الخميس، 9 أغسطس، 2007

حديث الفضائيات بين الضعفاء والثقات


وصفي عاشور أبو زيد
إسلام اون لاين
زدحم الفضائيات اليوم بكمٍّ من الغثاء الشرعي والدعوي غير محدود، يصاحبه جرأة غير محمودة على الأحكام الشرعية وإصدار الفتاوى والآراء، دون نظر في مقاصدها أو اعتبار لمآلاتها، أو مراعاة للواقع الذي يتم تنزيلها عليه.

ولا شك أن وسائل الإعلام المستحدثة -من شبكة عنكبوتية وفضائيات وغيرها- من الفتوح الجديدة التي يجب أن تستثمر استثمارًا إسلاميًّا أمثل؛ لتبليغ الخطاب الإسلامي الحقيقي الذي ظل دهرًا طويلاً حبيس أدراك القهر والظلم والاستبداد السياسي في المنطقة العربية كلها، وبعض الدول الإسلامية أيضًا.

بيد أنه تصدّر لهذا الأمر الجَلل ثلة من الدعاة، لا يستطيع أحد أن يشكك في إخلاصهم أو حرصهم على التبليغ، غير أن بعضهم -أو كثيرًا منهم- أساء من حيث أراد الإحسان، ووجْهُ الإساءة أنهم تحدثوا -إلا من رحم ربي- في دوائر ما كان أغناهم عن الولوج فيها والحديث حولها، فإن لكل علم رجالاً كما قيل، والقرآن قرر مبدأ التخصص حين قال: (فَاسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا) [الفرقان: 59]، (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [النحل: 43]. والسنة أيضًا بما رواه ابن حبان بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أمينًا، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح".

وأخطر ما في الأمر أن يتلقى الواحد منهم الأسئلة على الهواء مباشرة، ويجيب عنها بجرأة لا يُحسَد عليها، لكن يا للحسرة حينما تسمع الجواب الذي يشي بالجهل المطبق بأبجديات الفقه والفتوى، في أعوص المسائل التي يجيب عنها في التوِّ، وهي التي يُجمَع لها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.

عتاب على الثقات

وإن كنت أعتب هنا على هؤلاء الدعاة الذين طاروا بأجنحة ليست لهم، فارتادوا آفاقًا لم يحسنوا فيها الطيران فضلُّوا وأضلوا؛ لأنهم لم يقدروا الأمر حق قدره، ولم يقفوا على عظيم خطره ووخيم عاقبته، فإني عاتب بنبرة أعلى واستنكار أكبر على دعاتنا الثقات، وعلمائنا الراسخين الأجلاء الذين تركوا هؤلاء الدعاة الأدعياء والفقهاء الدخلاء يمتدون في فراغهم.

ولا شك أن الداعية ضعيف التكوين يسارع في الظهور واجتلاب الأنظار واستتباع الجماهير، مع أنه يعلم في قرارة نفسه أنه ليس هو الجدير بهذه المنابر، ولا المستحق لهذا الذيوع والانتشار، وفجأة تجد اسمه في الصحف، ومواقع الشبكة الإلكترونية، يزاحم أسماء علماء الأمة ودعاتها وقادة الرأي فيها، في الوقت الذي تجد فيه الراسخين في العلم والمتمكنين من فقه الدعوة والمحيطين معرفة بفقه الواقع ومآلات الكلام منعزلين عن هذه المنابر، مؤْثرين الصمت والبعد عن الأضواء.

فهي معادلة صعبة حقًّا تذكرنا بقولة الفاروق عمر رضي الله عنه الشهيرة -مع الفارق-: "اللهم إني أشكو إليك جَلَد الفاجر وعجز الثقة". فإذا وجدتَ صاحب موهبة في الحديث والتأثير والحشد، لا تجد معه من العلم والفقه ما يضمن له سلامة الرأي في المواقف المتنوعة والأفكار المختلفة، وإن وجدت صاحب العلم والفقه والنظر، رأيته عازفًا عن خوض غمار الإعلاميات منعزلاً عن الأضواء غير راغب في الظهور والشهرة.

وحجة الدعاة ضعيفي التكوين أن هذه الوسائل الإعلامية فرصة طيبة لإبراز معالم الدين وتبليغ رسالة الإسلام، وما ألف خطبة وخطبة يكون لها أثر خمس دقائق كلامًا على فضائية من الفضائيات؛ وذلك لما تتمتع به هذه الفضائيات من ذيوع وشهرة وعالمية، إضافة إلى أن الله تعالى أكرمنا بوسائل إعلامية تتناسب مع عالمية دين الإسلام، فلم يَعُد لنا عذر في التقاعس أو التراجع، والرسول صلى الله عليه وسلم قال في ما رواه البخاري: "بلّغوا عني ولو آية".

وهذا كله كلام طيب ومقبول، بل مأجور أجرين إن أصاب وأجرًا واحدًا إن أخطأ، لكن البلية العظمى أن جانب التكوين العلمي الذي يوقعهم غيابه أو ضعفه -إن وجد أصلاً- في معضلات ومشكلات يصعب التصرف معها أو الخروج منها أو معالجتها إن حدثت جراح فكرية بسببها تمس الفقه والعلم، وياللمصيبة لو مست قضايا الأمة الكبرى.

وهؤلاء الدعاة وإن ادَّعوْا أنهم يمارسون دعوتهم في حدود معينة لا يتخطَّوْنها، فإن هذا غير مسلّم لهم؛ لأن طبيعة العمل الدعوي عبر هذه الوسائل الإعلامية يجر الداعية -شاء أم أبى- إلى مساحات يأتي منها الخطر على يد ضعف التكوين وقلة البضاعة، فلا بد له من التعرض لهذه المساحات التي يفرضها عليه وجوده في هذه الوسائل، ومن هنا يقع ما لا تحمد عقباه.

حجة الثقات في السكوت

وحجة الدعاة الثقات والعلماء الراسخين، هي أنهم يريدون أن ينأوا بأنفسهم عن هذا العبث، وأن يربئوا بعلمهم ومكانتهم أن يزاحموا هؤلاء الأدعياء، وأنهم لم يعودوا في حاجة إلى الشهرة ولا إلى المال، بالإضافة إلى أن الجهات الرسمية لهذه الإذاعات أو القنوات أو غيرها من وسائل ربما تعاملت بشكل لا يليق ومكان هؤلاء العلماء ومكانتهم، بالإضافة إلى كلام المثقفين وبعض زملائهم من العلماء، مما يزهدهم في ممارسة هذا الأمر، وقد قرأنا عن اعتزال أحدهم قريبًا ميدان الدعوة، لكنه تراجع عن قراره.

على أن جانب الشهرة والظهور يحتل مساحة كبيرة لدى عدد غير قليل من هؤلاء العلماء الذين نفتقدهم والذي يتعارض -في رأيهم- مع الإخلاص والتجرد، والبعد عما يلبِّس عليهم نواياهم وإخلاصهم لله تعالى، وقد قال ابن عطاء الله: "الأعمال صور قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها"، وقال أيضًا: "ادفن نفسك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه".

أضرار جرأة الضعاف

وتتمثل أضرار الحرص على الظهور والتبليغ من قبل الدعاة الضعاف مع عدم تكوُّنهم التكوُّن الذي يسمح لهم بذلك فيما يلي:

- أنهم يضرون أنفسهم أولاً؛ لأنهم يرتكبون مخالفات شرعية؛ إذ يتحدثون فيما لا يعلمون، وهو أمر منهي عنه شرعًا.

- أنهم يُضِلون أناسًا كثيرين بكلامهم غير الصحيح، وبالتالي يتحملون وزرهم ووزر من يعمل بعملهم، وهذا فيه من الخطر ما لا يخفى، ويصعب عليه أن يصحح ما أخطأ فيه من قبل ويصل التصحيح إلى كل من سمع، وفي قصة ابن عباس مع نكاح المتعة عبرة وعظة، حيث إنه لما أباحها بشكل ما شاعت فتواه بين الناس وعملوا بها بتوسع حتى قال قائلهم:

قد قلت للشيخ لما طال مجلسه

هل لك في رخصة الأطراف آنسةٍ

يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس

تكون مثواي حتى رجعة الناس

فلما بلغ ابن عباس ذلك ضرب كفًّا على كفٍّ واسترجع، وأرسل مناديًا ينادي في الناس يصحح رأيه، ولم يكتفِ بذلك، فنادى يوم عرفة بأعلى صوته: "من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا عبد الله بن العباس: ألا إن المتعة حرام كالميتة والدم ولحم الخنزير".

- أنهم يعرِّضون أنفسهم لغضب الله وسخط الناس؛ إذ يحلون الحرام ويحرمون الحلال عن طريق الفتاوى التي ليسوا لها أهلاً.

- أنهم يُغرون غيرهم ممن ليسوا أهلاً لذلك بالاقتداء بهم، واستعجال الظهور، والتطلع إلى الشهرة مثلهم، وهذا يعود عليهم بالخراب والبوار دنيا وأخرى.

أضرار إحجام الثقات

أما الأضرار التي يمثلها إحجام الدعاة الثقات والعلماء الراسخين، فمنها:

- أنه ضرر وخطر عليهم هم أنفسهم؛ لأنهم لا يؤدون زكاة علمهم، فإن للعلم زكاته أيضًا إذا بلغ نصابًا.

- أنهم سيعاقَبون على كتمان هذا العلم الذي أمرهم الله ببيانه: (وإذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ) [آل عمران: 187]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من كتم علمًا يعلمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار". [رواه الترمذي وغيره، وقال: حسن صحيح].

- أن عقابهم أمام الله سيكون بقدر الأعذار، ولم يَعُد لها وجود في التبليغ الآن، وهي وجود هذه الوسائل العالمية مع تشويه الصورة العامة للإسلام الذي أصبح اليوم متهمًا ومصادرًا ومرفوضًا في كثير من دول العالم.

- أنهم يميتون الحق ويضيعونه، وقد استأمنهم الله عليه، وأمرهم بالقيام بحقه، وبالحفاظ على الميراث الذي ورثوه بتعليمه وتوريثه، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم.

- أنهم يظلمون القضية الإسلامية حينما يتركونها لمن لا يحسن القيام بها والتحدث عنها، في الوقت الذي يُسخِّر فيه أعداء الإسلام كل طاقاتهم العلمية والمادية من أجل توصيل رسالتهم وإظهار خطابهم، وبهذا ينقلب الحق باطلاً والباطل حقًّا، ويصير المظلوم ظالمًا، والظالم ضحية ومجنيًّا عليه.

كلمتان

وفي النهاية أود أن أقول كلمتين: كلمة للدعاة أصحاب التكوين الضعيف، وأخرى للدعاة المتكونين تكوينًا ثابتًا راسخًا.

فأما الأولون فأقول لهم:

لا يحملنّكم بريق الظهور وشهوة استتباع الناس، ولا كذلك الرغبة في البلاغ الإسلامي والحرص على إظهار مبادئ الإسلام على الجور على جانب التكوين أو إهماله؛ لأن هذا لا يصب في صالح "الحكمة والموعظة الحسنة"، ولا الجدال "بالتي هي أحسن"، ولأنه إذا تصدر الحَدَثُ فاته خير كثير، وليس معنى هذا أن تظلوا قابعين في بيوتكم للتكوين، فالتكوين لا ينتهي حتى الممات، ولكن اعملوا بقدر تكوينكم، ولا تطيروا بأجنحة ليست لكم، فإن لكل مجال تكوينًا يرشحه ويقدمه، وما لم يتوفر لديكم التكوين اللازم لمجال معين فلا تقربوه، وإلا أصيبت الدعوة - وربما الإسلام- على أيديكم بهزائم شديدة.

وأما الكلمة التي أوجهها لدعاتنا وعلمائنا الراسخين الذين تستدعي الساحة الإعلامية والدعوية علمهم وفقههم الدعوي بقوة، من أمثال الشيخ حسن أيوب، والشيخ عبد الستار فتح الله سعيد، والدكتور حسن الشافعي، والشيخ عبد المنعم تعيلب، والدكتور أحمد العسال، والدكتور يحيى إسماعيل، والدكتور السيد محمد نوح، والدكتور عبد اللطيف عامر، وهناك العشرات بل المئات داخل الأزهر وخارجه من الأخفياء الأتقياء والراسخين من العلماء، أقول لهم: متى تؤدون زكاة علمكم وتورثوه لمن بعدكم، ولماذا تركتم الساحة حتى امتد هذا الغثاء وتربع في فراغكم؟! اعلموا أن الله سائلكم عن هذا العلم ماذا عملتم به، وعن هذه الوسائل التي أتاحتْها تطورات العصر كيف كان لها استغلالكم، وعن القضية الإسلامية التي خذلتموها وأضعتموها لسبب أو لآخر، فمهما قابلكم من صعوبات وإهانات واستبدادات وتسلطات ووساوس نفسية أو إيمانية فهو ميدان جهاد ومغالبة، وإن الثمرة المرجوة والمصلحة المجلوبة أعظم بكثير منها، وإلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير. اللهم قد بلغت فاشهد!.

ليست هناك تعليقات: