الاثنين، 7 أبريل، 2008

صفحة من حياة الشيخ الشعراوي في ذكراه

صفحة من حياة الشيخ الشعراوي في ذكراه
بقلم/ وصفي عاشور أبو زيد

واجب علينا أن نحيي ذكر علمائنا بين الحين والآخر, وأن ننظر في صفحات حياتهم احترامًا وتقديرًا, وأخذًا للعبرة النافعة والموعظة البليغة, لا سيما إن كانوا ممن تعلقوا بالدعوة, وتعلقت بهم الدعوة في بعض الأحايين, وكانوا أهلاً للإكبار والاحترام» فليس منا من لم يعرف لعالمنا حقه, في حين أن الماركسيين والشيوعيين والعلمانيين يُضفون علي أعلامهم من هالات التعظيم والتفخيم ما لا نفعله -نحن الإسلاميين- مع عظمائنا إلا بعد أن نفقدهم.وتمر علينا هذه الأيام ذكري واحد من العلماء العاملين, الذين رحلوا عنا في وقت حرج, وتركوا الأمة أحوج ما تكون إلي كلمتهم ومواقفهم, وخلّفوا وراءهم فراغًا هائلاً.. إنه رجل القرآن وداعية الإسلام وإمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي الذي فاضت روحه الطاهرة في 17/6/1998, وشيعته عشرات الآلاف من الذين أحبوه والتفوا حوله, عليه رحمة الله ورضوانه.لقد زكَّي الإمام بخواطره القرآنية النفوس, وأحيا القلوب, وأنار العقول» ذلك أن الله وهبه من الطاقات الإيمانية والقدرات العقلية والملكات البيانية ما استطاع أن يؤثر به في العقول والقلوب, والخاصة والعامة, والمثقفين والأميين, وشتي الطبقات والأجناس والأعمار, فكان يجلس أمامه الأستاذ الجامعي والتلميذ في المرحلة الابتدائية والطبيب والمهندس, والكيميائي والفيزيائي, والمزارع والصانع, والتاجر والحائك, والمعلم والمربي, والرجال والنساء, والكل يخرج بفائدة جمة ويقوم منشرح الصدر قرير العين بما سمع وما رأي, وهذه نعمة ومنزلة عليا لا يؤتاها إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات, وقليل ما هم.مولده وتعليمهوُلد فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي في 15 ابريل عام 1911م بقرية دقادوس مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية في مصر, وحفظ القرآن الكريم في الحادية عشرة من عمره.وفي عام 1926م التحق الشيخ الشعراوي بمعهد الزقازيق الابتدائي الأزهري, وأظهر نبوغًا منذ الصغر في حفظه للشعر والمأثور من القول والحكم, ثم حصل علي الشهادة الابتدائية الأزهرية سنة 1933م, ودخل المعهد الثانوي, وزاد اهتمامه بالشعر والأدب, وحظي بمكانة خاصة بين زملائه, فاختاروه رئيسًا لاتحاد الطلبة, ورئيسًا لجمعية الأدباء بالزقازيق, وكان معه في ذلك الوقت الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي, والشاعر طاهر أبو فاشا, والأستاذ خالد محمد خالد, وأستاذنا الدكتور أحمد هيكل, والدكتور حسن جاد, وكانوا يعرضون عليه ما يكتبون.والتحق الشعراوي بكلية اللغة العربية سنة 1937م, وانشغل بالحركة الوطنية والحركة الأزهرية, فثورة سنة 1919م اندلعت من الأزهر الشريف, ومن الأزهر خرجت المنشورات التي تعبر عن سخط المصريين ضد الإنجليز المحتلين, ولم يكن معهد الزقازيق بعيدًا عن قلعة الأزهر الشامخة في القاهرة, فكان الشيخ يزحف هو وزملاؤه إلي ساحات الأزهر وأروقته, ويلقي بالخطب مما عرَّضه للاعتقال أكثر من مرة, وكان وقتها رئيسًا لاتحاد الطلبة سنة 1934م.وقد حصل الشيخ الشعراوي في حياته علي العديد من الأوسمة والجوائز التشجيعية والتقديرية, المحلية والعالمية, حتي كان آخرها في عام 1998 حيث اختارته دبي الشخصية الإسلامية الأولي في العالم الإسلامي, ومنحه الشيخ زايد آل نهيان وسام زايد من الدرجة الأولي, وتبرع بالجائزة التي مُنحت له للأزهر وطلاب البعوث الإسلامية.مرتكزات تفسير الشعراويولما كانت خواطر الشيخ الصوتية حول القرآن هي عمدة ما تركه لنا, وهي عزاؤنا الوحيد بعد رحيله, فقد أردت أن أقف أمامها وقفة متأنية في ذكراه الغالية. وقد تمركزت أفكار الشيخ في تفسيره -من خلال سماعي لمعظمه- في ثلاثة جوانب: الجانب الأول: هو الجانب البلاغي البياني, وهو أبرز ما يميز تفسير الشيخ, حيث يسير مع الآيات موضحًا مناسبة الكلام لمقتضياته في المواضع المختلفة, فيفجر في الآيات ينابيع البلاغة, ويبرز فيها مواضع الإعجاز, ويبين أماكن البيان, ويخلع عليها بحديثه وإلقائه نوعًا آخر من البيان والبهاء, فيأخذ بالقلوب» ويسحر الألباب.والذي رشح للشيخ هذا الأسلوب وأسعفه في إتقانه هو الدراسة التي تخرج فيها وهي كلية اللغة العربية بالأزهر الشريف, وبالطبع ليس كل من تخرج فيها يتمتع بما تمتع به الشيخ, لكنه الجانب الأدبي الشعري الذي كان الشيخ فيه مبرزًا, وعُرف به قبل أن يُعرف بكلامه القرآني, وبتعبير آخر عُرف بالشعراوي «الشاعر» قبل أن يُعرف بالشعراوي «الشيخ», فقد كان يحفظ ويكتب من الأبيات الشعرية ما لا يكاد يُحصي كثرةً, ولا يخفي ذلك علي المستمع لتفسيره, ولو قليلاً من الوقت, وهو شبيه في هذا الجانب بالأستاذ سيد قطب: فالشعراوي في الحديث والتعبير, وسيد في الكتابة والتحبير.الجانب الثاني: هو جانب رد الشبهات وتفنيدها, لا سيما شبهات المستشرقين وأذنابهم سواء بقصد أو بغير قصد, مثل تعدد زوجات النبي -صلي الله عليه وسلم- وإبهامات القرآن الكريم -كما يبدو لهم- وظاهرة تكرار القصص القرآني, وكون القرآن من عند محمد -صلي الله عليه وسلم- والنكات البلاغية والأساليب اللغوية التي تبدو لهم -جراء جهلهم بالعربية- خاطئة ومخالفة للقواعد النحوية والبلاغية المعروفة, ناسين أو متناسين أن القرآن هو الذي استقي منه البلاغيون قواعدهم, وكذلك النحاة, إلي غير ذلك من شبهات.والإمام هنا يعرض الشبهة بهدوء ليقربها من أفهام الجميع, ثم يضعها تحت حرارة حديثه الفياض, ويطرق عليها بعلمه وحجته, فتذوب رويدًا رويدًا أمام ما آتاه الله من فضل وبلاغة, وعلم وحكمة, فيتبين للناس أنها كيد ساحر, ولا يفلح الساحر حيث أتي.أما الجانب الثالث: فهو جانب الاستعانة بالعلم الحديث لتوضيح مفاهيم قرآنية معينة, أو لبيان الإعجاز العلمي في القرآن الكريم, وتبدو ثقافة الشيخ هنا هائلة حتي يظن المستمع أن الشيخ لا يتقن إلا هذا الجانب, وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. جدير بالذكر والاعتبار أن الإمام في قضية التفسير العلمي للقرآن -التي افتتن بها الكثير قديمًا وحديثًا- له موقف واضح لا لبس فيه ولا غموض, وهو أنه لا يجوز بحال من الأحوال أن نلوي أعناق الآيات ونخضعها لتتناسب مع اكتشاف علمي جديد مازال في طور البحث والاختبار, نريد بذلك أن نثبت سبقًا للقرآن فنسيء إلي المسلمين -لا إلي القرآن طبعًا- من حيث أردنا الإحسان.ويقرر الشيخ هنا أنه لا تناقض بين حقيقة علمية وحقيقة قرآنية, وإن حدث فالخطأ -بلا تفكير- إما أن يكون في رأس العالم أو في الفرض العلمي الذي لم يصل بعد إلي الثبات والكمال, وفي هذا المعني يقول الداعية المصلح الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- في كتابه «نظرات في القرآن» ص13: «والتطابق بين حقائق القرآن, ومعارف الكون مفروض ابتداءً» فإن مُنزًّل الكتاب هو مُجري السحاب, ويستحيل أن تختلف حقيقة كونية, وحقيقة قرآنية, كما لا يختلف قول العاقل وعمله, والواقع أن القرآن في الدلالة علي أن الله «كون» ناطق, كما أن هذا الكون الضخم «قرآن» صامت, وكلاهما ينبثق من ذات واحدة, ويهدف إلي غاية واحدة».هذه هي أهم الجوانب التي كان ينطلق منها الشيخ في خواطره حول القرآن العظيم.ولقد كان للشيخ الشعراوي جهوده الكبيرة في العمل الاجتماعي والخيري, كما كانت له مشاركاته في قضايا العصر التي يضعها تطور المجتمع أمام العلماء ليقرروا فيها رأي الإسلام.وتميز الشيخ أيضًا بمسحته الصوفية النقية التي بعدت عن الغلو والتقصير فأنتجت عبارات ومقولات وحكمًا تذكرنا بمقولات وحكم القطب الكبير ابن عطاء الله السكندري. فرحم الله الشيخ وأسكنه فسيح جناته.

جريدة آفاق عربية عدد 663 ، 24/06/2004م.

ليست هناك تعليقات: