الأربعاء، 24 يونيو، 2009

نحو تأصيل فقهي للأقلّيات المسلمـــة بالمجتمعات الغربيــــة


سلسلة الأمة الوسط (9)
نحو تأصيل فقهي للأقلّيات المسلمـــة بالمجتمعات الغربيــــة


وصفي عاشور أبو زيد
wasfy75@hotmail.com

عن فقه الأقليات المسلمة في المجتمعات الغربية يتحدث الدكتور عبد المجيد النجار الفقيه والمفكر المعروف في الكتاب التاسع من كتاب الأمة الوسط الذي يصدره المركز العالمي للوسطية بدولة الكويت.
افتتح الدكتور عبد المجيد النجار كتابه بعرض فكرة شمولية الإسلام وأن أحكامه تناولت بالبيان شؤون الإنسان في كلّ مناحي الحياة، وأن الناظر في عموم تعاليم الدين، وفي مبانيه الكلّية ومقاصده العامّه يجد أنّه دين جاء لبناء المجتمع الإنساني وتدبير شؤونه كغاية عليا لكلّ تدبير جاء يتعلّق بشؤون الفرد أو الفئة القليلة من الأفراد، وهو المغزى الذي انفرد به الإسلام من بين سائر الأديان.
ويدلف إلى موضوعه قائلا: إن المسلمين اليوم يعيش شطر كبير منهم ـ لعلّه يناهز ثلث عددهم أو يزيد ـ في حال أقلّية تخضع في حياتها الجماعية لسلطان غير سلطان الدين الإسلامي، وتنفّذ فيها إرادة قانونية هي إرادة أكثرية غير مسلمة، وتلك إحدى إفرازات العالم المتغيّر المتسارع التغيّر، الذي تقاربت أطرافه، وتداخلت شعوبه وأممه، وتمازجت ثقافاته وحضاراته، ولعلّ المشهد الأوروبي في هذا الشأن يمثّل إحدى النماذج الأبرز للأقلّيات المسلمة.

الأقليات وفقه الأقليات
ويقرر الدكتور النجار أنه من المهم أن نحدد المفاهيم ونضبط المصطلحات، ومنها ما نحن بصدده وهو فقه الأقليات، فحينما يُطلق مصطلح الأقلّيات فإنّه يُراد به في الغالب المجموعات البشرية التي تعيش في مجتمع تكون فيه أقلّية من حيث العدد، وتكون مختصّة من بين سائر أفراد المجتمع الآخرين ببعض الخصوصيات الجامعة بينها، كأن تكون أقلّية عرقية، أو أقلّية ثقافية، أو أقلّية لغوية، أو أقلّية دينية، وإذن فإنّ هذا المصطلح يشير إلى عنصرين في تحقّق وصف الأقلّية هما: القلّة العددية لمجموعة ما تعيش في مجتمع أوسع، والتميّز دون سائر ذلك المجتمع بخصوصيات أصلية في الثقافة أو في العرق.
ويؤكد النجار أن عمر هذا المصطلح لا يتجاوز بضعة عقود، ولا يتجاوز شيوعه في الاستعمال عقدا أو عقدين. ولعلّ منشأه كان مرتبطاً بالجالية الإسلامية بالبلاد الغربية، إذ لمّا تكاثرت هذه الجالية بأوروبا وأمريكا، وبدأت حياتها تنتشر وعلاقاتها تتشعّب، وبدأت تشعر بكيانها الجماعي ذي الخصوصية الدينية في مهجرها الذي يعيش فيه مجتمع غير إسلامي، وتسود فيه ثقافة وقوانين غير إسلامية، فأصبحت هناك ضرورة لفرع فقهي جديد يختصّ في معالجة حياة هذه الأقلّية أُطلق عليه مصطلح فقه الأقلّيات، الذي لا يعتبر منعزلا عن الفقه العام، لكنه يعمد إلى اجتهادات كانت مرجوحة، أو غير مشهورة، أو متروكة لسبب أو آخر من أسباب الترك، فيستدعيها، وينشّطها ويحييها، لما يُرى فيها من مناسبة لبعض أوضاع الأقلّية المسلمة تتحقّق بها المصلحة، كما يعمد هذا الفقه إلى استعمال القواعد الفقهية والمبادئ الأصولية، ويوجّهها توجيهاً أوسع في سبيل غايات هذا الفقه، وربّما استروح من مقاصد الشريعة ما يستنبط به قواعد اجتهادية لم تكن معهودة في الفقه الموروث، فيدخلها في دائرة الاستخدام الاجتهادي في هذا الفقه، أو يعمد إلى قواعد كانت معلومة ولكنّ استعمالها ظلّ محدوداً جدّاً، فينشّط العمل بها في استخدام واسع تقتضيه طبيعة أوضاع الأقلّيات المسلمة، ليتحصّل من ذلك كلّه فقه للأقلّيات ينبني على الفقه الإسلامي المأثور، ويتّجه بخصوصية في هذا الشأن، يضيف بها فقهاً جديداً يكون كفيلاً بمعالجة هذا الوضع الجديد.

فقه الأقليات في التراث الفقهي
ومن الأهمية بمكان في إطار الحديث عن تأصيل فقه الأقليات أن يتم الحديث عن فقه الأقليات وجذوره في تراثنا الفقهي، وقد أكد الدكتور النجار أن الفقه الإسلامي في نشأته انبنى أصلا على معالجة الحياة الواقعية للمسلمين، فجاء فيما عالجه يعكس إلى حدّ كبير واقع الحياة الإسلامية فيما يطرأ عليها من الأطوار، وما تنقلب فيه من الأحوال، فيصوغ لكلّ تلك الأطوار والأحوال أحكاماً شرعية من صريح النصّ أو من أصول الاجتهاد يقوم ذلك كله على سلطان الدين الذي به تنتظم حركة العلاقات الاجتماعية كلّها من تلقاء الأفراد والفئات فيما بينهم، ومن تلقاء الدولة التي تسوس الأمّة سياسة شرعية.
ولم يعرف ذلك الوجود جماعات واسعة من المسلمين تعيش في مجتمعات غير إسلامية يخضعون بها في علاقاتهم الاجتماعية العامّة لسلطان غير سلطان دينهم إلا في حالات معدودة، ولم تكن كما هو واقعنا اليوم، وبسبب هذه المحدودية غير الملفتة للانتباه في ظاهرة الوجود الإسلامي الذي لا يخضع لسلطان الدين، فإنّ الاجتهاد الفقهي الذي كان يتصدّى لحلّ مستجدّات الواقع بأحكام الشريعة لم يتناول بشكل عميق موسّع هذه الحال من أحوال الوجود الإسلامي بما هي ظاهرة غير ذات شأن بيّن في واقع المسلمين.
وفي لفتة تاريخية مهمة يشير النجار إلى أنه ربّما طرأت في بعض مراحل التاريخ الإسلامي ظروف أصبحت فيها حال المسلمين الخاضعين لسلطان غير سلطان دينهم ظاهرة ذات شأن واقعي، وذلك مثل ما حصل للمسلمين عند سقوط الأندلس، ومثل ما كان من أمر المسلمين ببعض البلاد الآسوية والإفريقية حينما تزايدت أعدادهم وتوسّعت جماعاتهم مع بقائهم أقلّيات مسلمة في مجتمعات غير إسلامية تساس بسلطان غير سلطان الإسلام، ولكنّ هذه المراحل التاريخية التي أفرزت هذا الواقع الجديد للأقلّيات المسلمة وافت بالنسبة لمراحل تاريخ الفكر الفقهي مرحلة الضعف الاجتهادي والأيلولة إلى التقليد والجمود، فلم يكن هذا الفكر قادرا على أن يتناول هذه الظاهرة الجديدة بمعالجة فقهية أصلية شاملة، وظلّ في نطاق التقليد والجمود يردّد المعالجات الجزئية الاجتهادية القديمة في طابعها الجزئي، أو يضيف إليها إضافات من الفتاوى ذات الطابع الجزئيّ أيضا.
وقد أسفر هذا الوضع المتعلّق بوجود الأقلّيات المسلمة في طوريه مع اختلاف الأسباب بينهما عن أنّ المدوّنة الفقهيّة الإسلامية لم يكن لفقه الأقلّيات فيها بيان ثريّ يتناول في شمول أحكام العلاقات الاجتماعية للمسلمين، وتصرّفاتهم الاقتصادية، وسائر أحوال شؤونهم العامّة فيما له صلة بالمجتمع غير المسلم الذي يعيشون فيه، وبالتالي نال أصول الفقه مثلما نال المجال الفقهي سواء بسواء.

التأصيل لفقه الأقليات.
ويقرر النجار أن من أهمّ ما يدعونا إليه كل ما سبق أن يؤخذ بالمعالجة الشرعية وفق منهج علمي هو منهج التأصيل الذي تُبنى فيه الأحكام والفتاوى لهذا الوجود الإسلامي كي يثمر ثماره الخيّرة على أصول وقواعد من أصول الاجتهاد وقواعده، وقد اهتمّ الفقه الإسلامي المعاصر بوضع الأقلّيات الإسلامية في أوروبا منذ بعض الزمن، واتّجه إليه بالمعالجة الشرعية التي أثمرت فقها من الفتاوى والأحكام ظلّ يثرى يوما بعد يوم، وتوّج ذلك الاهتمام بنشوء مجمع علميّ خاصّ بهذا الشأن هو المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، ولكنّ هذا الاهتمام المتزايد بشأن الوجود الإسلامي بأوروبا ظلّ يفتقر إلى حلقة التأصيل الفقهي متمثّلاً في تقعيد أصولي فقهي لفقه الأقلّيات مختصّ به، ومبنيّ على مراعاة خصوصية الوضع الذي يعيشه المسلمون بالبلاد الأوروبية من جهاته المختلفة.
وليس هذا التأصيل الفقهي لفقه الأقلّيات بدعاً مستأنفاً مقطوع الصلة بالمنهج العامّ لأصول الفقه الذي يوجّه النظر الفقهي، وإنّما هو ليس إلاّ فرعا من فروع ذلك المنهج أو قسما من أقسامه وبابا من أبوابه يشترك مع ذلك المنهج العامّ فيما هو مشترك بين حياة المسلمين مطلقا عن الظروف والأحوال، ولكن توجّه فيه عناية النظر التأصيلي إلى خصوصية وضع الأقلّيات المسلمة بأوروبا من حيث واقعه الخاضع فيه لسلطان القانون الوضعي، ومن حيث ما ينطوي عليه من أبعاد دعوية وآمال مستقبلية تحقيقا للتعارف الحضاري نفعا وانتفاعا بما لم يتحقّق من قبل على الوجه المأمول.
ومن هنا كانت الحاجة ماسة إلى مبادئ وأصول من المقاصد العامّة للدين مصاغة باعتبارات وضع الأقلّيات المسلمة بحسب ما يقتضيه ذلك الوضع من مقتضيات تتحقّق بها مقاصد الدين فيه، وهو ما تكون به أصولا ذات طابع كلّي شمولي تهدف إلى أن تنتج فقهاً لا يجعل من المعالجات الشرعية الجزئيّة لآحاد المشاكل ونوازل الأفراد هدفا نهائيّا له، وإنّما يجعلها طريقا لهدف أعلى منها، وهو هدف نشر الدعوة الدينية في الربوع الأوروبية لينبسط بها الدين الحنيف فيها فينقذ المسلمين فيها من الضياع، ويشهد على غير المسلمين بالتبليغ.
ولعلّ من أهمّ تلك الأصول التي تتأسّس عليها هذه المعاني: الأول: حفظ الحياة الدينية للأقلّية المسلمة، والثاني: مراعاة خصوصية أوضاع الأقلّيات، ومن أهمّ تلك الخصوصيات التي ينبغي اعتبارها في هذا التأصيل: خصوصية الضعف، وخصوصية الإلزام القانوني، وخصوصية الضغط الثقافي، وخصوصية التبليغ الحضاري.
والأصل الثالث: التطلّع إلى تبليغ الإسلام، والرابع: التأصيل لفقه حضاري، والخامس: التأصيل لفقه جماعي.
هذه خمسة أصول وموجهات من الأهمية بمكان مراعاتها عند التأصيل لهذا الفقه، فالموجّه الأوّل ـ كما يقول النجار ـ يؤسّس لما به حفظ الدين في حياة الأقلّيات في مناخ يغري بانحلاله. والموجّه الثاني يؤسّس للانطلاق من الفقه الواقعي فيكون الاجتهاد مبنيا على علم بالموضوع المبتغى علاجه. والموجّه الثالث ينتج فقها دعويا ينتقل بحفظ التديّن في حياة المسلمين إلى بسط الدين لينبسط بدائرته إلى غير المسلمين فيقفوا على حقيقته، والموجّه الرابع يثمر قواعد أصولية ينشأ منها فقه حضاري يقدّم من حياة المسلمين أنموذجا حيّا للإسلام الحضاري الشامل في الممارسة الفردية والاجتماعية والكونية يكافئ الأنموذج الحضاري الغالب اليوم. والموجّه الخامس يثمر قواعد ينشأ منها فقه جماعي ينشد فلاح الجماعة الإسلامية والإنسانية من خلال فلاح الفرد بما يشرّع من الإدارة الجماعية ومن التكافل الاجتماعي، كما ينشد الخلاص الجماعي لنوع الإنسان من خلال الخلاص الفردي، فكيف يمكن لهذه الموجّهات المبدئيّة العامّة أن تؤسّس قواعد أصولية تتضمّن من المواصفات المنهجية ما تثمر به فقها يمكّن من التعريف بالدين في البلاد الأوروبية؟.

القواعد الأصولية لفقه الأقليات
ويجيب النجار على هذا التساؤل ابتداء بأن ما نطرحه من فكرة التأسيس لقواعد أصولية لفقه الأقلّيات إنّما نعني به أوّل ما نعني أن يقع الاتّجاه البحثي إلى تلك القواعد الأصولية التي من شأنها أن تفيد إفادة كبيرة في فقه الأقلّيات، فتؤخذ بعناية دراسية خاصّة، واهتمام بحثي مستقلّ، وتعالج بالنظر المنهجي وفق الموجّهات الأصولية الأربعة التي شرحناها آنفا، لينشأ من ذلك فرع متميّز من علم الأصول، أو باب مستقلّ من أبوابه، لئن كان يشترك في الأسس العامّة مع سائر فروع هذا العلم وأبوابه فأنّه يختصّ بخصوصية التوجّه لخدمة فقه الأقلّيات وتطويره وإنضاجه ليبلغ هدفه المرتجى منه.
ويضرب النجار نماذج من قواعد فقه الأقلّيات فيذكر منها: قاعدة مآلات الأفعال، وقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، وقواعد الموازنة بين المصالح والمفاسد، وقاعدة يجوز فيما لا يمكن تغييره ما لا يجوز فيما يمكن تغييره، ثم يقول: مثل هذه المبادئ والقواعد الأصولية، ما يكون منها مأخوذاً بصيغته من مدوّنة أصول الفقه، وما تستروح له صياغة جديدة من معان ومقاصد وأسرار مبثوثة في تلك المدوّنة، إذا ما عولجت بمعالجة علمية جادّة، توجّهها المبادئ المنهجية المقصدية آنفة البيان، فإنّها يمكن أن تتألّف منها منظومة متكاملة ذات غاية مشتركة تلتقي فيها جميعا عند هدف التأسيس لمنهج أصولي متميّز ومتخصّص يكون منهجا علميا شرعيا يعتمده النظر الفقهي في شأن الأقلّيات المسلمة، لينشأ منه فقه يعالج ذلك الشأن معالجة تبلغ به الآمال المعلّقة عليه تعريفا بالإسلام في الديار الغربية فيما يشبه دورة جديدة للتعارف الحضاري بين الإسلام والغرب، ولكنّها دورة تتأسّس على أسس علميّة، هي هذه القواعد الأصولية المنهجية التي تؤسّس لفقه الأقلّيات، وهي في الحقيقة تؤسّس لتبليغ الإسلام بالدعوة الحضارية السلمية.
وفي النهاية يحذر النجار أننا لو تركنا الأمر يجري على غير تأصيل علمي، ويقتصر على الأحكام الشرعية الجزئيّة والفتاوى العارضة التي تستنبط من القواعد الأصولية العامّة في غير توجيه خاصّ، لكان قاصرا دون تحقيق هذا الهدف الأسمى، بل لأدّى الأمر مع اتّساع الوجود الإسلامي بالغرب إلى مضاعفات قد تنفلت بها مظاهر من هذا الوجود إلى ما هو مخالف لمقاصد الدين ومناقض لمصلحة الإسلام والمسلمين.

ليست هناك تعليقات: