الاثنين، 7 أبريل 2008

أحمد ياسين رمز العقيدة الراسخة

أحمد ياسين رمز العقيدة الراسخة

بقلم/ وصفي عاشور أبو زيد
ذكري عزيزة علينا وعلي المسلمين في كل مكان, بل علي الشرفاء والأحرار في العالم كله, ذكري الشيخ الشهيد أحمد ياسين -تقبله الله في الشهداء- الذي اغتالته قوي الشر الصهيونية الغادرة بعد صلاة الفجر 22/3/2004, فلقي ربه صابرًا صائمًا محتسبًا.وهو -كما نعلم- كان مسنًا محطمًا مشلولاً, يجلس علي كرسي لا يتحرك إلا إذا حُرك, ومع ذلك فإن دولة تتزود بالقنابل النووية, وتملك من السلاح ما لا يملكه كل العرب والمسلمين في العالم, هذه الدولة العظمي التي تتكفل أمريكا بتوفير العظمة لها وتهدد بها العرب تحركت لتقتل هذا الرجل القعيد المسلوب الحركة, وكأنها كانت مُقٍدمة علي معركة هائلة أعدت لها الصواريخ وخططت لها, وأشرف رئيس الحكومة (شارون) علي إدارة المعركة حتي اغتيل الشيخ وتمزق, وبذلك بردت نار إسرائيل, ولا تعلم أن الأمر سيشعل المعركة أكثر" لأن الأمر ليس أمر أحمد ياسين, وإنما هو أمر العقيدة التي كان ينطوي عليها صدر أحمد ياسين.وبرغم أن الرجل كان قعيدًا إلا أنه كان يتمتع من العقيدة بما يبث به الرعب والفزع في قلوبهم جميعًا, وإلي هذه العقيدة كانت تعود أهميته, كان يملك من العقيدة ما يهزم به كل أسباب الخوف, ومع أنه كان يعلم أن إسرائيل تُبيًّت له, فقد حاولت اغتياله من قبلُ إلا أنه كان يخرج من بيته بكل بساطة, كأنما يتوقع رحلة عظيمة تنقله إلي لقاء الله عز وجل.إن أحمد ياسين كان رمزًا للعقيدة التي تخشاها أمريكا وتخشاها إسرائيل, أما الذين يتاجرون بالقضية الفلسطينية, والذين قبضوا الأموال مقابل الجاسوسية والمعلومات المخابراتية هؤلاء تواروا جميعًا من المشهد وقتها, ولا وجود لهم ولا ذكر لهم" لأن القضية لا تعنيهم, أما الذين تعنيهم القضية فهم الذين ساروا علي درب أحمد ياسين عندما قال: "الموت في سبيل الله أسمي أمانينا".وهذا -في الواقع- ما يزعج راحة إسرائيل ويقض مضجعها, ولن تهدأ إسرائيل أبدًا حتي يتحقق قول الله عز وجل: {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} [المائدة: 64].هكذا ينبغي أن ننظر إلي مقتل الرجل, إنه آية علي الثبات الإيماني في وجه الإجرام, وهو يعلم -يقينا- ما تملكه إسرائيل من طائرات "أباتشي" وقنابل نووية, ومع ذلك فلم يعبأ بذلك, وكأنه كان يسخر منهم قائلاً: "إنكم لن تستطيعوا أن تفعلوا شيئًا إلا أن تعجلوا بلقاء ربي تبارك وتعالي".إن الشيخ كان يمثل قدوة للأجيال" حيث إن البعض كان يتصور أن القادة يدفعون الأطفال للهول والموت ثم يختبئون هم خلفهم, فجاء أحمد ياسين ليقدم القدوة للصغار والكبار, قدوة تؤكد أننا جميعًا علي خط النار مستهدفون, وينبغي أن ندفع ثمن الجنة, ولن يكون ثمنها إلا الشهادة, فلا نخاف ولا نرتعش, إنما نقبل عليها.. معتقدين أنها أقصر طريق إلي لقاء الحبيب عز وجل, فهم لم يستطيعوا أن يقتلوه بطريقة أفضل من طريقة تجعله شهيدًا, ونحن نعلم أننا في عصري انقلبت فيه الموازين, فمن يدافع عن أرضه وعرضه أصبح إرهابيًا, أما إسرائيل التي تغتصب الأرض وتقتل الأطفال والنساء والشيوخ, وتمتلك من أسلحة الدمار ما لا يملكه العالم, فهي صاحبة الحق وهي المضطهدة التي لها الحق في الدفاع عن نفسها, وقد رأيناهم وقتها معترضين أن يبحث مجلس الأمن قضية اغتيال الرجل بحجة أنه إرهابي. أي إرهاب في هذا الرجل المحطم القعيد?! وفيما تخافه إسرائيل غير أنه يحمل عقيدة ترعب إسرائيل ومن وراءها?إن كل الذين تاجروا بالقضية اختفوا من المشهد, وهربوا فلم يعد لهم صوت, بل إنهم ينعمون بالمال الذي حصلوه من المتاحرة بها, أما أصحاب القضية الحقيقيون فهم هؤلاء الأبطال الذين تهون عندهم الدنيا في سبيل المبدأ والعقيدة, والذين يقاتلون لا من أجل الأرض فقط, إنما للأرض والعرض وللحفاظ علي أرض تحوي فيها المسجد الأقصي الذي بارك الله حوله, وإسرائيل علي ما تملك من قوة لا تملك واحدًا من هؤلاء الأبطال يستطيع أن يدفع روحه ثمن أرضعه وعرضه ولو كان مال الدنيا كله هو الثمن, وكما قال القرآن عنهم -وكأنما كان يتنبأ بما ستكون عليه إسرائيل-: )لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) (الحشر:14) . فالقري المحصنة هي المستوطنات, والجدر هي الجدر العازلة التي يحيطون بها أنفسهم اليوم.هكذا مات أحمد ياسين, لكنه لم يمت, إنما استأنف حياة أبدية جديدة: )وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران:169) )فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (آل عمران:170) .سوف يظل ذكره ولن ينقطع, ومن علامات ذلك أن هناك ستة ولدوا في قرية الشهيد أحمد ياسين في نفس اليوم الذي استشهد فيه, وتسموا جميعًا بـ"أحمد ياسين", سوف يظل ذكره وتدوم قدوته, وتستمر سيرته نبراسًا للذين أتوا بعده وملأوا الفراغ الذي تركه, وسيستمر الرعب الذي مثله مقتله في قلوب الذين يتخفَّون بالجدر, ويحتمون بالقري المحصنة, والله غالب علي أمره, وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.باحث في العلوم الشرعية


جريدة آفاق عربية عدد 700 ، بتاريخ: 17/03/2005م

صفحة من حياة الشيخ الشعراوي في ذكراه

صفحة من حياة الشيخ الشعراوي في ذكراه
بقلم/ وصفي عاشور أبو زيد

واجب علينا أن نحيي ذكر علمائنا بين الحين والآخر, وأن ننظر في صفحات حياتهم احترامًا وتقديرًا, وأخذًا للعبرة النافعة والموعظة البليغة, لا سيما إن كانوا ممن تعلقوا بالدعوة, وتعلقت بهم الدعوة في بعض الأحايين, وكانوا أهلاً للإكبار والاحترام» فليس منا من لم يعرف لعالمنا حقه, في حين أن الماركسيين والشيوعيين والعلمانيين يُضفون علي أعلامهم من هالات التعظيم والتفخيم ما لا نفعله -نحن الإسلاميين- مع عظمائنا إلا بعد أن نفقدهم.وتمر علينا هذه الأيام ذكري واحد من العلماء العاملين, الذين رحلوا عنا في وقت حرج, وتركوا الأمة أحوج ما تكون إلي كلمتهم ومواقفهم, وخلّفوا وراءهم فراغًا هائلاً.. إنه رجل القرآن وداعية الإسلام وإمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي الذي فاضت روحه الطاهرة في 17/6/1998, وشيعته عشرات الآلاف من الذين أحبوه والتفوا حوله, عليه رحمة الله ورضوانه.لقد زكَّي الإمام بخواطره القرآنية النفوس, وأحيا القلوب, وأنار العقول» ذلك أن الله وهبه من الطاقات الإيمانية والقدرات العقلية والملكات البيانية ما استطاع أن يؤثر به في العقول والقلوب, والخاصة والعامة, والمثقفين والأميين, وشتي الطبقات والأجناس والأعمار, فكان يجلس أمامه الأستاذ الجامعي والتلميذ في المرحلة الابتدائية والطبيب والمهندس, والكيميائي والفيزيائي, والمزارع والصانع, والتاجر والحائك, والمعلم والمربي, والرجال والنساء, والكل يخرج بفائدة جمة ويقوم منشرح الصدر قرير العين بما سمع وما رأي, وهذه نعمة ومنزلة عليا لا يؤتاها إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات, وقليل ما هم.مولده وتعليمهوُلد فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي في 15 ابريل عام 1911م بقرية دقادوس مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية في مصر, وحفظ القرآن الكريم في الحادية عشرة من عمره.وفي عام 1926م التحق الشيخ الشعراوي بمعهد الزقازيق الابتدائي الأزهري, وأظهر نبوغًا منذ الصغر في حفظه للشعر والمأثور من القول والحكم, ثم حصل علي الشهادة الابتدائية الأزهرية سنة 1933م, ودخل المعهد الثانوي, وزاد اهتمامه بالشعر والأدب, وحظي بمكانة خاصة بين زملائه, فاختاروه رئيسًا لاتحاد الطلبة, ورئيسًا لجمعية الأدباء بالزقازيق, وكان معه في ذلك الوقت الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي, والشاعر طاهر أبو فاشا, والأستاذ خالد محمد خالد, وأستاذنا الدكتور أحمد هيكل, والدكتور حسن جاد, وكانوا يعرضون عليه ما يكتبون.والتحق الشعراوي بكلية اللغة العربية سنة 1937م, وانشغل بالحركة الوطنية والحركة الأزهرية, فثورة سنة 1919م اندلعت من الأزهر الشريف, ومن الأزهر خرجت المنشورات التي تعبر عن سخط المصريين ضد الإنجليز المحتلين, ولم يكن معهد الزقازيق بعيدًا عن قلعة الأزهر الشامخة في القاهرة, فكان الشيخ يزحف هو وزملاؤه إلي ساحات الأزهر وأروقته, ويلقي بالخطب مما عرَّضه للاعتقال أكثر من مرة, وكان وقتها رئيسًا لاتحاد الطلبة سنة 1934م.وقد حصل الشيخ الشعراوي في حياته علي العديد من الأوسمة والجوائز التشجيعية والتقديرية, المحلية والعالمية, حتي كان آخرها في عام 1998 حيث اختارته دبي الشخصية الإسلامية الأولي في العالم الإسلامي, ومنحه الشيخ زايد آل نهيان وسام زايد من الدرجة الأولي, وتبرع بالجائزة التي مُنحت له للأزهر وطلاب البعوث الإسلامية.مرتكزات تفسير الشعراويولما كانت خواطر الشيخ الصوتية حول القرآن هي عمدة ما تركه لنا, وهي عزاؤنا الوحيد بعد رحيله, فقد أردت أن أقف أمامها وقفة متأنية في ذكراه الغالية. وقد تمركزت أفكار الشيخ في تفسيره -من خلال سماعي لمعظمه- في ثلاثة جوانب: الجانب الأول: هو الجانب البلاغي البياني, وهو أبرز ما يميز تفسير الشيخ, حيث يسير مع الآيات موضحًا مناسبة الكلام لمقتضياته في المواضع المختلفة, فيفجر في الآيات ينابيع البلاغة, ويبرز فيها مواضع الإعجاز, ويبين أماكن البيان, ويخلع عليها بحديثه وإلقائه نوعًا آخر من البيان والبهاء, فيأخذ بالقلوب» ويسحر الألباب.والذي رشح للشيخ هذا الأسلوب وأسعفه في إتقانه هو الدراسة التي تخرج فيها وهي كلية اللغة العربية بالأزهر الشريف, وبالطبع ليس كل من تخرج فيها يتمتع بما تمتع به الشيخ, لكنه الجانب الأدبي الشعري الذي كان الشيخ فيه مبرزًا, وعُرف به قبل أن يُعرف بكلامه القرآني, وبتعبير آخر عُرف بالشعراوي «الشاعر» قبل أن يُعرف بالشعراوي «الشيخ», فقد كان يحفظ ويكتب من الأبيات الشعرية ما لا يكاد يُحصي كثرةً, ولا يخفي ذلك علي المستمع لتفسيره, ولو قليلاً من الوقت, وهو شبيه في هذا الجانب بالأستاذ سيد قطب: فالشعراوي في الحديث والتعبير, وسيد في الكتابة والتحبير.الجانب الثاني: هو جانب رد الشبهات وتفنيدها, لا سيما شبهات المستشرقين وأذنابهم سواء بقصد أو بغير قصد, مثل تعدد زوجات النبي -صلي الله عليه وسلم- وإبهامات القرآن الكريم -كما يبدو لهم- وظاهرة تكرار القصص القرآني, وكون القرآن من عند محمد -صلي الله عليه وسلم- والنكات البلاغية والأساليب اللغوية التي تبدو لهم -جراء جهلهم بالعربية- خاطئة ومخالفة للقواعد النحوية والبلاغية المعروفة, ناسين أو متناسين أن القرآن هو الذي استقي منه البلاغيون قواعدهم, وكذلك النحاة, إلي غير ذلك من شبهات.والإمام هنا يعرض الشبهة بهدوء ليقربها من أفهام الجميع, ثم يضعها تحت حرارة حديثه الفياض, ويطرق عليها بعلمه وحجته, فتذوب رويدًا رويدًا أمام ما آتاه الله من فضل وبلاغة, وعلم وحكمة, فيتبين للناس أنها كيد ساحر, ولا يفلح الساحر حيث أتي.أما الجانب الثالث: فهو جانب الاستعانة بالعلم الحديث لتوضيح مفاهيم قرآنية معينة, أو لبيان الإعجاز العلمي في القرآن الكريم, وتبدو ثقافة الشيخ هنا هائلة حتي يظن المستمع أن الشيخ لا يتقن إلا هذا الجانب, وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. جدير بالذكر والاعتبار أن الإمام في قضية التفسير العلمي للقرآن -التي افتتن بها الكثير قديمًا وحديثًا- له موقف واضح لا لبس فيه ولا غموض, وهو أنه لا يجوز بحال من الأحوال أن نلوي أعناق الآيات ونخضعها لتتناسب مع اكتشاف علمي جديد مازال في طور البحث والاختبار, نريد بذلك أن نثبت سبقًا للقرآن فنسيء إلي المسلمين -لا إلي القرآن طبعًا- من حيث أردنا الإحسان.ويقرر الشيخ هنا أنه لا تناقض بين حقيقة علمية وحقيقة قرآنية, وإن حدث فالخطأ -بلا تفكير- إما أن يكون في رأس العالم أو في الفرض العلمي الذي لم يصل بعد إلي الثبات والكمال, وفي هذا المعني يقول الداعية المصلح الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- في كتابه «نظرات في القرآن» ص13: «والتطابق بين حقائق القرآن, ومعارف الكون مفروض ابتداءً» فإن مُنزًّل الكتاب هو مُجري السحاب, ويستحيل أن تختلف حقيقة كونية, وحقيقة قرآنية, كما لا يختلف قول العاقل وعمله, والواقع أن القرآن في الدلالة علي أن الله «كون» ناطق, كما أن هذا الكون الضخم «قرآن» صامت, وكلاهما ينبثق من ذات واحدة, ويهدف إلي غاية واحدة».هذه هي أهم الجوانب التي كان ينطلق منها الشيخ في خواطره حول القرآن العظيم.ولقد كان للشيخ الشعراوي جهوده الكبيرة في العمل الاجتماعي والخيري, كما كانت له مشاركاته في قضايا العصر التي يضعها تطور المجتمع أمام العلماء ليقرروا فيها رأي الإسلام.وتميز الشيخ أيضًا بمسحته الصوفية النقية التي بعدت عن الغلو والتقصير فأنتجت عبارات ومقولات وحكمًا تذكرنا بمقولات وحكم القطب الكبير ابن عطاء الله السكندري. فرحم الله الشيخ وأسكنه فسيح جناته.

جريدة آفاق عربية عدد 663 ، 24/06/2004م.

د. محمد بلتاجي حصن الشريعة الذي فقدناه

د. محمد بلتاجي ...حصن الشريعة الذي فقدناه(*)
بقلم/ وصفي عاشور أبو زيد

شهد يوم الإثنين 7 من ربيع الأول 1425هـ الموافق 26/4/2004م وفاة أحد علمائنا الكبار، الذين يثلم في الإسلام بغيابهم ثلمة لا تُسد حتى يقوم غيرهم.
وموت العلماء - كما جاء عن السلف – مصيبة، ومؤذن بخراب الدنيا؛ إذ إن أعظم ما تصاب به الأمة أن تفقد علماءها وقادة الرأي فيها، وقد روى الإمام البخاري بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالما، اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا). صحيح البخاري: كتاب العلم. باب: كيف يقبض العلم.
إنه أستاذنا الدكتور محمد بلتاجي حسن العالم الكبير والفقيه الجليل والأصولي الراسخ، الذي لبي نداء ربه بعد معاناة مع المرض، ودُفن بمدافن عائلته في محافظة كفر الشيخ بعد صلاة عصر اليوم نفسه، عن عمر يناهز ستة وستين عامًا، آثر خلالها أن يظل بعيدًا عن الأضواء والإذاعات والتلفازات والفضائيات رغم أنها كانت تلهث وراءه، وكما عاش في صمت مات أيضًا في صمت دون أن يشعر به أحد، وهكذا يموت عندنا العلماء، رحمه الله رحمة واسعة.

محطات في رحلة حافلة:
*ولد الدكتور محمد بلتاجي في عام 1938م، في بيت علم وشرف، فأبوه هو الشيخ بلتاجي حسن أحد العلماء المعروفين، وتربي في محافظة كفر الشيخ شمال دلتا النيل بمصر، وكان مقامه بمدينة طنطا في محافظة الغربية.
*تعلم في الأزهر الشريف، وتخرج في كلية دار العلوم عام 1962م، وكان الثالث علي دفعته..
*حصل علي الماجستير بتقدير ممتاز عن موضوع: «منهج عمر بن الخطاب في التشريع» عام 1966م.
* ثم حصل علي الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولي عن موضوع: «مناهج التشريع في القرن الثاني الهجري» عام 1969م..
*رُقي إلي أستاذ مساعد، ثم أستاذ عام 1980م..
*شغل منصب «عميد» لكلية دار العلوم بالقاهرة لمدة عشر سنوات، منذ 1986م - 1996م..
*عمل رئيسًا لقسم الشريعة بالكلية منذ عام 1995م حتى وفاته..
*عُين رئيسًا لمركز الدراسات الإسلامية بكلية دار العلوم 2002م..
*عضو لجنة ترقية الأساتذة..
*أشرف علي أكثر من 200 رسالة علمية، وناقش مثلها..
*عضو مجمع البحوث الإسلامية..
*اختير عام 2003م عضوا بمجمع الخالدين "اللغة العربية" بالقاهرة.
جدير بالذكر أنه - رحمه الله تعالي - تربي وتعلم علي أساطين العلم والفقه والأصول في عصره؛ حيث تتلمذ علي عالم عصره الشيخ محمد أبي زهرة، والفقيه الشيخ علي حسب الله، والعالم الجليل الشيخ علي الخفيف، والأستاذ الدكتور عبد العظيم معاني، والأستاذ الدكتور مصطفي زيد، الذي أشرف عليه في الماجستير والدكتوراه، والداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي، وغيرهم.

د. بلتاجي المعلم والإنسان:
لقد درسني الدكتور محمد بلتاجي ـ رحمه الله ـ أربع سنوات، الفرقة الثانية والثالثة والرابعة في كلية دار العلوم بالقاهرة، بالإضافة إلى مادتين في السنة التمهيدية للماجستير؛ حيث أفدت منه إفاداتٍ علميةً كبيرة، وحببني في العلم الشرعي وحببه إلي، وكان يتبع معنا أسلوبا علميا من شأنه أن ينشئ باحثا حرا مستقلا.
ومن معالم هذا الأسلوب أنه طلب إلينا في السنة التمهيدية أن نتناول كتابين له تناولا نقديا، وقال: "ليس شرطا أن تكون في علم من تنقد أو أكبر منه علما وسنا، فليس في العلم كبير، لكن المهم أن يكون نقدنا بناء ومؤدبا يتبع الحق بدليله، مركِّزًا على الفكرة وبعيدا عن الشخص".
وكان يلقي علينا المحاضرة من محاضرات الأصول عن الإجماع أو القياس أو الاجتهاد وغيرها، ثم يأمرنا أن نتتبع ما قاله العلماء في هذه القضايا، ويقول: "أنتم مطالبون بكل ما قيل فيها منذ كتب الشافعي رسالته إلى أن كتب عبد الوهاب خلاف علم أصول الفقه".
فكانت طريقته ـ رغم صعوبتها علينا ـ تدفعنا إلى المكتبات والبحث والتعرف على الكتب الأصيلة ومناهج العلماء فيها بما يبني فينا ملكة البحث وسبل الوصول للمعلومة.
لقد آتاه الله تعالى بسطة في العلم والجسم، وكانت بسمته فيها قدر كبير من البراءة، كما كان المزاح محببا إليه، فلا يكاد يلتقي بزملائه أو أبنائه وطالباته إلا ويمازحهم بما ورث من آداب اللغة شعرا ونثرا، وما عايش من تجارب ومواقف وخبرات عديدة ومتنوعة.
كما كان مهابًا لا يجرؤ أحد على مبادأته بالمزاح، أو الحديث معه إلا على استحياء، فكأنما الشاعر عناه بقوله:
يُغْضِي حياءً ويُغْضَى من مهابته فمـا يُكَلَّم إلا حين يبتسم
بكفِّه خَيْزُرانٌ ريحهـا عبق من كفِّ أروعَ في عرنينه شمم
مشتقةٌ من رسول الله نبعتُه طابت مغارسُه والخيم والشيم

من مؤلفاته:
يعتبر الدكتور محمد بلتاجي من المقلين في التأليف؛ حيث لم يترك لنا كثيرًا من المؤلفات غير أن ما خطه بيمينه أغنى المكتبة الفقهية والأصولية، ولم يكن أستاذنا الدكتور محمد بلتاجي في كتبه نسخة مكررة من غيره، بل كانت له شخصيته وأسلوبه المتميز في تناول القضايا الفقهية، ومن أهم ما تركه لنا ما يلي:.
منهج عمر بن الخطاب في التشريع.. مناهج التشريع في القرن الثاني الهجري.. أحكام الأسرة دراسة مقارنة.. الملكية الفردية، وهو حائز علي جائزة الدولة.. الميراث والوصية.. بحوث في التفسير والأصول والتشريع.. دراسات في الأحوال الشخصية.. بحوث في القرآن والوحي.. التشريعات المالية في فقه عمر بن الخطاب.. مكانة المرأة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة.. الجنايات وعقوبتها في الإسلام وحقوق الإنسان.. بالإضافة إلى بعض الأبحاث المحكمة.

من ميزاته في التناول العلمي:
تميز ما تركه فقيدنا الكبير بالأصالة العلمية والدقة البحثية، والعبارة المحكمة، والدقة البالغة، والإحصاء والإحاطة فيما يتناوله، كما تميز بالجمع بين محكمات الشرع ومقتضيات العصر.
ومن ميزات كتاباته: الموضوعيةُ والمنهجية المتقنة التي كانت تؤصل للموضوع من كل جوانبه تأصيلا يرفع عنه اللبس ويزيل عنه الشبهات ويكشف عنه اللثام، ثم يورد أقوال الخصم ويجيب عنها بما لا يُبقي لما يَرِدُ على الرأي أيَّ بقية في نفس القارئ من حرج أو عقله من شبهة؛ فيخرج القارئ وهو سليم الصدر مقتنع العقل مطمئن النفس بما قرأ من تأصيل، وما رأى من توضيح لما يمكن أن يرد على الفكرة.
ومن المعلوم أن العلماء من حيث الكتابة والخطابة ثلاثة أنواع: نوع تقرأ له أفضل مما تسمع، ونوع تسمع له أفضل مما تقرأ، ونوع ثالث جمع الله له الاثنين وآتاه الحسنيين، متمكن في البحث والكتابة ومتمكن في الكلام والخطابة، وقد كان أستاذنا من النوع الأول، الذي تقرأ له أفضل مما تسمع.
ومما تميزت به كتاباته وضوح الاهتمام فيها باللغة العربية واستعمالاتها لا سيما في عملية الاجتهاد التنزيلي، باعتبار العلم باللغة من شروط الاجتهاد الأصيل، وبحكم حبه للغة العربية واطلاعه على آدابها شعرا ونثرا، حتى إنه كان يعقب على كبار اللغويين والبلاغين من أمثال الزمخشري.
كما أن حرصه على مراعاة مقاصد الشريعة وتحقيق مصالح الناس بما لا يتنافى مع الأصول والمبادئ والكليات ـ كان واضحا لا سيما في النوازل والمسائل المستحدثة.

من مواقفه التاريخية:
كانت للدكتور بلتاجي مواقف تذكر له فتشكر، وتنسب له فلا تنكر، تدل على شجاعته وقوته في الحق، لا يخشى في الله لومة لائم؛ حيث كان إنسانا حرا لا يملي عليه أحدٌ ما لا يرضى، ولا يُكرهه أحدٌ على اتخاذ قرارات فيها ظلم لأحد، أو محاباة للبعض، أو رضوخا لجهات أخرى، يشهد له بذلك الأساتذة الذين عاصروا فترة عمادته للكلية أو رئاسته لقسم الشريعة بها، كما يشهد له الطلاب بذلك سواء بسواء.
ومن مواقفه موقفه من "قضية الربا" التي أثارها ويثيرها شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي، وقد رد عليه الدكتور بلتاجي وقت أن كان الشيخ طنطاوي مفتيًا، وكان مما قال: «إننا مهما تأملنا آيات القرآن الكريم الواردة في الربا، وما يتصل بها من أحاديث السنة، وأسباب النزول فلن نجد فيها ما يشير من قرب أو بعد إلي ما قام في أذهانهم من أن الله حرم ربا الجاهلية لمحض ما كان يتضمنه من استغلال الفقير وظلمه. وقد يري العقل البشري أن هذا كان من جملة الحكم التي روعيت في التحريم، ولكن لا يستطيع أحد الجزم بأن مناط علة التحريم في منع استغلال حاجة الفقير وظلمه. ومن يراجع كتب التفسير سيجد أن الظلم الوارد في الآيات إنما هو مطلق الزيادة علي الحق بصرف النظر عن حال الدائن والمدين، ورغبة كل منهما ومصلحته في الصفقة الربوية».
ومن هذه المواقف موقفه من قانون الأحوال الشخصية الذي تكلم فيه مفتي مصر الأسبق الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، فرد عليه د. بلتاجي وقدم دراسة كاملة بعنوان: "دراسات في الأحوال الشخصية".

ومن مواقفه الشهيرة موقفه من قضية الدكتور نصر حامد أبو زيد، حيث قدم تقريراً عن الأعمال التي قدمها دكتور نصر ليحصل بها على الترقية الجامعية، رافضاً كل ما كتبه أبو زيد، وبين أن كلامه احتوى على مغالطات، وجهل واضح وكفر واضح، وتجاوزات تخرجه من الملة.

ومن مواقفه أيضًا موقفه من العمليات الاستشهادية في فلسطين، حيث كان يري أن هذه العمليات من أرقي أنواع الشهادة في سبيل الله، وأنها جندى من جنود الله سبحانه، وأنها هي التي أفقدت الصهاينة وأعوانهم الأمن والسلام، وقذفت في قلوبهم الرعب والفزع، وأحدثت توازن الرعب الذي نسمع عنه كثيرًا ونقرأ عنه أكثر، ولا تمت بصلة إلي الانتحار أو الإلقاء بالأيدي إلي التهلكة.

من آرائه واهتماماته:
كانت للدكتور محمد بلتاجي آراء واهتمامات ونصائح منها ما كان شخصيًا، ومنها ما كان عامًا.
فمن آرائه الشخصية: أنه لم يكن يرغب في الإعلام والظهور علي الشاشات، ووجهة نظره أن الإعلام يمارس علي صاحبه نوعًا من الضغوط والتعجل، وهذا ليس في صالح الفقيه لا سيما في القضايا المستجدة والخطيرة، بالإضافة إلى سير الإعلام في جهة مرسومة خطواتها مدروسة مضامينها، فكان يفضل العيش في صمت حتى لا يقع فريسة لأحد أو يتكلم بما لا يقتنع به، وحتى يبحث القضايا بهدوء، وتأخذ معه وقتها الكافي ليصل فيها إلي رأي مقرر.
ومن اهتماماته العامة -رحمه الله- مشكلات الأسرة المسلمة وما يتعلق بها، وهو ما ورثه عن عمله في المحاكم الشرعية الخاصة بالأسرة قاضيًا ورئيسًا، فكان يري أنه لا يمكن للمجتمع أن يسير نحو التقدم إلا بحل جميع المشكلات التي من شأنها أن تعوق هذه المسيرة، وعلي رأسها المشكلات المتعلقة بالأسرة باعتبارها إحدى لبنات المجتمع. وكان الدكتور بلتاجي يحذر من الزواج العرفي، ويعتبره "محرمًا شرعا"؛ لأنه لا يحقق مقاصد الشريعة من الزواج وإن تم بورقة وشاهد، بل كان يعتبره نوعًا من الزنا المقنع ولا يسميه زواجا أصلا، وكثيرا ما استُضيف في لقاءات وندوات عن هذا الموضوع.
ومن اهتماماته أيضًا مجال المرأة والقضايا المثارة حولها، وقد ألف في ذلك كتابًا كاملاً: «مكانة المرأة» تناول فيه أهم هذه القضايا المتعلقة بها، مثل: حكم توليها المناصب العامة، ولباسها، وعملها، وصوتها، ودخولها المجالس النيابية، وحكم توليها القضاء، وحكم توليها الولاية العظمي، وغير ذلك.
كان الدكتور بلتاجي -رحمه الله- يتميز بنوع من الشدة والجدية مع طلابه بما قد يحسبه البعض تعسفًا أو ظلما أو غير ذلك غير أنه كان يريد أن يخرّج طلابًا نابهين، ويشكل عقولاً أصولية فقهية، تخدم الأمة وتقدم لها علماء، وقد تخرج عليه عشرات بل مئات الطلاب في مصر والعالم العربي والإسلامي، جزاه الله عن العلم وطلابه خير ما يجزي به العلماء العاملين، والدعاة الصادقين الربانيين، وأخلفنا فيه خيرًا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ــــــــــــــــــــــــ
(*) نشره موقع إسلام أون لاين بتاريخ: 27-4-2004م، وجريدة آفاق عربية، عدد رقم (657) بتاريخ: 13/05/2004م، ومجلة المجتمع الكويتية: عدد رقم (1600) بتاريخ: 14/5/2004م.

لا تحسبوه شرًا لكم بل هو خير

لا تحسبوه شرًا لكم بل هو خير

بقلم/ وصفي عاشور أبو زيد
باحث في العلوم الشرعيةلم أتمالك نفسي عندما سمعت خبر استشهاد شيخ المجاهدين, وحامل لواء الجهاد, ورمز العزة والكرامة للأمة العربية والإسلامية الشيخ أحمد ياسين, بل انسابت دموعي دون أن أشعر مترحمًا عليه طالبًا من الله أن يتقبله شهيدًا. ووجدتني أتلو قول الله تعالي : {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرونّ بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [آل عمران: 169- 170 ].وهكذا تمضي قافلة الشهداء التي يصطفيها الله تعالي حيث الحياة الأبدية, والفرح والاستبشار والرضا الدائم والنعيم المقيم.إنها عملية تدل علي غباء محكم متأصل في رأس شارون وجنوده بكل المقاييس الشرعية, والبراهين الإنسانية, والحجج القانونية المحلية والدولية. وذلك أن الشيخ ياسين لم يكن سوي رمز للجهاد, وأب روحي للمجاهدين, بلغ من الكبر عتيا, وكان علي حافة القبر, لكن الله يأبي إلا أن يختم لهذا البطل حياته بهذه الخاتمة التي تسجل دلالات عديدة في هذا الصدد:أولاها: أن الرجل كان في كل تصريح يطلب من الله الشهادة غير خائف ولا وجل ولا مختبئ, ولم لا وهو الذي أرسي دعائم الجهاد المعاصر? إنه صدق الله فصدقه الله, ومن يسأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء ولو مات علي فراشه, ومن ثم فلا ينبغي أن نحزن عليه أبدًا, بل نفرح» لأنه لم يمت فهو حي عند الله يرزق.ثانيتها: علي الرغم من أنه طاعن في السن, ومقعد لا ساق له تحمله - ورأسه في الثريا- إلا أنه يذهب بكرسيه إلي صلاة الفجر في المسجد, وهو ما لا يفعله كثير من شباب الحركة الإسلامية اليوم وهم بكامل الصحة والعافية, وهذه هي روح الشهداء وأخلاق الشهداء, ولقد كنت كلما رأيت الشيخ ياسين علي كرسيه أقول في نفسي: من أراد أن ينظر إلي أخلاق الشهيد وروحه فلينظر إلي هذا الرجل.ثالثتها: أن هذه العملية سيكون لها الأثر الأعظم في نفوس فصائل المقاومة الفلسطينية المختلفة, حيث التجمع والتوحد والاحتشاد جميعًا تحت راية واحدة, وقد سمعنا بشائر ذلك حينما صرحت كتائب شهداء الأقصي فور اغتيال الرجل: إن اغتيال الشيخ أحمد ياسين هو اغتيال للرئيس ياسر عرفات.رابعتها: سوف تتحول الأرض إلي نيران وزلازل وبراكين وجحيم تحت أقدام السفاحين وقتلة الأنبياء وناقضي العهود, ولن تهدأ ثائرة الصادقين في كل العالم إلا برؤية رأس شارون إربًا إربًا, كما توعدت كل فصائل الجهاد, بل كما صرح رئيس الوزراء الفلسطيني نفسه أحمد قريع, مما يخلع عليهم الرعب والفزع والهلع أكثر مما هم فيه.خامستها: هذه العملية الجبانة واللا إنسانية بكل المقاييس قد أثبتت للعالم كله- وحكام العرب في المقدمة - بما لا يدع مجالاً لأدني شك, أن اليهود لا خلاق لهم, ولا عهد لهم, ولا أمان لهم, وأن دعاوي السلام والمفاوضات كلها زائفة قد تبخرت تمامًا, ولا ينفع إلا إعلاء راية الجهاد داخليًا وخارجيًا.سادستها: أن شارون أثبت أنه أكفأ وأقوي من حكام العرب والمسلمين جميعًا» لأنه يقتل بلا حساب ويغتال بلا مراجعة, يده مطلقة لا تقييد عليها, ولا سلطان, مرتكنًا إلي السياسات الأمريكية التي تحميه وتؤيده, ولا أدل علي ذلك من تصريح وزارة الخارجية الأمريكية الذي صدر عقب اغتيال الشيخ ودعوتها للفلسطينيين والإسرائيليين بضبط النفس, ولم تكلف نفسها أن تدين الحادث ولو تلميحًا.سابعتها: أثبت هذا الحادث أن علي الحكام العرب والمسلمين أن يتحركوا تحركًا إيجابيًا قبل أن تطالهم يد شارون والأمريكان, وقبل أن تنفجر الشعوب فلا تستطيع السيطرة عليها, وقبل أن تحدث حالة من الانفلات الأمني يهلك فيها الحرث والنسل.ثامنتها: هذه العملية سوف تجعل العالم كله- موافقًا ومخالفًا للانتفاضة- متفهمًا ومقدرًا لأي رد مهما بلغ حده علي هذه العملية حتي لو كان برأس شارون ومن حوله, وبالتالي فقد فتحت الباب علي مصراعيه لتُفرغ حركات الجهاد طاقاتها, وتُعٍمل الضرب والقتل والتدمير بكل ما يمكن, وبأقصي ما تستطيع.تاسعها: لعلها تعيد حكام العرب إلي صوابهم, وتحمل بعضهم - كأضعف الإيمان- علي مقاطعة السفارات الأمريكية والإسرائيلية وطرد السفراء من كل بلد انتقامًا لدم الشيخ, الذي تساقط فرحًا بلقاء ربه, وشاكيًا إخلاد حكام العرب إلي الكراسي والمناصب, وتركهم للجهاد في سبيله.لكل هذه الاعتبارات والدلالات نقول- بكل ثقة - إن هذا الحادث ليس شرًا أبدًا إنما هو خير علي كل الأصعدة وعلي كل المستويات, وسوف يفجر دم الشيخ ياسين بركان الثورة, ويكون لعنة علي قاتليه, ولن تتوقف الانتفاضة باستشهاده, بل هي ماضية في طريقها قدمًا إلي حيث ما رسم لها الله تعالي: إما النصر وإما الشهادة, ونسأل الله أن يلحقنا بالشيخ ياسين علي خير, وألا يحرمنا أجره ولا يفتنا بعده, ويغفر لنا وله, وإنا لله وإنا إليه راجعون, وإليه المشتكي.

جريدة آفاق عربية، عدد 652، بتاريخ 8/4/2004م.

الشيخ محمد الغزالي يقارن بين هجرة المسلمين إلي المدينة وهجرة اليهود إلي فلسطين

الشيخ محمد الغزالي يقارن بين هجرة المسلمين إلي المدينة وهجرة اليهود إلي فلسطين

بقلم/ وصفي عاشور أبو زيد

تنتظم هذه الأيام مناسبات ثلاث, وكلها يهم الأمة الإسلامية» الأولي: ذكري الهجرة النبوية التي تستدعي المسلمين بكل طوائفهم أن يقفوا أمام هذا الحدث التاريخي خاشعين ليلتمسوا فيه العبرة النافعة, وما عسي أن يكون هجرة لهم مما هم فيه من ضعف وهوان, والثانية: وفاة المصلح الكبير الشيخ محمد الغزالي 9/3/1996م, والتي تستنفر جهود تلامذته ومحبيه ومريديه -وما أكثرهم- لمطالعة كتبه والتأمل فيها والسير علي نهجها, والثالثة: لا تعتبر مناسبة بقدر ما هي جرح تسيل منه الدماء أودية بقدرها في الصباح والمساء» إنها القضية الفلسطينية.والشيخ محمد الغزالي -كما هو معروف- واحد من دعاة الإسلام العظام, ومن كبار رجال الإصلاح, اجتمع له ما لم يجتمع إلا لقليل من النابهين» فهو مؤمن صادق الإيمان, مجاهد في ميدان الدعوة, ملك الإسلام حياته» فعاش له, ونذر حياته كلها لخدمته, وسخّر قلمه وفكره في بيان مقاصده وجلاء أهدافه, وشرح مبادئه, والذود عن حماه, والدفاع عنه ضد خصومه. لم يدع وسيلة تمكنه من بلوغ هدفه إلا سلكها في تبليغ ما يريد.لقد رزقه الله فكرًا عميقًا, وثقافة إسلامية واسعة, ومعرفة رحيبة بالإسلام» فأثمر ذلك كتبًا عدة في ميدان الفكر الإسلامي, تُحيي أمة, وتُصلح جيلا, وتفتح طريقًا, وتربي شبابًا, وتبني عقولا. كما وهبه الله فصاحة وبيانًا, يجذب من يجلس إليه, ويأخذ بمجامع القلوب فتهوي إليه مشدودة بصدق اللهجة, وروعة الإيمان, ووضوح الأفكار, وجلال ما يعرض من قضايا الإسلام» فكانت خطبه ودروسه ملتقي للفكر ومدرسة للدعوة في أي مكان حل به.وهو حين يكتب أديب مطبوع, ولو انقطع إلي الأدب لبلغ أرفع منازله, ولكان أديباً من طراز حجة الأدب ونابغة الإسلام مصطفي صادق الرافعي, لكنه اختار طريق الدعوة فكان أديبها النابغ.أوقف حياته علي كشف العلل, ومحاربة البدع وأوجه الفساد في لغة واضحة لا غموض فيها ولا التواء, يجهر بما يعتقد أنه صواب دون أن يلتفت إلي سخط الحكام أو غضب المحكومين, يحرّكه إيمان راسخ وشجاعة مطبوعة ونفس مؤمنة.ومن أبرز المجالات التي أبدع فيها الشيخ الغزالي مجال السيرة النبوية التي له فيها صولات وجولات مع الأحداث, وتعليقات علي كثير من المواقف والغزوات يشعر القارئ معها بفكر جديد وفهم فريد لأحداث ووقائع السيرة العطرة.ويقارن الشيخ في كثير من المواضع بين هجرة المسلمين من مكة إلي المدينة قديمًا وبين هجرة اليهود من بلاد كثيرة إلي الأراضي الفلسطينية الطاهرة حديثًا, وهي مقارنة لم يلتفت إليها أحد -فيما أعلم- قبل الشيخ الغزالي رحمه الله. وتتركز مقارنة الشيخ هنا في أمر يلتقي فيه المسلمون واليهود, وأمور يفترقون عندها. فأما الذي يلتقون فيه: فهو أن الدافع للهجرة كان عقديًا دينيًا, فالمسلمون هاجروا من أجل إقامة دين جديد في بلد آمن, وهاجر اليهود من أوروبا وأمريكا وآسيا وأفريقيا مقررين أن يتركوا أرضهم ولغتهم ويحترموا اللغة العبرية من أجل إقامة مملكة الله أو دولة إسرائيل, فكلتا الهجرتين باسم الدين والعقيدة. أما الأمور التي يختلفون عندها فهي: 1- أن هجرة المسلمين كانت من صنعهم وبرغبتهم وتطلعهم إلي ثواب الله, أما هجرة اليهود فقد دبرها لهم غيرهم, ومهد لها الانتداب البريطاني علي فلسطين.2- أن وصف المسلمين الذين تركوا مكة إلي المدينة يمكن أن نطلق عليهم بتعبيرنا العصري أنهم «مغامرون»» لأنه لم يكن لهم علي ظهر الأرض من نصير, فقد كانت الدنيا كلها ضدهم: مشركون ونصاري ويهود, أما المشركون فلأن القرآن عاب الأصنام وحقّر الأوثان وهدم تقاليد الجاهلية. وأما المسيحية فإن الإسلام كان في مكة ينكر بحرارة أن يكون لله ولد, وذلك في سورة الكهف ومريم وغيرهما من السور المكية. وأما اليهود -وهو عدو ثالث- فإن القرآن لم يترك من أمرهم شيئًا, فقد فضح عقائدهم وعرَّي صفاتهم الخبيثة المتعددة, فلم يكن بدّى لهؤلاء جميعًا -وقد عالنهم القرآن بصفاتهم وخباياهم- أن يغتاظوا ويغضبوا ويزداد كرههم للإسلام وحقدهم للمسلمين, ومن هنا لم يكن للمسلمين في الهجرة يد تحميهم إلا يد الله, ولا كنف يأوون إليه إلا كنف الله.من ناحية أخري كانت الجماعة المسلمة في ذلك الوقت ضعيفة من حيث العَدد والعُدد, وكان أعداؤهم يملكون عناصر القوة وأسباب الاضطهاد, ورغم ذلك فقد نجحوا في بناء مدينة تأتي دونها في الوصف المدينة الفاضلة التي تعشّقها الفلاسفة وتخيلوا فيها الكمال, وأثبتوا أن الإيمان الناضج يُحيل البشر إلي خلائق تباهي الملائكة سناءً ونضارة.بينما كانت حال اليهود مباينة لذلك من كل جانب, فلقد تعهدت إنجلترا -الدولة الأولي في العالم يومئذ- ما بين عامي 1917 - 1948م أن تُكيف الظروف في فلسطين لاستقبالهم, وكان الحاكم الإنجليزي في فلسطين يذل العرب ويعطش أرضهم حتي لا ينبت فيها زرع, فيبيعها الفلسطينيون بأبخس ثمن أو بأغلاه, ولم تتعهد انجلترا وحدها بذلك إنما تولي إصر ذلك معها أمريكا وروسيا وفرنسا, وكذلك ملوك العرب بخيانتهم وخذلانهم. إضافة لذلك, كان اليهود وأعوانهم غاية في القوة والاقتدار بينما كان المسلمون أذنابًا ضعفاء, وكان كثير من حكامهم خونة عملاء, ومع ذلك فإننا نري اليوم ما يحدث علي أرض الرسالات من رعب وهلع لليهود, فلا يتمتعون بأمن ولا ينعمون باستقرار, ومصيرهم حتمًا إلي الزوال بمنطق القرآن والسنة والتاريخ والوقع.3- أن المسلمين الذين هاجروا كانوا دعاة توحيد لله وإصلاح للأرض, كانوا يُعلّمون الدنيا أن الله رب العالمين لا شريك له, وأن الناس يجب أن يُسلموا وجوههم إليه, ويحيوا علي الأرض وفق المنهج الذي ارتضاه الله لهم, فترفَّعت عن المآرب هًمَمُهم, وأخلصوا لله طواياهم, وذهلوا عن متاع الدنيا, واستهوتهم مُثُل عليا لا مثيل لها في الأولين والآخرين.بينما كانت صلة اليهود بالله مغشوشة, والدوافع التي جاءت بهم -إن كانت دينية- فيها من الباطل أضعاف ما فيها من الحق, وما يكتنفها من ظلم ليست معه شائبة عدل.من أجل هذا كله كان البون شاسعًا والفرق واسعًا بين هجرة المسلمين وهجرة اليهود.

جريدة آفاق عربية عدد 648 بتاريخ
11/03/2004

رسالة مفتوحة إلي وزير الإعلام الجديد

رسالة مفتوحة إلي وزير الإعلام الجديد
بقلم/ وصفي عاشور أبو زيد

أود أن أهنئ الدكتور ممدوح البلتاجي بمنصبه الجديد, آملاً أن تشهد الوزارة معه عهدًا زاهرًا وزاخرًا, وأنتهز هذه الفرصة لأوجه إليه رسالة مهمة في أول عهده, راجيًا أن تلقي اهتمامًا وعناية فأقول:لا شك أنك تعلم ما للإعلام من أثر في تشكيل العقول والوجدانات, وما له من تأثير في تهيئة الرأي العام حول قضية من القضايا, وما له من قوة في تربية الأولاد, وتكوين ثقافات الشعوب, لا ينجو من هذا التأثير أحد باعتبار أن التليفزيون اليوم لا يخلو منه بيت, فضلاً عن الفضائيات وما حولها.ولا يخفي أن التليفزيون المصري فيه من البرامج المفيدة والمهمة ما يستحق الاهتمام والمتابعة, غير أن -ويا للأسف- ما فيه من عري وسفور وما فيه من مشاهد جارحة للحياء وخادشة للوقار أضعاف ما فيه من إفادة واحترام, وما فيه من باطل أقوي وأكثر مما فيه من حق, ولذلك فإني أرجو من سيادتك أن تقرأ هذه الرسالة بعين الاعتبار, وأن تكون -إن شاء الله- موضع اهتمامك, والتي هي ليست رسالتي وحدي, إنما هي رسائل الملايين من أبناء الشعب المصري المتدين.أولا: أن تتم المحافظة علي التقاليد وأن تُحترم العادات والأخلاق المصرية فما يُعرض -يا سيادة الوزير- من بطون عارية, وأجساد مائلة مميلة, وخلاعات ومجونات فيما يسمي بـ«فيديو كليب» وغيره لا يقره أي دين, ولا يرتضيه أي مصري سواء كان مسلمًا أو قبطيًا, وقد نزلت كل الديانات والرسالات من أجل الحفاظ علي مكارم الأخلاق, ولا تكفي في هذا القرارات والقوانين, ولكن لابد من المتابعة الصارمة, والحراسة الدائمة لهذه القوانين, فإن طبيعتنا -نحن المصريين- دينية, ولا يؤثر فينا مثل الدين, ولا يجرح شعورنا أو يستفز أحاسيسنا مثل المهاترات والسفاهات التي تخدش جلال الدين وأخلاقه.ثانيًا: ما الضرر الذي سيقع -يا فضيلة الوزير- لو أن المذيعات ومقدمات البرامج احتشمن?! هل سيؤثر ذلك في أدائهن الفني?! أو هل سيقلل ذلك من شأنهن وشكلهن العام أمام المُشاهد,?! إذا كان دين الدولة الرسمي هو الإسلام, فلماذا لا نحافظ علي ديننا,?!ولماذا لا نلتزم أوامره ونواهيه? أضف إلي ذلك أن هناك من الفضائيات ما تظهر فيها المذيعات المحجبات ويؤدين عملهن بنجاح وفاعلية في قنوات تفوق عشرات المرات في الجانب المهني قنواتنا المصرية, والإسلام لا يمنع أن تكون المرأة مذيعة أو مقدمة برامج -وإن كانت بطالة الرجال بالملايين- لكنه يرفض أن تظهر المرأة بهذا الشكل الذي يهين كرامتها, ويعرّضها للقيل والقال.ثالثًا: تعظيم شعائر الله, بمعني أنه لا داعي من عرض فيلم جذاب أو مباراة لكرة القدم بالذات, أو مسلسل, أثناء وقت الصلاة, فإن التليفزيون بذلك يعين الشيطان علي الناس إن لم يصبح هو نفسه شيطانًا يصد عن سبيل الله. ولذلك فإني أقترح علي سيادتك أن يغلق التلفاز ويعطل الإرسال أثناء الصلوات المفروضة, {¤ّمّن ييعّظىَمً شّعّائىرّ َلَّهى فّإنَّهّا مىن تّقًوّي ًَقيليوبى} [الحج:32].رابعًا: المحافظة علي اللغة العربية, التي هي لغة القرآن الكريم, ولغة السنة المشرفة, واللغة الأولي لأبناء مصر, وأقترح لذلك أن يقوي مذيعونا الذين يطالعونا بنشرات الأخبار وغيرها مستواهم اللغوي, فمن يقارنهم بالفضائيات أو ببعض الإذاعات يندي جبينه لما يسمعه من أخطاء تجري علي ألسنة مذيعينا, إضافة إلي الأخذ بالتدريج في إذاعة كل البرامج بلغة عربية بسيطة وسليمة.خامسًا: إيجاد برامج دينية -ولا أقول زيادة برامج- لأنه بالفعل البرامج الدينية الموجودة لا تكفي نهم المواطن المصري المتدين بطبيعته, وألفت نظر سيادتكم إلي أن معظم البرامج الدينية التي يعرضها التليفزيون -باستثناء الشيخ الشعراوي- تكون في أوقات لا يُتابع فيها التلفاز, مثل أوقات الصباح أو بعد منتصف الليل, مما يذهب بقيمتها أدراج الرياح.سادسًا: يعرض التليفزيون برامج ثقافية وسياسية مهمة مثل: الرأي الثالث, بدون رقابة, ملفات مفتوحة, وغيرها, ونلاحظ علي هذه البرامج أنها لا ترقي إلي مستوي البرامج التي تعرض في قنوات فضائية عربية مثل: الجزيرة وغيرها, حيث تناقش أخطر الموضوعات السياسية والثقافية بشفافية تامة وجرأة نادرة دون خشية من رقابة أو سلطة, هذه واحدة. والأخري: أن التليفزيون يحتاج إلي مزيد من البرامج الثقافية والسياسية التي ينفعل معها المشاهد ويري فيها المصداقية.سابعًا: وهو أمر بالغ الأهمية, فيا حبذا -يا سيادة الوزير- لو أعطيته اهتمامًا يليق به, ولو لم تنجز سواه في رياستك للوزارة لكفي أن تقابل الله عليه, وهو أن يأخذ العلماء مكانهم ويتبوءوا مكانتهم في هذا الجهاز الخطير, فالعلماء في مصر لا اهتمام بهم, ولا مساحة لهم في تليفزيوننا المصري, ففي الوقت الذي يحتفل فيه التليفزيون أيامًا عديدة بمناسبات وفاة فنانين وفنانات, وتحكي فيه تجارب وقصص حياة لمطربين وممثلين, وموسيقيين وملحنين وغيرهم, لا يتعرض التليفزيون لمناسبات العلماء الأفذاذ مثل الشيخ الشعراوي, والشيخ الغزالي, والشيج جاد الحق, والشيخ المراغي, والشيخ أبو زهرة, والأستاذ العقاد, وأديب العربية الأكبر مصطفي صادق الرافعي, وغيرهم من العلماء والمفكرين والأدباء, إضافة إلي الأحياء والمعاصرين ممن لا يقلون عنهم علمًا وحلمًا. إن أمة من الأمم لن تتقدم أو تستعيد عافيتها وتقود زمام العالم وهي تهين علماءها وقادة الرأي فيها, ولا تقيم لهم وزنًا, ولا تضعهم في مكانهم اللائق بهم, وفي التاريخ فكرة ومنهاج, وعبرة وعظة.وأنا إذ أقدم لسيادتكم هذه الرسالة لأسأل الله تعالي أن تقع منكم موقعها المناسب, وأن تجد من اهتمامكم ورعايتكم ما يجعلنا نراها أمامنا متحققة, وكلكم راعي, وكلكم مسئول عن رعيته, والله يوفقك ويسدد علي طريق الحق خطاك.

جردية آفاق عربية من العدد670
12/08/2004

الثلاثاء، 1 أبريل 2008

الرحلات المختلطة بين أبناء الحركة ـ فتوى

استشارة فقهية
تعلمون جيدا ما يقوم به شباب الحركة الإسلامية من رحلات ترفيهية بين الحين والآخر، وقد ظهرت في الآونة الأخيرة ظاهرة أحدثت جدلا كبيرا بين صفوف الحركة في إحدى المدن المصرية، ألا وهي ظاهرة الرحلات الأسرية.
فقد قامت مجموعة من الأزواج وزوجاتهم بالجلوس على منضدة واحدة رجالا ونساء، وأخذوا يتبادلون أطراف الحديث في بعض القضايا؛ هذا يرد على تلك، وهذه تناقش هذا في رأيه، وما يستتبع ذلك من ضحكات وابتسامات أحيانًا، وهناك انطباعات تؤخذ من خلال الحوار، هذا مثقف، وهذا متخلف، وهذا أسلوبه جميل ، وذاك يتكلم بخشونة، وكذلك الحال بالنسبة للزوجات.....وهكذا
فهل هذا الصورة حلال أم حرام، أم أنها لا تباح بإطلاق ولا تحرم بإطلاق ؟؟
أرجو الإجابة الشافية الكافية الشاملة، ولا أريد إجابة تقليدية تذكر ضوابط الاختلاط المعروفة ، بل الإجابة التي تتناول المسألة من وجهة شرعية واجتماعية ونفسية مدعمة بأدلة واضحة: تاريخية وشرعية ومقاصدية.....الخ

الجواب:
بقلم/وصفي عاشور أبو زيد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،،، فللجواب على هذا الاستفسار ينبغي تقرير أمور، منها:
أولا: يجب التفريق بين المتفق عليه والمختلف فيه، فالمتفق عليه لا يسع مسلما ردُّه أو الجدال فيه، والمختلف فيه يسعنا فيه ما وسع السابقين من تقبل رأي الآخر، وعدم الإنكار عليه، وعدم جواز إلزام الآخر برأيك ما دام في الأمر متسع.
ثانيا: يجب أن ندرك أن أحكام الشرع شيء، وما نشأنا عليه شيء آخر، فربما كان ما نشأنا عليه موافقا للشرع، وربما كان مخالفا، فيجب في كل الأحوال أن نتحاكم إلى الشرع ونرجع إليه ونصدر عنه، فالشرع هو الحاكم لسلوكنا وأخلاقنا، وليست عاداتنا وما نشأنا عليه هو الحاكم للشرع.
ثالثا: يجب التفريق بين الحرام لذاته والحرام لغيره، فهناك أفعال محرمة لذاتها مثل الزنى، وشرب الخمر، والسرقة، فهذه أمور حرمها الشارع لذاتها، وهناك أفعال وسلوكيات حرمها الشارع لغيرها، يعني تكون في أصلها حلالا، وتنشأ الحرمة مما يطرأ على هذا الحلال من محرمات، أو ما يمكن أن يكون مآله حراما، مثل استخدام الأجهزة الحديثة من تلفاز وإنترنت وهواتف وغير ذلك، فهي في أصلها حلال، لكن يمكن أن يؤدي استخدامها إلى الحرمة إذا استخدمت لأغراض محرمة، فالحرمة هنا ليست ناشئة عن استخدام الآلة، بل ناتجة عن أمر خارج ماهية الشيء، ولذلك فلا تكون حراما لذاتها بل لغيرها وما يطرأ عليها.
رابعا: ينبغي أيضا أن ندرك أن كل جديد في السلوك والأقوال والأفعال لابد أن يثير جدلا ويحدث انقساما، وقد يصل الأمر إلى التشنيع على المخالف في هذا السياق، ولعل سيرة الإمام ابن تيمية العلمية والعملية تثبت هذا، فقد عانى الأمرَّيْن بسبب آرائه التجديدية والإصلاحية، وسجن أيضا. وليس معنى ذلك أن كل جديد يكون موافقا للشرع، بل ربما يكون الجديد موافقا، وربما يكون مخالفا، فما كان موافقا قبلناه، وما كان مخالفا رددناه، وما كان مختلطا فيه الحق والباطل قبلنا حقه ورددنا باطله، لكن هكذا جُبل الإنسان على استنكار كل جديد لا سيما إن خالف ما نشأ فيه وتربى عليه.

وبالنظر إلى المسألة محل السؤال نجد ما يلي:
ـ أنها صورة جديدة على أبناء الصحوة، وربما تكون جديدة على أهل المكان الذي تمت فيه هذه الرحلة، وبسبب جدتها ثار حولها الجدل.
ـ أنها تخالف ما تعوَّده أبناء الحركة داخلها في مثل هذه الرحلات حيث تكون منعزلةً فيها الأخواتُ عن الإخوة.
ولا يُصدر الإسلام حكمًا عامًا في مثل هذا الموضوع، وإنما ينظر فيه على ضوء الهدف منه، أي المصلحة التي يحققها، والضرر الذي يخشى منه، والصورة التي يتم بها، والشروط التي تراعى فيه.. إلخ.
ولا يوجد نص شرعي يحرم اجتماع الرجال ـ في حد ذاته ـ مع النساء أو الأزواج مع الزوجات، وبالتالي فإن الاجتماع ابتداء مشروع في حد ذاته، فهو حلال لذاته، وفي سيرة النبي ما يدل على ذلك:
ـ فالمرأة شاركت في القتال أيام النبي بما يتلاءم معها؛ حيث تضميد الجرحى وإعداد الطعام، بل شاركت في القتال والدفاع عن النبي كما قامت أم عمارة يوم أحد، حتى قال عنها -صلى الله عليه وسلم-: " لمقامها خير من مقام فلان وفلان ".
ـ وكان النساء يحضرن دروس العلم، مع الرجال عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويسألن عن أمر دينهن مما قد يستحي منه الكثيرات اليوم. حتى أثنت عائشة على نساء الأنصار، أنهن لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين، فطالما سألن عن الجنابة والاحتلام والاغتسال والحيض والاستحاضة ونحوها، ولم يشبع ذلك نهمهن لمزاحمة الرجال واسـتئثارهم برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فطلبن أن يجعل لهن يومًا يكون لهن خاصة، لا يغالبهن الرجال ولا يزاحمونهن وقلن في ذلك صراحة: "يا رسول الله، قد غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يومًا من نفسك " فوعدهن يومًا فلقيهن فيه ووعظهن وأمرهن. (رواه البخاري في كتاب العلم من صحيحه).
ـ والمرأة تشارك في العبادات وتحضر مع الرجال كما هو في صلاة العيد مثلا، روى مسلم: عن أم عطية قالت: " كنا نؤمر بالخروج في العيدين، والمخبأة والبكر"، ومن الوقائع المشهورة رد إحدى المسلمات على عمر في المسجد في قضية المهور، ورجوعه إلى رأيها علنًا، وقوله :" أصابت المرأة وأخطأ عمر ".وقد ذكرها ابن كثير في تفسير سورة النساء، وقال: إسنادها جيد.
واجتماع الرجال بالنساء خلاف الخلوة التي نهى عنها الشرع نهيا صريحا مبينا عاقبتها ومغبتها الوخيمة حين قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "ألا لا يخلون رجل بامرأة، فإن الشيطان ثالثهما...". رواه الحاكم، وأحمد، والسيوطي في الصغير. قال المناوي في فيض القدير: "ثالثهما بالوسوسة وتهييج الشهوة ورفع الحياء وتسويل المعصية حتى يجمع بينهما بالجماع أو فيما دونه من مقدماته التي توشك أن توقع فيه، والنهي للتحريم".

أما الاختلاط فإن الحرمة فيه تنشأ عما يطرأ عليه من أمور تخرجه من الحل إلى الحرمة مثل ملابس النساء وطريقتهن في الكلام وكل ما من شأنه أن يوقع الشهوة في قلب الرجل نحو المرأة أو قلب المرأة نحو الرجل، أو ما يخالف ما رضيه الإسلام لها؛ ولهذا ذهب كثير من أهل العلم إلى أن اجتماع الرجال بالنساء لا يكون إلا لحاجة تقتضي الاختلاط وفق الضوابط والشروط التي أوجبها الشرع، ومما يدعو لذلك: الاختلاط لغرض خدمة الضيوف، كما دعا أبو أسيد الساعدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حينما عرس، فما صنع لهم طعامًا ولا قربه إليهم إلا امرأته أم أسيد، ومما يدعو إلى الاختلاط أيضا: إكرام الضيف بالأكل معه، وقصة الرجل الذي أطفأ السراج ليوهم هو وزوجته ضيفهما أنهما يأكلان، وعجب الله من صنيعهما ـ قصة مشهورة، لكن ينبغي أن تكون هذه الحالات عند الأمن من الفتنة، ومراعاة ما يجب علي المرأة من الستر.
وهناك اختلاط يقع لا لحاجة وإنما لجريان العادة به ـ ومنه الحادثة محل السؤال ـ قال المواق- وهو من فقهاء المالكية- في "الموطأ": "هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم أو مع غلامها؟ قال الإمام مالك: لا بأس بذلك على وجه ما يعرف للمرأة أن تأكل معه من الرجال، وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يواكله". فالمرأة يجوز لها أن تأكل مع زوجها ومع من اعتاد أن يأكل معه، وكذلك يجوز لها أن تأكل مع من عرف عن المرأة أنها تأكل معه، كما لو كانت تأكل مع قريب لها غير ذي محرم منها.
ولكن هذا الجواز لجريان العادة به يجب أن تلتزم المرأة عند مباشرته بالآداب الإسلامية والأحكام الشرعية في لباسها، وكلامها، وصوتها، وما تبديه من زينتها، وفي نظرها الأجنبي، وفي نظر الأجنبي لها.

ولقد جرت العادة بالاختلاط في الوقت الحاضر حيث اختلاط النساء بالرجال، في مناسبات مختلفة، فهذا النوع من الاختلاط جائز، إذا التزم الجميع فيه بالآداب الإسلامية والأحكام الشرعية المتعلقة باللباس والكلام والنظر وستر ما يجب ستره شرعًا من البدن بالنسبة للنساء والرجال، فعلى المرأة مثلاً أن تلبس اللباس الشرعي الذي تتوافر فيه صفاته الشرعية، وأن لا تبدي من بدنها إلا الوجه والكفين، وأن يكون كلامها وصوتها على النحو المشروع، وأن يكون نظرها إلى الرجال خاليًا من الشهوة وكذا يجب أن يكون نظر الرجال إليهن، فإذا لم يحصل التزام بهذه الحدود والأحكام الشرعية فلا يجوز هذا الاختلاط.
وأرى أن الأولى عدم إجراء هذا النوع من الاختلاط كما هو السؤال لعدة اعتبارات:
** ليست هناك حاجة له، فماذا لو تم الحديث عن الشأن العام بين الرجال وحدهم، وبين النساء وحدهن؟، ولن يضيف جديدا اجتماع الجنسين للنقاش حول أمور في الشأن العام، ولذلك لو صنع هذا بين مجموعة من غير المتزوجين مع غير المتزوجات بهدف التعارف للزواج ( أي أن تكون جلسة واحدة لهذا الغرض) لما كان به بأس لهذه الحاجة.
** يخشى من هذا التجمع عند حديث أحد الإخوة أو إحدى الأخوات ـ وهو لقاء الأزواج والزوجات ـ أن تتعلق زوجة بغير زوجها لحسن حديثه، أو يتعلق قلب زوج بغير زوجته لثقافتها وجميل منطقها، ومن هنا ينشأ التمرد الأسري وتسري حالة من السخط في بعض الأسر نظرا لرغبة زوج أو زوجة من التخلص من الزوج، وربما جرت اتصالات ومهاتفات بين هؤلاء الفرقاء فيصير من ذا فتنة.
** أن الصورة كما وصفها السائل فيها بعض الخروج عن آداب اللقاء بين الرجال والنساء حيث الضحكات والابتسامات والانطباعات التي ربما تؤدي إلى ما يخالف الشرع الذي أوجب غض البصر منعا لما يمكن أن يترتب عليه من محظورات، وهو من باب سد الذرائع.
** أن الطعام عورة من العورات، وكثير من النساء يقع في الحرج حينما يأكلن أمام الرجال، ثم ماذا لو كانت إحدى الزوجات منتقبة وهو حقها الشرعي؟ وقد جاء الشرع برفع الحرج ودفعه.
لهذه الأسباب أرجح عدم جواز هذا اللقاء بهذه الصورة مع تقرير أن اللقاء والاجتماع على الطعام ليس حراما في ذاته، وإنما يأتي المنع من خارج اللقاء، وهو ما يخرج باللقاء عن آدابه المرعية وحدوده الشرعية، التي يترتب على عدم مراعاتها الوقوع فيما حرم الله، فالأولى أن يأكل الرجال في مكان، والنساء في مكان، فهو أسلم لدين المرأة والرجل، وأدعى للأكل بلا حرج، وأبعد عن الخلاف في وقت نحتاج فيه إلى الالتفاف حول المتفق عليه، وفيه السلامة للمسلم والمسلمة من القيل والقال، والله أعلم.


خاص بالمدونة