الجمعة، 21 يناير، 2011

تحيات ورجاءات لشعب تونس الأبي

تحيات ورجاءات لشعب تونس الأبي

وصفي عاشور أبو زيد

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد،،

فقد تابعت وأتابع عن كثب ما جرى ويجري في تونس، مثلي في ذلك مثل كل إنسان في العالم يتطلع إلى الحرية والتحرر، ويطيب لي أن أعرب عن تقديري الكامل لحركة الاحتجاج التونسية الشعبية التي طالبت بحقوقها المشروعة، وأؤيد هذه الحركةَ السلمية التي انطلقت من أرجاء تونس إلى العاصمة حتى تحقق لها بعض ما أرادت؛ إذ لم يزل أمامها طريق طويل...

وإنني إذ أحيي هذه الحركةَ أودُّ أن أبين وأؤكد عددًا من الأمور:

أولا: نحتسب ضحايا هذه الحركة من الشعب التونسي شهداء عند الله تعالى؛ فهؤلاء قاموا يطالبون بالعيش الكريم، وبالكرامة التي جعلها الله من خصائص بني آدم: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً". سورة الإسراء: 70، وخرجوا يطالبون بحقوقهم الأساسية التي ضاعت عبر عقود من الزمان دون أن يرقب فيها أحدٌ إلا ولا ذمة، فهنيئا لهؤلاء الذين نحسبهم شهداء مكانتهم عند الله، ومكانتهم بين الناس، وهنيئا لهذه الدماء الزكية التي سالت دون الكرامة والحرية والشرف، ونؤكد أن هذه الدماء لن تذهب هدرًا؛ فقد دخلت التاريخ من أوسع أبوابه، ولن تزال تعمل عملها في هذا الشعب الأبي، وفي غيره من شعوب العالم، ونحمِّل إثمَ هذه الدماء التي أريقت كلَّ مَنْ شارك فيها أو حرض عليها، أو رضي بها....

ثانيا: ينظر العالم كله بكل إعجابٍ وتقدير إلى سلمية هذه الحركة ـ بكل فصائلها وتنوعها ـ التي لم ترفع سلاحا، ولم تقصد إلى تخريب شيء، بل انطلقت طَوْعية سلمية مُحدِّدة أهدافها التي قامت من أجلها، راسمة طريقها التي أرادت، وندعو إلى عدم الخروج عن هذه السلمية مهما كانت الأحوال، فإن حفظ المجتمعات والعمل على أمنها من المقاصد العليا للإسلام.

ثالثا: نناشد شعب تونس الخضراء أن يقف بكل حزم في وجه كل من تسول له نفسه العمل على زعزعة أمن بلادهم ونشر الفتنة بينهم، فإن هناك من يتربص بهذه الحركة الدوائر، ومن يريد أن يفسد طبيعتها، ويحطم نتائجها، ويسرق إنجازاتها عبر إشاعة الفتنة وسرقة الأموال العامة وتخريب المجتمع؛ ليكون ذلك ذريعة لرفضها والانقضاض عليها محليا وإقليميا وعالميا.

رابعا: نحيي الجيش التونسي الذي دلَّل على وطنيتهِ الأصيلة حين اتخذ موقفًا شريفًا، مُحتَرِمًا الإرادة الشعبية، مُقَدِّرًا حَقَّها في قول كلمتها وتوصيل رسالتها وتقرير مصيرها.. حافِظًا في كُلِّ ذلك الجبهة الداخلية موَفِّرًا لها أسباب التماسك والثبات في وجه التحديات...

خامسًا: تنثمِّن المواقف الرسمية والشعبية، وبخاصة على مستوى العالم العربي التي أيدت خيار الشعب التونسي، وتعاطفت مع مطالبه، وتشيد بالمواقف والمشاعر الصادقة للشعوب العربية التي أظهرت أصالة هذه الشعوب ونقاء معدنها، وإحساسها الصادق بالحق، ووقوفها ضد الظلم والقهر والاستبداد، وهذه مواقف ومشاعر نأمل أن يكون لها ما بعدها من الدعم والمساندة والمعاضدة.

سادسًا: نؤكد لشعوبنا العربية والإسلامية عامة، وللشعب التونسي خاصة، أن القوى الخارجية لا تتحرك إلا وفق مصالحها، وتكيل بأكثر من كيل بما يحفظ وجودها في مجتمعات الشرق، وهذا يقتضي الحذر منها والبعد عنها في تقرير مصير الشعوب، بل يجب أن تكون الكلمة الأولى والقرار الأول للشعوب نفسها، ولا تركن إلى هؤلاء بأي حال..

سابعًا: نناشد التونسيين الذين يعيشون خارج تونس أن يعودوا فورًا إلى بلادهم للمشاركة الفعلية في بناء تونس الخضراء، ويضعوا أيديهم في أيدي الشرفاء من أبناء هذه الثورة لبناء البلد من جديد، بعد أن تم تجفيفها وتجريفها، فتونس في حاجة إلى بناء حضاري وبناء اقتصادي وبناء روحي وبناء سياسي وبناء علمي، بناء شامل يعيد إلى العالم صورة تونس الزيتونة، تونس العلماء والمصلحين والثوار الأحرار من أبناء هذا الشعب العربي المسلم.

ثامنًا: ونناشد شعب تونس الأبي ألا يسمح ببقايا الظلم والفساد في حزب ونظام بن على أن يسرقوا ثورتهم، ويخدعوهم بوعود كاذبة، بعد أن كانوا أدوات القهر والفساد، وقد ذم الله فرعون وجنوده معا، في قوله تعالى: "إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ". القصص: 8.، وسئل أحد العلماء من رجل: إني أخيط أثوابا للظلمة، فهل أنا من أعوان الظلمة؟ فقال الشيخ : لا، لست من أعوان الظلمة، بل أنت من الظلمة أنفسهم.

تاسعًا: ونلفت نَظَرَ كل زعيم ظالم وطاغية مستبد بمصير شعبه: أن يأخذ العبرة والعظة مما حدث في تونس قبل فوات الأوان، وندعو كلَّ حكام البلاد العربية والإسلامية أن يُراجعوا أنفسهم؛ فيرجعون إلى شعوبهم، ويحاورونهم، ويمدون أيديهم إليهم؛ بناءً للأوطان وصيانةً لهوية الأمة وصناعةً لمستقبلها وحمايةً لها مِمّا يتربّص بها... فلن يجدوا أفضل من شعوبهم بعد الله نصيرا ومعينا، ولن يحميهم أحد سوى شعوبهم، كما لن يحميهم أحد من شعوبهم، ونذكرهم بقول الله تعالى: "وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً". سورة طه: 111. وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة". رواه مسلم.

وختامًا نهيب بالشعب التونسي الأصيل أن يحافظ على مكتسبات هذه الحركة المباركة، وأن يدرك أنه يمر بظرف دقيق واختبار عسير يجب أن يتمخض عما فيه صلاح البلاد والعباد، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

ليست هناك تعليقات: