الاثنين، 7 أبريل، 2008

المقاطعة الاقتصادية وصعوبة الفتوي

المقاطعة الاقتصادية وصعوبة الفتوي
بقلم: وصفي عاشور أبو زيد
باحث في العلوم الشرعية
أفتي علماء المسلمين الثقات بحرمة شراء البضائع الصهيونية باعتبار إسرائيل العدو الأصلي الأبدي, أو السلع الأمريكية باعتبار أمريكا هي المعوان الرئيس لإسرائيل, وهذه الفتوي لها ما يؤيدها من الأدلة في سيرة الرسول - صلي اللّه عليه وسلم - العملية, فقد خرج يوم بدر يبغي ضرب قريش في فقار اقتصادها, وهو السلاح الذي استخدمته مكة ضد المسلمين حين حاصروهم اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا في شًعب أبي طالب, ومن أدلة الأصول عندنا المصلحة المرسلة, فالهدف هو ردع وزجر العدو عما يرتكبه من جرائم بشعة في حق المسلمين, وأي وسيلة تحقق هذه الغاية فهي مشروعة من باب المصلحة المرسلة التي تقوم علي درء المفسدة وجلب المصلحة.
والمقاطعة أمر مشروع دوليًّا, فقد أنشأت جامعة الدول العربية جهاز المقاطعة الاقتصادية للكيان الصهيوني في عام 1591م وهو الجهاز العربي الوحيد الذي عمل بكفاءة وفاعلية منذ بدايته, وقد بدأ تاريخ المقاطعة العربية للكيان الصهيوني رسميًّا عام 5491م عندما اتخذت جامعة الدول العربية قرارات وتوصيات بضرورة المقاطعة الاقتصادية للكيان الصهيوني.
كما نص ميثاق الأمم المتحدة في المادة رقم 15 علي الآتي: «ليس في هذا الميثاق ما يُضعف أو يُنقص من الحق الطبيعي للدول - فرادي وجماعات - في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة علي أحد أعضاء الأمم المتحدة. وأشار الميثاق إلي حق الدول في وقف المواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية ووقف كل العلاقات الاقتصادية.. وهو ما يؤكد أن المقاطعة العربية ضد الكيان الصهيوني أمر مشروع في السياسة الدولية.
وإنها لقيمة عالية في المجتمع العربي أن ينشأ الفتيان والأطفال منا علي الكراهية والبغضاء والمقاطعة لهذا العدو القديم الجديد, فهو بعد نفسي له ما بعده تجاه الكيان الصهيوني.
والفتوي في الشريعة الإسلامية تقوم علي ركنين أساسيين: الأول: فقه ما يتصل بموضوع الفتوي في القرآن والسنة وما يتصل بذلك من شروط موجودة باستفاضة في كتب الأصول, والركن الثاني: فقه الواقع فقهًا صحيحًا شاملاً عميقًا حتي يتم تنزيل الحكم الشرعي في الواقع علي بصيرة» ذلك أن صحة الفتوي يمثل فيها فقه الواقع المتصل بموضوع الفتوي 05% علي الأقل.
وما نحن بصدده تقوم الفتوي فيما يتصل بفقه الواقع علي تحقيق الزجر والردع للعدو, وهذا يتوقف علي معرفة أبعاد متنوعة ومتشابكة تحتاج الكثير من المتخصصين في مجالات مختلفة يقولون كلمتهم, كلّى في مجاله, ثم يأتي بعد ذلك دور الفقيه الذي ينزًّل الحكم الشرعي علي أساس ما توافر عنده من علم بالواقع من خلال أهل الذكر.
والذي يظهر في بلاد العرب هي المقاطعة الاقتصادية للكيان الصهيوني, وهنا نثير سلسلة من التساؤلات الغائبة البالغة الأهمية: هل أحطنا بحجم الاقتصاد الصهيوني حتي ندرك مدي الزجر الذي سنحققه? هل أدركنا حجم الاقتصاد الأمريكي, ما دامت العلة في الفتوي تقوم علي تحقيق الزجر وإلحاق الردع? هل علمنا حجم الخسائر التي ستحققها المقاطعة? وماذا تساوي هذه الخسائر إذا قورنت بالاقتصاد الإسرائيلي فضلاً عن الاقتصاد الأمريكي? بل ماذا يساوي الاقتصاد العربي مجتمعًا في ركاب الاقتصاد الأمريكي? هل المقاطعة الاقتصادية تنحصر في «إريال» و«الكولا» و«المطاعم الأمريكية», أم أنها تتعدي إلي مستوي اقتصادي شامل وأعلي مثل شراء السيارات والطائرات وغيرها? وهل هذه الشركات والهيئات ملك خالص لأمريكا أم أن لها شركاء آخرين من العرب وغير العرب? وهل أسواق الاقتصاد الصهيوني والأمريكي قاصرة علي بلاد العرب وحسب لا سيما في ظل عولمة الاقتصاد? أم أن له أسواقًا أخري واقتصادًا آخر في بلاد مختلفة? وهل هناك انفتاح اقتصادي للدول العربية علي العالم, وتزايد درجة اندماجها في الاقتصاد العالمي, وهو ما يعني أن تأثر المصالح العربية بتنشيط المقاطعة الاقتصادية للكيان الصهيوني وللشركات التي تتعامل معها سيكون أكثر اتساعًا, مما كانت عليه في الماضي? وهل المقاطعة يوم أو يومين ثم نرجع إلي ما قاطعناه بمجرد هدوء مشاعرنا? وهل المقاطعة تكون شعوبًا وحكومات أم شعوبًا فقط وتقوم الحكومات بمعارضة من يدعو إلي المقاطعة, فتهدم ما تبنيه الشعوب?ولك أن تتخيل هذا التشابك والتنوع في فقه الواقع الذي يجب أن يُعلم تمام العلم حتي لا نهرف بما لا نعرف, مع ملاحظة أن كل هذه التساؤلات وغيرها في جانب واحد فقط هو جانب الاقتصاد, والذي حجمناه بدوره في دائرة الـ«إريال» و«الكولا» و«المطاعم الأمريكية».
وهل يكفي في المقاطعة الجانب الاقتصادي وحده? هذا أيضًا يحتاج إلي تساؤلات ودراسات عميقة وشاملة لأوضاع من نريد مقاطعتهم. وإذا ثبت فشل الجانب الاقتصادي في المقاطعة, فإن أي جانب آخر يحتاج إلي تساؤلات لا تقل عن التساؤلات السابقة إن لم تزد. وإذا فشل جانب أو جانبان أو أكثر في تحقيق الردع والزجر للعدو, فهل المقاطعة في كل الجوانب تحقق ما نريد? وهل نحن قادرون علي ذلك?
المقاطعة ليست بالسهولة التي يتخيلها البسطاء من الناس, لا سيما في هذا العصر الذي يتميز بتشابك العلاقات الاقتصادية والمعاملات المختلفة. والرسول - صلي اللّه عليه وسلم - والمسلمون لم يكن لهم مورد آخر غير مكة حين حوصروا في شًعب أبي طالب, ولذلك حققت قريش درجة عالية من الردع والتجويع في المسلمين, وكذلك في غزوة بدر, كان اقتصاد قريش يتمثل فوق هذه العير التي عادت من الشام إلي مكة» ولهذا صاح صائحهم في مكة بعد أن ذبح ناقته ليحقق الانتباه والترويع: «أدركوا أموالكم وعيركم فإن محمدًا تعرض لها وأصحابه».
فهل أمريكا والكيان الصهيوني تنحصر أموالهما وعيرهما في بلاد العرب وحسب??كل ذلك يحتاج إلي المتخصصين والخبراء لا سيما في المجال الاقتصادي الذي تنحصر مقاطعتنا فيه من أمثال الدكتور عبد الحميد الغزالي, والدكتور حسين شحاتة, والأستاذ يوسف كمال, والأستاذ مغاوري شلبي, وغيرهم من الخبراء والمتخصصين في هذا الجانب, وقد قال اللّه تعالي: (فإسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمونّ} [الأنبياء: 7].

جريدة آفاق عربية العدد 581 بتاريخ: 31/10/2002م.

ليست هناك تعليقات: