الثلاثاء، 10 فبراير، 2009

مصطفى الفقي ... والإخوان الشرفاء!!

مصطفى الفقي ... والإخوان الشرفاء!!
وصفي عاشور أبو زيد
Wasfy75@yahoo.com
في لقائه مع الطلاب بجامعة الأزهر، حاول الدكتور مصطفى الفقي أن يركز مع الطلاب على القضايا المتفق عليها، وحرص على طرح ما يتوافق مع فطرة الشعب المصري لينطلق من ذلك إلى إيصال ما يريده للطلاب.
ففي البداية قرر أنه من الخطأ أن يتصور أحد أن تلك المادة ـ يعني المادة الثانية من الدستور ـ دينية، وإنما هي إقرار لحقيقة معينة هي أن الشريعة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على التعامل مع المسلمين وغير المسلمين ، ودلل على ذلك بأن الشريعة الإسلامية تدرس أجزاء كثيرة منها في القانون الفرنسي".
وامتدح الدكتور الفقي علماء الأزهر وتاريخهم المشرف، وانتقل إلى مسألة زيارة شيخ الأزهر للبابا فأعرب عن عدم موافقته على زيارة شيخ الزهر لبابا الفايتكان ، وقال ـ كما نقل موقع إسلام أونلاين: 13/3/2007م ـ: "مش عاوزين زيارة شيخ الزهر لبابا الفاتيكان لأننا نربأ بمكانة ومقام الإمام الأكبر وألا يقع في مشكلة لا ينتبه إليها أحد". وقال بعدما لفت الأنظار إليه: "لقد نبهت الجهات العليا إلى هذه المشكلة، وهي أن البابا برتبة رئيس جمهورية، وشيخ الأزهر بدرجة رئيس وزراء، وبروتوكوليا ينتظر البابا في مكتبه، ويأتي إليه شيخ الأزهر وهو أمر لا نقبله لأننا نرى أن الرأس بالرأس، وربما تعلو"، وهنا تزايد التصفيق من الطلاب .
وبعد هذا الحديث الذي لقي قبولا وتوافقا بينه وبين الجمهور تسلل إلى نقاط خلافية حول الحزب الديني وعلاقة السياسة بالدين ليغلفها بما سبقها من حديث متفق عليه قائلا: "نحن ضد قيام حزب سياسي على أساس ديني؛ لأنها محاولة للاشتباك بين الدين والسياسة، والدين هو الخاسر، وعليه فالمادة التي تنص على عدم إنشاء أحزاب دينية هي مادة تحمي الإسلام، وترتفع بالدين عن ضجيج الانفعال، وأي محاولة لإقحام هذا الدين في الحياة اليومية هو عدوان على هذا الدين ومكانته السامية".
ويستدرك الفقي بعدما بث هذا المعنى بكلمة أخرى حتى يكون هناك نوع توازن في الحديث ورضا مستمر عن حديثه بنفس الدرجة إن لم يعلُ، فهو يعلو في حديثه فتعلو معه المشاعر، ويهبط ليوصل ما يشاء، ثم يعلو مباشرة استدراكا للمشاعر وتهدئة لها، فقال في إجابة لسؤال أحد الطلاب عن حظر الإخوان، والحوار بينهم وبين الدولة: "إن تسميتهم بالجماعة المحظورة هي تسمية قادمة من القانون الذي يمنع تأسيس حزب سياسي على أساس ديني فأصبحت محظورة ، أما مسألة الحوار مع الإخوان فقد جرت من قبل، فعندما كنت سكرتيرا لرئيس الجمهورية سعى إلي سيف الإسلام حسن البنا، وتحدثت معه ، إلا أن الإخوان بدءوا يستخدمون أسلوب التصعيد الإعلامي، وأصبحنا لا نلتقي في نقطة عدم قيام حزب ديني، ومع ذلك هم شرفاء يجب التعامل معهم بكل احترام لأنهم يتصرفون بوطنية في كثير من المشاكل"!!

وفي الواقع لست أدري كيف أصبح الإخوان شرفاء عند الدكتور الفقي بعدما اتهمهم اتهامات شنيعة أيام انتخابات مجلس الشعب حين قال إنه كان يحارب في جبهتين: جبهة المال الذي وصف الجماعة فيه بأنها تقدم رشاوى للجماهير من أجل انتخاب مرشحهم د. جمال حشمت، والجبهة الأخرى هي جبهة استغلال الدين في السياسة، كما أنه وصف خوضه للانتخابات بـ "المغامرة" أمام هذا التنظيم الإخواني الدقيق والعنقودي على حد وصفه.
ما الذي دعا الدكتور الفقي إلى هذا الكلام الآن؟ صحيح قد كانت له مقالات وبخاصة في جريدة الحياة اللندنية ينصف فيها الإخوان، ويتحدث عنهم بموضوعية، لكن أعتقد بعد الكلام الذي صرح به أيام الانتخابات، وما جرى له بعدها لابد أن يكون لكلامه هنا تأويل آخر، وسياق آخر.
ربما قال هذا الكلام لأن الحزب الحاكم قد تعرت شجرته من كل الأوراق التي تواري سوآته، ومن ثم يستعين بأصحاب التأثير والشخصيات المؤثرة ـ ود. الفقي منهم بالطبع بما أوتي من لباقة وحسن تأتِّي الحديث له ـ كي يصحح صورته ويستر ما تبقى لديه من عورات، وهذا هو اللقاء الثاني من نوعه بعد لقاء د. علي الدين هلال بهؤلاء الطلاب.
وإلا هل يجهل الدكتور الفقي أن السياسة جزء من الدين، وهل يجهل الفرق بين الدولة الدينية وبين الدولة المدنية التي ترجع إلى الإسلام وتحترم رأي الأمة، وهل يجهل الفرق بين الحزب الديني والحزب المدني، وهل يجهل أن الإخوان لا يريدون دولة دينية ولا حزبا دينيا؟؟؟ أعتقد أن واحدا في وزن الدكتور الفقي لا يخفى عليه ذلك بل قال كلاما ضد هذا تماما في كثير من مقالاته، ولا داعي للاستشهاد!!
وربما قال هذا الكلام أملا في أن يستعيد شيئا من سمعته ومكانته الثقافية والسياسية التي انتحرت عبر موقفه الأخير حين رضي أن يسرق مقعدا من مقاعد مجلس الشعب، وهو يقينا يعلم أنه ليس مقعده، ولذلك كان بعض نواب الإخوان ـ ومنهم الشيخ السيد عسكر ـ حين يمر عليه يقول: "السلام عليكم يا دكتور حشمت". معرِّضا بذلك أن المقعد الذي يجلس عليه مقعد الدكتور جمال حشمت، حتى استاء الدكتور الفقي من هذا الأسلوب وهدد بالشكوى لمرشد الإخوان.
ربما قال هذا الكلام لهذا السبب أو لذاك، أو قاله جمعا بين الاثنين وفوزا بالحسنيين، فكلاهما لا يتعارض بل يتكامل ويتوافق.
وعتبي هنا على الطلاب الذين استخفهم د. الفقي فصفقوا له، وهو بلا شك يستحق التصفيق لما يتمتع به من لباقة وفصاحة في الحديث، ومعرفة بكيفية استلفات الأنظار واستمطار الإعجاب والتصفيق، لكنني أحسست بسطحية الطلاب هنا كما كانت نفس السطحية وعدم العمق في تصرفهم بأحداث الأزهر الشهيرة التي ضخمتها وسائل الإعلام.
لقد كتبت مقالة من قبل ورسالة وجهتها للدكتور مصطفى الفقي بعد ظهور نتيجة الانتخابات، نشرتها مجلة العصر، وموقع "ميدل إيست أونلاين" وجريدة آفاق عربية، وجريدة شباب مصر، قلت له في آخرها: " أريدك ألا تخسر الصفوة والنخبة في مصر والعالم العربي وتتحول هذا التحول المؤسف الذي تخسر معه كل مواقفك الإيجابية فكريا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا ودوليا؛ ولذلك فإني أناشدك ومعي عشرات الآلاف ألا تقبل بهذا الأمر كما صرحت من قبل بعدما تأكد الجميع ـ وأنت في مقدمتهم ـ من التزوير، وأستحلفك بالله يا دكتور مصطفي ألا تقتل فينا المفكر الدكتور مصطفى الفقي؛ لأنك إذا قبلت بهذا الفوز المزور ستسقط سقوطا مروعا ومدويا".
ولا زالت الفرصة سانحة أمامه لا سيما ونحن في منتصف الفترة البرلمانية، ولن ينفعه كلامه مهما تكلم، أو لباقته وثقافته وبراعته في الحديث إن فعل، فما بني على باطل فهو باطل، ولن يبرئه مما يريد أن يتبرأ منه ويستدرك به ما فاته إلا بمبادرة كريمة تعيد إليه جمهوره وقراءه ومكانته السياسية والثقافية.

ليست هناك تعليقات: