الاثنين، 7 أبريل، 2008

الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في ذكراه

الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في ذكراه
بقلم: وصفي عاشور أبو زيد
باحث في العلوم الشرعية
منذ ست سنوات تقريبًا فقدت الأمة الإسلامية علمًا من أعلامها , ورمزًا من رموزها, أثري المكتبة الإسلامية بمجموعة فريدة من المؤلفات, إضافة إلي التنحقيقات التي أخرج بها مجموعة متميزة من تراثنا العربي والإسلامي, والتي يضاهي بها ذلك الجيل الفريد من المحققين الراسخين من أمثال: عبد السلام هارون, وأحمد شاكر, ومحيي الدين عبد الحميد, ومحمود شاكر, والسيد أحمد صقر, ومحمود الطناحي, وغيرهم.
كان يجهد نفسه في البحث والتأليف, حتي ضعف بصره, ولم يكن ذلك يثنيه عن مواصلة العمل, واضطر إلي إجراء عملية جراحية في مستشفي العيون التخصصي بالرياض في شعبان سنة (1417هـ ½ 1997م) , وضعفت صحته علي إثرها, فنُقل إلي مستشفي الملك فيصل في أواخر رمضان من السنة نفسها, لكن الموت عاجله, فأسرع إلي لقاء ربه يوم الأحد في (التاسع من شوال 1417هـ / 16 من فبراير 1997م), ثم نُقل جثمانه إلي المدينة في اليوم التالي, ودُفن في البقيع عن عمر يناهز الثمانين عامًا, ذلكم هو الشيخ عبد الفتاح بن محمد بن بشير أبو غدة عليه رحمة الله ورضوانه.وُلد في حلب بسوريا سنة 1337هـ ½ 1917م, وتلقي تعليمه الابتدائي والثانوي في حلب, وسافر إلي القاهرة, والتحق بكلية الشريعة بجامعة الأزهر وتخرج فيها سنة 1948م, ثم حصل علي تخصص أصول التدريس من كلية اللغة العربية سنة 1370هـ ½ 1950م, وبعد عودته إلي حلب عمل بالتعليم الثانوي أحد عشر عامًا, وكان عضوًا في المجمع العلمي العراقي في بغداد, وعضوًا في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة, ونال جائزة سلطان بروناي لخدمة الحديث النبوي الشريف في سنة (1415هـ ½ 1994م), وكان أول من نال هذه الجائزة, وانتُخب عضوًا في المجلس النيابي بسوريا سنة (1382هـ ½ 1962م), كما عمل في عدة جامعات مثل جامعة دمشق, وعمل بالجامعات السعودية نحو ربع قرن من الزمان, وتخرج علي يديه مئات الطلاب, وتم اختياره مراقبًا لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا في مطلع التسعينيات من القرن الماضي.
نشأ الشيخ أبو غدة لأب كان يشتغل بتجارة المنسوجات, محبًا للعلم حريصًا علي حضور مجالسه, يعتاد ارتياد المساجد, وما كاد يبلغ أبو غدة الثامنة من عمره حتي أدخله أبوه المدرسة العربية الإسلامية الخاصة, ولما انتهي من الدراسة فيها انتقل إلي المدرسة الخسروية التي سُميت بعد ذلك بالثانوية الشرعية, وتتلمذ فيها علي يد عدد من علماء حلب المعروفين من أمثال الشيخ راغب الطباخ, والشيخ مصطفي الزرقا - الفقيه الكبير, وعيسي البيانوني وغيرهم, وبعد تخرجه في المدرسة الثانوية استكمل دراسته في الجامع الأزهر, والتحق بكلية الشريعة ودرس علي شيوخها الذين كانوا يعدون من أئمة العلم والفقه في العالم الإسلامي, وحسبك أن يكون من بينهم: محمد الخضر حسين, ومحمود شلتوت, وعبد الحليم محمود, والثلاثة جميعهم تولوا مشيخة الجامع الأزهر, بالإضافة إلي غيرهم من أستاذة الكلية المعروفين.
ولم يكتف الشيخ أبو غدة بهذه الدراسة النظامية بل اتصل بالحياة العلمية الزاخرة التي كانت تموج بها القاهرة, فاتصل بالمحدث المغربي الكبير الشيخ «عبد الله بن الصديق الغماري», وكان قد هاجر من المغرب, واتخذ القاهرة وطنًا له, وكان تمكنه من الحديث وعلومه سببًا في التفاف طلبة الحديث حوله, كما اتصل بالشيخ «مصطفي صبري» آخر مشايخ الإسلام في الدولة العثمانية, ووكيله الشيخ «محمد زاهد الكوثري», وكانا قد هاجرا من تركيا بعد سقوط الدولة العثمانية واستقرا في القاهرة, وقد لازمهما الشيخ أبو غدة ملازمة لصيقة, وتتلمذ عليهما ست سنوات كاملة, وأفاد من علمهما إفادةً عظيمة, وفي الوقت نفسه حضر محاضرات بعض كبار العلماء الذين يعملون في جامعة القاهرة من أمثال الشيخ عبد الوهاب خالف, والشيخ محمد أبي زهرة.وكان من الطبيعي أن يبزع نجم أبي غدة في الأوساط الأزهرية» لدأبه ونشاطه وجده واجتهاده, ثم انتقل إلي الأوساط الأدبية حين بدأ يرسل انتقاداتي علميةً موجزةً علي صفحات مجلات الأدب, تنبئ عن علم وبصيرة ودقة وسداد.
في هذه الفترة توثقت صلته بجماعة الإخوان المسلمين, والتقي بالإمام حسن البنا, وتتلمذ عليه وتأثر به وحمل فكره, واقتدي بخطوه, وصار من دعاة الإسلام.
وأعاد الشيخ أبو غدة إلي الأذهان ما كان يفعله القدماء في الرحلة في طلب الحديث ومقابلة الشيوخ والأقران, والرواية عنهم, وطلب الأسانيد العالية, فرحل إلي الهند سنة (1382هـ ½ 1962م), والتقي هناك كبار المحدثين والعلماء, من أمثال المفتي عتيق الرحمن - كبير علماء دلهي بالهند , وأبي الوفاء الأفغاني -رئيس دائرة المعارف النعمانية, واطلع هناك علي نفائس المخطوطات العربية , وكان له فضل نشر تراث بعض أئمة الحديث في الهند ممن لم تكن لهم شهرة في العالم العربي, ويأتي في مقدمتهم: محمد عبد الحي اللكنومي, ومحمد أنور الكشميري, وقد نشر للأول ثلاثة من نفائس مؤلفاته هي «الرفع والتكميل في الجرح والتعديل», و«الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة في علوم الحديث», و«إقامة الحجة علي الإكثار في التعبد ليس ببدعة», ونشر للثاني كتابه «التصريح بما تواتر في نزول المسيح».
وبعد عودته من الهند دعته المملكة العربية السعودية للعمل في معاهدها العلمية, والاستفادة من علمه الواسع, فانتقل إلي هناك سنة (1385هـ ½ 1965م), وعمل أستاذًا في كلية الشريعة بالرياض التي أصبحت بعد ذلك جامعة محمد بن سعود الإسلامية, ودرّس في المعهد العالي للقضاء, ثم قام بتدريس الحديث النبوي وعلومه نحو عشر سنوات لطلبة الدراسات العليا في كلية أصول الدين بجامعة محمد بن سعود, وظل يعمل بهذه الجامعة ثلاثًا وعشرين سنةً, كان موضع تقدير الطلاب وإعجابهم به» لعلمه الغزير وسلوكه الرفيع. ثم عمل بجامعة الملك سعود بالرياض سنة (1408هـ ½ 1987م), ومكث فيها عامين ثم تقاعد عن التدريس.
وإلي جانب هذا النشاط الوافر بالمملكة العربية السعودية, كانت له سفرات للتدريس في بعض البلاد العربية والإسلامية, فعمل أستاذًا زائرًا في جامعة أم درمان الإسلامية في السودان, وعمل باليمن, ودرس في جامعة ندوة العلماء في لكنو بالهند, وهي الجامعة التي ترأسها المرحوم العلامة أبو الحسن الندوي.
وفي كل مكان ينزل به يلتف حوله طلبة العلم ودارسوا الحديث النبوي للاستفادة منه, وقدا انتفع بعلمه آلاف الطلاب في حلب ودمشق والرياض والهند وباكستان واليمن.ترك الشيخ أبو غدة للمكتبة الإسلامية مجموعة قيمة من مؤلفاته الكثيرة وتحقيقاته القيمة, التي تزيد عن ستين كتابًا, يدور معظمها حول الحديث وعلومه, وهذه الكتب كلها مما يفيد الدارس البصير , فضلاً عن المتصفح العجول, ففيها كتب ضافية عن الجرح والتعديل, وتمييز الفتاوي عن الأحكام, وفقه أهل العراق, وفقهاء العالم الإسلامي في القرن الرابع عشر الهجري, ومنهج السلف في السؤال عن العلم وغير ذلك.
يذكر كل من التقي بالشيخ أو صادقه أو تعلم علي يديه أنه كان كريم الخلق, واسع الصدر, سريع العبرة, أنيقًا في ملبسه, صبورًا علي الشدائد والمحن, مجدًا في طلب العلم, مجتهدًا في تحصيله, محبًا في نشره, كثير العبادة والصلاة, مداومًا علي قراءة القرآن, وكان الشيخ سمح الطبع , صافي القلب, صادق الإيمان, محبًا لإخوانه, بل محبًا للإنسان عامةً, وحسبك من ذلك ما كتبه تعليقًا علي حديث النبي صلي الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده, لا يؤمن عبد حتي يحب لجاره أو لأخيه ما يحب لنفسه» يقول الشيخ: قال العلماء: المراد بالأخ في قوله «حتي يحب لأخيه» عموم الأخوة حتي يشمل الكافر والمسلم, فيحب لأخيه الكافر ما يحب لنفسه من دخوله في الإسلام, كما يحب لأخيه المسلم دوام الإسلام, بل تتجه إلي كل خير يصيب الإنسان - أيًا كان - مادام لا يصيب أحدًا بسوء. فانظر إلي قوله تعلم ما كان يملأ قلبه من حب للإنسانية وإرادة الخير لها, رحم الله الشيخ أبا غدة وأخلف الأمة فيه خيرًا.

جريدة آفاق عربية العدد 596 بتاريخ: 27/02/2003م.

ليست هناك تعليقات: