الثلاثاء، 10 فبراير، 2009

الرياء في رياض الجنة

الرياء في رياض الجنة!!
وصفي عاشور أبو زيد
Wasfy75@yahoo.com
ربما يعجب القارئ من العنوان ويتساءل في دهشة: هل في الجنة رياء؟ ولماذا يرائي أهل الجنة فيها وقد وفَّاهم الله أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون؟ وما فائدة الرياء في الجنة وهي دار نعيم مقيم، وخير عميم؟!
والحق أنني لم أقصد إلى هذا كله، إنما قصدت "الرياء" كما تحدث عنه برنامج: "رياض الجنة" الذي يعرض على قناة البحرين يوم الأربعاء من كل أسبوع، ويقوم بإعداده وتقديمه ثلاثة من أعلام الدعوة في عصرنا: الدكتور عمر عبد الكافي الداعية اللامع والمتحدث المحبوب، والشيخ وجدي غنيم الداعية المعروف، والذي يواصل جهاده الدعوي مهما ساح في الأرض، والأستاذ الدكتور صلاح الدين سلطان، العالم الجليل والأستاذ الجامعي المرموق.
ولقد تناول البرنامج داء الرياء في حلقتين مضتا، وأتى على معانٍ عظيمة ومفيدة يحسن بي أن أجليها وأوضحها للقراء، فحق على من سمع الخير أو قرأ ه أن ينقله إلى غيره، وسأحاول أن أحرر هنا ما تسعفني الذاكرة به.
المرائي غبي!!
وفي أول صفعة للمرائي يصف الدكتور عمر عبد الكافي المرائي بالغباء؛ حيث يستجلب إعجاب الناس، ويستمطر مدحهم وثناءهم بلا مقابل، إلا من الغرور والانتفاش الكاذب، وهنا يسوق عبد الكافي حكمة الإمام علي: "يا ابن آدم إن غرك مالك فارزق عباد الله يوما واحدا، وإن غرتك قوتك فلماذا استحكمت فيك شهوتك؟".
والبلية الكبرى أن المرائي يعمل عمله ويرائي به من لا يستحق، وكان الأولى به أن يكون عمله خالصا لمن خلقه وسواه ورزقه وأكرمه وهو الله تعالى في إشارة للحديث القدسي الشريف: "إني والجن والإنس في نبأ عظيم: أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري؟". رواه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء، وضعفه السيوطي.
ولا شك أن هذا غباء؛ لأن الغبي هو قليل الفهم والفطنة، وهل لديه فطنة مَن يُتعب نفسه في عمل ثم يذهب به أدراج الرياح هباء منثورا؟، وقد قال تعالى: "وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا". الفرقان: 23. يقول صاحب الظلال في هذه الآية: "هكذا في لحظة. والخيال يتبع حركة القدوم المجسمة المتخيلة على طريقة القرآن في التجسيم والتخييل وعملية الإثارة للأعمال، والتذرية في الهواء، فإذا كل ما عملوا في الدنيا من عمل صالح هباء. ذلك أنه لم يقم على الإيمان، الذي يصل القلب بالله، والذي يجعل العمل الصالح منهجاً مرسوماً وأصلاً قاصداً، لا خبط عشواء، ولا نزوة طارئة، ولا حركة مبتورة لا قصد لها ولا غاية. فلا قيمة لعمل مفرد لا يتصل بمنهج، ولا فائدة لحركة مفردة ليست حلقة من سلسلة ذات هدف معلوم".
الرياء أثناء العمل
المسلم الذي بدأ عمله بالرياء، أو ينوي ابتداءً أن مقصد عمله هو استمطار كلام الناس ومدحهم وثناؤهم، هذا لا شك في بطلان عمله، لكن يطرح الدكتور عمر عبد الكافي ـ الذي قدم هاتين الحلقتين ـ تساؤلا مهما في هذا الصدد، وهو ماذا لو بدأ الإنسان عمله مخلصا ونوى أنه لله، ثم طرأ له الرياء أثناء العمل؟ ذكروا هنا وجوب المجاهدة على المسلم وأن يستحضر الإخلاص دائما، ويستصحب نيته الأولى طول العمل.
لكن كان ينبغي هنا التفصيل كما فصل العلامة ابن عثيمين حين قال: فهذه العبادة ـ يعني ما طرأ لها الرياء بعد نية الإخلاص ـ لا تخلو من حالين :
الحال الأولى: أن لا يرتبط أول العبادة بآخرها، فأولها صحيح بكل حال، وآخرها باطل. مثال ذلك: رجل عنده مائة ريال يريد أن يتصدق بها، فتصدق بخمسين منها صدقةً خالصةً، ثم طرأ عليه الرياء في الخمسين الباقية، فالأُولى صدقة صحيحة مقبولة، والخمسون الباقية صدقة باطلة لاختلاط الرياء فيها بالإخلاص.
الحال الثانية: أن يرتبط أول العبادة بآخرها: فلا يخلو الإنسان حينئذٍ مِن أمرين:
الأمر الأول : أن يُدافع الرياء ولا يسكن إليه، بل يعرض عنه ويكرهه: فإنه لا يؤثر شيئاً لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم".
الأمر الثاني: أن يطمئنَّ إلى هذا الرياء ولا يدافعه: فحينئذٍ تبطل جميع العبادة؛ لأن أولها مرتبط بآخرها. مثال ذلك : أن يبتدئ الصلاة مخلصاً بها لله تعالى، ثم يطرأ عليها الرياء في الركعة الثانية، فتبطل الصلاة كلها لارتباط أولها بآخرها.
الحفاظ على شجرة الإخلاص
وفي تشبيه بليغ شبه عبد الكافي ـ الذي تخرج في كلية الزراعة ـ الإخلاص بالشجرة التي ينبت حولها طفيليات وحشائش تضر بها عبر مشاركتها لها في الغذاء المودع في التربة، وفي الهواء أيضا.
وعادة ما يقوم الفلاح الماهر بالتخلص من هذه الحشائش والطفيليات التي تحيط بهذه الشجرة حتى تتمتع بكامل غذائها، وصافي هوائها بلا مشارك، وبهذا تترعرع الشجرة وتتفرع وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
وهكذا شجرة الإخلاص، فالمؤمن الفطن هو الذي يتعهد هذه الشجرة بالنماء، ويزيل ما حولها من طفيليات العجب وحشائش الرياء حتى لا تنطمس وتذوى وتنتهي بفعل هذه الحشائش الضارة.
ويشير الدكتور صلاح سلطان إلى أن هذه الشجرة تحتاج إلى الغذاء والرواء، ولن يكون إلا بالعمل الصالح، وبمراقبة النفس دائما وتصحيح النية قبل العمل وأثناء العمل، وبعد العمل فلا يمن به على الله تعالى: "يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كتم صادقين" . الحجرات: 17.
ويستشهد لذلك بقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر". البقرة: 264. قال: فألحق من يمن بعمله بعد الانتهاء منه بمن يرائي بعمله أثناء القيام به، وكأن من يرائي بالعمل أثناء أدائه هو الأصل والعياذ بالله.
وإذا كانت الأخت في بيتها، والأخ كذلك يحافظ على نظافة المكان، فإن الدكتور صلاح يؤكد أن نظافة الباطن هي الأهم، وإن كنا نتداوى من أمراضنا البدنية أفليس من الأولى أن نتداوى من أمراض قلوبنا؟!
وهنا أتذكر كلمة جليلة لأديب العربية والإسلام الأستاذ مصطفى صادق الرافعي: "إن من الخطأ الأكبر أن تنظم الحياة من حولك وتترك الفوضى في قلبك".
وليس مِن الرياء أن يفرح الإنسان بعلم الناس بعبادته ؛ لأن هذا إنما طرأ بعد الفراغ من العبادة، وكذلك ليس مِن الرياء أن يُسرَّ الإنسان بفعل الطاعة؛ لأن ذلك دليل إيمانه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن سرَّته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن"، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "تلك عاجل بشرى المؤمن" .
التصور الاعتقادي
ومن أجل علاج ناجع لهذا الداء العضال يذكر الداعية وجدي غنيم أن التصور الاعتقادي هو الأهم في وسائل العلاج؛ لأن المؤمن إذا علم وأيقن أن هناك "الله" فلن يجرؤ على أن يرائي بعمله الناس، ولن يرضى إلا أن يكون عمله خالصا صافيا متجردا لله تعالى: "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين لـه الدين حنفاء". سورة البينة.، فأهم شيء في علاج هذا الداء هو ما أسماه الشيخ وجدي بـ: "التصور الاعتقادي"، واستحضار وجود الله دائما أثناء العمل، واستشعار النعم التي أنعم بها عليه، فهل يستحق هذا المنعم أن نتوجه بأعمالنا لغيره؟ وهل يستحق أن نشرك معه غيره؟
فلو أن إنسانا ـ كما يذكر الأستاذ وجدي ـ نوى أن يتصدق بمائة جنيه، وجاء أمام الناس ووجد المائة قليلة ولا تتناسب مع مكانته بين الناس، فغير نيته إلى مائتين من أجل ألا يُحْرَج بين الناس، وخوفا من كلامهم، فبهذا تكون المائة الأولى لله، والمائة الثانية للناس، وللأسف لن يقبل الله الأولى ولا الثانية لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ: قال الله تبارك وتعالى : ( أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ) رواه الإمام مسلم ، وفي رواية ابن ماجه ( فأنا منه بريء وهو للذي أشرك ) .
سؤال النفس قبل العمل
واستكمالا للأدوية التي تشفي هذا الداء بحول الله يستكمل الشيخ وجدي غنيم مشددا على أن المسلم قبل أن يبدأ العمل لابد أن يطرح على نفسه هذا السؤال: "لماذا؟" أي لماذا هذا العمل، ما الذي دفعك إليه، وماذا تبتغي من ورائه، وما هي أهدافك منه، هل تريد به وجه الله أم وجه الناس وكلام الناس ومدح الناس؟؟
فإن كانت نيتك لله فتوكل على الله، وإن كانت لغيره فراجع نيتك وأخلصها لله قبل البدء فيه، وإن كانت مختلطة فجردها لله؛ لأن الله لا يقبل الشركاء، وبهذا السؤال الدائم يستطيع المسلم أن يخلص عمله لله إلى حد كبير.
الصحبة الصالحة
ومن الأدوية الناجعة هنا ما أشار إليه الدكتور صلاح سلطان في نهاية حديثه أن يتشبث المسلم بأهداب الصالحين المخلصين، فإن في صحبتهم النجاة والفلاح، وللصحبة أثرها البالغ في التعليم والتأثير، وكما قال الشيخ حسن البنا: "وملازمة هذا الصنف من الأتقياء الصالحين الذين تتفجر جوانبهم بالحكمة، وتشرق وجوههم بالنور، وتزدان صدورهم بالمعرفة – وقليل ما هم – دواء ناجح، فاجتهد أن يكون لك من هؤلاء أصدقاء تلازمهم، وتؤوى إليهم، وتصل روحك بأرواحهم، ونفسك بنفوسهم، وتقضى معهم معظم وقت الفراغ، واحذر من الأدعياء، وتحرَّ من يُنْهِضُك حاله، ويدلك على الخير فعاله، ومن إذا رأيته ذكرت الله، هذه الصحبة من أ نفع الأدوية، فالطبع سراق، والقلب يتأثر بالقلب، وتستمد الروح من الروح".
وبعد،، فإن برنامج: "رياض الجنة" برنامج ناجح، وجدير بالمتابعة، وهو الأول من نوعه في تاريخ الفضائيات الذي يقوم بإعداده وتقديمه في وقت واحد ثلاثة من أبرز دعاتنا وعلمائنا، ترى فيه الأدب التلقائي واحترام العلماء، والكلمات النافعة والحكم البالغة والعلم الصافي، وما أحوجنا أن نروي ظمأ أرواحنا من هذا الفيض العميم، وأن ننشر ما فيه من خير، فإن المسلم المتوازن بدنيا وروحيا وعقليا ووجدانيا هو الذي ينفع نفسه وينهض بمن حوله.

ليست هناك تعليقات: