الاثنين، 7 أبريل، 2008

قناة التاريخ الإسرائيلية وعجز الإعلام العربي

قناة التاريخ الإسرائيلية وعجز الإعلام العربي
بقلم: وصفي عاشور أبو زيد
باحث في العلوم الشرعية
لم تعد نيران الصواريخ ولا قذائف الطائرات هي الوسيلة الوحيدة للحرب في هذه الأيام, بل إن هناك وسائل متعددة في تدشين الحروب وتهيئة الأجواء والنفوس للنصر أو الهزيمة.
ومن الوسائل القوية في عصرنا الحالي - كما رأينا ونري - الإعلام بوسائله المختلفة, بل إن أثره أضحي أقوي من الوساء المعهودة والمعروفة, فعن طريق الإعلام - سواء كان صادقًا أو كاذبًا - يتحقق جزء كبير من النصر أو الهزيمة, والدول والكيانات التي تملك أجهزة الإعلام القوية هي التي تستطيع بقدر كبير أن تحول الهزيمة نصرًا والنصر هزيمة.
فمنذ بدايات الكلام عن الحملة الأمريطانية علي العراق كان الإعلام الأمريكي والبريطاني لا يتحدث في الحرب والتخطيط, كيف تبدأ وكيف يقاتل الجندي وما الإمكانات المختلفة المطلوبة.. إلخ, إنما كان حديثه عما بعد الحرب وعن عراق ما بعد صدام, وكأن الحرب محسومة والنصر محقق, وفي هذا من الخطر ما فيه» إذ يهيئ الإعلام بذلك النفوس والرأي العام العالمي لاستقبال أنباء الهزيمة بسهولة ويسر, فضلاً عن أن يفت ذلك في عضد العراقيين ويهزمهم نفسيًا قبل خوض المعركة, وتبدأ الهزيمة الحقيقية من الهزيمة النفسية.
ولذلك حرصت أمريكا وأوربا وإسرائيل علي أن تمتلك من وسائل الإعلام وتقنياته الحديثة وعالميته الشاملة وقدراته الجبارة ما يستطيع أن يدشن به حربًا لا تقل في قوتها عن حرب المدافع والطائرات.
ومن ذلك ما نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» في 16/3/2003م من أنه بدأت «قناة التاريخ الإسرائيلية» التي تبث برامج تتعلق بتاريخ دولة إسرائيل والشعب اليهودي, في نهاية الأسبوع, بدأت ببرنامج بث كامل يغطي القارة الأمريكية, بما في ذلك كندا والولايات المتحدة وجنوب أمريكا.
وقال الخبر إنه من المتوقع أن تنضم القناة التي تبث باللغة الإنجليزية في الأشهر القريبة, إلي رزمة قنوات التلفزة التي تزودها شركة (Yes) الإسرائيلية, وذلك بعد أن تمنح صفة «قناة مستقلة» من قبل سلطة البث بالكوابل ومع البدء بتشغيل القمر الاصطناعي «عاموس 2» الإسرائيلي, وستتناول قناة التاريخ القضايا المتعددة التي ستعني بها, تاريخ الحركة الصهيونية والاستيطان واللغة العبرية والجيش الإسرائيلي والكارثة والمهجر.ومن الجدير بالذكر والتأمل أن القناة أُنشأت مركزًا لمعلومات محوسب يحوي 0008 فيلم تاريخي جُمعت من إسرائيل, ومن جميع أنحاء العالم وامتلكت أرشيفًا مصورًا.
ويرأس القناة المدير العام, تسفرير رونين, الذي يري في القناة مصدرًا دعائيًا أيضًا. و قال رونين: «إننا كدولة صغيرة تصارع علي البقاء أمام مليار مسلم يطمح جزء منهم إلي تدميرها علنًا, فإن للقناة دورًا حاسمًا في المعركة علي الرأي العام العالمي وعلي إنشاء مركز معلومات صحيحة أمام موجة التحريف المنهجي لبعض وسائل الإعلام العالمية». وفي 4/2/2003م نشرت نفس الصحيفة خبرًا عن معلومات إنشاء قناة إسرائيلية باللغة العربية, وذلك خلاف القنوات الثلاثة الأخري, قناة الموسيقي, وقناة الأخبار, وقناة باللغة الروسية, والتي يمثل انطلاق الأخيرة عهدًا جديدًا للجمهور الإسرائيلي الناطق بالروسية, الذي يربو عدده علي 1.2 مليون نسمة, ولا شك أنها ستقوم ببناء جسر بين الجمهور الإسرائيلي الناطق بالروسية والجمهور المولود في إسرائيل, وأن تسهم في استيعاب الجمهور الروسي بسهولة وبسرعة.
إضافة لذلك سوف يتم بث قناة باللغة العربية من قبل شركات البث التليفزيوني عبر الكوابل وشركة (Yes) وبواسطة الأقمار الاصطناعية المتفوحة» لتخاطب المواطنين العرب في إسرائيل, والعرب في دول المنطقة والمهتمين في شئون الشرق الأوسط.وقالت المحامية دوريت عنبار - رئيسة سلطة البث عبر الكوابل بالأقمار الاصطناعية -: إن أهمية القناة العربية تكمن في استجابتها لاحتياجات المشاهدين العرب في إسرائيل الذين يتابعون القنوات العربية التي تبث من دول أجنبية, وأضافت عنبار» أن القناة ستدفع الإبداع والمبدعين العرب في إسرائيل إلي الأمام, إذ لم يجدوا بعد بيتًا لائقًا يحتوي مواهبهم».
هذا فيما يخص إسرائيل بينما نشر موقع الجزيرة علي الإنترنت في يوم الثلاثاء 22/1/1424هـ الموافق 25/3/2003م, أن فرنسا تدرس إنشاء محطة تلفزيون دولية بالفرنسية, وقال المتحدث باسم مجلس الوزراء الفرنسي جان فرنسوا كوبي «إن ما يحدث الآن يثبت مدي فائدة أن تكون هناك قناة دولية ناطقة باللغة الفرنسية».
وتقول وثيقة تقع في أربع صفحات صاغها فريق عمل رافاران: إن العملية يمكن إدارتها بواسطة جهة خاصة أو القطاع العام أو كليهما وستحظي بتمويل من الدولة.
واعتبرت الوثيقة «أن الغرض - من المحطة - هو ضمان المزيد من الحضور الملموس والمهم لفرنسا في وطيس معركة التلفزيون العالمي», مضيفة أن ذلك «سيسهم في الاستراتيجية طويلة المدي لتحقيق النفوذ الفرنسي في العالم».
وقال المسئولون إن الهدف هو إطلاق المحطة في عام 2004 علي أن تكون اللغة الفرنسية هي اللغة الأساسية ويمكن أن تتضمن بعض البرامج الإسبانية والعربية.وتبحث السلطات الفرنسية هذه المسألة منذ فترة وتري في المحطة المقترحة وسيلة لنشر النفوذ الفرنسي إلا أن رغبتها في المضي قدمًا زاد بوضوح بعد خوض القوات الأمريكية والبريطانية حربًا ضد العراق علي غير رغبة باريس.
هذا هو ما تصنعه إسرائيل, أطلقت قناة «للتاريخ»! ولم تبلغ من العمر ستة عقود من الزمان, واستطاعت القناة أن تنشيء مركزًا لمعلومات محوسب يحوي 0008 فيلم تاريخي جُمعت من إسرائيل, ومن جميع أنحاء العالم وامتلكت أرشيفًا مصورًا ومعبرًا عن أحداث هذه الأفلام, بينما الأمة العربية والإسلامية بلغت بحضارتها وتاريخها أكثر من أربعة عشر قرنًا ومع ذلك لم تستطع بهيئاتها ومؤسساتها - وما أكثرها وأعرقها وأقدرها - أن تقوم ببث قناة عربية إسلامية عالمية معتبرة تعرض الإسلام بتعاليمه الإنسانية وتبين العروبة بصورتها العريقة, وبلغات متعددة في زمن أصبح الإسلام فيه مجرمًا» لتقدم دينها كما ينبغي, وتبرز حضارتها التي أسعدت العالم كله قرونًا طويلة.وهذه فرنسا التي تخطط من الآن لإطلاق قناة في العام 2004م» لنشر النفوذ الفرنسي, ولضمان المزيد من الحضور الملموس والمهم لفرنسا في وطيس معركة التلفزة والإعلام العالمي.
ماذا قدم الإعلام العربي في عصر الإنترنت والأقمار الصناعية والفضائيات? إن صحافتنا العربية بشكل عام - إلا ما رحم ربي - يمكن تسميتها بـ«صحافة الببغاء».إن عقلية التبعية وما أفرزته عجز واتكالية في الصحافة العربية والإعلام, ومن ثم التحول إلي قنوات مرددة ومستهلكة للبضاعة الإعلامية الغربية, تسببت في نشوء أزمة أخري, هي أزمة المصطلحات ودلالاتها, فصار السياسيون والإعلاميون وغيرهم يستخدمون المصطلح الآتي من وراء البحار ويرددونه دون تمعن في مدلولاته ومعانيه الحقيقية ومضامينه.. مصطلح «الإرهاب» مثلاً حين يتم ربطه بكل ما هو إسلامي. مصطلح «الشرق الأوسط» الذي يقصد به العالم العربي في وجود الدولة العبرية, يتم تداوله بصورة لافتة للانتباه, ومصطلح «الأصولية» الذي صار يقصد به التطرف الإسلامي, إلي غير ذلك من المصطلحات.
إن إعلامنا وصحافتنا العربية يقرر واقعها الحالي أنها إما أن تكون مع الحكومة فتأمن جانبها وتستفيد ماديًا وإن خسرت ثقة القراء والمستمعين, أو تكون ضدها فتكون صيدًا سهلاً لحكومات أو جهات أخري, تتلقي منها الدعم اللازم لاستمرارها, رغم أن تلك النوعية من الصحف والمجلات تحاول قدر المستطاع إخفاء مصادر تمويلها, إلا أن انكشاف أمر دعمها وتمويلها يكون غالبًا سهلاً علي الراغب في معرفته وذلك من خلال طريقة إعداد وعرض الأخبار والأحداث عن الجهة الداعمة, وصحافة المهجر أبرز الأمثلة.
إذن فالصحافة العربية الحالية غارقة في التمجيد والتضليل في آن واحد تتغني بأمجاد وإنجازات النظام أو الحزب أو الفرد في كل مناسبة وحدث, بداع أو بدون داع, وبسبب ذلك فقدت المصداقية بين الشعوب الذين تحولوا إلي الموارد الإعلامية الخارجية, رغم ما فيها من خطورة.
فمتي يفطن القائمون علي الإعلام في العالم العربي والإسلامي إلي خطورة ما يحاك ضد العرب والمسلمين من قبل مؤسسات ضخمة تستخدم الإعلام بمهارة وفاعلية لتأجيج روح العداء والخصومة بين المسلمين والغرب لصالح الكيان الصهيوني? ومتي يملكون زمام المبادرة والمبادأة ويتركون التبعية والتقليد الأعمي, خاصة أن العرب يملكون من الطاقات والقدرات ما يكفي لذلك وأكثر منه?
جريدة آفاق عربية العدد 611 بتاريخ: 12/06/2003م.

ليست هناك تعليقات: