الاثنين، 20 يوليو، 2009

الإسراء والمعراج ـ حوار


الإسراء والمعراج .. إن بعد العسر يسراً

(حوار لموقع وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت)ـ



تكمن أهمية رحلة الإسراء والمعراج كونها مرحلة فارقة في تاريخ الدعوة الإسلامية، فرضت فيها أهم فريضة من فرائض الإسلام ألا وهي الصلاة، ظهر من خلالها التصديق والتكذيب للدعوة الإسلامية، وكذلك إمامة الأمة الإسلامية للأمم الأخرى وريادتها من إمامة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) للأنبياء في المسجد الأقصى، وارتباط المسجد الأقصى بعقيدة المسلمين، وغيرها الكثير والكثير من العلامات والدلالات..

يسعدنا أن يكون معنا في هذا اللقاء الباحث الشرعي بالمركز العالمي للوسطية بدولة الكويت الأستاذ وصفي عاشور أبو زيد ؛لنقف معه عدة وقفات حول رحلة الإسراء والمعراج ...ـ



1. بداية .. لنا أن نقول إن الإسراء والمعراج هدية الله تعالى لنبيه محمد – صلى الله عليه وسلم – وأمته مقابل الصبر أمام الفتن والإيذاء. فكيف ذلك ؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،،
فإن رحلة الإسراء والمعراج ـ على ما في تحديد زمنها من خلاف ـ تمثل ثمرة جهاد طويل وصبر جميل، كما تتجسد فيه قمة معاني الرعاية الربانية، والعناية الإلهية.
ذلك، أن العناية الربانية لا تأتي من فراغ، وإنما ينبغي أن يقوم من أرادها ـ وكلنا يريدها ـ بواجبين:
الأول: واجب تربوي، وهو مع النفس حيث علاقة المسلم بربه، وعنايته بنفسه؛ علاجا لأمراضها تخلية وتحلية ثم تجلية.
والثاني: واجب دعوي، وهو القيام بدعوة الناس إلى ما علمه من علم وخير، ويحاول القيام بواجب البلاغ على طريقة: "بلغوا عني ولو آية"، ويأخذ كل الوسائل والسبل المتاحة لتبليغ كلمة الله تعالى.
ولقد قام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالواجبين خير قيام، وفي الواجب الدعوي ظل يدعو ويبلغ حتى ضاقت عليه أخلاق أهل مكة، فخرج ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الطائف حتى ألجئ إلى حائط ابني ربيعة ودعا دعاءه الشهير.
وهنا تتدخل العناية الربانية ثمرة وجائزة له ـ صلى الله عليه وسلم ـ على القيام بما أمر به، وتبليغ ما كلف به، وعلى أنه لم يترك سببا ولا سبيلا إلا سلكه لتبليغ دعوة الله تعالى.
وفي هذا درس للدعاة والعاملين للإسلام في هذا العصر، وفي كل عصر، وهو أنهم إن قاموا بالواجب التربوي نحو أنفسهم، وبالواجب الدعوي نحو مجتمعاتهم، فلابد أن تتنزل عليهم العناية الربانية، وهذا موجود في قصص القرآن وبخاصة قصص الأنبياء صلوات الله عليهم.

2. جاءت حدوده رحلة الإسراء والمعراج الجغرافية بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى والسماوات العلى .. فماذا يعني ذلك لنا كمسلمين ؟
إن البدء من المسجد يعني لنا كمسلمين الكثير والكثير، من ذلك:
1ـ أن المسجد له من البركة والقدسية والطهارة ما يجعل المسلم يبدأ أعماله منه، فالمسجد منطلقه، والمسجد منتهاه، وهكذا كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا بدأ معركة أو بدأ سفرا أو عاد من سفر كان منطلقه من المسجد.
2ـ أن المسجد الأقصى قيمته عظيمة في نفوس المسلمين، ويكفي أن الله تعالى قرن ذكره بالمسجد الحرام الذي يصلي إليه المسلمون كل يوم خمس مرات، فكان من الممكن أن يصعد الله بنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من المسجد الحرام إلى الملأ الأعلى، وإنما كانت الرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ليؤكد مكانة هذا المسجد عند الأمة، وليشير إلى أن من فرط في المسجد الأقصى يوشك أن يفرط في المسجد الحرام.
3ـ ومن ذلك أيضا ما ذكره العلامة محمد الطاهر بن عاشور في تفسيره، قال: وفائدة ذكر مبدأ الإسراء ونهايته بقوله: {مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الإسراء: 1] أمران:
أحدهما: التنصيص على قطع المسافة العظيمة في جزء ليلة، لأن كلا من الظرف وهو {لَيلاً} ومن المجرورين {مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الإسراء:1] قد تعلق بفعل {أسرى} ، فهو تعلق يقتضي المقارنة، ليعلم أنه من قبيل المعجزات.
4ـ وثانيهما: الإيماء إلى أن الله تعالى يجعل هذا الإسراء رمزا إلى أن الإسلام جمع ما جاءت به شرائع التوحيد والحنيفية من عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام الصادر من المسجد الحرام إلى ما تفرع عنه من الشرائع التي كان مقرها بيت المقدس ثم إلى خاتمتها التي ظهرت من مكة أيضا، فقد قدرت الحنيفية من المسجد الحرام وتفرعت في المسجد الأقصى. ثم عادت إلى المسجد الحرام كما عاد الإسراء إلى مكة لأن كل سرى يعقبه تأويب. وبذلك حصل رد العجز على الصدر.

3. إذن ماذا ترون من وجهة نظركم تجاه المقدسات الإسلامية المسلوبة ، وواجبنا نحوها ،على كل المستويات: الفردية والأسرية والرسمية ؟ .
لا يخفى على كل مسلم في كل مكان ما يجري من مكائد ومخططات خطيرة تستهدف المسجد الأقصى، وتستهدف الوجود الفلسطيني في تلك البقعة المباركة التي بارك الله حولها، وتتلخص واجباتنا نحو هذه القضية في عدة أمور:
أولا: أن نعرف الناس بالقضية، ونكشف لهم عن أهمية القضية، وخطورة ما يقوم به الصهاينة هناك، مستعرضين تاريخها ومستعينين بما كتب فيها من أمثال كتابات الشيخ القرضاوي والشيخ جمال عبد الهادي، وغيرهما ممن تحدث في القضية.
ثانيا: إحياء روح الجهاد في نفوس الأمة، عبر بيان أهمية الجهاد وضرورته، وأنه لن تعاد لنا مقدساتنا عبر المفاوضات وخيار السلام الأوحد المزعوم، وتهيئتهم لذلك اليوم الذي وعد فيه النبي صلى الله عليه وسلم بقتال اليهود، فقال فيما رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة: " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود. فيقتلهم المسلمون. حتى يختبئ اليهود من وراء الحجر والشجر. فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم! يا عبدالله! هذا يهودي خلفي. فتعال فاقتله. إلا الغرقد. فإنه من شجر اليهود".
ولن يكون مثمرا أن يقوم الأفراد بدورهم ثم لا تقوم الأسر والمجتمعات والمؤسسات الرسمية، أو يقوم هذا كله بدوره ثم تقف المؤسسات والحكومات ـ كما نشاهده اليوم ـ عقبة كأداء أمام نجدة المقدسات والمسلمين هناك، بل يجب أن يكون الجميع متعاونا، وقد قال الشاعر:
متى يبلغ البنيان يوما تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
وأود أن أشير إلى أمر آخر، وهو أن حرمة المسلم وصيانة دمائه أعظم عند الله من المسجد الأقصى بل المسجد الحرام، وما يتعرض له المسلمون في فلسطين من حصار وإغلاق للمعابر وعدم إغاثتهم ونجدتهم بل بالتصدي لمن يقومون بالنجدة ومن يطالبون برفع الحصار ـ لهو من العار الذي سيسجله التاريخ على من يقوم به، وإنه لأعظم إثما عند الله، وأكبر سخطا عند الناس أن نفرط في نجدة إخواننا، أو أن نشارك في التآمر عليهم والمكر بهم بل الشماتة فيهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

4. بين التصديق والتكذيب.. ماذا تمثل رحلة الإسراء والمعراج لنا كمسلمين كجزء مهم من جوانب العقيدة ؟
كلنا يعلم موقف المشركين من خبر الإسراء؛ حيث كذبوا تكذيبا مطلقا، وأنكروا أن يكون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قطع ما بين مكة والشام في دقائق، وهم يقطعونها في شهر ذهابا وشهر إيابا، وذلك توجهوا إلى أبي بكر ـ رضى الله عنه ـ فقالوا: يا أبا بكر هل لك في صاحبك يخبر أنه أتى في ليلته هذه مسيرة شهر ثم رجع في ليلته، فقال أبو بكر: إن كان قاله فقد صدق وإنا لنصدقه فيما هو أبعد من هذا، نصدقه على خبر السماء.
ولهذا سمي أبو بكر بالصديق، وهو الذي قال فيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم: " ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له عنه كَبْوَة، وتردد ونظر إلا أبا بكر ما عَتّم عنه حين ذكرته له، وما تردد فيه".
وفي هذا ما يجعل المسلم أكثر يقينا وأعظم إيمانا بما صح مجيئه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما".

5. وأخيراً .. كيف ترون إمامة النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – للأنبياء من قبله في بيت المقدس ؟
إمامة النبي للأنبياء في بيت المقدس لها دلالات متنوعة:
أولا: ما سبق قوله من أن الرسالة المحمدية جمعت كل الرسالات.
ثانيا: أن محمد بن عبد الله هو خير الأنبياء وإمامهم وسيدهم؛ ولذلك فهو وأمته الشهداء يوم القيامة على أن الرسل جميعا بلغوا.
ثالثا: أن الرسالة الإسلامية هي الرسالة الخاتمة والشاملة والخاتمة، التي امتدت طولا حتى شملت أماد الزمن، وامتدت عرضاً حتى انتظمت آفاق الأمم، و امتدت عمقاً حتى استوعبت شؤون الدنيا و الآخرة.
حادث الإسراء والمعراج فيه من الفوائد والدروس والعبر والدلالات ما يمكن أن نحيي به الأمة، فأهيب بإخواني الدعاة والخطباء أن يستثمروا هذا الحدث استثمارا أمثل، يعود بالخير على الفرد والمجتمع والأمة، وهكذا كل مناسباتنا التي نحياها على مدار العام.



وفي الختام نشكر باسمكم الباحث الشرعي بالمركز العالمي للوسطية بدولة الكويت الأستاذ وصفي عاشور أبو زيد ؛على هذه الوقفات حول رحلة الإسراء والمعراج ، ونسأل الله القدير أن يرزقنا صلاةً في المسجد الأقصى، وأن يستخدمنا لدعوته حتى يرده إلى حظيرة الإسلام وأن يطهره من دنس اليهود الغاصبين ، وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الكرام وسلم تسليماً كثيراً .