الخميس، 2 أكتوبر، 2008

ثقافة التآمر لا مؤتمر الثقافة

ثقافة التآمر .. في مؤتمرات رسمية
الحداثيون.. يبشرون بثقافة الهزيمة!

القاهرة: محمد جمال عرفة صلاح حسن رشيد وصفي أبو زيد

شهدت قاهرة المعز.. مؤتمرًا انهزاميًا أقامه المجلس الأعلى للثقافة التابع لوزارة الثقافة المصرية حمل عنوان: "الثقافة العربية.. نحو خطاب ثقافي جديد.. من تحديات الحاضر إلى آفاق المستقبل"، بهدف إيجاد حلول وإجابات شافية لأسباب الهزيمة النفسية والسياسية والعسكرية والثقافية التي نحياها اليوم بعد احتلال العراق، وللأسف فقد جاءت الإجابة في المؤتمر الذي استمر ثلاثة أيام .. من وجهة نظر المحتلين!.

طرح الفكرة كان عملاً من المتصور أن يصب في نهر تكاتف الأيدي والتيارات والأفكار من أجل مواجهة الهيمنة الأمريكية وتوحشها في البيئة العربية، إلا أن المؤتمر الذي حضره مائتا "مثقف" عربي أبي إلا أن يحمل طرحاً أحادي الجانب، وانعزل عن تيارات المجتمع العربي الإسلامي كافة، مستبعدًا التيار الإسلامي والأزهر وعلماء الأمة المعتدلين.. المهمومين بفكرة الصحوة والنهضة، والتخلص من أسباب الهزيمة الحضارية التي نحياها اليوم.

يشهد على ذلك أسماء الحضور من ذوي الثقافات والتوجهات المعارضة بشدة للإسلام والعروبة، ومن المدافعين عن العولمة، والحداثة أمثال: أدونيس وعبد السلام المسدي وحمادي صمود، وجابر عصفور وصلاح فضل، والطيب صالح، ومحيي الدين اللاذقاني، وعلي حرب، وحسن حنفي، وهشام شرابي، وحسين أحمد أمين، وفيصل دراج، وميلاد حنا، ورفعت السعيد، وأحمد عبد المعطي حجازي، وجورج طرابيشي، ومحمود أمين العالم، ومحمد برادة، في حين أنه تجاهل عن عمد وسوء نية علماء ومفكرين من مثل: الدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور محمد عمارة، والدكتور طه جابر العلواني، والمستشار طارق البشري، وفهمي هويدي، والدكتور مصطفى الشكعة.


تطاول فج على الإسلام
وتشهد كلمات الحضور وأبحاثهم على تهجمهم الصريح على الشريعة الإسلامية ومطالبتهم بنقدها.. ففي كلمة أدونيس قال بالحرف الواحد: "لا أدري لماذا نحن مجتمعون هنا؟ أمن أجل تجديد الثقافة فعلاً والمصارحة؟ أم السكوت عن التابوهات؟! ولماذا لا تتكلمون صراحة عن أول عقبات التطوير المتمثلة في "الوحي الإلهى"، وفي الإسلام؟! لابد من تناول هذه النقطة بجرأة وصراحة، وإلا فلن يكون هناك تطوير يُذكر".
هكذا يدعو أدونيس إلى نقد كتاب الله عز وجل، ناسيًا. أو متناسيًا، أن القرآن كتاب قدسي منزه عن شطحات المجانين والعابثين، الذين تتلمذوا على أيدي الصهاينة والمستشرقين وأعداء الدين واللغة العربية.. قال هذا الهراء في بلد الأزهر وصرح الإسلام.
كما شاعت داخل أروقة المؤتمر، وبين ثنايا المتحدثين نبرة اليأس والكآبة والانهزامية، وإعلان وفاة العرب والمسلمين بفعل الزحف الإمبريالي الصهيوني على المنطقة.
وبنظرة عجلى لأسماء أبحاث هؤلاء الانهزاميين يتبين تغلغل هذه السلبية والدعوة إلى الفتور مثل: "ثقافة الهزيمة" لخلدون النقيب، و"من ثقافة السلطة إلى سلطة الثقافة" لحسن حنفي، و"انشقاق المثقف وانتقاض الموقف" لعبد السلام المسدي، و"حول المُسلمات الثقافية ..ضرورة المراجعة" لمحمود عودة.
والأغرب.. بل ما يدخل في خانة المستحيلات.. أن يدير مائدة تجديد الخطاب الديني الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري بينما المتحدثون عن هذه القضية المحورية من غير المتخصصين في هذا الشأن ولا في الدراسات الإسلامية، بل هم من العلمانيين أمثال: أحمد عبد المعطي حجازي والعفيف الأخضر، وحسن حنفي، وحسين أحمد أمين، وميلاد حنا، وفيصل دراج، بينما خلت القائمة من اسم أي عالم أزهري ولو على سبيل المجاملة!.
وهكذا بات المدافع عن كرامة العروبة والإسلام هم أرباب العولمة وأبناء الاستشراق وغلمان الكوكبية ومريدي الحداثة، والداعين إلى تشويه التراث والعبث به، وهدم كل ما هو "ماضوي" كما يسمون حضارتنا وتراثنا.
وفي الوقت الذي يدعو فيه المفكرون والمصلحون إلى إظهار معالم الإسلام السمحة وأخلاقه الإنسانية العظيمة حتى لا يُتَّهم بالإرهاب والعدوانية كما شاع اليوم، تأتي نتائج المؤتمر مخيبة للآمال الوطنية والعربية والثقافية على حد سواء.
لقد مورست على الإسلام في هذا المؤتمر وما حواه من ندوات، أساليب عدوانية لا يحلم بها من يتربصون بالإسلام وعرقلة خطابه السمح الباهر، فاتهموا الإسلام بأنه يدعو إلى الاستعلاء وعدم قبول الآخر من خلال الآية: كنتم خير أمة أخرجت للناس (آل عمران:110) ، فهي بزعمهم تمثل عمق الأزمة عند المسلمين وسبب تخلفهم، وأنه يجب عدم استخدام أو حتى حذف مادة "كفر" من القرآن؛ لأنها ترسخ ثقافة العدوانية ومصادرة رأي الآخر! كما قالوا إن الإسلام دعوة لعدم التحاور وتثبيت لثقافة الهيمنة من خلال الحديث الشريف: "خير القرون قرني".

مؤتمر موصول بالمخططات الأمريكية
كان من اللافت في مبادرة تعليم العرب والمسلمين الديمقراطية التي اقترحتها الخارجية الأمريكية في ديسمبر2002 أن هناك بنوداً تنص على تخصيص أموال لتدريب مثقفين وصحفيين عرب في دورات تدريبية أمريكية بهدف تغيير ما سمي (لغة الخطاب العدائي العربي والإسلامي ضد أمريكا).
وسبق أن تكرر السيناريو نفسه مع 50 امرأة عربية ما بين برلمانية وسيدة أعمال وناشطة في اتحاد نسائي وأستاذة جامعية وصحافية في مؤتمر عقد في السادس من نوفمبر 2002 برعاية الخارجية الأمريكية عنوانه (بناء الديمقراطية) جرى التركيز فيه على دور المرأة العربية والجمعيات النسائية في تغيير النظرة العدائية السلبية لدى الشعوب العربية والإسلامية تجاه أمريكا.
وعلى غرار هذه المؤتمرات عقد هذا المؤتمر..لا ليؤنب العرب والمسلمين على أفعالهم الشنيعة وغير المسؤولة بالتحريض على أمريكا أعدل دولة في العالم فحسب.. ولكن ظهر (مثقفون) يدعون إلى:
اعتبار آية كنتم خير أمة أخرجت للناس (آل عمران:110) دعوة للاستعلاء!!
الدعوة إلى حذف كلمة "الكفار" من قاموس المسلمين لأن فيها عنصرية!؟
اعتبار أن الفقه الإسلامي سبب إرهاب المسلمين وبالتالي يدعون لعدم الالتزام بفقهاء السنة الأربعة!.
وهكذا مثلما ظهرت عشرات المصطلحات التي انتشرت عقب 11 سبتمبر وتدور كلها حول تفريغ العقل العربي والمسلم من ثقافته وتراثه الإسلامي بدعوى تطويره كي لا يهاجم أو يحرض ضد أمريكا مثل (نحو خطاب ديني جديد)، و(نحو حوار ديني عالمي جديد)، دشن هؤلاء (المثقفون العرب العلمانيون) مجاناً مصطلحاً جديداً هو (نحو خطاب ثقافي جديد)، عماده مهاجمة تعاليم الإسلام واعتبار المؤتمر فرصة للنيل من خصومهم الإسلاميين.
صحيح أن بعض المشاركين ركزوا على نقد حبس السلطة العربية للإبداع الثقافي العربي، وعلى أهمية أن يكون هناك دور جديد للمثقف العربي في حوار حضاري عالمي جديد، ولكن الكارثة أن هذه الشعارات العامة أظهرت خلفها عداءً غير مبرر للتدين.
فالدكتور حيدر إبراهيم أستاذ الفلسفة بجامعة الخرطوم شطح واستغل المناسبة للحديث عما أسماه (اللاهوت الديني) غير الموجود أصلاً في الإسلام، ودعا ل "لاهوت تحرير إسلامي لتجديد الخطاب الديني"، وقال إن التجديد في الخطاب الديني يتطلب أن تمهد له ثورات اجتماعية وسياسية تحسن وضع الحريات ودمقرطة المجتمعات الإسلامية وتحسين الأوضاع المعيشية!.
الغرب يجدد الخطاب الديني الإسلامي!؟: وكانت ندوة (تجديد الخطاب الديني) التي عقدت على هامش فاعليات مؤتمر الثقافة العربية هي أكثر الندوات جدلا ًوهجوماً على الدين، بعد أن حولها بعض المثقفين اليساريين والعلمانيين إلى محاكمة للدين والنصوص القرآنية.
فقد اقتصرت الندوة على بعض الشخصيات التي تدعو دائماً إلى عولمة الدين وفصله نهائياً عن الدولة، الأمر الذي أثار شكوك مثقفين بعثوا إلى المؤتمر يرفضون الحضور، خصوصاً أن الندوة ركزت على الهجوم على الدين، ولم تهتم بالحديث عن ظروف الاحتلال الأمريكي والإسرائيلي للمنطقة.
فالدكتور حيدر إبراهيم قدم ورقة بحث عن وجود (لاهوت تحرير إسلامي جديد) يعمل على تجديد الخطاب الديني، واعتبر أن هذا اللاهوت هو البداية الكاملة لمجتمع عصري حديث يكون الإنسان هو العامل الأساسي فيه.
وزعم أن تأخر المسلمين إلى الآن قائم على أساس التوتر الحاد بينهم حول ثبات النص أو التحول للحياة، وأن هناك فجوة عميقة بين تحقيق الآمال والطموحات من جهة، والتفكير في الموت من ناحية أخرى، وهذا يكرس فكرة أن المسلمين يفكرون دائماً في الآخرة أكثر من التفكير في الحياة ويعتبرون أنفسهم فوق الكمال، وهو الأمر الذي طرح العديد من التساؤلات حول تأخر المسلمين وتخلفهم.
ثم أفصح الدكتور حيدر إبراهيم عما يريد داعياً إلى ضرورة عدم تمسك المسلمين بمقولة: كنتم خير أمة أخرجت للناس(آل عمران:110) لأن هذا المصطلح يعبر عن استعلاء في رأيه!!. ولبس مسوح رجال الدين ليفسر القرآن على هواه قائلاً: إن الآية التي تقول ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون (آل عمران:139) تشكل عمق الأزمة التي يعيشها المسلمون باعتبار أن الإحساس بالاستعلاء سبب تخلف هذه الأمة!؟.
كما وجه حيدر النقد للحركات التجديدية واعتبرها حركات سلفية جامدة، ووصف الشيخ محمد عبده بأنه وقف في منتصف الطريق ولم يستطع استكماله حتى النهاية، وزعم أن أصحاب الحساسية الدينية عندما يتعاملون مع الدين في الحياة اليومية فإن العقيدة تبدأ في الضعف والتآكل، وأن كثيراً من المسلمين اعتبر الحياة متاعاً فانياً وبالتالي فهي ليست مجالاً للتعمير والتقدم وهو سبب تأخر المسلمين حتى الآن!
أما العفيف الأخضر أحد أكثر خصوم التيار الإسلامي ومشجعي التغريب فقد حاول منذ بداية حديثه وضع أسس ونظريات لتعميم التجربة التونسية على جميع العواصم العربية حيث تباهى بأنه كان وراء إغلاق جامعة الزيتونة في تونس في عام 1956 والتي كما قال كانت تغسل عقول طلبتها بالفقه القديم وتعتمد على تفسيرات بعض الفقهاء!!.
وزعم هذا المتغرب أنه لإيجاد تعليم ديني تنويري من الضروري استئناف حركة الإصلاح الديني وفلسفة الأنوار الفرنسية وتعليم الأجيال الصاعدة قراءة النص الديني قراءة تاريخية وإثراء خيالها بالقيم الإنسانية التي جاءت بها فلسفة الأنوار في القرن الثامن عشر وذلك للانتهاء من تطبيق أحكام الفقه القديم التي باتت كالدواء الذي انتهت مدة صلاحيته حسب زعمه.
وشطح الأخضر بدعوة الغرب للتدخل لمساعدة المسلمين على إصلاح التعليم الديني "لأن الغرب من وجهة نظره أصبح صاحب مصلحة في ذلك بعد أن امتد إليه خطر الإرهاب الديني، وأن السبب فيما يعيشه العالم الإسلامي الآن من إرهاب يعود إلى اعتماد المسلمين على فقه القرون الوسطى الذي صاغ شعورنا بتحريم تقليد غير المسلمين وأن نرجسيتنا الدينية اعتبرت جميع الأديان الأخرى منسوخة بالإسلام".
وطرح ما أسماه (مشروع تعليم تنويري) على حد قوله قائمًا على تعميم التجربة التونسية في جميع الدول العربية يقوم على تحرير العلم من الوصاية والنصوص الدينية والاعتراف الكامل بحقوق المرأة في كل شيء، كما طالب برد الاعتبار لغير المسلمين في العالم العربي بتدريس تاريخ مشاركتهم في صنع الحضارة العربية الإسلامية بالترجمة.


هجوم على التعليم الإسلامي
ولأن القاعة كانت خالية سوى من العلمانيين واليساريين والمغلوبين على أمرهم، فقد استمر الأخضر يهاجم التعليم الإسلامي في المملكة العربية السعودية، ولولا عقد المؤتمر في بلد الأزهر لهاجم التعليم الأزهري أيضاً، وزعم أن التعليم الديني السعودي منبع الإرهاب حيث يقوم على غسل أدمغة التلاميذ بعداء غير المسلمين وحسب دعواه.
وقال إن التعليم الذي تقوم عليه بعض الأنظمة العربية تعليم ديني ظلامي يقوم على التطويع النفسي للتلميذ ليتصرف وفق ما يطلبه معلمه، كما يقوم أيضاً "على الاغتصاب النفسي وتحفيظ النصوص الدينية التي تعوق العقل عن التفكير فيها حيث يعتمد الحفظ لهذه النصوص على البعد عن الفحص النقدي لحساب التسليم الإيماني واليقين الأعمى".
كما ربط الأخضر بين انتشار فتاوى التكفير وإهدار الدماء وانتشار هذا التعليم الذي تخصص في تخريج فقهاء الإرهاب ويقوم على محاربة العقل بالنقل وينقل كل الغرائز والعدوانية من غريزة الموت إلى الخوف من الجديد لتكفير الحداثة وقيمها وغرائز الحياة التي حررتها، حسب زعمه.
وفي هذا الصدد دعا إلى العمل على إقصاء كلمة (الكفار) من الفقه الإسلامي واعتبر هذه التسمية تفرقة عنصرية (!) وطالب بضرورة تدريس مادة حقوق الإنسان في كافة نواحي الحياة بجميع الدول العربية كما هو الحال في تونس لتحرير الوعي الإسلامي من قيمة الحلال والحرام!.
وخرج جمال البنا بكلامه الذي يردده منذ قديم بأنه إن كنا نريد التجديد الحقيقي للخطاب الديني فعلينا أن نلتزم بثلاثة أشياء ونتخلى عن ثلاثة أخرى.
أما الواجب الالتزام به فهو: أن نلتزم بالقرآن الكريم، والصحيح الثابت المنضبط بالقرآن من عمل الرسول وقوله، ثم استلهام "الحكمة".
أما الثلاثة الواجب التخلي عنها فهي: تفسير المفسرين للقرآن الكريم بدءاً من ابن عباس حتى سيد قطب، فليست هذه التفاسير في رأيه إلا إسقاطاً بشرياً على النص المعجز المقدس وهو أمر يكاد يكون شركاً؛ فضلاً عما وضعه المفسرون مما أطلقوا عليه "علوم القرآن" من نسخ أو أسباب نزول أو إيضاح المبهمات وغير ذلك مما يعد عنده افتئاتاً صريحاً على القرآن ميَّع إعجازه وأقحم معاني وقيما تخالف قيم القرآن نفسه!!، والأمر الثاني: هو الصورة التي يقدمها المحدثون للسنة من كلامهم على السند واعتباره ضابطاً للصحة والضعف بالنسبة للحكم على الحديث، فيرى البنا أنه يجب أن نترك الحكم على الحديث من خلال السند ونحل محله مقاييس القرآن ومعاييره؛ لأننا والكلام له بقبولنا الحديث من خلال السند نكون قد أدخلنا على السنة مئات من الأحاديث بالنسبة للصحاح، وآلافاً من الأحاديث بالنسبة لباقي كتب السنة تجافي بزعمه قيم القرآن وأخلاق الرسول، أما الأمر الثالث فهو أن نطرح آراء الفقهاء بمذاهبهم الأربعة، فليس من المعقول أن تظل آراؤهم وهم بشر يصيبون ويخطئون في إطار "اللامساس" بعد أن مر عليها أكثر من ألف عام.
هذا باختصار ما يراه جمال البنا لإصلاح الخطاب الإسلامي وتجديده، ولن يحدث تجديد جذري إلا بهذا!.
ليس البنا وحده، إنما هناك كثيرون هاجموا ثوابت الأمة وقيمها، ووصفوا للإسلام بأنه دين الإرهاب وهو المسؤول الأول عما نعانيه اليوم... إلى غير ذلك من افتراءات صارخة، وصل عددهم إلى ما يقارب مائتي مفكر وكاتب، معظمهم من الشيوعيين واللادينيين، ولم يحضر من سواهم سوى د.أحمد كمال أبو المجد، ود. محمد سليم العوا.


تحليق في عالم الخيال
ودارت كذلك معظم الكلمات والأبحاث في فضاء الخيال، واللغة الشعرية الانفعالية، والتنظير الأجوف، والتأطير الأعمى، والتفكيك الحداثي لمسميات غير مفهومة لتكريس هدف واحد، هو هزيمة الأمة في نهاية المطاف، والإلحاح على هذه النتيجة، وكأن المؤتمر قد انعقد لإعلان ذلك، ولم يجتهد هؤلاء التغريبيون في أن يقدموا دراسات تطبيقية عملية تبحث عن حلول ناجعة لأمراض المسلمين والعرب اليوم، أو تتحدث عن خطاب عملي جماعي، بدلاً من الاعتماد على الأحادية القاصرة كلغة رسمية للمؤتمر، وكأن كل واحد منهم ينعقُ في واد.
والخلاصة.. كلام أجوف، وتسطيح لهموم الأمة، وادِّعاء البكاء ولكن من دون أن تنزل من العين دمعة واحدة.


علامات الاستفهام على المؤتمر
ويبدو أنه منذ اللحظة الأولى للإعداد لهذا المؤتمر وتوقيته وطبيعة المدعوين له كانت هناك أمور أثارت توجس مثقفين مصريين وعرب وطنيين من المؤتمر بشكل دعاهم لوضع العشرات من علامات الاستفهام وإشارات الارتياب، ومن ثم الاعتذار عن عدم الحضور من البداية.
فقد وقع ستة من أبرز الكتاب في مصر على بيان يطرح أكثر من علامة استفهام حول هذا المؤتمر وعنوانه العام (الثقافة العربية من تحديات الحاضر إلى آفاق المستقبل)، حيث استغرب الستة وهم: (المستشار طارق البشري ود. عبد العظيم أنيس ود. رضوى عاشور وصنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني ومحمد البساطي) التعجل الشديد في عقد المؤتمر، الذي لم يخطط له مسبقاً ولا كان مدرجاً ضمن أنشطة المجلس الأعلى للثقافة.
كما عبروا عن استيائهم من تحاشي المؤتمر ذكر القضايا الأكثر إلحاحاً على مثقفي الأمة وشعوبها، خصوصاً احتلال العراق والإبادة اليومية للشعب الفلسطيني، والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، ولم تطرح مسألة المخططات الأمريكية للهيمنة على المنطقة.
كما لخص الأديب الجزائري (طاهر وطار) في رده على دعوة وزير الثقافة المصري لحضور المؤتمر أسباب رفض كثير من المثقفين المشاركة في هذا المؤتمر، إذ رفض أن "يلعب المثقفون دور الفقهاء المكلفين بتجديد الخطاب الديني وتحريره من التطرف بحسب الأجندة الأمريكية"، وقال "إن الطريقة التي تمت بها الدعوة للمؤتمر كانت أشبه بلغة الاستدعاءات البوليسية"!.
وانتقد الطاهر وطار خلو محاور المؤتمر من قضية العراق رغم وجود نصف مليون جندي مدججين بالأسلحة في منطقتنا، ورصد الأديب الجزائري محاولات التلاعب التي تمارسها المؤسسة الثقافية على المثقفين العرب، وحذر من النزوع لتيار الثقافة الكونية الذي يفضي للانخراط في سياق السلام الوهمي والتطبيع مع الكيان الصهيوني.
وقد استغرب مثقفون أن تغلب على المؤتمر منذ جلسة الافتتاح حتى جلسة الختام قضية تجديد الخطاب الديني، وأن يكون لها الأولوية القصوى على سائر القضايا، ويجري الحديث حول حذف آيات من القرآن وكثير من النصوص الدينية والفقهية، وبالمقابل لا يثار أي حديث عن احتلال أراضي الأمة والهيمنة عليها.
وقد لفت هذا أنظار بعض الحاضرين فعلقوا عليه مدافعين عن الخط الذي سار عليه المؤتمر مثل الدكتور جابر عصفور والشاعر أدونيس، حيث دافع هؤلاء عن المخاوف التي أثيرت من تطابق توصيات المؤتمر مع الأجندة الأمريكية بقولهم: "إننا منذ أكثر من أربعين عاماً ننادي ونطالب بتجديد الخطاب الديني وتحديث المجتمع المدني و"الدمقرطة"، فهل إذا تطابقت الرؤية الأمريكية الجديدة مع ما سبق أن طرحناه يعتبروننا تابعين للأجندة الأمريكية؟!".


البيان الختامي والتوصيات..جلد الذات
وتضمن البيان الختامي للمؤتمر والذي جاء تحت عنوان (إعلان القاهرة الثقافي) تسع توصيات، نصفها يدعو لوحدة الثقافة العربية باعتبارهاً عاملاً رئيساً في وحدة الشعوب العربية وأساساً لتجديد المشروع الحضاري العربي، والنصف الثاني يتضمن توصيات تغريبية تفكيكية.
وبالنسبة للخطاب الديني، طالب المثقفون ب"أفق مجتمعي جديد يضمن حرية الاجتهاد الفكري المسؤول (...) الذي يرفض الوصايات التي تحتكر المقدسات القومية والدينية". واعتبروا أن ذلك "يمر عبر الوصول إلى الشروط الاجتماعية والثقافية التي تنتج خطاباً دينياً متطوراً منفتحاً على العصر يتجاوز الخطابات الدينية الركودية والمتزمتة التي أساءت إلى الإسلام والعرب والمسلمين".
وبشكل عام لوحظ أن النصف الأول من التوصيات شدد على إنجاز الاستقلال الوطني والقومي وتحرير فلسطين والتنديد بالاحتلال العسكري الأمريكي للعراق، وطالب المشاركون أيضا بإلغاء الأوضاع العرفية التي تحاصر الحريات العامة والإبداع وكذلك المطالبة بحرية الاجتهاد الفكري المسؤول وإصلاح التعليم وتطويره وخلق وعي قومي.
أما النصف الثاني فتضمن: الاعتراف بالفئات غير العربية وثقافتها (!)، و"تجاوز الخطابات الدينية الركودية والمتزمتة لإنتاج خطاب ديني متطور"!!
وقد انعكست العولمة والاستجابة للمطالب الأمريكية بشدة على بقية التوصيات مثل: تشديد المشاركين "على وحدة الحضارة الإنسانية" ورفض دعوات الانعزال عن العالم أو مناصبته العداء!!، وهذه الأخيرة لا تحتاج لوضوح في انسياقها للمطالب الأمريكية الداعية لوقف التحريض ضد الأمريكيين في الثقافة العربية.
والأعجب أن البيان الذي ألقاه وزير الأوقاف المصري حمدي زقزوق حول قضية تجديد الخطاب الديني تضمن بدوره الحديث عن عدم معادة الآخرين (المقصود الأمريكان بالطبع!)، حيث تحدث الوزير عن خمسة شروط لتجديد الخطاب الديني أربعة منها تحدث فيها عن مراعاة فقه الأولويات والتيسير والانفتاح على الآخر وإبراز الوجه الإنساني والحضاري.
أما الخامسة فكانت تنص على: (الوعي بأن التضامن الإسلامي لا يعني معاداة الآخرين وإعادة النظر في مصطلحات الفقهاء حول دار الحرب ودار السلام وغيرهما من المفاهيم)!
القضية بالتالي لا تحتاج إلى كثير وضوح.. فبعدما سعت أمريكا لتطويع الخطاب الديني الإسلامي بالقوة عبر تغيير مناهج التعليم الديني ووضع ضغوط عليه، أصبح من الضروري، الانتقال إلى المرحلة الثانية وهي تغيير الخطاب الثقافي، خصوصاً أن العالم العربي والإسلامي يدرك أهمية الكلمة وخطورتها، والتغيير المنشود يمكن أن ياتي إذا وضع الأمريكان أيديهم في أيدي مثقفين علمانيين ويساريين عرب لهم عداء تاريخي مع الثقافة الإسلامية!
ويتصل بكل هذا ما يتردد عن إلغاء مادة الدين وأن تستبدل بها مادة الأخلاق وحوار الحضارات، وما يتردد عن إلغاء معاهد دينية والتضييق على مناهج التعليم الديني عموماً، وتدخل خبراء أمريكان في مناهج التعليم العام العربية.
لقد جاء المؤتمر في أوانه حقاً، لكن الأوراق التي تناولها أساءت إساءة بالغة إلى الخطاب الثقافي والإسلامي الذي جاءوا للكلام عن تجديده والتواصل من أجله، ولا أدل على ذلك من أن الطاهر وطار وهو كاتب جزائري يساري كتب إلى وزير الثقافة المصري ينتقد هذا المؤتمر، فأرجع د. جابر عصفور هذا النقد إلى انتماء الطاهر وطار إلى الجماعات الإسلامية الجزائرية!.
إن هذا المؤتمر وما انتهى إليه يهدم ما تقوم به مؤسسة مثل وزارة الأوقاف المصرية من ندوات ومؤتمرات لتجلية صورة الإسلام الصحيحة، ومواجهة التحديات المعاصرة للمسلمين في أنحاء المعمورة كان آخرها مؤتمر المجلس الأعلى الإسلامي الخامس عشر، الذي جاء تحت عنوان "مستقبل الأمة الإسلامية".
بالإضافة إلى أن ما جاء بالمؤتمر الثقافي وما دار فيه من ندوات يخالف مخالفة صريحة نصوص خطابات الرئيس المصري في المناسبات الإسلامية المختلفة من أن الإسلام دين السماحة ودين الحضارة الراقية، ودين المدنية والارتقاء.
كل ذلك يجعلنا نقول إنه كان مؤتمراً لترسيخ "ثقافة التآمر" على قيم الإسلام وثوابته، ولم يكن "مؤتمراً للثقافة"، وصدق الشاعر حين قال:

متى يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟

ولله در الآخر حين يقول:
فلو ألف بانٍ خلفهم هادمٌ كفى فكيف ببانٍ خلفه ألفُ هادم؟
على أن المؤتمر ذاته وفي جميع جلساته تقريباً أرجع الحالة التي تعيشها الشعوب العربية من تخلف وضعف إلى حالة الاستبداد السياسي الذي يعد سبباً في التخلف الثقافي والعلمي والحضاري.
وشهد المؤتمر إجماعاً على أن مشكلة الثقافة العربية الرئيسة تنبع من النظام السلطوي في العالم العربي وهو ما أكده في بحثه الدكتور خلدون النقيب تحت عنوان "ثقافة الهزيمة"" حيث أرجع الحالة التي نعيشها الآن من اضمحلال سياسي وفكري إلي الغطاء التاريخي للتحولات السياسة الدولية مع الساداتية والريجانية في نهاية السبعينيات ونتاج اعتناق نوع من الليبرالية التسلطية والخضوع للغرب فكريًا وفقدان المرجعية السياسية والثقافية.
مطلوب اليوم من المفكرين الإسلاميين الذين استُبعد معظمهم من حضور المؤتمر أن يقاتلوا في جبهتين: جبهة خارجية تمثلها القوى الغربية الأوروبية والأمريكية بما تمارسه من سياسات عدوانية وفلسفات منحرفة، وجبهة داخلية تتمثل في مواجهة مثل تلك الدعاوى والعمل على النهوض بالعقل المسلم والمحافظة على الهوية العربية والثوابت الإسلامية، ولا يجوز أن ننفلت بعيداً عن عقيدتنا وهويتنا التي تحفظ على الأمة تفردها، وتُبقي لها شخصيتها.

ليست هناك تعليقات: