الاثنين، 7 أبريل، 2008

الشيخ محمد الغزالي.. جدد دماء الدعوة وأحيا الفكر الإسلامي

الشيخ محمد الغزالي.. جدد دماء الدعوة وأحيا الفكر الإسلامي

بقلم: وصفي عاشور أبو زيد
باحث في العلوم الشرعية

تمر بنا هذه الأيام ذكري وفاة رجل عزيز علي أنفسنا حبيب إلي قلوبنا, فقدت الدعوة الإسلامية المعاصرة بموته عَلمًا من أعلامها, وكوكبًا من كواكب الهداية في سمائها» لأنه عاش حياته لخدمة الإسلام ومات وهو يدافع عن قضايا الإسلام, إنه الداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي عليه رحمة الله ورضوانه.
لقد شق قلمه المضيء حجب ظلمات الجهل والبعد عن الله ما يزيد علي نصف قرن, فاستضاءت أجيال متعاقبة بهذا القلم الصيَّيًّب والكلم الطيب, وقد وجدت هذه الأجيال بغيتها عنده, فأصغي لدرر محاضراته الملايين من المسلمين في المشارق والمغارب, وأخرجت المطابع هذا الكم الرفيع كتبا ورسائل ومقالات دبّجها يراع داعيتنا الكبير تُزوًّد جيل الدعوة إلي الله بالبحث والحوار العلمي والتوجيه إلي طريق الرشد في ظل القرآن وتحت رايته.
عُرف الشيخ بنصحه للمسلمين وترشيده لمسار الدعوة إلي الله عز وجل, وأطلق العنان للدعاة يوم كان مسئولا عن الدعوة في وزارة الأوقاف, وله جولاته في مقاومة الزحف الأحمر والمد التنصيري, وقد جأر في وجه التيار العلماني الذي حاول سلخ الأمة من عقيدتها وشخصيتها المتميزة, ووقف مع الأزهر ذائدًا عن حماه, عاملاً علي إحياء رسالته.
طوّف العالم الإسلامي الواسع فعمل بالملكة العربية السعودية بجامعة الملك عبد العزيز وجامعة أم القري سبع سنوات, ودافع عن السعودية وعن مؤسسيها, ولكن بعد مغادرته لها حتي لا يُتَّهم, وأبان للعالم أنها دولة دعوة, وعمل في قطر, فساهم في بناء كلية الشريعة هناك, وفي الكويت كانت له لقاءات دورية أفاد بها كثيرًا من المسلمين, وعرفته المؤتمرات في أوربا وأمريكا وفي مشرقنا الإسلامي العريض, كما ذهب إلي الجزائر ليعمل مديرًا لجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة والتي بدأها بكلية واحدة في حين أنها الآن تضم كليات تنتظم الجزائر كلها.
لقد كرس حياته كلها في خدمة الدعوة الإسلامية, والجهاد من أجل إعادة الهوية العربية والإسلامية لكثير من شعوب العالم, علي رأسها مصر والجزائر, قضي ما يزيد علي شطر حياته الأول في محاربة الاستبداد السياسي, وبيان مكائد الاستعمار, والتحدي للتيار العلماني والزحف الأحمر, وصد طعنات المستشرقين وسماسرتهم في القرآن والسنة, وتوضيح معالم الإسلام, وإرساء قواعد الدعوة إلي الله تعالي, بينما كان شطر حياته الثاني مركَّزًا في محاربة الفهم المغلوط للإسلام, والإنكار الشديد علي العقول السقيمة والفكر السطحي والفقه البدوي الذي يصطلي بشُواظي من ناري أُفٍعم بها قلب الشيخ وقلمه ولسانه.
كان -رحمه الله- لا يستريح للعقول المعتلة, ويضيق ذرعًا بالآفاق الضيقة, فمن أقواله: «الضمير المعتل والفكر المختل ليسا من الإسلام في شيء, وقد انتمت إلي الإسلام أمم فاقدة الوعي عوجاء الخطي قد يحسبها البعض أمما حية ولكنها مغمي عليها... والحياة الإسلامية تقوم علي فكر ناضر.. إذ الغباء في ديننا معصية».ويحتد كثيرًا -ولا ينبغي أن تهدم الحدة مابنته الفطنة- علي الطباع الغليظة الجافة, والقلوب المتكبرة القاسية, ومن أقواله: «أكره أصحاب الغلظة والشراسة, لو كان أحدهم تاجرًا واحتجت إلي سلعة عنده ما ذهبت إلي دكانه, ولو كان موظفًا ولي عنده مصلحة ما ذهبت إلي ديوانه, لكن البلية العظمي أن يكون إمام صلاة أو خطيب جمعة أو مشتغلاً بالدعوة, إنه يكون فتنة متحركة متجددة يصعب فيها العزاء».
وقال أيضًا: «إذا لم يكن الدين خلقًا دمثًا ووجهًا طليقًا وروحًا سمحة وجوارًا رحبًا وسيرة جذابة فما يكون?! وقبل ذلك إذا لم يكن الدين افتقارًا إلي الله, وانكسارًا في حضوره الدائم, ورجاء في رحمته الواسعة, وتطلعًا إلي أن يعم خيره البلاد والعباد فما يكون?!».تخرج علي يديه الكثير من المفكرين والعلماء, فقد نجح -رحمه الله- في تكوين مدرسة فكرية انطلق منها العديد من أعلام العصر, علي رأسهم: الدكتور يوسف القرضاوي, والدكتور محمد عمارة, والدكتور أحمد العسال, والدكتور عبد الحليم عويس, والمرحوم الدكتور محمود حماية, والدكتور محمد سليم العوا, والدكتور عماد الدين خليل, وغيرهم كثير.
وقد تمتع الشيخ -رحمه الله- بثقافة موسوعية أنتجت لنا العديد من الكتب في شتي نواحي الفكر والمعرفة, فنجد له تراثًا في العقيدة والتفسير, والأخلاق والتصوف, والفكر والفلسفة, والأدب والدعوة, والإصلاح والتغيير, وغيرها.
إن الشيخ محمد الغزالي ألّف في الإسلام أكثر من خمسين كتابًا, وعمل للإسلام أكثر من خمسين عامًا, وكان يصلي خلفه في الجمعة ما يزيد علي المائة ألف, وفي العيدين علي نصف مليون.
يعد الشيخ محمد الغزالي في صفوة مجتهدي فقه الدعوة, وهو في ذلك يدور بين أجري الاجتهاد بإصابة الحق, أو الأجر للاجتهاد الذي يجانب الصواب, ويقيني أنه في البحث عن إصابة الحق يبذل جهده ووجده.
وقد كان فقيد الدعوة -رحمه الله- مهتما بأمر الفكر والفقه حيث كان يري أن هذا الميدان ينتظر من ينهض به ويجدده, كما كان ينعي حال الأمة مرارًا وتكرارًا, ويكدر صفوه تخلفها وتأخرها, وأنها فاشلة في شئون الدنيا, حتي إنها تحيا عالة علي غيرها من الأمم في طعامها وشرابها, يقول عليه الرضوان: «إن اضمحلال العقل الإسلامي واضح في أغلب ميادين الفقه! وعدد كبير من المشتغلين بفقه العبادات أو المعاملات يحسن النقل التقليدي أكثر مما يحسن الوعي والاجتهاد, ويغلب عليه ضيق الأفق ولزوم ما لا يلزم!! أما الفشل في شئون الدنيا فأمره مخجل حتي إن ما نأكله من طعام أو ما نأخذه من دواء أو ما نرتديه من لباس يصنعه لنا غيرنا!! وأما صناعات السلاح وما يحمي الشرف ويصون الإيمان فشيء لا ناقة لنا فيه ولا جمل...».
وجانب آخر في شخصية الشيخ -وما أكثر جوانب شخصيته- هو الجانب الروحي البارز, الإيماني الرفيع, ويكاد هذا الجانب يختفي في شخصية الشيخ عند كثير من الناس بين يدي الحملات التي يشنها الشيخ بقلمه ولسانه علي التدين المغشوش والفهم المغلوط, بينما المتأمل في كتاباته المتذوق لها يجدها كُتبت بقلب مليء بحب الله, مفعم بحب رسوله وأتباعه, وقد كانت للشيخ وقفات مع نفسه, وأسرار بينه وبين ربه, فبعد أن اعتكف إحدي الرمضانات خرج يقول: «لقد أدركت الآن لماذا آثر أبو حامد الغزالي أن يعتزل الناس ولو قليلاً».
ومن حبه لله اهتمامه بالقرآن, ابتداء من التصفح والقراءة, ومرورًا بالفهم والتدبر وتقديمه في الفهم عن السنة التي تشرحه وتبينه, وانتهاء بالعمل والتحكيم, وجهود الشيخ التي خلفها عن القرآن خير شاهد علي ذلك.
ومن حبه لرسوله -عليه الصلاة والسلام- ما تشعر به في كتابه الماتع «فن الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء», وكتابه «فقه السيرة» الذي يصرخ بحبه للنبي الكريم, والذي كتبه في ظلال الروضةالشريفة ودمعه يختلط بالمداد, قال فيه: «إنني أكتب في السيرة كما يكتب جندي عن قائده, أو تابع عن سيده, أو تلميذ عن أستاذه... إن المسلم الذي لا يعيش الرسول في ضميره, ولا تتبعه بصيرته في عمله وتفكيره, لا يغني عنه أبدًا أن يحرك لسانه بألف صلاة في اليوم والليلة».
ظل الشيخ الغزالي رافعًا سيفه شاهرًا قلمه مبلغًا عن الله ورسوله, لا تثنيه رغبة ولا تصده رهبة, لا يغريه وعد أو يرهبه وعيد, حتي وافاه الأجل المحتوم وهو في مؤتمر بالرياض 9/3/1996م, ودفن مع شهداء أحد, في البقيع بين الإمام مالك والإمام نافع, رحم الله الجميع وأخلف الأمة فيهم خيرًا.

جردية آفاق عربية العدد 598 بتاريخ: 13/03/2003م.

ليست هناك تعليقات: