الجمعة، 31 ديسمبر، 2010

أهل القرآن ودورهم في النهضة

أهل القرآن ودورهم في النهضة


وصفي عاشور أبو زيد
wasfy75@yahoo.com


حينما نقرأ في مدونات السنة النبوية الشريفة عن أنس، قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "إن لله تعالى أهلين من الناس" قيل: يا رسول الله، ومن هم؟ قال: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته "(
[1]). ويقول المناوي: "أي الذين يختصون بخدمته ... فإنه لما قربهم واختصهم كانوا كأهله([2])।


حينما نقرأ ذلك ندرك ـ تمامًا ـ ما لأهل القرآن عند الله تعالى من مكان ومكانة ؛ فليس بعد هذا التشريف تشريف، وليس بعد هذه الأهلية الإلهية من تكريم ورفعة، وليس بعد هذا الاختصاص والاصطفاء من كرامة وشرف: "ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا"। فاطر: 32। وإذا كان خير الكلام كلام الله، فكذلك خير الناس بعد النبيين من يتعلم القرآن ويعمل به ويعلِّمه، وليس مجرد حفظ حروفه فقط، وهذا مقتضى وصف الربانيين الذين قال الله عنهم: "وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ". آل عمران: 79॥


من معالم النهضة في القرآن
وحين نتحدث عن دور أهل القرآن في إحداث نهضة الأمة وقيادة تلك النهضة، فلا يسعنا أن نتجاوز الحديث عن دور القرآن نفسه في إحداث تلك النهضة وريادتها وبيان معالمها وموجباتها.


**إن أول ما يلفت النظر في هذا السياق في القرآن الكريم أنه "كتاب الإنسانية"؛ فلم ينزل القرآن للمسلمين فقط إنما نزل للناس كافة؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، إنه نداء للإنسانية قبل أن يكون نداء للمؤمنين رغم كثرة النداءات الإيمانية في هذا الكتاب العزيز.
حسبنا أن "يا أيها الناس" ذكرت في القرآن 19 مرة، وكلمة "الناس" في القرآن 138 مرة، و"بني آدم" 5 مرات؛ ومن ثم يفتح هذا الكتاب الباب على مصراعيه للحوار مع الآخر، واستيعاب البشرية بما فيه من مبادئ إنسانية، وتعاليم بشرية تصلح للبشر ـ كل البشر ـ رغم اختلاف الزمان والمكان والإنسان والحال؛ فهي الرسالة التي "امتدت طولاً ـ كما قال الإمام حسن البنا ـ حتى شملت آباد الزمن، وامتدت عرضًا حتى انتظمت آفاق الأمم، وامتدت عُمقًا حتى استوعبت شئون الدنيا والآخرة".


** إنه الكتاب الوحيد ـ من الكتب السماوية التي بين أيدينا ـ الذي أعلى مكان "الآخر"، ورفع قدره، وأوجب له التقدير والإجلال والإقساط والإحسان والبر دون نظر أو اعتبار لعقيدته أو لونه أو جنسه أو لغته، كيف لا وقد قال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا". الحجرات:13.
** ومع هذا الشمول في مساحات الخطاب نجد شمولا من نوع آخر، وهو في مجالات توجيه هذا الخطاب، ففي القرآن اهتمامات واسعة بمجالات الحياة كلها؛ عقيدةً وعبادةً، أخلاقًا ومعاملات، نظمًا وأحكامًا، قوانينَ وتشريعاتٍ، قيمًا ومُثلا، عاداتٍ وتقاليدَ، أعرافًا وموازينَ...الخ؛ فالأول شمول في المستهدفين من الخطاب، والثاني شمول في مجالات هذا الخطاب.


** هو الكتاب الوحيد الذي ظل محفوظًا لم تمتد ـ ولن تمتد ـ إليه يد بالتحريف أو التغيير أو التبديل أو التزوير، بمقتضى وعد الله بحفظه حين قال: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"। الحجر:9. فنجد فيه الأخبار الصادقة، والوقائع الحقيقية، وهو الوثيقة الوحيدة التي نطمئن إليها في قصص الأنبياء وسيرهم وتاريخهم؛ حيث نلتمس منها العبرة البليغة، والحكمة النافعة.


** من معالم النهضة كذلك في هذا الكتاب أن كل شيء فيه قائم على التوازن، توازن في الخلق وتوازن في الأمر، توازن في الكون وتوازن في التشريع؛ فتعاليمه وتشريعاته جمعت بين الدعوة والحركة، ومزجتْ بين العلم والعمل، ووصلتْ بين التأصيل والتطبيق، وربطتْ بين الدنيا والآخرة، في غير ما طغيان ولا إخسار.
لم يأمر باعتبار الآخرة وإهمال الدنيا، إنما جعل عمارة الدنيا طريقًا للفوز في الآخرة، فخلق الخلق وأمرهم بعمارة الأرض: "هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا". هود: 61. ولم يأمر المؤمنين أن يتبتلوا ويتعبدوا ثم يهملوا أبدانهم أو عقولهم، كما لم يأمرهم بالترهبن دون الزواج والإنجاب لتسير حركة الحياة ويعمر الكون.
كل هذا يدلك على رغبة القرآن في إحداث "حراك" في الحياة له شموله وتوازنه وعمقه واستمراره।


** إن من خصائص هذا الكتاب ومقومات النهضة فيه أنه ـ كما روى الترمذيُّ في سننه بسندٍ فيه مقال عن الحارث الأعور أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال عنه ـ : "...هو الذي لا يزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه...".، وهو الذي وصفه الإمام الشاطبي بأنه: "كليةُ الشريعة، وعمدةُ الملة، وينبوعُ الحكمة، وآيةُ الرسالة، ونورُ الأبصار والبصائر، وأنه لا طريقَ إلى الله سواه، ولا نجاةَ بغيره، ولا تَمَسُّكَ بشيء يخالفُه ... وإذا كان كذلك لَزِمَ ضرورةً لمن رامَ الاطلاعَ على كلياتِ الشريعة، وطَمِعَ في إدراك مقاصدِها واللِّحاقِ بأهلها أن يتخذَه سميرَه وأنيسَه، وأن يجعلَه جليسَه على مَرِّ الأيام والليالي؛ نظرًا وعملاً، لا اقتصارًا على أحدهما، فيوشك أن يفوزَ بالبُغْيَةِ، ويَظْفرَ بالطُّلْبَةِ، ويجدَ نفسَه من السابقين وفي الرعيل الأول"(
[3])।


**ومن خصائص هذا الكتاب ومعالم النهضة فيه أنه خالد وخاتم، كما أن الذي أنزل عليه خاتم، وكما أن الذي أنزل لهم خاتمون؛ فليس بعد القرآن كتاب، وليس بعد محمد بن عبد الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رسول، وليس بعد أمة الإسلام أمة.
ومقتضى هذه "الخاتمية" أن أودع الله في القرآن أصولاً وكلياتٍ ومبادئَ، ثابتةً لا تتغير ولا تتبدل مهما تبدلت الأجيال والأزمان والأحوال والعوائد، فهي بمثابة الجبال الرواسي التي تمسك الأرض أن تميد بالناس؛ يرجع الناس إليها، وينشئون حضارتهم وعمرانهم على أساس منها واستبصار بها وبصيرة فيها، يرجعون إليها عند الفزع، ويأوون إليها عند الخوف، ويلتمسون فيها الفرج عند الضيق، ويجدون عندها ـ مهما كان الألم واليأس وتردي الواقع ـ الرَّوْح والراحة والأمل والرضى والرضوان واليقين.
وجعل فيه متغيراتٍ تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والعوائد؛ احتضانًا للواقع، واستيعابًا لمتغيراته، وإحداثًا لأحكام وتشريعاتٍ تنبثقُ من تلك الكليات والمبادئ والمقاصد، ولا تتعارض معها أو تتصادم بها।


أهل القرآن والنهضة
إننا مهما حاولنا أن نكتب عن معالم النهضة الحضارية القرآنية لن ننتهي من الحديث، ولن ينتهي بنا بحره إلى ساحل، فالقرآن بحر، من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله؛ ذلك إن كان له بَرٌّ، أو وجد له ساحل.
ولما كان أهل القرآن ـ الذين هم أهل الله وخاصته ـ يحملون هذا القرآن؛ حفظًا وتلاوةً وتدبرًا وعملاً وتعليمًا؛ فلا يتصور أبدا أن تجدهم منفكين عن هذه المعالم أبدًا، بل دائمًا متلبسين بها جميعًا؛ فهم عن القرآن يصدرون، وإليه يرجعون، ومنه يغترفون، وفي نوره يسيرون، وبه يجاهدون البشرية جميعًا جهادًا كبيرًا.
إن أهل القرآن هم أهل السماحة والتواصل الفعال الحضاري بين البشر؛ حوارًا موصولاً، وعطاءً ممدودًا.
لن تجد أحدًا منهم مصابًا بالتعصب أو الانغلاق، ولن تجد أحدهم موبوءًا بالتحجر أو التحلل أو احتقار الخلق، إنما هو شخص منفتح على "الإنسانية"، على "البشرية"، على "بني آدم"، كيف لا، وهو يُدرِجُ بين جنبَيْهِ كتاب الإنسانية؟!.
إنهم يحمون الناس من اليأس، ويضيئون أمامهم الطريق، وييسرون لهم العسر، ويذللون لهم الصعب، ويبثون فيهم الأمل، ويحيونهم بعد موات، ويهدون البشرية للتي هي أقوم: "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا". الإسراء: 9.

ومن الأدوار التي يمكن أن يؤديها أهل القرآن للأمة في هذا السياق ما يلي:
** دور تربوي جماهيري، بحيث ينشرون هدايات القرآن، ومنهجه في إصلاح النفوس وترقيتها في مدارج الكمال الإنساني المنشود؛ فيصير الفرد إنسانًا صالحًا مصلحًا، تتحقق فيه مقتضيات الاستخلاف والتكليف والعمارة।


** دور إصلاحي اجتماعي؛ بحيث ينبني هذا الدور على الدور السابق، فمتى تحققت الربانية في الأفراد سهل تحقيق الإصلاح الاجتماعي العام بحفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو الإنسان، وهو المقصد الأعلى من وضع الشريعة كما قال العلامة الطاهر بن عاشور وغيره।


**دور تيسيري تبشيري، وهو دور يتغلغل في الأدوار الأخرى وينسرب في تضاعيفها؛ بحيث يظهرون سماحة الإسلام ويسر الشريعة؛ فيستوعبون الناس، ويبسطون مظلة الإسلام على قطاعات البشرية العريضة بما أودع الله في هذا الدين من أصول جامعة وفروع متغيرة، تتغير بتغيرات الزمان والمكان والأشخاص والأحوال والعوائد، وفي الوقت نفسه يبشرون بظهور الإسلام إن عاجلاً أو آجلاً، وينشرون الأمل بين الناس رغم وجود الألم، فإن تَبَلُّجَ الإصباح يَخْرُجُ من رحم الظلام الدامس، وإن سورة الفجر نزلت بعد سورة الليل!.

وكما أن معالم النهضة الحضارية في القرآن لا تنتهي، فكذلك معاني النهضة الحضارية في أهله لن تنتهي، ولن نستطيع حصرها إلا كما روى الإمام أحمد بسنده عن سعد بن هشام بن عامر قال: أتيت عائشة فقلت: يا أم المؤمنين أخبريني بخلق رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ قالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ القرآن قول الله عز وجل: "وإنك لعلي خلق عظيم"(
[4])। وصدقت السيدة عائشة رضي الله عنها، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدق الله العظيم॥!!.


الحواشي:
([1]) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم بسندهم عن أنس رضي الله عنه، وحسنه شعيب الأرناؤوط في تعليقاته على المسند، وقال المناوي: "قال الحاكم: روي من ثلاثة أوجه هذا أجودها اهـ، وفي الميزان: رواه النسائي وابن ماجه من طريق ابن مهدي عن عبد الرحمن بن بديل، وأحمد عن عبد الصمد عن ابن بديل تفرد به، وقد ضعفه يحيى، ووهاه ابن حبان، وقواه غيرهما". فيض القدير: 2/629. دار الكتب العلمية. بيروت. لبنان. الطبعة الأولى. 1415 هـ– 1994م.
([2])فيض القدير: 2/628-629.
([3])الموافقات: 4/346. طبعة دار الفكر العربي.
([4]) مسند أحمد: (24645)، وقال شعيب الأرناؤوط: حديث صحيح.

ليست هناك تعليقات: