الأربعاء، 2 فبراير، 2011

السلوك الحضاري لمتظاهري التحرير

السلوك الحضاري لمتظاهري التحرير
وصفي عاشور أبو زيد
Wasfy75@yahoo.com
لا توجد أي ألفاظ في معجم اللغة العربية ولا أشعار ولا أدباء ولا أقلام تستطيع أن تعبر عن مشهد ميدان التحرير بما فيه من مشاعر ومشاركات وتحضر وتقدير وفرحة عارمة تسود أوساط المتظاهرين وصلت لحد الزغاريد، ومشاعر الإحساس بالحرية والأمان في ظل غياب الشرطة وسيطرة الأهالي على الموقف عبر اللجان الشعبية التي استطاعت أن توفر لشعب مصر من الأمن والأمان ما عجزت وتعجز عنه الشرطة التي أطلقت يد الفاسدين والمجرمين لأعمال السطو والبلطجة وإرهاب الناس وإرعابهم، فما أن اختفت الشرطة من ميدان الشارع المصري حتى عاد الأمن والأمان للناس.
أريد أن أتوقف فقط عند مشهد واحد ومعنى واحد من مشاهد ومعاني ميدان التحرير، وهو السلوك الحضاري للمتظاهرين؛ حيث مع هذا الزحام الشديد الذي وصل أمس إلى أنك لا تكاد تجد موضع قدم خالية في الميدان وفي الشوارع المؤدية إليه حتى امتدت الحشود إلى ميدان رمسيس...أقول مع هذا الزحام الشديد مع وجود الصغار والكبار والنساء والرجال والشباب والشابات المتبرجات والمحجبات وجدنا الآتي:
1- التكاتف الشامل بين المتظاهرين جميعا وسعة الصدر التي شملت الجميع للجميع.
2- مشاعر التقدير من الصغير للكبير، وأخلاق الإكبار والاحترام من الرجال للنساء.
3- لم نسمع أو نسهد حادثة تحرش واحدة في ميدان التحرير الذي كان مكانا لهذا التحرش في المناسبات والأعياد، رغم الحشود الهائلة.
4- الشباب الجميل والشابات الرائعات الكل يحرص على نظافة المكان، فتجد النساء تحمل أكياس القمامة وتدور على المتظاهرين لتجمع منهم القمامة، وتجد الجميع يحمل قماماته في يده لا يلقيها في الأرض منتظرا من يمر عليه ليجمعها.
5- الشوارع الجانبية تطوع لها شباب واعٍ لتنظيفها، وجمع ما فيها من مخلفات.
6- تطوع كثير من الشباب بل الفتيات للتفتيش الذاتي لمن يدخلون الميدان بحثا عن المندسين والفاتنين الذي اكتشفوا منهم مع قوات الجيش الكثير والكثير وبخاصة أمس الثلاثاء الأول من فبراير 2011م.
7- تطوع الكثير من أبناء ميدان التحرير بإحضار الطعام والشراب والمشروبات، ويقومون بتوزيعها حسبة لله وحبا في الناس، بل إن عددا من أبناء مصر الموسرين تبرعوا بمبالغ كبيرة لكفالة المعيشة اليومية للمتظاهرين.
8- الوعي الكامل والمذهل للمتظاهرين فلا تنطلي عليهم إشاعة من الإشاعات، ولا يتجمعون بكثرة حول أحد المندسين ممن يريدون التخذيل والتثبيط ويعارضون المتظاهرين؛ حيث يتركونه بلا معارضة ولا جدال منصرفين إلى حيث التظاهر والاحتجاج والتركيز على المطالب المقصودة.
9- التصميم والإصرار على إبقاء سقف المطالب عاليا مهما طلع رئيس الجمهورية وقدم تنازلات عبر تصريحات أو بيانات أو تكليفات أو حتى كلمات يلقيها على شعبه، ورفض الجميع الحوار مع النظام إلا بعد رحيل الرئيس.
10- التلاحم المعجب والمذهل بين جميع الموجودين في الميدان بلا نعرات ولا تحزب ولا انكفاء على الذات بل الجميع منفتح على الجميع، والكل يسعى لتحقيق أهداف محددة ومطالب معينة علتْ على كل الانتماءات والآفاق الضيقة والحسابات المحدودة.
إنني مهما كتبت عن السلوك الحضاري لمتظاهري ميدان التحرير ـ وهو مشهد واحد وملمح واحد من ملامحه ومشاهده التي لا تحصى ـ فلن أستطيع أن أنقل ما في مشاعري ولا ما في نفسي، ليس راءٍ كمن سمع.
إن العالم كله يرقب اليوم ميدان التحرير بمشاعر متباينة، فالحكومات العربية تهرول إلى إحداث إصلاحات وتغييرات عاجلة، وتُهرَع إلى تعديلات فاصلة في الحياة السياسية والدستورية، والحكومات الغربية تتابع بقلق خوفا من رحيل النظام المصري ومجيء بآخرين لا يعرف مدى تجاوبهم مع أمريكا وإسرائيل، والشعوب المقهورة في كل مكان تتابع بفرحة عارمة، ويتنمرون لحكامهم يضعونهم بين خيارين: إما الرحيل، وإما الحياة الكريمة.
إن إصلاح العالم العربي والإسلامي سينطلق من ميدان التحرير، وإن كان لتونس فضل السبق وإطلاق الشرارة، لكن مصر ليست تونس، وتونس ليست مصر، وواجب الوقت علينا في ميدان التحرير ألا ننتقل من الفصل الثاني إلا بعد الانتهاء من الفصل الأول تماما، وهو رحيل هذا النظام بشكل كامل؛ لأننا لو تحدثنا عما بعد ذلك لن نُنهي الفصل الأول من المشهد ولا الفصل الثاني، ونكون كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "كالمنبتّ، لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى". والله أكبر ... ولله الحمد.

ليست هناك تعليقات: