الأربعاء، 24 يونيو، 2009

التعددية الفكرية والحوار في المجتمع المسلم


سلسلة الأمة الوسط (15)
التعددية الفكرية والحوار في المجتمع المسلم


وصفي عاشور أبو زيد
Wasfy75@hotmail.com


دعا الإسلام أتباعه إلى الحوار بالحسنى، ومجادلة الآخرين بالأدب، فقال الله تعالى: "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " سورة النحل: 125) وقال الله عز وجل: "وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " ( سورة العنكبوت: 46) .
حول هذا الموضوع يصدر الكتاب الخامس عشر من سلسلة الأمة الوسط التي يصدرها المركز العالمي للوسطية بالكويت ، بعنوان: "التعددية الفكرية والحوار في المجتمع المسلم" لصاحبه الدكتور محمد عبد الغفار الشريف.

الخلاف سنة ربانية
ويعتبر الخلاف ـ كما يذكر المؤلف ـ سنة ربانية أوجدها الله تعالى مع الخلق يقول تعالى: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ( سورة هود: 188).
قال الشاطبي -رحمه الله-: فأخبر سبحانه أنهم لا يزالون مختلفين أبدا، مع أنه قد خلقهم للاختلاف، وهو قول جماعة من المفسرين، فالضمير في (خلقهم) عائد على الناس، فلا يمكن أن يقع منهم إلا ما سبق في العلم، وليس المراد هنا الاختلاف في الصور والألوان والأشكال فقط، إنما المراد الاختلاف في الآراء والنحل والأديان والمعتقدات المتعلقة بما يسعد الإنسان به أو يشقى في الدنيا والآخرة.

منهج الحوار في الإسلام

أولا: الانطلاق من القضايا المشتركة
ويقرر الدكتور الشريف أن الإسلام حاول بشتى الوسائل الانطلاق في حواره مع الآخر من أرضية مشتركة يتفقان عليها، يقول تعالى: " قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ " (سورة آل عمران: 64).
وهو ما أكده الأستاذ الإمام محمد عبده -رحمه الله- حين قال: "المعنى أننا نحن وإياكم على اعتقاد أن العالم من صنع إله واحد، والتصرف فيه واحد، وهو خالقه ومدبره، وهو الذي يعرّفنا على ألسنة أنبيائه ما يرضيه من العمل وما لا يرضيه؛ فتعالوا بنا نتفق على إقامة هذه الأصول المتفق عليها ورفض الشبهات التي تعرض لها، حتى إذا سلّمنا أن فيما جاءكم من نبأ المسيح شيئا فيه لفظ ابن الله خرّجناه جميعا على وجه لا ينقض الأصل الثابت العام الذي اتفق عليه الأنبياء، فإن سلّمنا أن المسيح قال إنه ابن الله، قلنا: هل فسر هذا القول بأنه إله يُعبد؟ وهل دعا إلى عبادته وعبادة أمه أم كان يدعو إلى عبادة الله وحده؟ لا شك أنكم متفقون معنا على أنه كان يدعو إلى عبادة الله وحده والإخلاص له بالتصريح الذي لا يقبل التأول".
ولم ينهج هذا النهج مع أهل الكتاب فقط، بل مع كل الأديان السماوية وغيرها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
وقال أيضا (صلى الله عليه وسلم): "شهدت حلف المطيّبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أحب أني لي حمر النعم وأني أنكثه". قال المناوي رحمه الله: "أي ما يسرني أن يكون لي الإبل الحمر، وهي أعز أموال العرب وأكرمها وأعظمها والحال أني انقضه، وأصل ذلك: اجتمع بنو هاشم وزهرة وتيم في در ابن جدعان في الجاهلية، وجعلوا طيبا في جفنة وغمسوا أيديهم فيه، وتحالفوا على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم فسموا المطيبين".

ثانيا: تجنب استثارة مشاعر العداء
ومن المعالم المنهجية للحوار في الإسلام أن نتجنب استفزاز الآخرين، واستشارة مشاعر العداء فيهم، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "لا يقولن أحدكم إني خير من يونس". وجاء في حديث آخر للبخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "بينما يهودي يعرض سلعته، أعطي بها شيئا كرهه، فقال: لا، والذي اصطفى موسى على البشر، فسمعه رجل من الأنصار، فقام فلطم وجهه وقال: تقول والذي اصطفى موسى على البشر والنبي (صلى الله عليه وسلم) بين أظهرنا؟ فذهب إليه، فقال: أبا القاسم، إن لي ذمة وعهدا فما بال فلان لطم وجهي؟ فقال: لم لطمت وجهه؟ فذكره، فغضب النبي (صلى الله عليه وسلم) حتى رئي في وجهه، ثم قال: لا تفضلوا بين أولياء الله؛ فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من بعث، فإذا موسى آخذ بالعرش، فلا أدري أحوسب بصقعة يوم الطور، أم بعث قبلي، ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متى".
وإنما نهى النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ذلك:
• ليعلّم أمته الأدب والتواضع، وحسن التعامل مع الناس، وإن تعلق التخاصم بأمر من أمور العقيدة.
• لأن مثل هذا التفضيل يؤدي إلى الجور، وانتقاص الآخرين قدرهم، وقد يكون فيهم أصحاب فضل ودرجة، مثل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
• لما في التفضيل والمقارنة من استثارة الآخرين، وإثارة عصبيتهم، وفي ذلك ما فيه من إثارة الفتن.
بل نرى الإسلام لا يرتضي لأتباعه أن يتعدّوا بالسب على آلهة المشركين، يقول الله تعالى: " وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ " (سورة الأنعام: 108). فقد نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة المؤمنين عن سب أوثان المشركين؛ لأن ذلك يؤدي إلى استثارة عصبيتهم؛ فيسبوا الله بغير علم، وينفروا من دعاة التوحيد.

ثالثا: الحوار العقلي والعلمي
والمعلم الثالث لمنهج الحوار في الإسلام كما يبينها الدكتور محمد عبد الغفار الشريف هو الحوار العلمي، يقول الله تعالى: " ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " ( سورة النحل: 25) .
ولمّا دعا القرآن الكريم الناس إلى التوحيد لجأ في دعوته إلى الحجج العقلية والدلائل العلمية، يقول تعالى: "أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ] ( سورة الأنبياء: 21- 22) .
فالله تعالى جمع في الآية السابقة بين البرهان العقلي المتفق عليه والبرهان العلمي المشاهد، فهو يخاطب المشركين بما يلي:
• هل يستطيع إلهكم إحياء الموتى؟ وهو استفهام إنكاري مبني على معلومات ضرورية.
• انظروا إلى الكون هل ترون فيه اختلافا أو فسادا في نظامه؟ وهو لفت لأنظارهم للتفكر في ملكوت الأرض. ألا يدلكم ذلك على وحدانية الله تعالى؟
ويؤكد الشريف أن القرآن الكريم أكثر من دعوة أتباعه للاستفادة من كتاب الكون المنظور، كما يستفيدون من كتاب الله المسطور، بل دعاهم إلى الاستفادة من الدروس التاريخية للاعتبار بعاقبة الظلمة والمتكبرين، وضرب لهم أمثلة عملية من أصحاب السلطة كفرعون والنمرود وغيرهما، ومن أصحاب المال والجاه كقارون والوليد بن المغيرة وغيرهما؛ حتى تكون هذه الدروس عظة وعبرة لهم على مر الأيام.

رابعا: التعاون في المتفق عليه
ولكون الاختلاف أمرا طبيعيا بل مقصودا يبين الدكتور محمد عبد الغفار الشريف أنه لا بد من التلاقي والتعارف والتعاون يقول تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ". ( سورة الحجرات: 13) - ولذلك سعى نبي الإسلام ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ منذ أن كوّن دولته في المدينة المنورة إلى التعاون مع سكان المدينة من اليهود، وكتب معهم معاهدة نصت على أمور معروفة، أما ما حصل بعد ذلك من إيقاع العقوبة باليهود فإنما جاء جراء ما ارتكبوه من مخالفة للعهد بينهم وبين المسلمين.
وحدد القرآن معيارا للتعاون "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ" ( سورة المائدة: 2) فالتعاون يكون في سبيل الخير والرشاد، ولا تكون في العدوان والظلم والمعاصي.

خامسا: التسامح في المختلف فيه
وهو معلم مكمل لسابقه انطلاقا من القاعدة الذهبية التي قررها الإمام محمد رشيد رضا: "نتعاون فيما اتفقنا عليه ، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه".
وإن أكبر دليل على تسامح الإسلام مع أصحاب الديانات الأخرى، قوله تعالى في محكم تنزيله: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" ( سورة البقرة: 256) .
قال ابن عباس -رضي الله عنهما- نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين، كان له ابنان نصرانيان، وكان مسلما، فقال للنبي (صلى الله عليه وسلم): ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصراينة؟ فأنزل الله الآية.
وفي بعض التفاسير أنه حاول إكراههما فاختصموا إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله أيدخل بعضي النار، وأنا أنظر؟!.
يقول رشيد رضا في المنار: هذا هو حكم الإسلام، واضح جلي في أنه لا يجوز حمل الناس على اعتناق ما لا يؤمنون به، لأن الدين إذعان النفس، ويستحيل أن يكون الإذعان بالإلزام والإكراه، وإنما بالبيان والبرهان؛ لذا قل تعالى بعد نفي الإكراه: "قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ".
فالإسلام يحترم الديانات الأخرى، حتى لو كانوا ممن تحت سلطة المسلمين، وعلى هذا الأساس عاملوا الذميين. وأنقل هنا ما كتبه آدم متز المستشرق الألماني في كتابه القيم "الحضارة الإسلامية".

سادسا: نبذ العنف
أما المعلم الأخير الذي يذكره الدكتور محمد عبد الغفار الشريف في منهج الحوار في الإسلام فهو نبذ العنف؛ حيث يقول الله تعالى مخاطبا نبيه الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم:" فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ". ( سورة آل عمران: 159) .
وقد قعّد رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم)هذا الأمر بقوله وعمله، فقال: "إن الله رفيق يحب الرفق، يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه". رواه مسلم.
كما تمثل ذلك في سيرته العملية، التي نقلت إلينا بالتواتر، من ذلك ما روته عائشة رضي الله عنها: "استأذن رهط من اليهود على النبي (صلى الله عليه وسلم) فقالوا: السام (الموت) عليك فقلت: بل عليكم السام واللعنة. فقال: يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، فقلت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: قلت وعليكم". رواه البخاري.
وعلى هذا فإنه من الظلم الكبير ما ينسب زورا وظلما إلى الإسلام من أنه يدعو أتباعه إلى الإرهاب، والاعتداء على الدماء والأعراض والأموال، بل الإسلام يدعو أهله إلى خلاف ذلك، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه". رواه البخاري. بل أكثر من ذلك دعا الإسلام على الإحسان إلى الحيوان الأعجم.
ويؤكد الشريف أن نبذ العنف لا يختص به الإسلام وحده، بل جاءت جميع الرسالات السماوية بالحب والتعاون، والرحمة والصلة، ولكن مما يؤسف له أن نجد الكثير من أتباع الديانات ينحرفون عن تطبيق مبادئ أديانهم السامية لأسباب كثيرة، وهو ما يؤكد أن أكثر التطرف الديني يعود إلى الجهل بمبادئ الدين وأحكامه.

ليست هناك تعليقات: