الاثنين، 7 أبريل، 2008

الشيخ محفوظ نحناح الظاهرة الجزائرية التي فقدتها الأمة

الشيخ محفوظ نحناح الظاهرة الجزائرية التي فقدتها الأمة
بقلم/ وصفي عاشور أبو زيد
منذ أكثر من ستين سنة في العام 1940م فقدت الجزائر مصلحها الثائر عبد الحميد بن باديس أحد رواد النهضة العربية والإسلامية, وفي عام 1959م رحل عنها المصلح الجزائري الفضيل الورتلاني, ومنذ ثلاثين سنة 1973م فقدت مفكرها الأكبر ومصلحها الأعظم مالك بن نبي, وها هي اليوم تودع أبرز قادتها المعاصرين, وأحد رجالات العمل الإسلامي فيها وفي العالم الإسلامي كله الشيخ محفوظ نحناح عن عمر يناهز واحد وستين عامًا, عليه رحمة اللّه.
لقد ودعت الجزائر هذا القائد المحنك وهي في أشد الحاجة إلي حنكته السياسية, وفكره السامق, وأفقه الرحيب.
ولد الشيخ محفوظ نحناح في يناير 1941 بمدينة البليدة - مدينة الورود - التي تبعد 50كم جنوب الجزائر العاصمة حيث ترعرع ونشأ في عائلة متدينة محافظة.
تعلم دروسه في المدرسة الإصلاحية التي أنشأتها الحركة الوطنية, والتي كانت تمثل رمز المقاومة والدفاع عن الذات العربية والإسلامية للجزائر من الانسلاخ والتغريب.وقد أكمل مراحل التعليم الابتدائية والثانوية والجامعية في الجزائر, حتي حصل علي الليسانس (الإجازة) في الآداب وعلم النفس الصناعي بالجزائر, ثم اشتغل في حقل الدعوة الإسلامية لأكثر من 40 عامًا, في مقابل المد الثوري الاشتراكي وفي مواجهة نشر الثقافة الفرنسية, حيث بدأ نشاطه الدعوي سنة 1960م بمساجد العاصمة, وكان يُدرًّس في الحلقات كتاب (ظلام من الغرب) للشيخ محمد الغزالي.
جهاده الإصلاحي
يعتبر نحناح - رحمه اللّه - من أشد معارضي التوجه الماركسي في وقته, كما كان يعمل علي المحافظة علي موروثات الشعب العقدية التي تخلي عنها من تبقي من رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بما جعله معارضًا لأصحاب العقائد الضالة المنتسبة إلي الإسلام من جهة, والعقائد الاشتراكية الوافدة من جهة أخري.
وفي سنة 1976 سجن بتهمة تدبير انقلاب ضد نظام الحكم آنذاك (هواري بومدين) حيث عارض فرض النظام الاشتراكي بالقوة علي المجتمع الجزائري باعتباره خيارًا لا يتماشي ومقومات الشعب الجزائري العربي المسلم, ودعا إلي توسيع الحريات السياسية والاقتصادية وحكم عليه بـ15 سنة سجنًا, وقضي منها 5 سنوات, كما حكم علي مجموعة من أقرانه بأعوام متفاوتة, وكان بسبب رفض حركته الإسلامية لمنحي الميثاق المكرس للاشتراكية, وكان السجن فرصة ثمينة للاستزادة من العلم من جهة والمراجعة للأمور الفكرية والسياسية من جهة ثانية, وقد تحول علي يديه خلق كثير من السجناء من الانحرافات السلوكية, وأصبحوا نماذج حسنة.
عمل الشيخ محفوظ نحناح علي تأسيس رابطة الدعوة الإسلامية رغبة منه في إيجاد مرجعية دينية للجزائريين تحفظ الشعب والبلد من كل انحراف, ثم أسس جمعية الإرشاد والإصلاح 1989م هو ورفيقه الشيخ محمد بوسليماني الذي اغتالته الجماعة المسلحة سنة 2991.
ثم بعد ذلك أنشأ حزبًا سياسيًا سمي «حركة المجتمع الإسلامي», وانتخب أول رئيس له في 30 مايو/ أيار 1991م, وانتمي إليها كثير من أعضاء جمعية الإرشاد والإصلاح, وبعد صدور القانون الجزائري الذي يحظر علي الأحزاب استعمال وصف «الإسلامي» في أسمائها غيرت حركة المجتمع الإسلامي اسمها إلي حركة مجتمع السلم (حمس), كما شارك في إنشاء رابطة الدعوة الإسلامية برئاسة الشيخ أحمد سحنون, وكان من بين أعضائها عباسي مدني وغيره من الوجوه الإسلامية المشهورة.
وقد شارك نحناح في عدة مؤتمرات وملتقات دولية في أوربا وأمريكا وآسيا وأفريقيا تتعلق بقضايا الإسلام والغرب وحقوق الإنسان والديمقراطية - لا سيما عن فلسطين وأفغانستان - والتقي أثناء زيارته لهذه الدول زعماء وكبار مسئوليها في كل من فرنسا, وأسبانيا, والسويد, والولايات المتحدة الأمريكية, وألمانيا, وبريطانيا, وإيطاليا, وسوريا, والأردن, والمملكة العربية السعودية, والسودان, وقطر, والكويت, والمغرب, وليبيا, وغيرها من الدول, كما شارك بقوة في صيانة الدولة الجزائرية من الانهيار ودافع عنها في المحافل الدولية وقدم في سبيل حمايتها واستعادة مؤسساتها والحفاظ عليها تنازلات كبيرة يعرفها الجميع.
حركة مجتمع السلم (حمس)
ومن الجدير بالذكر أن حركة مجتمع السلم تتبني توجهًا إسلاميًا معتدلاً, كما تتبني ثوابت الهوية الجزائرية (الإسلام والعروبة والتراث الأمازيغي), وتسعي لإقامة السلم والوئام الوطني في الجزائر بشكل غير مشروط, وتحافظ علي الظهور كحركة إسلامية ديمقراطية وطنية مسالمة, كما تركز في خطابها علي إعادة الأمن والاستقرار إلي الجزائر وعلي حماية حقوق الإنسان وكرامة المواطن.
وفي تقييمهم للحركة يعتقد الملاحظون أن خطابها يميل إلي النخبة باستنارة هذه الحركة عن غيرها من الحركات الإسلامية الجزائرية الأخري, وأنها منذ البدء كانت ترفض المصطلحات التي تعتبر السلطة عسكرية قمعية تقتقر إلي الشرعية الدستورية, أو إسقاط السلطة بالحسم العسكري أو تعديلها بالقوة الثورية, ومنذ نشأتها استطاعت الإفلات من أسر التداول العضوي لهذه المصطلحات التي كانت شائعة في جو المعارضة المتشددة والتي خسرت الكثير من أعضائها ومن شعبيتها, إلا أن الحركة لها تباين في الرأي داخل إطارها - وهذا دليل صحة وحياة - فهناك تيار محافظ يعتمد علي الحذر الشديد من مبادرات السلطة ويتعامل معها علي هذا الأساس, وآخر يحاول الاستفادة من كل المبادرات الإيجابية لاسيما التي أتاحتها السلطة للحركة, فالمنهج السياسي للحركة منذ نشأتها يتجه نحو المرونة في تصحيح الأوضاع وفق ثلاث قواعد: المشاركة, والمرحلية, والواقعية.
ولقد تمكنت الحركة التي يرأسها الشيخ محفوظ نحناح بقيادته من تحقيق مكاسب سياسية كبيرة, فاحتل نحناح المرتبة الثانية في الانتخابات الرئاسية حيث كان أحد المرشحين الأربعة (زروال, وسعيد سعدي, ونور الدين بوكروح), وحصل علي أكثر من ثلاثة ملايين صوت حسب النتائج الرسمية المعلنة في العام 1995م, وتعتبر هذه الانتخابات أول انتخاب شارك فيه الإسلاميون في العالم الإسلامي بمرشح يحمل هذا التوجه, لكنه منع من الترشيح مرة ثانية للانتخابات الرئاسية التي جرت عام 1999م بحجة أنه لم يكن أحد مجاهدي حرب التحرير, حيث إن امتلاك «الشرعية الثورية» شرط قانوني للترشيح لانتخابات الرئاسة في الجزائر, ولم يمنعه ذلك من مساندة ترشيح الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة في تلك الانتخابات.
كما حصلت الحركة علي المرتبة الثانية في الانتخابات البرلمانية بمجموع 70 نائبًا, والمرتبة الثالثة في الانتخابات المحلية وشاركت بحقائب وزارية عديدة في حكومات مختلفة.
توجهاته وآراؤه
ينتمي الشيخ محفوظ نحناح إلي جماعة الإخوان المسلمين, ومن أهم توجهاته السياسية ومعتقداته الفكرية التي يُعلن بها, ويدافع عنها بقوة: الشوري, والديمقراطية, والتطور, والتسامح, والتعددية, والتداول السلمي للسلطة, وتوسيع قاعدة الحكم, والتعايش مع الآخر, وأهمية حوار الحضارات, واحترام حقوق الإنسان, ومشاركة المرأة في مجالات الحياة المختلفة التي تتناسب مع طبيعتها, واحترام حقوق الأقليات, واحترام الحريات الشخصية والأساسية, وتقوية أواصر العلاقة بين الحكم والمحكوم.
ويؤكد الشيخ نحناح دائمًا أهمية التداول السلمي للسلطة, وعلي الوسطية والاعتدال ونبذ العنف والغلو في الدين.
وهو يدعو دائمًا إلي ضرورة تغليب المصلحة الوطنية علي المصلحة الحزبية والشخصية, ويري أن المشاركة في قاعدة الحكم أولي من الروح الانسحابية أو المعارضة الراديكالية, وقد بينت الأحداث صدقية هذا الاختيار.
وكان - رحمه اللّه - يطالب حكام العرب والمسلمين بأمور إصلاحية عديدة أهمها:¼ تجسيد المتفق عليه في المواثيق التي تفرض حماية الأمن القوي من خلال معاهدات الدفاع المشترك, الذي لا يقبل العدوان علي أية دولة عربية أو إسلامية من أي مكان, والإعلان عن حالة الاستنفار العام فيما إذا مسّ أي بلد عربي أو إسلامي في المنطقة.¼ إعادة تشكيل قوة عربية رادعة قادرة علي التحرك السريع لا تهديد فيها لدول الجوار, أو تحضيرًا لتفتيت الوحدة الوطنية لأي بلد كان, والمسارعة إلي حل المشاكل العالقة المعرقلة لذلك.¼ وقف النهب المبرمج لثروات شعوبنا, والمعاقبة العلنية للمتورطين في الفساد المالي والسلطوي والاستبعاد الفوري لهذه العناصر أفرادًا أو أحزابًا أو جماعات.¼ الكف الفوري عن سياسة مصادمة ثوابت وقيم مجتمعنا العربي الإسلامي, وتقليم أظافر العابثين والمنهزمين حضاريًا, المتموقعين في مفاصل السلطة والثروة والإعلام.¼ الشروع في تقديم إعلام هادف وطنيًا وقوميًا بطريقة عقلانية ومشرفة لدينا وقيمنا وخصائصنا.¼ وقف الحملات الإعلامية التي جعلت الإرهاب تكئة لضرب الإسلام نفسه وتشويه التدين والمتدينين.¼ التعهد ببداية تشبيب أنظمة الحكم ديمقراطيًا في بلادنا العربية, وتوفير الأجواء للمثقفين والعلماء وذوي السمعة الحسنة, ليكونوا في مركز التوجيه وصناعة القرار.وهي كلها مطالب تفتقر إليها الأمة العربية والإسلامية مما يُبرز الهوة التي ترزح في أغلالها هذه الأمة, والتي كان المرحوم نحناح يخلع عليها قول الشاعر العربي:
كم تُظٍلَمونَ ولستم تشتكون وكمتُسٍتََغٍضَبُونَ فلا يبدو لكم غضبُأَلًفٍتُمُ الهَوٍنَ حتي صار عندكمُطبعًا وبعض طباع المرء مكتسبوفَارقَتٍكُمٍ لطول الذل نخوتُكموليس يؤلمكم خَسٍفى ولا عَطَبُ
لقد أُلًّفت عن الشيخ نحناح - رحمه اللّه - عدة كتابات تعبر عن أفكار منها: رجل الحوار, خطوة نحو الرئاسة, بالإضافة إلي مساهماته الثقافية في مختلف المجالات والجرائد العربية, والملتقيات الوطنية والدولية, والحوارات الإسلامية المسيحية في إيطاليا والسويد.
واللّه هو المسئول أن يعوض الأمة في مصابها بفقد هذا الداعية المصلح من يقوم بأداء الأمانة وتبليغ الرسالة, وأن يخلفها فيه خيرًا, وإنا للّه وإنا إليه راجعون.

جريدة آفاق عربية العدد 614 بتاريخ: 03/07/2003م.

ليست هناك تعليقات: