادات في غير رمضان فإن في رمضان وجوِّه العام ما يعينه على التخلي عن سيئ العادت والتحلي بكل الفضائل، فالصيام عبادةٌ قوامها أن يمتلك المرء نفسه، وأن يحكُم هواه، وأن تكون لديه العزيمة التي يترك بها ما يشتهي، ويقدم بها على ما يكره.
كما أن الصيام يقوم على تحرير الإرادة الإنسانية، وجعلها تبعا لأوامر الله لا لرغائب النفس، وتحرير الإرادة هو الفرق الهائل، لا أقول بين الحر والعبد، بل بين الإنسان والحيوان، ومن لم ينأَ بنفسه عن عالم الحيوان الأعجم فلا يلومنَّ إلا نفسه، ومن لم يتعامل مع شهر رمضان على أنه شهر الثورة على كل عادة سيئة فلم يتحقق بفضيلة ولم يحرز هدفا، وخرج من شهر الفيض خائبا خاسرا.
* نقلا عن موقع إخوان أون لاين.

دراسة في فقه مقاصد الشريعة بين المقاصد الكلية والنصوص الجزئية ـ عرض



قراءة في كتاب:دراسة في فقه مقاصد الشريعةبين المقاصد الكلية والنصوص الجزئية
وصفي عاشور أبو زيد
**
تحتل مقاصد الشريعة منزلة كبرى في تفكير الشيخ يوسف القرضاوي، فهو من أبرز علماء الإسلام المعاصرين اهتمامًا بالمقاصد، سواء على مستوى التنظير والتفكير أو مستوى التنزيل والتطبيق، يهيمن الفكر المقاصدي على كل ما يكتب، ترى هذا الاهتمام وهذه الهيمنة في فتاواه وفي كتبه، لا سيما الفقهية منها، وتلحظه في تعليله للأحكام، كما يعتبر المقاصد معولاً أساسيًّا في الترجيح والوصول إلى حكم من الأحكام الشرعية، وشرطًا أساسيًّا لا بد من توافره كي يبلغ الفقيه درجة الاجتهاد.
فإذا دعا القرضاوي إلى التيسير في الفتوى أو التبشير في الدعوة فلأنَّ التيسير ورفع الحرج من مقاصد الشريعة، وإذا دعا إلى الوصل بين الفقه والحديث وربط الكليات بالجزئيات فمرجعه لنفس السبب، وإذا دعا إلى التأمل في فقه السنن فلأنه من ثمرات العلم بالمقاصد، وإذا دعا إلى رعاية المآلات والأولويات والموازنات، ومراعاة الترتيب السلمي المقاصدي من ضروريات وحاجيات وتحسينيات، أو مراعاة فقه النِّسب أو مراتب الأعمال فلأن ذلك كله مرجعه لمقاصد الشريعة العليا، وإذا قال بوجوب الأخذ بأدب الاختلاف وفقهه لتوحيد الأمة فلأن الوحدة والقوة مقصد إسلامي عام، وما يؤكد على ذلك قوله: "وفي رأيي أن فقه المقاصد هو أبو كل هذه الألوان من الفقه؛ لأن المعنيّ بفقه المقاصد هو: الغوص على المعاني والأسرار والحكم التي يتضمنها النص، وليس الجمود عند ظاهره ولفظه، وإغفال ما وراء ذلك".
شمول الرؤية
وإذا كان علماء المقاصد القدماء قد اهتموا بجزئيات المقاصد من ضروريات وحاجيات وتحسينيات، وتقسيم الضروريات إلى الكليات الخمسة المعروفة: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، والتنظير لها والاستدلال عليها، فإن شيخنا قد اهتم بالمقاصد الكبرى أو العامة أو ما يسميه الدكتور جمال عطية بالمفاهيم التأسيسية -كما نجده عند ابن عاشور- من مثل تحقيق العدل والمساواة، وتحقيق الكفاية والأمن العام، والقيم الاجتماعية يراها كذلك من المقاصد مثل الإخاء والتكافل والحرية والكرامة، وبذلك -كما يقول الشيخ- يظهر ما تتسم به المقاصد من تنوع وشمول، فهي مقاصد روحية أو دينية باعتبار أن أول ما تسعى الشريعة إلى حفظه وإقامته هو الدين بعقائده وعباداته، وهي مقاصد أخلاقية، ومقاصد إنسانية، ومقاصد مستقبلية سواء بسواء.
ومن مؤلفات الشيخ التي يظهر فيها اهتمامه بالمقاصد: "المدخل لدراسة الشريعة"، و"كيف نتعامل مع القرآن العظيم"، و"كيف نتعامل مع السنة النبوية"، و"السياسة الشرعية"، و"شريعة الإسلام"، و"مدخل لمعرفة الإسلام"، و"فقه الأولويات"، و"فقه الأقليات"، و"فقه الدولة في الإسلام"، وأخيرًا صدر له كتاب عن دار الشروق بعنوان: "دراسة في فقه مقاصد الشريعة بين المقاصد الكلية والنصوص الجزئية"، طبع عام 1427هـ/ 2006م، ويقع في 288 صفحة، وهذا الكتاب هو موضوع العرض.
وقد ضمَّن الشيخ كتابه كلمة افتتاحية كان قد ألقاها في ندوة مقاصد الشريعة بلندن تحدث فيها عن أمرين: الأول: عن اهتمامه بمقاصد الشريعة ومتى بدأ وإلامَ انتهى، وفيه يبين إيمانه بأهمية المقاصد من خلال نصوص قرآنية واستقراء لأحكام الشريعة، وأقوال ومعايشة للفقهاء المؤمنين بالمقاصد من أمثال المشايخ: شلتوت ودراز والمدني وأبي زهرة وخلاف والخفيف وعلي حسب الله ويوسف موسى ومصطفى زيد والزرقا والسباعي والبهي الخولي والسيد سابق، وغيرهم. ثم يذكر كتبه التي اهتم فيها بالمقاصد مما ذكرناه في المقدمة لهذا العرض.
والأمر الثاني بعنوان: فقه مقاصد الشريعة، يبين فيه معنى الشريعة، ومعنى مقاصد الشريعة، وهل للشريعة مقاصد فعلاً، وذكر أهم الطرق التي توصل لمعرفة المقاصد، ثم تعرض لخماسية الكليات الضرورية، ورأى أن إضافة بعض المتأخرين للعِرض باعتباره كلية سادسة، إضافة معتبرة لها ما يؤيدها من الشرع والعقل، وهنا أيضًا يوسع الشيخ من آفاق المقاصد؛ ليجعل منها القيم الاجتماعية مثل الحرية والشورى والعدل والمساواة وما يتعلق بمفهوم الأمة، وتكوين المجتمع والدولة منتهيًا إلى أن الأصوليين القدامى كان جلّ اهتمامهم في هذا المجال منصبًّا على الفرد المكلف، ولم تتوجه عناية منهم مماثلة لمقاصد الدولة والمجتمع.
مدارس ثلاث
ثم تناول الشيخ بعد ذلك ثلاث مدارس فقهية وبيَّن موقفهم من مقاصد الشريعة وتعليل الأحكام، الأولى: مدرسة تُعنى بالنصوص الجزئية وتتشبث بها وتفهمها فهمًا حرفيًّا بمعزل عما قصد الشارع من ورائها، وهم الذين سمَّاهم الشيخ من قديم بـ"الظاهرية الجدد"، فهم ورثة الظاهرية القدامى، ورثوا عنهم الحرفية والجمود، وإن لم يرثوا عنهم سعة العلم، ولا سيما فيما يتصل بالحديث والآثار، وقد رمز لها الشيخ بـ"فقه النصوص بمعزل عن المقاصد"، وذكر من خصائصها ستة، هي: حرفية الفهم والتفسير، والجنوح إلى التشدد والتعسير، والاعتداد برأيهم إلى حد الغرور، والإنكار بشدة على المخالفين، والتجريح لمخالفيهم في الرأي إلى حد التكفير، وعدم المبالاة بإثارة الفتن.
ومن مرتكزات هذه المدرسة ذكر الشيخ أربعة، هي: الأخذ بظواهر النصوص، وإنكار تعليل الأحكام بعقل الإنسان، واتهام الرأي وعدم استخدامه في الفهم والتعليل، وانتهاج التشدد في الأحكام.
أما النتائج والمواقف التي أسفر عنها فقه هذا المدرسة، فهي: إسقاط الثمنية عن النقود الورقية، وإسقاط الزكاة عن أموال التجارة، والإصرار على إخراج زكاة الفطر من الأطعمة، وتحريم التصوير الضوئي أو ما يسمى بـ"الفوتوغرافي".
وقد ذيّل الشيخ الكلام عن هذه المدرسة ببيان قيام الشريعة على رعاية المصالح كما قرره المحققون من العلماء، وأن الصحابة كانوا ينظرون في فقههم إلى مقاصد الشريعة.
التعطيل باسم المصالح
أما المدرسة الثانية فهي مقابلة للأولى تزعم أنها تُعنى بالمقاصد وروح الدين مدعية أن الدين جوهر لا شكل، وحقيقة لا صورة، ترد صحيح الحديث؛ لأنهم في الحقيقة لا يعرفون صحيحه من ضعيفه، يتأولون القرآن تأويلات فاسدة، ويتمسكون بالشبهات، وقد سمّاها الشيخ مدرسة المعطلة الجدد ورمز لها بـ"تعطيل النصوص باسم المصالح والمقاصد"، وقد ذكر من سماتها وخصائصها ثلاثة أمور، هي: الجهل بالشريعة، والجرأة على القول بغير علم، والتبعية للغرب.
أما عن مرتكزات هذه المدرسة فيؤكد الشيخ على أنها تعلي منطق العقل على منطق الوحي، وتدعي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عطَّل النصوص باسم المصالح ورعاية المقاصد مثلما فهموا من إلغاء سهم المؤلفة قلوبهم، أو رفعه لحد السرقة عام الرمادة، وناقش الشيخ الشبهتين نقاشًا علميًّا هادئًا.
ومما ناقشه الشيخ هنا مقولة نجم الدين الطوفي عن المصلحة والمراد منها، وبيّن كيف ظلمه العلمانيون فأخذوا شطرًا من كلامه دون الآخر، وظلمه الشرعيون فأخذوا هذا الآخر وتركوا الأول، فالطوفي يمنع صراحة أن يخالف النصُّ القطعي في سنده وفي دلالته المصلحةَ.
ومن الأمور المهة التي ناقشها الشيخ في مرتكزات هذه المدرسة قولهم: "حيث توجد المصلحة فثَم شرع الله"، وبيّن أنهم نسبوها إلى ابن القيم وهو بريء من هذا النص؛ لأنه كان يتكلم عن العدل ولم يتكلم عن المصلحة، بالإضافة إلى أنهم يقطعون هذه الكلمة -بعد تحريفها- عن سياقها التي قيلت فيه، فقد قالها ابن القيم في كتابه "الطرق الحكمية" ردًّا على الذين يحصرون البينة في شهادة الشهود وحدها، ويرفضون الأخذ بالقرائن وإن بلغت ما بلغت من الوضوح والدلالة على وجه الحق في القضية، فقد قال رحمه الله ص 14 من هذا الكتاب: "إن الله سبحانه أرسل رسله، وأنزل كتبه؛ ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات، فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثَم شرع الله ودينه"، ونحو ذلك قاله في "إعلامه".
أما إطلاق هذه الكلمة عن ابن القيم أو شيخه ابن تيمية، فلم يثبت عنهما ولا يتصور منهما، وهما أشد الناس تمسكًا بالنصوص ودعوة إلى الاتباع، وإنما تقبل هذه الكلمة إذا كانت على هذا النحو: "حيث توجد المصلحة فثم شرع الله فيما لا نص فيه، أو فيما فيه نص يحتمل تفسيرات عدة، ترجح أحدها المصلحة"، وفيما عدا ذلك فالواجب أن يقال: "حيث يوجد شرع الله فثَم مصلحة العباد".
أما النتائج والمواقف التي أسفرت عنها هذه المدرسة فهي الهروب من النصوص القطعية والتشبث بالمتشابهات، ومعارضة أركان الإسلام وثوابته باسم المصالح.
المدرسة الوسطية
ورمز لها الشيخ بـ"الربط بين النصوص الجزئية والمقاصد الكلية"، ومن سماتها وخصائصها ذكر الشيخ ستة، هي: الإيمان بحكمة الشريعة وتضمنها مصالح الخلق، وربط نصوص الشريعة وأحكامها بعضها ببعض، والنظرة المعتدلة لكل أمور الدين والدنيا، ووصل النصوص بواقع الحياة وروح العصر، وتبني خط التيسير، والانفتاح على العالم والحوار والتسامح دون ذوبان أو استلاب.
أما المرتكزات التي ترتكز عليها هذه المدرسة فقد ذكر الشيخ منها خمسة، هي: البحث عن المقصد بطرقه المعروفة قبل إصدار الحكم، وفهم النص في ضوء أسبابه وملابساته، والتمييز بين المقاصد الثابتة والوسائل المتغيرة، والملاءمة بين الثوابت والمتغيرات، والتمييز في الالتفات إلى المعاني بين العبادات والمعاملات.
ومن النتائج التي أسفر عنها فقه هذه المدرسة أنها كان لها الأثر الواضح في اجتهاداتها ومواقفها المتوازنة في مختلف القضايا الفقهية والفكرية: الشخصية والأسرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدولية، كما وُفِّقتْ إلى وضع حلول لكثير من المشكلات التي يعانيها الأفراد والمجتمعات، وأجابت عن كثير من التساؤلات التي تحير أعدادًا كبيرة من المسلمين، فوجدوا في أجوبة هذه المدرسة ما يعينهم على التمسك بالعروة الوثقى والاعتصام بحبل الله.
وختم الشيخ كتابه بأن أورد ملاحق عبارة عن فتاوى لكثير من أعلام هذه المدرسة، وهم: الشيخ رشيد رضا، والشيخ السعدي، والشيخ شلتوت، والشيخ الزرقا، والشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، وأورد لنفسه فتويين؛ حيث نقل عن كل واحد فتوى أو اثنين ليعْرف من يعرف هذه المدرسة من آثارها ومواقفها، وليس من مجرد تصوراتها النظرية، على أن كثيرًا من مواقف هذه المدرسة الفقهية قد ذُكر في صلب الكتاب بمناسبته، مما يلقي شعاعًا من ضوء يكشف عن حقيقتها واعتدالها وحسن فهمها لدين الله ودنيا الناس.
ملاحظة
كان الأولى -وصلب الكتاب عن المدارس الثلاث، حيث استغرقت نحو ثلثي الكتاب- أن يكون عنوان الكتاب: "مدارس ثلاث وموقفها من مقاصد الشريعة"، أو "مقاصد الشريعة بين مدارس ثلاث"، أو "النصوص الجزئية والمقاصد الكلية بين مدارس ثلاث" ونحو ذلك؛ لأن العنوان الحالي: "دراسة في فقه مقاصد الشريعة بين المقاصد الكلية والنصوص الجزئية" لا يعبِّر تعبيرًا يتناسب مع مضمون الكتاب، بالإضافة إلى أن الشيخ ذكر هذه المدارس الثلاث وبيَّن بعض خصائصها في كثير من كتبه، لكنه هنا أفردها بالحديث الذي اتسم بالتدقيق والتحليل والبيان والتفصيل.
** باحث الدكتوراة بكلية دار العلوم بمصر.

داعية فقيه أم فقيه داعية


داعية فقيه أم فقيه داعية؟
وصفي عاشور أبو زيد
**- 10/02/2005
أين الداعية الفقيه والفقيه الداعية؟
إذا كانت الحركة في الدعوة الإسلامية شيئا مهما للفقيه لكي يفيد بعلمه ويحركه ليتجدد ويزداد، فإن الفقه من الضرورات التي يتأسس عليها الداعية، وتنبني بها شخصيته.
والمتأمل للواقع العملي الفقهي والدعوي معا يجد هنالك فجوة ليست صغيرة بين الفقيه وساحة الدعوة، وبين الداعية ومجال الفقه، فقلما تجد داعية يملك عقل الفقيه، أو فقيها يحمل روح الداعية. إنما الفقيه معزول عن الواقع والحياة، والداعية بعيد عن محراب العلم الشرعي الرصين، في حين أنه لا تنافر بينهما في التصور الشرعي، بل كلاهما يستدعي الآخر ويستوجبه، فلن يجدد الدين في عقول الأمة إلا فقهاء يحملون أرواح الدعاة، ودعاة يملكون عقول الفقهاء.
حاجة الفقيه لممارسة الدعوة
لا شك أن تصنيف المصنفات ومعالجة العلم بين الأوراق والكتب مهمة مطلوبة ومفيدة للعالم ومن ينتفع بعلمه من بعده، لكن العالم الفقيه إذا لم يتحرك بفقهه بين الناس ويستنزله إلى واقعهم ليعالج به مشكلاتهم، ويداوي به أمراضهم، سوف يتعرض للركود والموت، ومن ثم فلا قيمة لفقه لا يتفاعل مع واقع الناس المعيش.
والحق أن كثيرا من قادة العمل الإسلامي يحثون الدعاة ليتفقهوا ويتعمقوا في فهم مصادر الشريعة ومواردها، وإدراك مبادئها ومقاصدها، وسبر أغوارها وأبعادها، في الوقت الذي يهمَل فيه الحديث عن أهمية أن يكون الفقيه داعية، وأن يمارس الدعوة بفقهه وعلمه الذي حصَّله وتعلمه، وإلا فلا فائدة من فقه بلا دعوة، كما لا قيمة لدعوة بغير فقه.
ثمار ممارسة الفقيه للدعوة
ولن ندرك قيمة ممارسة الفقيه للدعوة إلا إذا وقفنا على الثمار التي يجنيها العالم الفقيه من وراء ذلك، ومن أبرز هذه الثمار:
1- أنه يؤدي زكاة هذا العلم، فزكاة العلم تعليمه وبذله للناس، وبذلك يؤدي شكر النعمة ليحفظها الله عليه.
2- أن الله تعالى سيورثه علم ما لم يكن يعلم؛ لأنه ببذله العلم للناس يكون عمل ببعض علمه، وقد جاء عن علي رضي الله عنه قوله: "يا حملة العلم اعملوا به، فإنما العالِم من عمل بما علم، ووافق علمُه عملَه، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف عملُهم علمَهم، وتخالف سريرتُهم علانيتَهم، يجلسون حِلَقًا فيباهي بعضُهم بعضًا، حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله"
(1).
3- أن العالم الفقيه إذا تفاعل مع الواقع ونزل مع الناس بعلمه تكشفت له أمور وعوالم أخرى لم تكن لتنكشف له وهو قاعد آمن ساكن بين الكتب والأوراق، وهذا أمر يعرفه جيدًا من مارسوا العمل الإسلامي من الفقهاء.
4- أنه يدرك بعمله ودعوته لذة لم يكن يشعر بها وهو يعالج مسائل العلم بعيدا عن واقع الناس، ويدرك من أسرار النصوص وُجوهًا جديدة يستنزلها الواقع المتجدد والأحداث المستمرة، وهذا لا يتاح لمن لا يعمل بعلمه.
5- أنه إذا تعلم العلم وعمل بما علِم، وعلّم الناس ما علمه وعمل به.. يكون بذلك من الربانيين الذين قال عنهم القرآن: "وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ". [آل عمران: 79]. فالربانيون -كما قال الإمام الطبري- هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا؛ ولذلك قال مجاهد: وهم فوق الأحبار؛ لأن الأحبار هم العلماء. والرباني: الجامع إلى العلم والفقه البصرَ بالسياسة والتدبير والقيامَ بأمور الرعية وما يُصلحهم في دنياهم ودينهم
(2).
6- أنه دائما يستشعر الحاجة إلى التعلم وإلى مزيد من الاطلاع لما يواجهه في المجتمع وفي حياة الناس من مشكلات لم تكن موجودة من قبل، ومن ثم فهو يسعى إلى تكييفها الفقهي، ولا يتأتى له ذلك إلا بإعادة قراءة ما قرأه بروح أخرى وفهم آخر، إضافة إلى قراءة جوانب ومساحات من الفقه والأصول لم يقرأها من قبل، وبهذا يستشعر الفقيه مدى حاجته لأن يكون طالب علم إلى آخر لحظة في عمره.
هذه -وغيرها- ثمار يجنيها الفقيه من وراء عمله بفقهه، وتعليمه الناس هذا العلم، وتفاعله بعلمه مع واقع الناس، وممارسته الدعوة في ساحة العمل الإسلامي.
والحق أن مسألة ممارسة الفقيه للدعوة تحتاج إلى إلحاح متكرر من قادة الرأي ورموز العمل الإسلامي وعلماء الأمة؛ لأن هناك الكثير من الفقهاء الراسخين والعلماء الثقات لا يمارسون الدعوة بعلمهم ويكتفون بوظيفة حكومية أو معالجة هذا العلم بين الكتب إما لرهبة أو لرغبة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فالحديث عن ضرورة الفقه للداعية طغى على الحديث عن أهمية ممارسة الفقيه للدعوة، وهذا يستدعي تسليط الضوء بصورة أكبر على هذا الجانب الذي به ستحل كثير من مشكلات الأمة، ويكون الفقيه أكثر فاعلية وفائدة لنفسه ولأمته.
ضرورة الفقه للداعية
وإذا كان الفقيه في حاجة ماسة إلى ممارسة الدعوة، وربما أفاد أمته بوجه ما إذا اقتصر على معالجة العلم بين الكتب والمصنفات، فإن الفقه ضرورة -بالمعنى الشرعي للكلمة- للداعية لا يصح أن يمارس الدعوة إلا بعد تحصيله والغوص في بحاره، وإلا أساء من حيث أراد الإحسان، وعطل سير الدعوة الإسلامية حينا من الدهر، وقديما قال الشاعر:
ما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه
ولهذا وجدنا الحديث مُركزا على هذا الجانب لدى المهتمين بالشأن الإصلاحي، والمنظِّرين للحركة الإسلامية؛ لأن الآثار السيئة التي يحدثها الداعية غير الفقيه لا تقارن بحال من الأحوال بالآثار السلبية التي يحدثها الفقيه الذي لا يمارس الدعوة.
والفقه للداعية هنا يعني أمرين:
الأول: الفقه بالأحكام الشرعية، سواء كانت أحكاما في العقيدة، أو أحكاما فرعية عملية، وكل ما يتصل بعلوم الشريعة مما يدور حول الفقه، وهو ما نعنيه بالكلام هنا.
والثاني: الفقه الدعوي، أو الجانب الفني في الدعوة، وهو ما تضخم عنه الكلام إلى درجة الطغيان على المعنى الأول.
والحقيقة المرة أن الدعاة اليوم يحتاجون إلى إعادة صياغة وتكوين من جديد، لا سيما في أمور الثقافة الشرعية وغير الشرعية، أو ما يطلق عليه: "التكوين العلمي للداعية"، فإن كثيرا -إن لم تكن أغلبية- من الدعاة اليوم يعاني فقرا مميتا في تكوينه العلمي، ويمارس عمله بشيء من "الروتينية"، فهو يؤدي دوره بروح الموظف، لا بروح الداعية المصلح.
الأسباب الداعية لتفقيه الداعية
وربما أدركنا خطورة ممارسة الداعية غير الفقيه، أو ضرورة الفقه للداعية إذا علمنا أسباب ذلك وآثاره، والتي منها:
1- أن الداعية بتعلمه الفقه يمحو الجهل عن نفسه أولا قبل أن يمحوه عن غيره، وهو فرض عين يُطالَب به عموم المسلمين، فضلا عن الدعاة إلى الله تعالى.
2- أن الداعية يتعرض في المسجد وفي الشارع وفي عمله إلى أسئلة الناس، فإذا لم يكن لديه زاد شرعي وعلم شامل بالأحكام فلن يستطيع مواجهة هذا الجمهور، مما يؤدي إلى فقدان الثقة فيه، وربما قاده ذلك إلى الكلام بغير علم، فيحل الحرام ويحرم الحلال، كمحاولة ضالة منه لتثبيت الثقة فيه عند الناس.
3- أن الداعية إذا تزود بالعلم الشرعي النافع -والفقه العملي على وجه الخصوص- فإنه يستطيع أن يرد على الشبهات التي تثار حول الإسلام في كل عصر -وما أكثرها في عصرنا- ليثبت قلوب الناس على الإسلام، ويزداد الذين آمنوا إيمانا، وهنا تتأكد شمولية الثقافة الشرعية بكل أنواعها، سواء كانت في العقيدة أو الفقه أو غير ذلك.
4- أن الداعية بغير إحاطة بالعلوم الشرعية لن يدرك "فقه النِّسَب" بين الأمور التي يتحدث فيها، وطرق الحديث عنها وكيفياته، فربما قدم النافلة على الفريضة، والجزئيات على الكليات، والفروع على الأصول، والمهم على الأهم، وهو ما عبر عنه الشيخ محمد الغزالي بـ"الحَوَل الفكري" حين قال: "رأيت بعض الناس مصابا بحَوَل فكري لا تنضبط معه الحقائق، قد يرى العادة عبادة، والنافلة فريضة، والشكل موضوعا، ومن ثم يضطرب علاجه للأمور، وتصاب الدعوة على يديه بهزائم شديدة"
(3).
من هنا وجب أن يعاد النظر في التكوين العلمي للدعاة، وإذا كانت هناك علوم كثيرة ينبغي أن يحصلها لتكتمل شخصيته العلمية مثل: السيرة والتاريخ والعلوم الإنسانية واللغوية؛ فينبغي أن تحتل العلوم الشرعية -والفقه في المقدمة منها- مكانتها اللائقة بها حتى لا تصاب الدعوة على أيدي الدعاة "بهزائم شديدة"، كما عبر الشيخ الغزالي يرحمه الله.
والذي يرجع بذاكرته إلى أعلامنا المسلمين في التاريخ الماضي لن يجد الذاكرة تستوعب غير الفقهاء الدعاة والدعاة الفقهاء، الذين أحيوا الأمة بفقههم ودعوتهم، وقادوها إلى الطريق المستقيم، أمثال أحمد بن حنبل، وابن تيمية، والعز بن عبد السلام، وابن القيم، ومحمد الغزالي، وغيرهم ممن جمعوا بين الفقه والدعوة.
فلا بد أن يمارس الفقيه الدعوة، ولا بد أن يتسلح الداعية بالفقه، ولا بد من الجمع بين العلم والعمل والتعليم؛ ذلك أن العالم بلا عمل وتعليم لا قيمة له، وربما قاده ذلك إلى جمود علمه وموته دون أن يحمله عنه أحد، والعامل المعلم بلا علم سيكون مصيره حتما الضلال والإضلال؛ لأنه يعمل بغير علم، والمعلم بلا علم وعمل منافق يقول ما لا يفعل، ويعلّم ما لم يعلم، فلا يصح أن ينعزل الفقه عن الدعوة، ولا يجوز للدعوة أن تكون بغير فقه، بل لا بد من اجتماع هذه الثلاثة: التعلُّم، والعمل، والتعليم؛ حتى يكون الداعية أو الفقيه نبتة صالحة في المجتمع، وكلمة طيبة بين الناس تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
اقرأ أيضا:
السطور المتحركة
ماذا يحمل الداعية في حقيبته؟
الداعية الناجح في فكر الغزالي
**باحث في العلوم الشرعية .
(1) سنن الدارمي: باب التوبيخ لمن يطلب العلم لغير الله، حديث رقم: 382.
(2) جامع البيان للطبري: 3/327. دار الفكر. بيروت. 1405هـ.
(3) الحق المر: 135. طبع مركز الإعلام العربي. القاهرة. ط. ثانية. 1417هـ، وراجع خطب الشيخ محمد الغزالي في شئون الدين والحياة: 1/17. طبع دار الاعتصام. القاهرة. بدون تاريخ.

وداعا د. محمد بلتاجي حصن الشريعة ـ خبر


وداعا د. محمد بلتاجي "حصن الشريعة"
القاهرة - وصفي عاشور أبو زيد - إسلام أون لاين.نت/ 27-4-2004
توفِّي الدكتور محمد بلتاجي أستاذ الشريعة بكلية دار العلوم في جامعة القاهرة الإثنين 26-4-2004، تاركًا وراءه عددًا من الدراسات والبحوث الفقهية الثرية حول العديد من القضايا الشائكة التي شهدتها الساحة الدينية مؤخرًا.
وُلِد الدكتور محمد بلتاجي في أسيوط بصعيد مصر عام 1938، ونشأ في كفر الشيخ، وكان مقامه بمدينة طنطا (شمال القاهرة).
ودرس بلتاجي في الأزهر الشريف، وتخرج في كلية دار العلوم عام 1962، وكان الثالث على دفعته، وحصل على الماجستير بتقدير ممتاز، عن موضوع: "منهج عمر بن الخطاب في التشريع" عام 1966.
كما حصل بلتاجي على الدكتوراة بمرتبة الشرف الأولى عن موضوع: "مناهج التشريع في القرن الثاني الهجري" عام 1969، ورقي إلى أستاذ مساعد فأستاذ عام 1980.
وشغل بلتاجي منصب "عميد" لكلية دار العلوم بالقاهرة مدة 10 سنوات، منذ 1985 - 1996، وعمل رئيسًا لقسم الشريعة بالكلية منذ عام 1995، وحتى وفاته.
كما عُيِّن رئيسًا لمركز الدراسات الإسلامية بكلية دار العلوم 2002، وعضوًا بلجنة ترقية الأساتذة، وأشرف على أكثر من 200 رسالة علمية، وناقش مثلها.
واختير بلتاجي الذي عمل رئيسًا للمحاكم الشرعية في الأحوال الشخصية بطنطا بمحافظة الغربية شمال مصر عضوًا في مجمع البحوث الإسلامية. كما تم اختياره عام 2003 عضوًا في مجمع الخالدين (اللغة العربية) بالقاهرة.
وتتلمذ بلتاجي على يد أساطين الفقه والأصول في عصره؛ منهم الشيخ محمد أبو زهرة، والفقيه الشيخ علي حسب الله، والعالم الجليل الشيخ علي الخفيف، والأستاذ الدكتور مصطفى زيد، والداعية الشيخ محمد الغزالي.
من مؤلفاته
يعتبر الدكتور بلتاجي الذي توفِّي عن عمر يناهز -66 عامًا- من المقلين في التأليف، إلا أن ما تركه تميز بالأصالة العلمية والدقة البحثية، والعبارة المحكمة، والدقة البالغة، والإحصاء والإحاطة الشاملة فيما يتناوله، كما تميز بالجمع بين محكمات الشرع ومقتضيات العصر.
ومن أهم ما ألفه بلتاجي: "منهج عمر بن الخطاب في التشريع" و"مناهج التشريع في القرن الثاني الهجري" و"أحكام الأسرة.. دراسة مقارنة" و"الملكية الفردية (حائز على جائزة الدولة)" و"بحوث في التفسير والأصول والتشريع" و"دراسات في الأحوال الشخصية" و"بحوث في القرآن والوحي" و"التشريعات المالية في فقه عمر بن الخطاب" و"مكانة المرأة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة" و"الجنايات وعقوبتها في الإسلام وحقوق الإنسان".
من مواقفه التاريخية
وشهدت الساحة الفقهية من الدكتور بلتاجي مشاركات عديدة وبحوثا قيمة في قضايا حساسة وخطيرة، منها موقفه من العمليات الاستشهادية، حيث كان يرى أن هذه العمليات من "أرقى أنواع الشهادة في سبيل الله، وأنها جند من جنود الله سبحانه، وأنها هي التي أفقدت الصهاينة وأعوانهم الأمن والسلام، وقذفت في قلوبهم الرعب والفزع، وأحدثت توازن الرعب الذي نسمع عنه كثيرًا ونقرأ عنه أكثر، ولا تمت بصلة إلى الانتحار أو الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة".
من آرائه واهتماماته
كانت للدكتور بلتاجي آراء واهتمامات ونصائح منها ما كان شخصيًّا ومنها ما كان عامًّا، فمن آرائه الشخصية، أنه لم يكن يرغب في الإعلام والظهور على الشاشات، ووجهة نظره أن الإعلام يمارس على أصحابه نوعًا من الضغوط والتعجل، وهذا ليس في صالح الفقيه، لا سيما في القضايا المستجدة والخطيرة، فكان يفضل العيش في صمت حتى يبحث القضايا بهدوء، وتأخذ معه وقتها الكافي ليصل فيها إلى رأي مقرر.
ومن اهتماماته العامة مشكلات الأسرة المسلمة وما يتعلق بها، وهو ما ورثه عن عمله في المحاكم الشرعية الخاصة بالأسرة قاضيًا ورئيسًا، فكان يرى أنه لا يمكن للمجتمع أن يسير نحو التقدم إلا بحل جميع المشكلات التي من شأنها أن تعوق هذه المسيرة، وعلى رأسها المشكلات المتعلقة بالأسرة باعتبارها إحدى لبنات المجتمع.

جمال قطب للدعاة: نعم للتطوير لا للصدام ـ حوار



جمال قطب للدعاة: نعم للتطوير لا للصدام
حاوره في القاهرة: وصفي عاشور أبو زيد
**- 24/08/2005





الشيخ جمال قطب
أكد فضيلة الشيخ جمال قطب - الداعية المعروف، رئيس لجنة الفتوى بالأزهر الشريف سابقا- أن واقع الدعوة الإسلامية يحتاج إلى مراجعة وإصلاح؛ حيث يعاني كثير من الدعاة والخطباء فقرا في الثقافة، وضعفا في العلم والاطلاع الدائم والمستمر؛ مما أضعف الثمرات المرجوة منهم.
وأشار فضيلته إلى أنه ينبغي أن توفر الدول والحكومات والهيئات الخاصة بشئون الدعوة حد الكفاية للخطيب أو الداعية، وتهيئ له مناخ العلم والتدريب والتطوير حتى يقوم بمهمته على أكمل وجه.
كما شدد على أنه ينبغي على الدعاة والخطباء ألا يسعوا للصدام مع الدول والحكومات، ولا يشهِّروا بأحد، وأن يتعاونوا في المتفق عليه بينهم وبين الحكومات وهو كثير، وينبذوا الخلاف والنقد الصارخ حتى يفوتوا الفرصة على أعداء الأمة المتربصين بها من التدخل في شئون البلاد؛ فإلى تفاصيل الحوار:
* بداية نريد أن نتعرف عن رحلتكم مع الدعوة الإسلامية.
- تقدمت لخطبة الجمعة بالمعسكر الكشفي الدائم بحلوان جنوب شرق القاهرة أثناء الإجازة الصيفية للصف الأول الإعدادي عام 1961م، وكنت وقتها طالبا بالصف الأول الإعدادي بالتعليم العام، وكنت في الوقت نفسه أذاكر المواد الأزهرية، وأدخل امتحان الدور الثاني فيها، واستمررت على أداء خطبة الجمعة أمام والدي ومشايخ آخرين بمساجد منطقة إمبابة التابعة لمحافظة الجيزة.
والتحقت بجامعة الأزهر، وواصلت العمل الدعوي أثناء الدراسة بكلية الدراسات العربية والإسلامية التي تخرجت فيها عام 1975م، والتحقت بالعمل في مشيخة الأزهر بمجمع البحوث الإسلامية باحثا برواق تقنين الشريعة على المذهب الشافعي في مشيخة المرحوم الإمام محمود عبد الحليم.
ثم طلبت النقل بناء على رغبتي من أروقة البحوث إلى الوعظ؛ فبدأت واعظا بمركز إمبابة، ثم مفتشا للوعظ، ثم مديرا، ثم رئيسا لإدارة الدعوة، ومديرا عاما للدعوة، ثم مديرا عاما للإعلام الديني، وتوليت رئاسة لجنة الفتوى بالأزهر الشريف خلال أعوام 1997-1999م.
ولقد طفت بجميع محافظات جمهورية مصر العربية في قوافل الدعوة التي ينظمها الأزهر الشريف، وكذلك منطقة إمبابة لدعوات الهيئات الثقافية للمجتمع المدني، كذلك خبيرا مع صندوق علاج الإدمان التابع لمجلس الوزراء.
كما مثلت الأزهر الشريف في مؤتمرات دولية في جزر القمر لإعلان انضمام الدولة لجامعة الدول العربية، كما مثلته وشيخه في أثناء حرب البوسنة والهرسك لتواجدي على أراضيها في المؤتمر الدولي المنعقد هناك، وذهبت لفترات محدودة للدعوة في السعودية ولبنان وبريطانيا وأمريكا وبلجيكا وغير ذلك.
* لا شك أنكم مارستم الخطابة والدعوة إلى الله فترة طويلة من الزمن تملك من خلالها أن تضع أيدينا على صفات الداعية الناجح.
- ليس كل إنسان يصلح أن يكون داعية، وليس كل داعية يملك الصفات والمقومات التي من خلالها يتحقق له النجاح، إنما لا بد من توافر مجموعة من الصفات التي تعتبر ضمانا لسماعه، وأبرزها في رأيي ما يلي:
الأولى في تقديري: ألا ينتمي لفكر أحادي النظرة، ولا يتمسك بمذهب ولا دعوة مهما كان بريقها؛ فحياد الداعية وتقلبه بعينه الناقدة بين الأفكار هو الضمان الوحيد لسماع دعوته، أما استغراقه في تبني فكر معين والحرص على نافذة معينة وقالب معين؛ فإن الداعية في هذه الحالة المحددة إنما ينشر مذهبا أو فكرة ولا ينشر دينا؛ فالإسلام أكبر من أن يختذل في شخص أو مدرسة أو مذهب.
الثانية: ألا يقبل على الدعوة إلا محتسبا ومتفرغا لدراستها حتى يضع النقط على الحروف، أما أن يقبل على الدعوة بإخلاص فحسب طالبا الثواب راغبا في تبليغ ما علم أو ما أحب دون مداومة التحصيل والاطلاع على العلم والفكر والوعظ السليم.. فإنه يكون في الدعوة مثل الأم التي تطعم ولدها ولا تسقيه، أو تسقيه ولا تكسوه؛ فالإسلام للمسلم حياة كاملة تحتاج إلى تفهم، ويحتاج الداعية إلى معرفة من أين يبدأ مع كل حالة؟ وكيف يتدرج؟ فلا بد من التخصص العلمي والاطلاع الدائم على كتب العلم والوعظ والسير والتاريخ ويصبر على ذلك، ثم يتابع ما يجري في الواقع من حوله حتى يكون على بصيرة من أمره.
الثالثة: لا بد للداعية أن يبقى طالبا للعلم دائما؛ بمعنى ضرورة يقينه بأن ما وصل إليه ليس حقيقة نهائية، فلا بد من دوام تنقيحه ومراجعته وقبول الآخر مهما كان موقعه؛ فالدعوة تعبير عن الدين الخاتم، وجل دين الله عن أن يحوطه صدر إنسان أو مدرسة أو مذهب.
الرابعة: أن يكون الداعية مثالا حيا لما يدعو إليه؛ فقد ورد عن نبي الله عيسى -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- قوله: "الوعظ زكاة الاتعاظ"، ومعنى ذلك أن الداعية لا يأمر إلا بما عمله هو وأتقنه وحاز ثماره حتى يسهل على المدعو الاقتداء به، أما أن يأتي الداعية أفعالا ينهى الناس عنها، أو يترك أمورا يأمر الناس بفعلها؛ فهذا أخطر ما يكون في الداعية؛ إذ يزهد الناس فيه وينفضون من حوله؛ لأنه -بذلك- أفقدهم الثقة فيه، والله تعالى يقول: "أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم"، وقال: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}.
* هناك خلط عند كثير من الناس بين الداعية والخطيب؛ فالداعية عند الناس هو الخطيب، والخطيب هو الداعية.. فما الفرق بينهما في رأيكم؟
- مسألة المصطلحات عموما من المشكلات التي تواجهنا عند الحديث عن أمر ما أو الكتابة فيه، ولو أننا حررنا المفاهيم وقررنا معاني المصطلحات لاتفقنا على كثير من المسائل المختلف فيها، فضلا عن الخطأ والجهل أحيانا كنتيجة لعدم فهم وتحرير بعض المصطلحات.
ومصطلحا "الخطيب" و"الداعية" من المسائل التي تحتاج إلى فهم وتحرير حتى لا يتناوبا أو يحل أحدهما محل الآخر؛ فالخطيب ناقل فكرة، يجند الناس لها، ويستلزم في عمله قدرات الخطابة المتعارف عليها من الإحاطة اللغوية وقدرة الاسترسال، وقدرته على الإقناع والتواصل، واستقطاب حواس المستمع.
أما الداعية فهو صاحب فكرة يبرهن عليها، ويعيش لها، ويجاهد من أجلها، ويتركها للخطباء من ناحية وللمؤلفين والكتاب من ناحية أخرى، والمحاضرين والمحاورين من ناحية ثالثة، وللمبرمجين من ناحية أخيرة؛ فالداعية يعتبر معبرا عن الفكرة الأصلية مولدا لعناصر التوجيه فيها، أما الخطيب فهو إعلامي ليس إلا.
ومن الجدير بالذكر في هذا المقام أن لفظ "داعية" أصبح من السهل أن يطلق على أي إنسان متحدث بلسان الدين، وهذا في الحقيقة نزول بالمصطلح عن مستواه السامق الأصيل، ولقد كان قديما لا يطلق على خريج الأزهر المشتغل بالإعلام أو الدعوة في رحاب الأزهر "داعية"، إنما كان يسمى: "واعظ"؛ فتغيرت المصطلحات وتناوبت، وأصبح فيها حالة من الظلم لها، والتدني بمستواها.
* كيف ترون واقع الدعاة والخطباء اليوم؟ هل هو كما ينبغي أن يكون عليه من خلال الصفات المذكورة آنفا وغيرها، أم أن هناك نقصا وتقصيرا ما؟
- واقع الخطباء اليوم واقع مخزٍ ومؤسف خلا حالات فردية معدودة في كل قطر؛ فإن الخطباء أصبحوا غير أكْفَاء لعملهم؛ وذلك يرجع لأسباب خارجة عنهم، ولأسباب خاصة بهم أعجزتهم.
أما الخارجية فأبرزها وقوع بلدان الأمة العربية تحت نير القهر العالمي؛ الأمر الذي تفاقم إلى أن أصبحت الأمة أجزاء مقطعة وفقيرة، محتاجة ومتخلفة، وراكضة خلف التقدم العالمي تلهث دون أن تدرك المستوى المطلوب، وقد انطبع ذلك على جميع برامج وأوعية التعليم بصفة عامة، والتعليم الديني بصفة خاصة، وتعليم الخطباء بصفة أخص.
أما الظروف والمعوقات الخاصة بهم فإن معظمهم قد أقبلوا على الدراسة مجبرين لعدم قدرتهم على اللحوق بالكليات العلمية التجريبية بجامعة الأزهر مثلا؛ فذهبوا إلى الكليات الإسلامية تحصيل حاصل مضطرين إليها، فإذا أضفت إلى ذلك القصور في الكادر الوظيفي والتقصير في رعاية المساجد أدركت أن الخطباء أصبحوا حفظة لأقوال معينة يرددونها دون منهجية ودون إدراك للعواقب والمآلات.
* إذا كان واقع الخطباء بهذا الشكل.. فما الطريق إذن لكي نعين الخطيب أو يكون على الوجه المطلوب مع مهمته؟
- لا بد أولا من إصلاح المناهج التعليمة بالتحرر تماما من الفكر الدخيل على الإسلام أيا كان نوعه؛ سواء كان السبب فيه جهة غربية أم كان من الموضوعات والإسرائيليات في تراثنا الإسلامي، ثم بعد ذلك ينبغي أن يُعدَّ الخطيب إعدادا يتناسب مع مهمته ويتلاءم معها، وأن يكون هؤلاء الخطباء لهم رغبة أكيدة في ممارسة هذا العمل الشريف، وأن تكون عندهم هذه الموهبة.
وأمر آخر في غاية الأهمية وهو أن على الجهات والوزارات المسئولة عن الدعوة إلى الله تعالى توفير معيشة كريمة لمن يقوم بهذه المهمة ماديا وأدبيا، وأن يعملوا على تفريغهم من كل الأعمال سوى هذه الوظيفة حتى يتعلم، ويتمرس ويتزود ليؤدي مهمته على الوجه المطلوب ويؤتي ثماره للمجتمع.
أمر أخير -في رأيي- وهو أن كل مسجد من المساجد لا يكفيه خطيب واحد؛ بل لا بد من مجموعة لكل مسجد، كل منهم يتخصص في جانب من الجوانب، هذا للمشكلات الأسرية بين الأزواج والأبناء، وهذا لهموم الشباب ومشكلاتهم، وذاك لأحكام العبادات والمعاملات، وهذا لفض المنازعات والعمل على الصلح بين الناس، وهكذا.
لو تم هذا كله فلا شك أن دور الخطيب أو الداعية أيضا سيؤتي ثماره، ويكون المجتمع مجتمعا معافى من الأمراض والعلل، وكيف لا وهو يستمد الدواء والعلاج من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
* كثير من الخطباء -إن لم يكن كلهم- يتعرض للفتوى في المساجد، وكثير منهم أيضا يفتون فتاوى مخطئة تؤدي إلى حدوث فتن في المجتمع بتحليل الحرام وتحريم الحلال فبماذا تنصحونهم؟
- أقول لهم أولا: إن منصب الإفتاء شيء، ومنصب الخطابة شيء آخر، والخطيب بالفعل يتعرض لمثل هذا، ويجب عليه أن يستوعب خطورة الإفتاء، وأن يدرك أن المفتي نائب وموقِّع عن الله في الأرض كما قال ابن القيم وغيره، فإذا كان يعلم حكم المسألة موضع الاستفتاء فبها ونعمت، وإلا فيسعه ما وسع الأئمة الكبار والفقهاء العظام الذين كانوا لا يجدون غضاضة في أن يقولوا: "لا أدري".
ولو رجع خطباء اليوم إلى الجيل السابق عليهم لوجدوا خطباء كثيرين مشهورين، ومن أبرزهم الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- وقد كان لا يخشى في الله لومة لائم، وكان يحيل أسئلة ترد إليه -وهو من هو- إلى غيره من المتخصصين في الفقه والفتوى، وهذا في الحقيقة لا يعيب الخطيب، إنما يعيبه أن يجيب على السؤال إجابة غير صحيحة، أو غير مقنعة، فتزداد المسألة عسرا، أو يحرَّم الحلال، ويحلَّل الحرام، وهذا كثيرا ما يحدث.
* فضيلة الشيخ، من خلال عملك في الدعوة إلى الله تعالى فترة غير قليلة من الزمان وإلى الآن.. لعلك تعلم جيدا الصدام القديم الجديد والمستمر بين الخطباء والدعاة إلى الله وبين السياسات والحكومات؛ فكيف السبيل إلى حل هذه المشكلة في رأيكم؟
- أولا لا نبرئ الساسة والحكام من ظلم وتعسف مع الدعاة والخطباء، ولكننا نهيب بالمتعرضين والمتشوقين والراغبين في هذه المهمة أن يبتكروا وسائل وأساليب واضحة شفافة لعدم الصدامات مع الحكومات؛ فمن مصلحته ومصلحة الدعوة ألا يشهر بالأشخاص، ولا يتعرض بالنقد اللاذع للمسئولين الكبار في بلد ما وفي التعريض مندوحة، وكذلك في استحضار شخصيات وأحداث تاريخية ليشير من بعيد إلى ما يريد.. هذه واحدة.
أما الأخرى -وهي مهمة جدا- فهي أنه لا بد أن يتقارب الدعاة مع الحكومات والدول على الحد الأدنى المتدرج، ويبدءوا من كل جانب يمكن منه البداية شرعا، ويؤخروا الصدامات والنقد اللاذع إلى حين، وأظن أن الدعاة أو الخطباء لن يحرموا مثل ذلك تفويتا للفرصة التي يتيحها الخلاف لأعداء الإسلام من القوى العالمية على التدخل في شئون البلاد، ولا شك أن الدعوة في مصر أو السعودية أو الكويت على حالتها الراهنة أفضل من الدعوة في بلاد أخرى، ومساحات الالتقاء والتعاون أعتقد أنها كثيرة جدا يمكن التعاون فيها، وهذا أفضل بكثير من أن نبدأ بالصدام بتناولنا للمختلف فيه الذي يؤدي إلى تشتت الجهود، وإيغار الصدور مما يؤثر سلبا على سير الدعوة الإسلامية.
اقرأ أيضا:
لماذا يهرب الناس من المساجد؟
دعوة إلى أسلمة المساجد!!
داعية فقيه أم فقيه داعية؟
الداعية بين الطفولة والرشد
**باحث شرعي بكلية دار العلوم.