الأربعاء، 9 مارس، 2011

الثورة المصرية في ضوء المقاصد الشرعية





الثورة المصرية في ضوء المقاصد الشرعية...الواقع والمستقبل

وصفي عاشور أبو زيد

من المسلمات التي أتى بها دين الإسلام: عقيدةً وشريعةً، أن التشريعات كافةً تسعى إلى بناء الإنسان من كل جوانبه: جسديًّا وروحيًّا وعقليًّا ووجدانيًّا؛ لينتصب إنسانًا يتحلى بما خلقه الله عليه وهيأه له.

فقد خلق الله الإنسان من طين، وسواه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وكرمه وكلفه وشرفه، وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعا منه، قال تعالى: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ . فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ". سورة الحجر: 27-28. وقال: "وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ". سورة الجاثية: 13.

أسباب الثورة ومطالبها في ضوء المقاصد

وإن الثورة الشعبية التي قامت في مصر 25 يناير 2001م، لم تكن إلا من أجل تحقيق كرامة الإنسان، والمطالبة بحقوقه الأولية الإنسانية، ورفع الظلم عنه، والرغبة في العيش الكريم بحرية وكرامة وعدالة، وهذه مقاصد عليا ومفاهيم تأسيسية يتغياها الإسلام من كافة أحكامه وتشريعاته.

وإذا كانت كليات المقاصد وضرورياتها تقوم على حفظ الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال، والعرض ـ أضاف الأخيرَ آخرون واعتبروه ـ فإن أسباب الثورة الحقيقية كانت من أجل حفظ هذه المقاصد.

فأما الدين ـ أو قل التدين ـ فإنه لم يعد على المستوى المطلوب الذي يؤدي به ثماره وتتحقق به مقاصده في حياة الناس وفي مجتمعهم بعدما أصبحت المؤسسة الدينية الرسمية تعاني من هزال كبير، حتى صدق فيها قول الشاعر:

لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كُلاها وحتى سامها كلُّ مفلس

بالإضافة إلى سعيها ـ في كثير من الأحيان ـ في ركاب الرؤية العامة للنظام البائد، مع الاختلاف في قليل من التفصيلات، وخطاب المؤسسة الرسمية في مصر أثناء الثورة كان خير شاهد على ذلك.

وأما النفس، فأي إهدار حدث لها؟ وأي إهانة وأي إزهاق لها جرى؟ إننا لو توجهنا لمنظمات حقوق الإنسان في مصر والتي فاق عددها الثلاثين، وسألناها عن البلاغات التي قدمت لها بالموت والتعذيب في أقسام الشرطة ومقرات مباحث أمن الدولة، لأيقنا أن هذه الثورة قامت من أجل حفظ النفس من الإهانة والموت والتعذيب.

وأما حفظ العقل، فأي انتشار حدث لتعاطي المسكرات بكل أنواعها، وإعلان ذلك علنا في دولة يقول دستورها إن دينها الرسمي هو الإسلام، وهذا أمر حسي، وأي تضليل يقوم به الإعلام الرسمي وقلب للحقائق وعليها وتزوير وتغييب للعقل المصري الجمعي، وهذا أمر معنوي، حتى كفر الناس باإلام الرسمي الذي هو مؤسسات دولية لا يجوز لها أن تسير في ركاب أحد، ولكن الأنظمة البوليسية تكرس كل شيء لخدمتها وتغييب العقول عن الحقائق الواقعية.

وأما المال، فهل هناك ـ بعدما أعلن من نهب للمال العام وسرقة لحقوق الشعب وثروات طائلة كونتها مجموعة لا تتعدى نسبتها الـ "5%" من عد الشعب ـ شك في أن النظام البائد أهدر "تريليونات" الدولارات، وسرق ونهب ما هو حق للبلاد والعباد؟

وأما العرض فلا أقل من نشر التحرش بين الناس، والهجوم على البيوت في أي وقت من ليل أو نهار دون مراعاة لحرمتها، والتماس التهم والعيوب في الأعراض والأموال للبرآء، حتى صار الناس لا يأمنون على أعراضهم في ظل هذا الحكم "البوليسي".

دعْ عنك الحديث عن المقاصد الشرعية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الكبرى التي توافقت عليها جميع الشرائع، وتواضعت عليها الإنسانية في كل عصورها وكل أماكنها، من عدالة وحرية وكرامة وشورى، ووقوف عند حرمة الإنسان.

مستقبل الثورة في ضوء المقاصد

أما عن مستقبل الثورة المصرية المعَلِّمة والأخلاقية الرفيعة فإنها لن تتحرك إلا من أجل إقامة هذه المقاصد جميعا، وفي ضوء الحفاظ عليها، واستبقائها عزيزة كريمة سامقة شامخة.

فحفظ دين الناس وتدينهم لابد أن يؤدي ثماره في المجتمع، وفي بناء الإنسان عقديا وسلوكيا وخلقيا، وأن تترك للناس حرية أداء شعائرهم وأن يمارس التدين بشكل صحيح يبني الحياة ويبني الإنسان، لا كما كان عليه الحال من خطاب رسمي مغلوط؛ يسعى في ركاب النظام، ولا يجرؤ على الصدع بالحق عنده.

وحفظ المال في المستقبل يتشكل من استعادة ما نهب من أموال الدولة والشعب، ويعود إلى نصابه الصحيح، ثم تكون عدالة اجتماعية في توزيع موارد الدولة على الجميع ليسعد الشعب في ظل هذه العدالة التي هي من المفاهيم التأسيسية الكبرى للإسلام عقيدة وشريعة.

وحفظ النفس يتحقق بالحفاظ على حرمتها، وتقديرها، وتكريمها كما أراد الله لها، فلا تنتهك حرمة، ولا يسفك دم، ولا تزهق روح، ولا يكون شيء مما هو موثق في أقسام الشرطة ومقرات أمن الدولة البائسة والبائدة.

بالإضافة إلى إعادة صياغة الإنسان من جديد في ضوء هذه المقاصد سواء ما كان منها ضروريا أو عاليا وتأسيسيا، وهذه مطالب مشروعة بل واجبة شرعا، وفرض على كل إنسان أن يسعى لترسيخها وإرسائها والمطالبة بها والحفاظ عليها.

إن قراءة متعجلة للثورة المصرية المجيدة لا تخطئ أبدا مشهد المقاصد الشرعية الإسلامية في ضرورياتها ومفاهيمها الكبرى، سواء في أسباب قيامها، أو في مستقبلها المنشود.

نشره موقع أون إسلام بتاريخ 19فبراير 2011م على هذا الرابط بعنوان: الثزرة المصرية بنظرة مقاصدية


http://www.onislam.net/arabic/madarik/culture-ideas/128881-egyptian-revolution.html


ليست هناك تعليقات: