الاثنين، 7 أبريل، 2008

العمليات الاستشهادية وواجب المراجعة

وجهة نظر للمناقشة
العمليات الاستشهادية وواجب المراجعة
بقلم: وصفي عاشور أبو زيد
باحث بقسم الشريعة - دار العلوم
حاشايَ أن أقلل من قيمة المقاومة الصامدة ومشروعيتها, أو أشكك في كون العمليات الاستشهادية من أعظم صور الجهاد في هذا العصر. لكن مشكلتنا - كما هي عادتنا في قضايانا الفكرية والواقعية - أن ننقسم إلي فريقين: فريق أقصي اليمين, والآخر أقصي اليسار. والصواب هو المنهج الوسط والقول الوسط الذي لا يقصر أو يغالي, ولا يفرًط أو يفرًّط.. {وكذلك جعلناكم امةوسطا ..} [البقرة:143].
وقد انقسم الناس تجاه العمليات الاستشهادية إلي فريقين: فريق يحاربها ويري حرمتها الشرعية والدولية, وأنها - بزعمهم - اعتداء علي حقوق المدنيين, وإزهاق لأرواح الآمنين. وفريق آخر يري مشروعيتها في أي وقت وتحت أي ظروف, فما دام هناك وجود لإسرائيل لا ينبغي أن تتوقف ولا أن تتواري, إنما يجب أن تكون حاضرة في أي وقت لا تغيب, وقوية تحت أي ظرف لا تخبو.
وأنا مع الفريق الثاني الذي يري مشروعيتها, بل يري وجوبها وأنها من أعظم ضروب الجهاد في عصرنا الحاضر.. إن لم تكن أعظمها علي الإطلاق. لكن لي تحفظات وملاحظات علي هذه العمليات خاصة بعد الأحداث الأخيرة التي شهدت أحداثًا مروعة ومجازر وحشية في جنين ونابلس وغيرهما. فلا ينبغي أن نقوم بهذه العمليات تحت أي ظرف وفي أي وقت, إنما نتخير الوقت المناسب والمكان المناسب اللذين من خالهما نحقق أهدافنا المرصودة, ونقوم بواجبنا الذي يفرضه علينا ديننا, ثم نحظي بعد ذلك بتأييد الرأي الدولي والعربي والإسلامي.
فلم يكن هناك داعي - فيما أري - للعملية التي تمت في «ريشون لتيسيون» مساء الثلاثاء 7/5/2002م, وذلك لاعتبارات عديدة:
أولها: أنها تمت بعد أن أنهي شارون حملته المذعورة.
ثانيها: أنها تمت أثناء زيارة شارون لواشنطن, فلو افترضنا أن عند بوش تهديدات من السعودية أو غيرها من الدول العربية بعرقلة مصالحها مثلاً, فهو حريص علي مصلحة بلده في الشرق الأوسط, ومن هنا يريد أن يهدئ شارون بطريقة أو بأخري, إنقاذًا لمصالحه ومصالح بلده.
ونحن بقيامنا بهذه العمليات في هذا الظرف نعطي لكلام شارون مع بوش مصداقيته, ونتيح له الحجج الدامغة والبراهين الساطعة أمام بوش وأمام الرأي العام لما يصنعه من سفك وقتل ودمار.
وثالثها: أننا نؤلب الرأي الدولي, والرأي العربي والإسلامي أحيانًا علي المقاومة وما تقوم به من عمليات.
ورابعها: أننا نسد الباب أمام قادة العرب والمسلمين لمساعيهم - إن كانت لهم مساعي - نحو السلام الذي يتشدقون به صباح مساء, فإن كان في الباب مواربة لهم فلا ينبغي أن نسد أمامهم الأبواب ونغلقها.
إن المحلل للأحداث لا يستطيع إنكار أن عملية «نتانيا» التي تمت في أواخر مارس الماضي, والتي تمت في أحد الملاهي الليلية أثناء احتفالهم بعيد الفصح قد أعطت لشارون الذريعة والمبررات التي يقوم من خلالها بأعمال القتل والحصار والاعقال وتدمير مؤسسات السلطة وممتلكات الناس, كما دمر مخيم جنين ومناطق واسعة من نابلس, فقتل ما لا يقل عن 300 فلسطيني, وجرح قرابة 300, كما اعتقل ما يزيد علي 6000, بقي منهم 2000 حتي الآن في سجون الاحتلال يعانون أشد أنواع التعذيب الجسدي والنفسي, كما كانت هذه العملية سببًا رئيسًيا في تنفيذ «عملية الجدار الواقي» التي زرعت القتل والدمار في شتي أنحاء الضفة الغربية.
مع الأخذ في الاعتبار رغم هذا أن شارون - كما تقول حماس - لديه مخطط قديم منذ الستينيات يقوم علي قتل أكبر قدر من الفلسطينيين وتهجيرهم, وضم مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية, وتدمير السلطة الفلسطينية, وفرض قيادة بديلة عميلة, وتدمير عملية السلام ونسف نتائجها علي الأرض, وشطب الاتفاقات الفلسطينية الإسرائيلية التي تم التوصل إليها منذ عام 1993م حتي الآن, وتحطيم مقومات قيام دولتهم المستقلة... إلخ.كل هذا مأخوذ في الاعتبار, ولن يمنع هذا السفاح - أهلكه الله - من تنفيذ مخططه شيء مهما كان, ولكن علينا نحن أن نفوت عليه الفرصة وأن لا نهيئ له ما يبرر به ما يمارسه أمام الرأي العام من سفك وقتل وتدمير. فهو يتربص لأي سبب أو مبرر حتي يفرغ ما يغلي به صدره من حقد دفين فيظهر أمام الرأي الدولي بأنه المظلوم والمغلوب والمدافع عن نفسه أمام هذا الإرهاب المبين.
ومن ناحية أخري, نحن نتربص بهم كما يتربصون بنا لأدني سبب حتي نفعل المقاومة ونطلق لها لعنان. فمثلاً عندما اغتيل البطل يحيي عياش 5/1/1996م أطلقت حماس لأبطالها كل عنان, ورفعت عنها كل قيد, فأعملوا فيهم الضرب والقتل واستطاعوا أن يقتلوا منهم عددًا كبيرا. في هذه الحالة لا يستطيع أحد أن يتكلم سواء في الخارج أو الداخل» لأن الفعل له ما يبرره ويسوغه, و هو التصرف المناسب في الوقت المناسب, وإن كان حق المقاومة قائمًا أصلاً لوجود الاحتلال.
ليس معني هذا أن تظل المقاومة مكتوفة الأيدي حتي يحدث لهم حادث, أو يموت منهم أحد كي يبدءوا في تنفيذ عملياتهم. كلا... فحق المقاومة مشروع لهم ما دام هناك إسرائيل في المنطقة, لكن كل ما نطلبه هو التصرف الذكي في الوقت المناسب. ينبغي علي إخواننا هناك أن يقدروا الأمور حق قدرها - وأحسبهم كذلك - حتي لا يوقعوا أحدًا في حرج ولكي تظل القنوت العربية والإسلامية والدولية مفتوحة للدفاع عنهم والمطالبة بحقوقهم, كل ذلك في إطار تقدير فقه الواقع وفقه المصلحة.
والرسول صلي الله عليه وسلم لم يكن يقاتل حيثما اتفق, فكان أحيانًا يسالم وأحيانًا يقاتل وأحيانًا أخري يبرم المواثيق والمعاهدات, لما كان له من إدراك لقوته وقوة عدوه, وبصر بعيد بالواقع والمصلحة, وواقعة الحديبية - التي سماها الله فتحًا - أصدق شاهد يقوم لهذا.
وفي النهاية أقول: إن أولي الناس وأقربهم لتقدير فقه الواقع وفقه المصلحة هم أصحاب القضية الأساسيون - وإن كانت القضية قضية المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها - ذلك أنهم أبصر الناس بواقعهم, وأدري الناس بمصلحتهم, وأعرف الناس بقوتهم وقوة عدوهم, والموضوع مطروح للمناقشة وتبادل الرأي.

جريدة آفاق عربية العدد 558 بتاريخ: 23/05/2002م.

هل للبعد النفسي دور في الحرب علي العراق

هل للبعد النفسي دور في الحرب علي العراق?!
بقلم: وصفي عاشور أبو زيد
تعددت الأسباب والتحليلات التي يقدمها السياسيون والمتخصصون حول الحرب الأمريكية والبريطانية علي العراق, ولعل هذه الحرب من الحروب القليلة في التاريخ التي لم يتفق المحللون ولا السياسيون علي تحديد أسبابها, وقد اجتمعت الأسباب التي تناولتها الوسائل الإعلامية المختلفة في أربعة أسباب تقريبًا:
الأول: يقول إن الأنظمة الحالية في المنطقة تعتبر سيئة جدًا من حيث انعدام الديمقراطية علي النمط العربي, ووجود حكومات متسلطة, وانعدام الحرية بكل أشكالها, وتدهور الأوضاع الاقتدصادية, وأحادية التعليم, وعدم قدرته علي مواجهة متطلبات العصر, أو تحمل الرأي الآخر.
هذا الوضع يؤدي إلي عدم الاستقرار وإلي نمو الحركات المتطرفة والحركات الإرهابية, التي تؤدي بدورها إلي زعزعة الأمن والاستقرار العالمي, ومن هنا لا بد من تغيير هذا الوضع من خلال تغيير الأنظمة الموجودة في المنطقة, وعلي هذا فالخطة قد تكون بدايتها العراق, ثم بعد ذلك التوسع إلي دول أخري مثل: السعودية, وإيران, وسوريا, ومصر, وذلك إما عن طريق الإقناع وتسييس حكام هذه الدول وغيرها حسب الرؤية الأمريكية, أو عن طريق القوة, كما تتبع ذلك في العراق الآن.
والسبب الثاني: يقول إن هدف الولايات المتحدة هو السيطرة علي العالمين العربي والإسلامي عن طريق تغيير النظام في العراق, ثم إيجاد تحالف جديد يضم كلاً من إسرائيل وتركيا وأفغانستان, بالإضافة إلي العراق, وربما يضم دولاً أخري, وذلك من أجل إحكام السيطرة التامة علي المنطقة. أو من أجل ما هو أبعد من ذلك مثل الحديث عن تقسيم بعض دول المنطقة كالسعودية, وإجراء تغييرات جذرية علي المستويات كافة في منطقة الشرق الأوسط, بما يناسب مصالح إسرائيل.
السبب الثالث: وهو السبب المعلن ويعتبر الرسمي الذي نسمعه كثيرًا من حكومة بوش في أمريكا, وكذلك حكومة بلير في بريطانيا, يتخلص في أن حكومة صدام حسين تمثل خطرًا علي المنطقة وعلي النظام الدولي لما تملكه من أسلحة الدمار الشامل, وتحالفها مع الحركات الإرهابية مثل تنظيم القاعدة كما يزعم بوش وغيره, والذي قد يؤدي إلي استخدام هذه الأسلحة بما ينطوي عليه من كوارث بشرية وبيئية إذا لم يتم إيقافه الآن, وهذا الرأي لا تعتقد به الجهات والأفراد المطلعون والمتابعون» وذلك لوجود ترسانة نووية هائلة لدي الكيان الصهيوني مثلاً, ومع ذلك لم تعترض عليه أمريكا بكلمة واحدة, بل إنها أكبر معوان للكيان الصهيوني في العالم, إلا أن الهدف من ترويج هذا السبب هو إقناع الرأي العام المشغول بالقضايا العادية.
السب الرابع: وهو الذي يشير إلي البترول, فالعراق لديه ثاني أكبر احتياط بترولي في العالم, كما أن بإمكانه زيادة إنتاجه بشكل كبير, وبالذات علي المدي الطويل (خمس سنوات وأكثر), ونظرًا إلي أن البترول سيستمر في كونه أهم مصدر للطاقة خلال السنوات العشرين المقبلة علي أقل تقدير, كما أن هناك نموًا مستمرًا للحاجة العالمية إليه, فإن سيطرة الولايات المتحدة علي البترول العراقي ستقوًّي مقدرتها علي توفير البترول بسعر رخيص من ناحية, واستمرار السيطرة علي الاقتصاد العالمي من ناحية أخري.وهذا السبب وإن كان معتبرًا, إلا أن التطورات الكبيرة في الاقتصاد العالمي, بما في ذلك التطورات الخاصة بسوق البترول وصناعته قد تقل من قيمة هذا السبب.
هذه الأسباب - تقريبًا هي التي تُتداول في الصحافة والإذاعات العالمية, وهو غالب ما يتناوله المحللون والكتاب, إلا أن هناك سببًا خامسًا للحرب لم يحصل علي ما يستحقه من تحليل, علي الرغم من أهميته, هذا العامل مبني علي البعد النفسي لتصرفات الدول, فأي دولة تتصرف بشكل عام حسب مصالحها المختلفة, إلا أن تصرفاتها تتأثر بالوضع النفسي للدولة أو قيادتها.
ومن الواضح أن الولايات المتحدة - وهي القوة العظمي الوحيدة في العالم - كانت تعتقد أنها آمنة ولا يستطيع أحد أن يتجرأ عليها أو أن يخدش كبرياءها وغطرستها, أو ظنت أنها بمنأي عن أي هجوم خارجي, أو تصرف عدواني عليها, وتفاجأ بما واجهته في 11 (أيلول) سبتمبر 1002 من هجوم خارجي يكاد يكون هو الأكبر في تاريخها علي أكبر رموزها الاقتصادية والعسكرية: مركز التجارة العالمية, ووزارة الدفاع, مع الأخذ في الاعتبار أن هذا حدث خلال قمة نشوتها بعد زوال عدوها الأول والوحيد, الاتحاد السوفيتي بعشر سنوات, وبعد أن حققت نموًا اقتصاديًا كبيرًا خلال التسعينيات يعتبر الأكبر منذ عقود عدة, والذي ضمن موقعها كأكبر وأهم قوة اقتصادية في العالم, بعد سنوات من الشك والخوف خلال الثمانينيات.
وبعد هزّة 11 أيلول تصرف الرئيس بوش بشكل أكسبه تأييد دول العالم وتعاطفها, وحصل علي تأييد شعبي داخل أمريكا لم يحصل عليه عدد كبير من رؤساء أمريكا قبله. ونجحت أمريكا في غزوها لأفغانستان, إلا أن الغنيمة كانت صغيرة وفقيرة مقارنة بالأثر النفسي لأحداث 11 أيلول علي أمريكا. بالإضافة إلي أن زعيمي الحدث - كما تقول وسائل الإعلام المختلفة - أسامة بن لادن و الملا عمر لا يزالان طليقين, كما أن «القاعدة» وحركة «طالبان» استمرتا في الوجود, و هو أمر لا يقل أهمية عن خروج أمريكا من أفغانستان بـ«لا شيء», إن لم تكن تكبدت في ذلك خسائر كبيرة.
ومن هنا, فلا بد من البحث عن جائزة أثمن ونصر أكبر, وليس هناك أفضل من صدام حسين والعراق, فالعراق دولة قوية ومهمة مقارنة بأفغانستان, والعراق يمثل عقدة مستعصية للولايات المتحدة منذ حرب الخليج الثانية في عام 1990/ 1991م, ويبدو كقوة مهمة من الخارج, إلا أنه ضعيف من الداخل, والرئيس العراقي صدام حسين رجل مكروه من شعبه وجيرانه وغيرهم, ومن هنا فإن الحرب علي العراق وهزيمة حكومته الحالية وتغييرها, وربما القبض علي صدام ومحاكمته, ستمثل نصرًا للولايات المتحدة وللرئيس بوش, يخفف الأثر النفسي لصدمة 11 أيلول, وقد تم تبني مخطط الهجوم علي العراق في وقت مبكر, علي رغم عدم وضوح توقيته, وتم بناء الحملة علي العراق بشكل تدريجي خلال الأشهر العشرة الماضي, حتي وصلت إلي درجة متقدمة وبحيث يصعب في الغالب التراجع عنها, بل إن التراجع قد يمثل نكسة عظمي للرئيس بوش, تتمثل في كسر الهيبة والقوة المتبقية «للويلات» المتحدة - علي حد تعبير الدكتور سعيد إسماعيل علي - وأنها لن تصبح العظمي في العالم.
إن التركيز علي العوامل المادية البحتة, أو المصالح الوطنية المجردة, أو الخطط المستقبلية المتوقعة, وإن كان له دوره وأهميته التي لا تنكر, إلا أنه لا يعتبر كافيًا في معرفة تصرفات الدول, بل لا بد من النظر للبعد النفسي, وهذا يساعد علي إمكانية التكهن بتصرفات أمريكا في الحرب والتوقعات بعد الحرب, إضافة إلي معرفة أسباب الصراع نفسه.
هذا السبب - النفسي - يحتاج إلي تسليط الأضواء عليه أكثر وأكثر, وأن يتناوله المتخصصون من السياسيين, بمقالات ودراسات ومؤتمرات وغيرها» لأن له أهميته وخطره.

جريدة آفاق عربية العدد 603 بتاريخ: 17/04/2003م.

ملحمة العبور الخالدة .. والموعد الحقيقي للاحتفال

ملحمة العبور الخالدة .. والموعد الحقيقي للاحتفال
بقلم: وصفي عاشور أبو زيد
باحث في العلوم الشرعية
درج أغلب الكتاب -ومنهم كثير من الإسلاميين- علي ربط الحرب الرمضانية 1393هـ بشهر أكتوبر 1973م, حتي إنهم إذا أرادوا الكتابة في مناسبتها كتبوا في شهر أكتوبر ولم يكتبوا في شهر رمضان. والحق أن هذه الحرب لم يكن لأكتوبر دخل فيها, إنما الذي صنعها من البدء حتي الختام هو رمضان» ذلك حين هبت رياح الصيام, وظهرت قوة الإرادة, وتسابق الصائمون علي الشهادة, وتعالت صيحات الله أكبر.
في هذا اليوم - كما يروي الأستاذ محمود اليماني -الضابط السابق في القوات المسلحة, والحاصل علي العديد من الجوائز الشرفية, في كتابه «بطولات علي رمال سيناء»- تحركت جحافل القوات المسلحة المسلمة المصرية لتحقيق الهدف, والوفاء بالعهد الذي قطعته علي نفسها في أعقاب ما تم في يونيو الحزين من عام 1967م, حيث عبرت أعتي الموانع الطبيعية والصناعية سواء قناة السويس أو السواتر الترابية غربًا وشرقًا إضافة إلي الحصون التي بناها العدو علي طول الضفة الشرقية للقناة من جنوب بورسعيد شمالاً إلي عيون موسي جنوبًا, وهي ما سميت في ذلك الحين بخط بارليف الحصين نسبة إلي حاييم بارليف -رئيس الأركان الإسرائيلي في ذلك الوقت - والتي أحيطت بنطاقات ألغام يصعب اختراقها, إضافة إلي خزانات النابالم الحارق الموجهة فوهاتها صوب مياه قناة السويس لتحويلها إلي نار متصلة تحرق من يحاول عبور قناة السويس!! رغم هذه التجهيزات استطاع مقاتلونا الأبطال أن يعبروا ويجتازوا كل هذه الموانع وأسقطوا في مياه القناة خلفهم وإلي الأبد أسطورة الجيش الذي لا يقهر.
اجتازوا السواتر والحصون ونطاقات الألغام بجسارة وجرأة وشجاعة غير مسبوقة في تاريخ الحروب, ولا نبالغ أبدًا عندما نقول إن القوات المسلحة المصرية حققت أهدافها في العبور خلال ست ساعات, وأقامت رءوس كباريها علي الشاطئ الشرقي للقناة وعلي طول المواجهة التي بلغت حوالي 85كم, وهي أيضًا مواجهة غير مسبوقة في تاريخ الحروب, فلقد قرأنا كثيرًا عن الحرب العالمية الأولي والحرب العالمية الثانية, حتي حرب فيتنام فلم نجد أن هناك جيشًا قد خاض حربًا في مواجهة كهذه أو واجه عوائق وموانع كما واجهناها. لكنها الإرادة القوية والعزيمة الفتية التي نفثها في روعهم الصيام ورمضان, فلم تمض ساعات قلائل حتي كانت لقواتنا المنتصرة السيطرة الكاملة علي ساحة المعركة ذات المواجهة غير المسبوقة في تاريخ الحروب, فلم يقف أمام عزيمة الرجال أي حصون أو موانع وأصبح كل ذلك كما ذكرت خلال ساعات بلا فاعلية حتي أنابيب النابالم تم إبطال مفعولها بالضفادع البشرية المصرية, وقد استيقظ العالم مذهولاً بها ومنبهرًا بالأداء القتالي المصري البطولي, والذي أسقط خلفه وفي مياه قناة السويس كل النظريات, سواء التي طرحها العدو أو خبراء الاستراتيجية العسكرية العالميون, والذين تحولوا اليوم إلي 360 درجة, فهم اليوم يقومون بتدريس حرب أكتوبر ونتائجها الاستراتيجية في معاهد الحرب العليا العالمية باعتباره عملاً بطوليًا فريدًا, وفي ظل مسرح عمليات معقد.
إضافة إلي ما قام به مواطنو سيناء بصفة عامة ومجاهدوها بصفة خاصة» فمنذ اليوم الأول للاحتلال ووفقًا لخطة القوات المسلحة قامت منظمة سيناء العربية من خلال المخابرات الحربية المصرية والتي تضم نخبة من أبناء سيناء ذوي لياقة بدنية عالية وخبرة بالمسالك والدروب لتنفيذ مهام القوات المسلحة خلف خطوط العدو بإقامة شبكات لاسلكية للوقوف علي أخبار العدو أولاً بأول, كما أنه من بين مهام المنظمة القيام بعمليات إزعاج مستمر لقوات العدو وعمليات فدائية مستمرة استهدفت قواته الثابتة والمتحركة وذات التأمين المعقد كمقار المخابرات العسكرية والحكام العسكريين.
وهناك تقرير عسكري نشرته المجلة العسكرية للقوات المسلحة عام 1974م ذكر أن كثيرًا من الطيارين المصريين حققوا ما بين 6 و7 طلعات في اليوم الواحد متخطين الرقم القياسي المعروف في العام وهو من3 إلي 4 طلعات والذي تباهت به إسرائيل. ودامت بعض المعارك الجوية خاصة تلك التي تركزت حول بورسعيد ما يقرب من خمسين دقيقة رغم أن الزمن التقليدي لأي اشتباك لا يزيد علي 7 إلي 10 دقائق وانخفضت المدة اللازمة لإعادة تزويد الطائرة الواحدة بالوقود والذخيرة إلي 6 دقائق, وكان الرقيم القياسي الذي تشدقت به إسرائيل عام 67 هو 8 دقائق. وكان تدمير الدبابة الواحدة في جداول التدمير النظرية يستلزم من 2 إلي 3 هجمات طائرة, غير أن نسور القوات الجوية المصرية حققوا تدمير أكثر من دبابة في هجمة واحدة, كما حققت التشكيلات أرقامًا قياسية في عدد الطلعات خلال أيام قليلة, فأحد الألوية الجوية أنجز 2500 طلعة خلال 7 أيام وآخر قام بعدد 3400 طلعة خلال 3 أسابيع وثالث تجاوز 5000 طلعة خلال 8 أسابيع, وفي معركة جوية قوامها 80 طائرة معادية تقريبًا أسقط طيار مصري واحد خمس طائرات فانتوم وهو يهتف باللاسلكي «الله أكبر». ومن شهادة لقائد إسرائيلي يدعي صموئيل جويسكي -وكان هو قائد جبهة سيناء خلال الحرب- يقول: «كان الجندي المصري يتقدم موجات تلو موجات, وكنا نطلق عليه النار وهو متقدم ويحيل من حوله إلي جحيم ويظل يتقدم, كان لون القناة قانيًا بلون الدم ورغم ذلك ظل يتقدم».أما الجنرال حاييم بارليف فقد قال: «إن المصريين والسوريين قد دخلوا هذه الحرب بأسلحة جديدة وكميات هائلة لم تحسن المخابرات الإسرائيلية تقديرها» ولهذا وقعت المفاجأة».
فهل بعد هذا كله نحتفل بهذه المناسبة في غير موعدها الحقيقي, وننسب المعركة إلي شهر أكتوبر الذي لم يكن السبب في قليل ولا كثير منها?!!

جريدة آفاق عربية العدد 632 بتاريخ: 06/11/2003م.

قناة التاريخ الإسرائيلية وعجز الإعلام العربي

قناة التاريخ الإسرائيلية وعجز الإعلام العربي
بقلم: وصفي عاشور أبو زيد
باحث في العلوم الشرعية
لم تعد نيران الصواريخ ولا قذائف الطائرات هي الوسيلة الوحيدة للحرب في هذه الأيام, بل إن هناك وسائل متعددة في تدشين الحروب وتهيئة الأجواء والنفوس للنصر أو الهزيمة.
ومن الوسائل القوية في عصرنا الحالي - كما رأينا ونري - الإعلام بوسائله المختلفة, بل إن أثره أضحي أقوي من الوساء المعهودة والمعروفة, فعن طريق الإعلام - سواء كان صادقًا أو كاذبًا - يتحقق جزء كبير من النصر أو الهزيمة, والدول والكيانات التي تملك أجهزة الإعلام القوية هي التي تستطيع بقدر كبير أن تحول الهزيمة نصرًا والنصر هزيمة.
فمنذ بدايات الكلام عن الحملة الأمريطانية علي العراق كان الإعلام الأمريكي والبريطاني لا يتحدث في الحرب والتخطيط, كيف تبدأ وكيف يقاتل الجندي وما الإمكانات المختلفة المطلوبة.. إلخ, إنما كان حديثه عما بعد الحرب وعن عراق ما بعد صدام, وكأن الحرب محسومة والنصر محقق, وفي هذا من الخطر ما فيه» إذ يهيئ الإعلام بذلك النفوس والرأي العام العالمي لاستقبال أنباء الهزيمة بسهولة ويسر, فضلاً عن أن يفت ذلك في عضد العراقيين ويهزمهم نفسيًا قبل خوض المعركة, وتبدأ الهزيمة الحقيقية من الهزيمة النفسية.
ولذلك حرصت أمريكا وأوربا وإسرائيل علي أن تمتلك من وسائل الإعلام وتقنياته الحديثة وعالميته الشاملة وقدراته الجبارة ما يستطيع أن يدشن به حربًا لا تقل في قوتها عن حرب المدافع والطائرات.
ومن ذلك ما نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» في 16/3/2003م من أنه بدأت «قناة التاريخ الإسرائيلية» التي تبث برامج تتعلق بتاريخ دولة إسرائيل والشعب اليهودي, في نهاية الأسبوع, بدأت ببرنامج بث كامل يغطي القارة الأمريكية, بما في ذلك كندا والولايات المتحدة وجنوب أمريكا.
وقال الخبر إنه من المتوقع أن تنضم القناة التي تبث باللغة الإنجليزية في الأشهر القريبة, إلي رزمة قنوات التلفزة التي تزودها شركة (Yes) الإسرائيلية, وذلك بعد أن تمنح صفة «قناة مستقلة» من قبل سلطة البث بالكوابل ومع البدء بتشغيل القمر الاصطناعي «عاموس 2» الإسرائيلي, وستتناول قناة التاريخ القضايا المتعددة التي ستعني بها, تاريخ الحركة الصهيونية والاستيطان واللغة العبرية والجيش الإسرائيلي والكارثة والمهجر.ومن الجدير بالذكر والتأمل أن القناة أُنشأت مركزًا لمعلومات محوسب يحوي 0008 فيلم تاريخي جُمعت من إسرائيل, ومن جميع أنحاء العالم وامتلكت أرشيفًا مصورًا.
ويرأس القناة المدير العام, تسفرير رونين, الذي يري في القناة مصدرًا دعائيًا أيضًا. و قال رونين: «إننا كدولة صغيرة تصارع علي البقاء أمام مليار مسلم يطمح جزء منهم إلي تدميرها علنًا, فإن للقناة دورًا حاسمًا في المعركة علي الرأي العام العالمي وعلي إنشاء مركز معلومات صحيحة أمام موجة التحريف المنهجي لبعض وسائل الإعلام العالمية». وفي 4/2/2003م نشرت نفس الصحيفة خبرًا عن معلومات إنشاء قناة إسرائيلية باللغة العربية, وذلك خلاف القنوات الثلاثة الأخري, قناة الموسيقي, وقناة الأخبار, وقناة باللغة الروسية, والتي يمثل انطلاق الأخيرة عهدًا جديدًا للجمهور الإسرائيلي الناطق بالروسية, الذي يربو عدده علي 1.2 مليون نسمة, ولا شك أنها ستقوم ببناء جسر بين الجمهور الإسرائيلي الناطق بالروسية والجمهور المولود في إسرائيل, وأن تسهم في استيعاب الجمهور الروسي بسهولة وبسرعة.
إضافة لذلك سوف يتم بث قناة باللغة العربية من قبل شركات البث التليفزيوني عبر الكوابل وشركة (Yes) وبواسطة الأقمار الاصطناعية المتفوحة» لتخاطب المواطنين العرب في إسرائيل, والعرب في دول المنطقة والمهتمين في شئون الشرق الأوسط.وقالت المحامية دوريت عنبار - رئيسة سلطة البث عبر الكوابل بالأقمار الاصطناعية -: إن أهمية القناة العربية تكمن في استجابتها لاحتياجات المشاهدين العرب في إسرائيل الذين يتابعون القنوات العربية التي تبث من دول أجنبية, وأضافت عنبار» أن القناة ستدفع الإبداع والمبدعين العرب في إسرائيل إلي الأمام, إذ لم يجدوا بعد بيتًا لائقًا يحتوي مواهبهم».
هذا فيما يخص إسرائيل بينما نشر موقع الجزيرة علي الإنترنت في يوم الثلاثاء 22/1/1424هـ الموافق 25/3/2003م, أن فرنسا تدرس إنشاء محطة تلفزيون دولية بالفرنسية, وقال المتحدث باسم مجلس الوزراء الفرنسي جان فرنسوا كوبي «إن ما يحدث الآن يثبت مدي فائدة أن تكون هناك قناة دولية ناطقة باللغة الفرنسية».
وتقول وثيقة تقع في أربع صفحات صاغها فريق عمل رافاران: إن العملية يمكن إدارتها بواسطة جهة خاصة أو القطاع العام أو كليهما وستحظي بتمويل من الدولة.
واعتبرت الوثيقة «أن الغرض - من المحطة - هو ضمان المزيد من الحضور الملموس والمهم لفرنسا في وطيس معركة التلفزيون العالمي», مضيفة أن ذلك «سيسهم في الاستراتيجية طويلة المدي لتحقيق النفوذ الفرنسي في العالم».
وقال المسئولون إن الهدف هو إطلاق المحطة في عام 2004 علي أن تكون اللغة الفرنسية هي اللغة الأساسية ويمكن أن تتضمن بعض البرامج الإسبانية والعربية.وتبحث السلطات الفرنسية هذه المسألة منذ فترة وتري في المحطة المقترحة وسيلة لنشر النفوذ الفرنسي إلا أن رغبتها في المضي قدمًا زاد بوضوح بعد خوض القوات الأمريكية والبريطانية حربًا ضد العراق علي غير رغبة باريس.
هذا هو ما تصنعه إسرائيل, أطلقت قناة «للتاريخ»! ولم تبلغ من العمر ستة عقود من الزمان, واستطاعت القناة أن تنشيء مركزًا لمعلومات محوسب يحوي 0008 فيلم تاريخي جُمعت من إسرائيل, ومن جميع أنحاء العالم وامتلكت أرشيفًا مصورًا ومعبرًا عن أحداث هذه الأفلام, بينما الأمة العربية والإسلامية بلغت بحضارتها وتاريخها أكثر من أربعة عشر قرنًا ومع ذلك لم تستطع بهيئاتها ومؤسساتها - وما أكثرها وأعرقها وأقدرها - أن تقوم ببث قناة عربية إسلامية عالمية معتبرة تعرض الإسلام بتعاليمه الإنسانية وتبين العروبة بصورتها العريقة, وبلغات متعددة في زمن أصبح الإسلام فيه مجرمًا» لتقدم دينها كما ينبغي, وتبرز حضارتها التي أسعدت العالم كله قرونًا طويلة.وهذه فرنسا التي تخطط من الآن لإطلاق قناة في العام 2004م» لنشر النفوذ الفرنسي, ولضمان المزيد من الحضور الملموس والمهم لفرنسا في وطيس معركة التلفزة والإعلام العالمي.
ماذا قدم الإعلام العربي في عصر الإنترنت والأقمار الصناعية والفضائيات? إن صحافتنا العربية بشكل عام - إلا ما رحم ربي - يمكن تسميتها بـ«صحافة الببغاء».إن عقلية التبعية وما أفرزته عجز واتكالية في الصحافة العربية والإعلام, ومن ثم التحول إلي قنوات مرددة ومستهلكة للبضاعة الإعلامية الغربية, تسببت في نشوء أزمة أخري, هي أزمة المصطلحات ودلالاتها, فصار السياسيون والإعلاميون وغيرهم يستخدمون المصطلح الآتي من وراء البحار ويرددونه دون تمعن في مدلولاته ومعانيه الحقيقية ومضامينه.. مصطلح «الإرهاب» مثلاً حين يتم ربطه بكل ما هو إسلامي. مصطلح «الشرق الأوسط» الذي يقصد به العالم العربي في وجود الدولة العبرية, يتم تداوله بصورة لافتة للانتباه, ومصطلح «الأصولية» الذي صار يقصد به التطرف الإسلامي, إلي غير ذلك من المصطلحات.
إن إعلامنا وصحافتنا العربية يقرر واقعها الحالي أنها إما أن تكون مع الحكومة فتأمن جانبها وتستفيد ماديًا وإن خسرت ثقة القراء والمستمعين, أو تكون ضدها فتكون صيدًا سهلاً لحكومات أو جهات أخري, تتلقي منها الدعم اللازم لاستمرارها, رغم أن تلك النوعية من الصحف والمجلات تحاول قدر المستطاع إخفاء مصادر تمويلها, إلا أن انكشاف أمر دعمها وتمويلها يكون غالبًا سهلاً علي الراغب في معرفته وذلك من خلال طريقة إعداد وعرض الأخبار والأحداث عن الجهة الداعمة, وصحافة المهجر أبرز الأمثلة.
إذن فالصحافة العربية الحالية غارقة في التمجيد والتضليل في آن واحد تتغني بأمجاد وإنجازات النظام أو الحزب أو الفرد في كل مناسبة وحدث, بداع أو بدون داع, وبسبب ذلك فقدت المصداقية بين الشعوب الذين تحولوا إلي الموارد الإعلامية الخارجية, رغم ما فيها من خطورة.
فمتي يفطن القائمون علي الإعلام في العالم العربي والإسلامي إلي خطورة ما يحاك ضد العرب والمسلمين من قبل مؤسسات ضخمة تستخدم الإعلام بمهارة وفاعلية لتأجيج روح العداء والخصومة بين المسلمين والغرب لصالح الكيان الصهيوني? ومتي يملكون زمام المبادرة والمبادأة ويتركون التبعية والتقليد الأعمي, خاصة أن العرب يملكون من الطاقات والقدرات ما يكفي لذلك وأكثر منه?
جريدة آفاق عربية العدد 611 بتاريخ: 12/06/2003م.

في رحيل عالم حلب الشهباء .. الشيخ عبد الله سراج الدين

في رحيل عالم حلب الشهباء .. الشيخ عبد الله سراج الدين
بقلم: وصفي عاشور أبو زيد(*)

انضم إلي قافلة الراحلين من العلماء إلي الدار الآخرة الشيخ عبد الله سراج الدين, العلامة المحدث المفسر الفذ, الذي ودعته مدينة حلب الشهباء مساء يوم الاثنين 20 من ذي الحجة 1422هـ, الموافق 4/3/2002م.
وهو استكمال لسلسلة البلاء الذي كتبه الله علي الأمة في الآونة الأخيرة من قبض العلم بقبض العلماء, كما روي البخاري بسنده عن عبد الله بن عمرو, قال سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد, ولكن يقبض العلم بقبض العلماء...».
وموت العلماء - كما جاء عن السلف - مصيبة, و مؤذن بخراب الدنيا, فإن أعظم ما تصاب به الأمة بعد مصابها بسيد الأنبياء - صلي الله عليه وسلم - أن تصاب في علمائها وقادة الرأي فيها.
ومن أشد الأخطار التي تهدد الأمة - لا سيما في ظروفنا الحالية - أن يموت العلماء, ويبقي الجهلاء الذين يُستفتون فيفتون بغير علم, فيضلون ويضلون.
وقد اشتد عجبي وذهب بي كل مذهب عندما مات الرجل ولم يسمع به أحد, بل مر علي موته ما يقارب الشهرين, ومع ذلك لم تكتب عنه جريدة رسمية أو غير رسمية, ولا ذكره أحد من أهل العلم والفكر باستثناء أستاذنا العلامة الشيخ يوسف القرضاوي, وهو يتحدث عن مناسبة الهجرة في برنامج «الشريعة والحياة» قال عنه: «فقد جرت عادتنا في هذا البرنامج أن نودع العلماء الكبار الذين يرحلون عن عالمنا هذا ويفارقوننا إلي العالم الآخر, وفي الأسبوع الماضي ودع إخواننا في سوريا الشقيقة وفي حلب الشهباء أحد العلماء الكبار الربانيين الذين عاشوا للعلم وللدين و للدعوة وللتربية وهو الشيخ عبد الله سراج الدين, نسأل الله - سبحانه وتعالي - أن يتغمده برحمته وأن يسكنه الفردوس الأعلي, الشيخ عبد الله سراج الدين رجل علم ودين وهو وارث العلم عن أبيه وهو من أقران أخينا وصديقنا الحبيب - رحمة الله عليه - الشيخ العلامة المحدث عبد الفتاح أبو غدة, وهذا الرجل كان من علماء الحديث ومن علماء الفقه, ومن الدعاة والمربين حتي قالوا إنه كان يحفظ كتاب «تيسير الوصول إلي أحاديث الرسول» يحفظه برواياته وألفاظه ويذاكره مع تلاميذه.
لم أسعد باللقاء مع الشيخ عبد الله سراج الدين, ولكني عرفته من مريديه ومن تلاميذه الذين حكوا لي عنه حكايات كثيرة, ومنهم الأخ العزيز الحبيب العالم الباحث الداعية الشيخ مجد مكي.
والشيخ عبد الله سراج الدين هو خال أخينا وصديقنا العالم الباحث الجليل أستاذ التفسير والحديث الأستاذ الدكتور نور الدين عتر, وهو أستاذ الأخ العالم الباحث الشيخ محمد عوامة, فهذا الرجل ودعه إخواننا في مدينة حلب الشهباء, فنحن نعزيهم ونعزي أنفسنا معهم, ونحن الآن في هذه الأيام يرحل الكثير من العماء الكبار عن هذه الأمة ونسأل الله تعالي أن يعوضهم خيرًا». أ.هـ.
يعتبر الشيخ سراج الدين أحد كبار علماء بلاد الشام, الذين تخرج علي يديهم كثير من العلماء والمفكرين الذين تبوءوا مناصب رفيعة, من أخصهم: د. عبد المجيد معار, ود. عبد الستار أبو غدة, ود. أحمد الكردي, د. محمد أبو الفتح البيانوني.
ولد عام 1924م لأسرة معروفة بالتقوي والصلاح, حيث كان والده «محمد نجيب سراج الدين ت: 1954م» من أكبر علماء مدينة حلب في عصره.حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة, ولازم والده, وتلقي العلم علي يدي عدد من علماء عصره, منهم الشيخ أحمد الشماع, والشيخ محمد راغب الطباخ, والشيخ محمد سعيد إدلبي.
أسس بحلب جمعية التعليم الشرعي التي تقوم علي التدريس للطلاب ورعايتهم, وكان - رحمه الله - مديرًا لها.
كان له نشاط تدريسي بارز في مساجد سوريا خاصة مدينة حلب, وذلك بعد الصلوات المختلفة من بينها صلاة الفجر, في التفسير ومصطلح الحديث والأخلاق والتصوف وغيرها.
وقد كان - رحمه الله - يمتاز في دروسه باستحضاره للنصوص, ومخاطبة العقل والقلب معًا, وكان كبير التأثير في العامة والخاصة, شهد له بذلك الجموع الحاشدة التي كانت تتدافع علي دروسه.
أقام أربع سنوات مجاورًا في المدينة المنورة ثم رجع بعدها إلي حلب ليعقد مجالسه العلمية, ويلتف الناس حوله من جديد.
وفي آخر حياته ألمّ به مرض مال معه إلي العزلة, وعكف علي إخراج بعض مؤلفاته التي تجاوزت العشرين في الحديث والتفسير والأخلاق وغيرها.
ففي التفسير فسر سور: (الفاتحة, وق , والحجرات, والملك, والإنسان, والعلق, والكوثر, والإخلاص, والمعوذتين) كل سورة في مجلد مستقل, كما كتب «هدي القرآن, إلي الحجة والبرهان», و«هدي القرآن إلي معرفة العوالم والتفكر في الأكوان».
وفي العقيدة ترك لنا «الإيمان بالملائكة», و«الإيمان بعوالم الآخرة ومواقفها».وفي مصطلح الحديث: «شرح المنظومة البيقونية».وفي الآداب والأخلاق: «الهدي النبوي والإرشادات المحمدية إلي مكارم الأخلاق», و«التقرب إلي الله», و«صعود الأقوال ورفع الأعمال إلي الله الكبير المتعال». وغير ذلك من مؤلفات, إلي أن كان آخرها حول ترجمة والده, أسماها: «المرحوم العارف الكبير: محمد نجيب سراج الدين».
هكذا يموت العلماء دون أن يحفل بهم أحد من ملأ الأرض, ولكن حسبهم الاحتفال الذي يجدونه في ملأ السماء.
وعزاؤنا ما تركوه من علم وفكر نحيي به ذكرهم, و نجد فيه بعدهم تعزية وسلوي.وقد قال ألكسيس كارليل صاحب كتاب «الإنسان ذلك المجهول»: «وتشعر الجماهير بالألم حين لا تجد أحدًا تعجب به, ومن حسن الحظ أن المجتمع لا يتكون من الأحياء وحدهم, بل من الأموات أيضًا, فعظماء الراحلين لا يزالون يحيون بيننا».
نسأل الله أن يتغمد الشيخ بواسع رحمته, وأن يهيئ لنا علماء يقومون بحجته في الأرض, ولله الأمر من قبل ومن بعد, وإنا لله وإنا إليه راجعون.* باحث بقسم الشريعة - دار العلوم.

جريدة آفاق عربية العدد 556 بتاريخ: 09/05/2002م.

عمرو خالد .. وافتراءات صحفية

عمرو خالد .. وافتراءات صحفية

بقلم: وصفي عاشور أبو زيد
باحث في العلوم الشرعية
نشرت جريدة القاهرة الأسبوعية في عددها رقم 123 الصادر يوم الثلاثاء 20/8/2002 مقالاً للدكتور إبراهيم محمد مسعود عن الأستاذ عمرو خالد وجعلته - للأسف الشديد- من العناوين الرئيسية في الصفحة الأولي, جاء عنوانه في الصفحة الأولي: «عمرو خالد يدعم زعم اليهود بأن هيكل سليمان تحت المسجد الأقصي, وفي صفحة رقم 17 نشرت المقال بعنوان : «فتاوي عمرو خالد خطيرة تمس حقوق المسلمين».
يقول فيه: «سمعته في برنامجه علي قناة اقرأ الفضائية يوم الجمعة 10/5/2002 وهو يدعي بكل بساطة أن من بني المسجد الأقصي هو نبي الله داود عليه السلام في مكان بيت رجل يهودي, وأن الله سبحانه وتعالي هو الذي أمره بأن يبنيه في ذلك المكان, وأن من أكمل بناء المسجد الأقصي هو نبي الله سليمان عليه السلام, وبالطبع فإن هذه المقولة تدعم قول اليهود بأن معبدهم - هيكل سليمان - يقع تحت المسجد الأقصي, وأن لهم الحق في هدمه لإعادة بناء الهيكل».
ثم يقول: «نناشدكم أن تنادوا بأن يقوم متخصصون بتفنيد ما يبثه «الداعية» - هكذا بين قوسين - عمرو خالد قبل أن ينتشر هذا الهراء بين العامة ويصبح من المسلمات, خاصة أنني سمعت له شريطًا عن «الأمانة» يقول فيه إن التدخين ليس حرامًا (وهو قد يكون موضوعًا خلافيًا ولو أنه صدرت به فتاوي من عدة مجامع فقهية) ولكن يعتبره مكروهًا, لكن بما أن الشخص يشرب أكثر من خمس سجائر في اليوم فإنه يقول إنه بذلك يصبح حرامًا (بقة خمسة مكروه ما يعملوش حرام واحد ?? ودا حتة في الكورة كان القانون أنه أربعة كورنر يتحسبوا جون).
ثم يقول الدكتور: «هذا هو مستوي الانحطاط الفكري, وهذا هو مستوي التجرؤ علي الدين, حتي إن الحرام الذي هو بيّن أصبح مسخرة يتجرأ عليها غير المتخصين, وأصبح لدينا تشريع بعد سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام بأن (خمسة مكروه يساوي واحد حرام) من شخص يدعي أنه لا يفتي إلا أن ضرره يتجاوز ضرر من يفتون بغير علم».ثم يقول في النهاية: «وفقكم الله للذود عن الحق ونجانا من أمثال هؤلاء الذين يتم تلميعهم وفرضهم علي الساحة علي أمل أن تطرد العملة المزيفة العملة الأصيلة». أ.هـ
ولومي الشديد هنا يقع علي الأستاذ صلاح عيسي - رئيس التحرير- لأن المقال منقول عن صحيفة «الشرق الأوسط» والأستاذ صلاح من باب الأمانة الصحفية وصحة المعلومة التي هي أهم شيء عند الصحفي - لم يكلف نفسه قبل أن ينشر هذا الافتراء أن يرجع علي الأقل إلي الشريط الذي يقول فيه الأستاذ عمرو إن التدخين أمر مكروه وليس حرامًا, أو هو أمر خلافي بين الفقهاء.
ولا أتكلم عن قضية المسجد الأقصي لأنني لم أسمعه في هذه الحلقة, إنما أتحدث هنا عن شريط «الأمانة» الذي ذكره الدكتور.
رجعت إلي الشريط واستمعت فيه إلي الأستاذ عمرو وهو يتحدث عن مفهوم الأمانة وكيف أن مفهومها واسع لا يقتصر علي ما تعارف عليه الناس من أن الأمانة هي أمانة الأموال فحسب. ومن الأمانات التي ذكرها أمانة الصحة, هذه الصحة التي نهدرها في التدخين المحرم, قال الأستاذ عمرو ما نصه - وأعتذر للقارئ سلفًا عن نقل الكلام بالعامية, لكني مضطر لأمانة النقل: «صحتك أمانة ولاّ لأ? الناس اللي بدّخّن! عمرك فكرت إنك خنت أمانة الصحة اللي ربنا ادّهالك? متقولّيش لأ, التدخين طلع مش حرام طلع مكروه, طيب ما أنت بتاخد«عشرين» - لاحظ أنه قال عشرين ولم يقل خمسة - مكروه كل يوم, كل يوم عشرين مكروه ميعملوش واحد حرام? وهنا يضحك الأستاذ عمرو ويضحك معه الجمهور - دا احنا واحنا في المدرسة كان يقولّك الأربعة كورنر بجون».
هذا ما قاله الأستاذ عمرو, لم يقل إن التدخين مكروه ولم يصدر فتوي بذلك, إنما هو يفترض أنه مكروه علي رأي من يقول بذلك من الناس, ثم يمزح مع الجمهور بهذا العشرين مكروه.
هل هذا يستدعي هذه الضجة الكبري, ثم يسوغ نشر الخبر في بدايات الصفحة الأولي , إلا أن يكون من باب استجلاب جمهور القراء لشراء الجريدة بنشر خبر في البداية عن عمرو خالد?! لماذا لم يدعُ الدكتور الفاضل إلي تقويم الداعية عمرو خالد عن طريق أهل التخصص إن كان يريد الإصلاح حقًا? ثم ألم يظهر من عمرو خالد إلا الأخطاء والفتاوي التي تمس حقوق المسلمين?? إن الأمر كما قال الشاعر :
وعين الرضا عن كل عيب كليلةولكن عين السخط تبدي المساويا
أين الألوف التي لم تكن تفقه من أمر دينها شيئًا من شباب الخنافس والموضات, ثم أصبحت بفضل الله شفافة النفس مرهفة الحس قريبة الدمعة, بل إن كثيرا منهم صار من الدعاة إلي الله, علي طريقة «بلغوا عني ولو آية», إلي غير ذلك من أمر الشابات والفنانات.
الذي حدث نا هو خطأ مركب في حق الدكتور كاتب المقال, إنه لم يسمع بإنصاف وموضوعية, ثم أخطأ في نقل الخطأ في رأيه, وهو «عشرين» مكروه التي نقلهاخمسة, وهذا لا يعنينا إنما أشير إلي خطأ النقل, لكن تركيب الخطـأ يزداد في حق الأستاذ صلاح عيسي الذي نقل خطأ يحتوي علي مغالطات.
وعلي الرغم من أن الأستاذ عمرو خالد ينقصه بعض أدوات الداعية - وهو يجتهد في استكمالها بانتسابه إلي معهد الدراسات الإسلامية, وبإعداده رسالة ماجستير في الاقتصاد الإسلامي - فإنه قد لمس جوانب إسلامية لم يتحدث عنها قبله كثير من الدعاة.إن الأستاذ عمرو اهتم بالجوانب الأخلاقية, وهو الجانب الذي انحصرت رسالة الإسلام فيه: بل هو غاية العبادات وهدف الشعائر الكبري «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».كما يُبرز جوانب الذوق الرفيع في الأقوال والأفعال والمعاملات, ويولي الجوانب الاجتماعية اهتمامًا بالغًا, ويعرف جيدًا لغة القلوب وكيف يخاطبها ويطرق عليها ويصلحها, وبمعني آخر: يحيي في قلوب الناس روح الإسلام, ويبعث في نفوسهم جوهره وآفاقه.
ثم أقول للدكتور الذي ينادي المتخصصين أن يتصدوا لهذا الانحطاط - مع احترامي الشديد للتخصص والمتخصصين وأنا منهم - ماذا فعل المتخصصون الذين يعالجون قضايا الإسلام علي مكاتبهم بين الأوراق? أيهما أكثر أثرًا وتأثيرًا في الجماهير الغفيرة التي لم تتجمع حول داعية بهذا الشكل منذ فترة طويلة?? إن الجماهير العالمية من كندا وما بعدها غربًا إلي الهند وما بعدها شرقًا تتلهف علي سماع عمرو خالد.
لكننا للأسف عندما يظهر بيننا -أيًا كان سبب الظهور- من يبلغ دعوة الله ويلتف حوله الناس في الظروف القاسية التي نحياها, نقول «شيخ النوادي», و«شيخ المصايف», و«شيخ السهرات والقنوات الفضائية», و«العملة المزيفة أمام العملة الأصيلة» , ونقف له بالمرصاد ونتربص به الدوائر, وننشر عنه المفتريات والأكاذيب, ثم نقول إنه غير متخصص??
إنني أدعو الدكتور صاحب المقال إلي الاعتذار, كما أدعو الأستاذ صلاح عيسي إلي ذلك في نفس جريدة القاهرة حتي يرد للأستاذ اعتباره, ويصحح ما قرأه القراء خطأ.

جريدة آفاق عربية العدد 573 . بتاريخ: 05/09/2002م.

علي هامش الاحتفالات الوطنية بأعياد .. عبدالحليم حافظ

علي هامش الاحتفالات الوطنية بأعياد .. عبدالحليم حافظ!!
بقلم/وصفي عاشور أبو زيد

في الأيام القليلة الماضية وإلي الآن.. يحتفل التليفزيون المصري بذكري وفاة الفنان عبدالحليم حافظ علي القنوات المختلفة في الأوقات المختلفة , ولا شك أن الفن المحترم يشكل حيزًا كبيرًا من ثقافة الأمم ووجدانات الشعوب, لكن الاهتمام بالفن لا يصح ولا يؤتي أكله, إلا في المجتمعات التي تم فيها إصلاح البنية التحتية , فإن النبات لا يتم استنباته في الهواء ما لم تكن له تربة صالحة, وجو مناسب ورعاية منتظمة. لا يصح بحال من الأحوال أن نترك رجلاً يتشحط في دمائه من جراء حادث ثم ننشغل بترقيع ثوبه وتزيينه, أو نستخدم المراهم المختلفة في الأماكن الخارجية لجرح غائر يكاد يفتك بصاحبه.
ولا يشك عاقل في أنه من أهتمامنا بجسد الأمة وروحها اهتمامنا واحتفاؤنا بعلمائنا ومفكرينا الذين فنيت أعمارهم في سبيل إصلاح الأمة, وكرسوا جهودهم من أجل النهوض بها ورفعة شأنها.
لقد توفي في نفس الشهر الذي توفي فيه «العندليب» ثلاثة من أعلام الفكر والعلم في مصر لماذا لا نوفر مساحة في التليفزيون للاحتفال برجل مثل جاد الحق علي جاد الحق?! ذلك الرجل الذي توفي 15/3/1996م وقد كانت له مواقف جريئة , وكلمات شجاعة لصالح الإسلام والمسلمين, كما كان متعاونًا مع العاملين في الحقل الإسلامي, واقفاً كالصخرة الصماء التي تكسرت عليها مكائد المتغربين والعلمانيين الذين يريدون أن يسلخوا الأمة من جلدها , ويبعدوها عن شريعة ربها, فلم تلن قناته في مواجهتهم والتحدي لأباطيلهم.
رأينا ذلك بجلاء في موقفه من «مؤتمر السكان» الذي عُقد بالقاهرة, فقد رفض باسم الأزهر ما فيه من اتجاه إلي الإباحية الجنسية وشرعية الاجهاض, إباحة الشذوذ للرجال والنساء .. إلخ, وكذلك في «مؤتمر المرأة» الذي عقد ببكين, فقد شكل لجنة للرد علي وثيقة هذا المؤتمر وشارك النقابات التي عنيت بهذا الأمر مثل نقابة الأطباء , كما كان له مندوب في كل مؤتمر من المؤتمرات في أي بلد إسلامي, ولا ننسي موقفه من قضية فوائد البنوك التي أفتي بأنها هي الربا المحرم مخالفًا بذلك مفتي الجمهورية في ذلك الوقت د. محمد سيد طنطاوي, وكذلك موقفه من فيلم «المهاجر» الذي وقف ضده وحكمت المحكمة بمصادرته ومنعه, وفي أيامه الأخيرة أفتي بعدم السفر للصلاة في القدس حتي تتحرر وتعود للمسلمين.. إلخ ذلك من مواقف مشرفة يسجلها التاريخ له بكل حب واعتزاز.
وثانيهم هو المصلح الألمعي الشيخ محمد الغزالي وقد توفي في 9/3/1996 بعد أن قضي عمره في خدمة الإسلام والدعوة الي قيمه الرفيعة ومبادئه المثلي, وكان له فضل كبير في إعادة الهوية العربية والإسلامية لشعوب كثيرة لا سيما شعب الجزائر. لقد وفَّر نصف حياته الأول في محاربة الاستعمار والاستبداد السياسي وصد طعنات المستشرقين وسماسرتهم, وإرساء قواعد الدعوة إلي الله تعالي, بينما قضي شطر حياته الثاني في محاربة الفهم المغلوط للإسلام, وإصلاح الرؤوس السقيمة والآفاق الضيقة التي هي بمعزل عن مفهوم الإسلامي الشامل , وبمنأي عن قيمه الشريفة, ومبادئه العليا.
وثالثهم هو الأستاذ الكاتب خالد محمد خالد الذي توفي في الشهر نفسه من العام الذي توفي فيه الشيخ الغزالي, ورغم كتابه «من هنا نعلم», كانت تحمل توجهًا علمانيًا صرفًا يرفض القول بأن الإسلام دين ودولة, إلا أنه انحاز بعد ذلك إلي الأصالة الإسلامية وخلّف لنا ذخيرة من «رجال حول الرسول» و«خلفاء الرسول» و«الوصايا العشر لمن أراد أن يحيا» وغيرها من الكتب التي يجمع فيها بين الفكر والأدب.
إذا لم نحتف ونحتفل بهؤلاء فبمن نحتفل?!! بالمطربين والفنانين ولاعبي الكرة? ربما..أخشي أن يصدق علينا القول بأن مصر تتنكر لعلمائها أمواتًا وأحياءً, وما التعتيم علي الأستاذ أنور الجندي - الذي رحل مؤخرًا - ببعيد.أرجو أن يأتي اليوم الذي تعتدل فيه الأمور, وتستقيم فيه الموازين, ويتبوأ فيه العلماء مكانتهم وقيمتهم.

جريدة آفاق عربية العدد 553 بتاريخ: 18/04/2002م.

عشرون عامًا علي مذابح صابرا وشاتيلا

عشرون عامًا علي مذابح صابرا وشاتيلا
بقلم/ وصفي عاشور أبو زيد

يمر علي العالم هذه الأيام ذكري أليمة لم تحظ باهتمام إعلامي يناسب ما حدث فيها من آلام وانتهاكات إجرامية, في الوقت الذي مُلئ فيه العالم كله مؤتمرات وأحاديث صحفية وإذاعية وتلفازية بالذكري الأولي لهجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001م. وهذا يرجع إلي مدي تقدم الحضارات وتخلفها, فالحضارة المتقدمة تفرض وجودها وقوتها علي العالم كله فيبدو الحدث - وإن كان مغمورًا - ظاهرًا واضحًا كبيرًا, فكيف إن كان له دوي هائل وأثر كبير, وأحدث زلزلته وتغييره للنظام العالمي كله? والعكس سواء بسواء» فالحضارة المتخلفة التي ترسف في قاع التخلف والتردي لا يهتم بأحداثها أحد, حتي لو كانت أحداثًا ضخمة مروعة كالتي حدثت في صابرا وشاتيلا منذ عشرين عامًا.
ذلك أنه في يوم السادس عشر من سبتمبر من عام 1982 اقتحم مسلحون لبنانيون مسيحيون مخيمي صابرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين في بيروت بعلم حلفائهم الإسرائيليين الذين كانوا يحاصرون المخيمين وارتكبوا مجزرة راح ضحيتها المئات من المدنيين الأبرياء بدافع الانتقام لعملية اغتيال رئيس الجمهورية الأسبق بشير الجميل. وقد استمرت عمليات القتل والذبح والاغتصاب لمدة ثلاثة أيام كاملة, ولم ُيُعرف حتي يومنا هذا عدد الضحايا الذي ربما بلغ الآلاف من الفلسطينيين, فيما يعد أبشع فصول الصراع العربي الإسرائيلي.
وإذا كان الأمريكيون - والعالم كله - قد استقبلوا الذكري السنوية الأولي لهجمات الحادي عشر من سبتمبر بمشاعر سيطر الذعر عليها, فإن الكثيرين من سكان صابرا وشاتيلا لا يزالون يعانون ظروف معيشية صعبة للغاية, ويكابدون آلامهم منذ عشرين عامًا مرت عليهم دون أن ينجحوا في تقديم الجناة في تلك المذبحة النكراء.
الذكريات الأليمة لا تزال حية في أذهان سكان شاتيلا, وقد ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) علي الإنترنت أنه في عام 2001 سعي محامون يمثلونها ومعها أكثر من عشرين من أقارب ضحايا المذابح, لمحاكمة أرييل شارون (وزير الحرب الإسرائيلي في وقت المذبحة, ورئيس الوزراء الحالي) بموجب قانون بلجيكي يسمح للمحاكم البلجيكية بمحاكمة مجرمي الحرب بغض النظر عن مكان ارتكاب جرائمهم. وقد تحمس أقارب الضحايا لتلك المحاولة» إذ كانت لجنة تحقيق إسرائيلية قد خلصت إلي أن شارون «يتحمل مسئولية شخصية» عن المذابح, وأوصت اللجنة بعدم تولي شارون أي مناصب حكومية. لكن آمال أقارب الضحايا تبددت في يونيو من عام 2002 عندما رفض قضاة بلجيكيون قبول الدعوي المقامة. وقد نجا شارون من المحاكمة بفضل ثغرة قانونية (تمثلت في وجوده خارج بلجيكا), وهو ما سبب الإحباط الشديد لأناس أمضوا عشرين عامًا يعانون الجروح النفسية والبدنية للمذابح.
وإذا كانت أمريكا أعلنت مؤخرًا في قضايا رفعتها ضد 600 فرد من السعودية وغيرها أنها تطالب بـ116 تريليون دولار (التريليون ألف مليار) تعويضًا عما حدث في 11 سبتمبر 2001م, فبكم نطالب نحن إذن لكي نستوفي حقوقنا مما حدث في هذه المذبحة المروعة, وفي غيرها من مذابح??
وبالطبع لن يتمكن سكان صابرا وشاتيلا من إقامة مراسم مهيبة كتلك التي أقيمت في نيويورك وواشنطن, حيث قال القادة الأمريكيون للعالم إن قوة واشنطن العسكرية ستقي الشعب الأمريكي, وستحقق العدالة للضحايا, وستنتصر علي الشر مهما كانت التكلفة. لكن لن يقف أحد في أي مكان بالعالم دقيقة صمتي حدادًا علي أرواح الضحايا الأبرياء, ولن تركز وسائل الإعلام العالمية علي معاناة الناجين في تلك المذبحة الوحشية.

جريدة آفاق عربية العدد 577 بتاريخ: 03/10/2002م.

المقاطعة الاقتصادية وصعوبة الفتوي

المقاطعة الاقتصادية وصعوبة الفتوي
بقلم: وصفي عاشور أبو زيد
باحث في العلوم الشرعية
أفتي علماء المسلمين الثقات بحرمة شراء البضائع الصهيونية باعتبار إسرائيل العدو الأصلي الأبدي, أو السلع الأمريكية باعتبار أمريكا هي المعوان الرئيس لإسرائيل, وهذه الفتوي لها ما يؤيدها من الأدلة في سيرة الرسول - صلي اللّه عليه وسلم - العملية, فقد خرج يوم بدر يبغي ضرب قريش في فقار اقتصادها, وهو السلاح الذي استخدمته مكة ضد المسلمين حين حاصروهم اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا في شًعب أبي طالب, ومن أدلة الأصول عندنا المصلحة المرسلة, فالهدف هو ردع وزجر العدو عما يرتكبه من جرائم بشعة في حق المسلمين, وأي وسيلة تحقق هذه الغاية فهي مشروعة من باب المصلحة المرسلة التي تقوم علي درء المفسدة وجلب المصلحة.
والمقاطعة أمر مشروع دوليًّا, فقد أنشأت جامعة الدول العربية جهاز المقاطعة الاقتصادية للكيان الصهيوني في عام 1591م وهو الجهاز العربي الوحيد الذي عمل بكفاءة وفاعلية منذ بدايته, وقد بدأ تاريخ المقاطعة العربية للكيان الصهيوني رسميًّا عام 5491م عندما اتخذت جامعة الدول العربية قرارات وتوصيات بضرورة المقاطعة الاقتصادية للكيان الصهيوني.
كما نص ميثاق الأمم المتحدة في المادة رقم 15 علي الآتي: «ليس في هذا الميثاق ما يُضعف أو يُنقص من الحق الطبيعي للدول - فرادي وجماعات - في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة علي أحد أعضاء الأمم المتحدة. وأشار الميثاق إلي حق الدول في وقف المواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية ووقف كل العلاقات الاقتصادية.. وهو ما يؤكد أن المقاطعة العربية ضد الكيان الصهيوني أمر مشروع في السياسة الدولية.
وإنها لقيمة عالية في المجتمع العربي أن ينشأ الفتيان والأطفال منا علي الكراهية والبغضاء والمقاطعة لهذا العدو القديم الجديد, فهو بعد نفسي له ما بعده تجاه الكيان الصهيوني.
والفتوي في الشريعة الإسلامية تقوم علي ركنين أساسيين: الأول: فقه ما يتصل بموضوع الفتوي في القرآن والسنة وما يتصل بذلك من شروط موجودة باستفاضة في كتب الأصول, والركن الثاني: فقه الواقع فقهًا صحيحًا شاملاً عميقًا حتي يتم تنزيل الحكم الشرعي في الواقع علي بصيرة» ذلك أن صحة الفتوي يمثل فيها فقه الواقع المتصل بموضوع الفتوي 05% علي الأقل.
وما نحن بصدده تقوم الفتوي فيما يتصل بفقه الواقع علي تحقيق الزجر والردع للعدو, وهذا يتوقف علي معرفة أبعاد متنوعة ومتشابكة تحتاج الكثير من المتخصصين في مجالات مختلفة يقولون كلمتهم, كلّى في مجاله, ثم يأتي بعد ذلك دور الفقيه الذي ينزًّل الحكم الشرعي علي أساس ما توافر عنده من علم بالواقع من خلال أهل الذكر.
والذي يظهر في بلاد العرب هي المقاطعة الاقتصادية للكيان الصهيوني, وهنا نثير سلسلة من التساؤلات الغائبة البالغة الأهمية: هل أحطنا بحجم الاقتصاد الصهيوني حتي ندرك مدي الزجر الذي سنحققه? هل أدركنا حجم الاقتصاد الأمريكي, ما دامت العلة في الفتوي تقوم علي تحقيق الزجر وإلحاق الردع? هل علمنا حجم الخسائر التي ستحققها المقاطعة? وماذا تساوي هذه الخسائر إذا قورنت بالاقتصاد الإسرائيلي فضلاً عن الاقتصاد الأمريكي? بل ماذا يساوي الاقتصاد العربي مجتمعًا في ركاب الاقتصاد الأمريكي? هل المقاطعة الاقتصادية تنحصر في «إريال» و«الكولا» و«المطاعم الأمريكية», أم أنها تتعدي إلي مستوي اقتصادي شامل وأعلي مثل شراء السيارات والطائرات وغيرها? وهل هذه الشركات والهيئات ملك خالص لأمريكا أم أن لها شركاء آخرين من العرب وغير العرب? وهل أسواق الاقتصاد الصهيوني والأمريكي قاصرة علي بلاد العرب وحسب لا سيما في ظل عولمة الاقتصاد? أم أن له أسواقًا أخري واقتصادًا آخر في بلاد مختلفة? وهل هناك انفتاح اقتصادي للدول العربية علي العالم, وتزايد درجة اندماجها في الاقتصاد العالمي, وهو ما يعني أن تأثر المصالح العربية بتنشيط المقاطعة الاقتصادية للكيان الصهيوني وللشركات التي تتعامل معها سيكون أكثر اتساعًا, مما كانت عليه في الماضي? وهل المقاطعة يوم أو يومين ثم نرجع إلي ما قاطعناه بمجرد هدوء مشاعرنا? وهل المقاطعة تكون شعوبًا وحكومات أم شعوبًا فقط وتقوم الحكومات بمعارضة من يدعو إلي المقاطعة, فتهدم ما تبنيه الشعوب?ولك أن تتخيل هذا التشابك والتنوع في فقه الواقع الذي يجب أن يُعلم تمام العلم حتي لا نهرف بما لا نعرف, مع ملاحظة أن كل هذه التساؤلات وغيرها في جانب واحد فقط هو جانب الاقتصاد, والذي حجمناه بدوره في دائرة الـ«إريال» و«الكولا» و«المطاعم الأمريكية».
وهل يكفي في المقاطعة الجانب الاقتصادي وحده? هذا أيضًا يحتاج إلي تساؤلات ودراسات عميقة وشاملة لأوضاع من نريد مقاطعتهم. وإذا ثبت فشل الجانب الاقتصادي في المقاطعة, فإن أي جانب آخر يحتاج إلي تساؤلات لا تقل عن التساؤلات السابقة إن لم تزد. وإذا فشل جانب أو جانبان أو أكثر في تحقيق الردع والزجر للعدو, فهل المقاطعة في كل الجوانب تحقق ما نريد? وهل نحن قادرون علي ذلك?
المقاطعة ليست بالسهولة التي يتخيلها البسطاء من الناس, لا سيما في هذا العصر الذي يتميز بتشابك العلاقات الاقتصادية والمعاملات المختلفة. والرسول - صلي اللّه عليه وسلم - والمسلمون لم يكن لهم مورد آخر غير مكة حين حوصروا في شًعب أبي طالب, ولذلك حققت قريش درجة عالية من الردع والتجويع في المسلمين, وكذلك في غزوة بدر, كان اقتصاد قريش يتمثل فوق هذه العير التي عادت من الشام إلي مكة» ولهذا صاح صائحهم في مكة بعد أن ذبح ناقته ليحقق الانتباه والترويع: «أدركوا أموالكم وعيركم فإن محمدًا تعرض لها وأصحابه».
فهل أمريكا والكيان الصهيوني تنحصر أموالهما وعيرهما في بلاد العرب وحسب??كل ذلك يحتاج إلي المتخصصين والخبراء لا سيما في المجال الاقتصادي الذي تنحصر مقاطعتنا فيه من أمثال الدكتور عبد الحميد الغزالي, والدكتور حسين شحاتة, والأستاذ يوسف كمال, والأستاذ مغاوري شلبي, وغيرهم من الخبراء والمتخصصين في هذا الجانب, وقد قال اللّه تعالي: (فإسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمونّ} [الأنبياء: 7].

جريدة آفاق عربية العدد 581 بتاريخ: 31/10/2002م.

الشيخ محفوظ نحناح الظاهرة الجزائرية التي فقدتها الأمة

الشيخ محفوظ نحناح الظاهرة الجزائرية التي فقدتها الأمة
بقلم/ وصفي عاشور أبو زيد
منذ أكثر من ستين سنة في العام 1940م فقدت الجزائر مصلحها الثائر عبد الحميد بن باديس أحد رواد النهضة العربية والإسلامية, وفي عام 1959م رحل عنها المصلح الجزائري الفضيل الورتلاني, ومنذ ثلاثين سنة 1973م فقدت مفكرها الأكبر ومصلحها الأعظم مالك بن نبي, وها هي اليوم تودع أبرز قادتها المعاصرين, وأحد رجالات العمل الإسلامي فيها وفي العالم الإسلامي كله الشيخ محفوظ نحناح عن عمر يناهز واحد وستين عامًا, عليه رحمة اللّه.
لقد ودعت الجزائر هذا القائد المحنك وهي في أشد الحاجة إلي حنكته السياسية, وفكره السامق, وأفقه الرحيب.
ولد الشيخ محفوظ نحناح في يناير 1941 بمدينة البليدة - مدينة الورود - التي تبعد 50كم جنوب الجزائر العاصمة حيث ترعرع ونشأ في عائلة متدينة محافظة.
تعلم دروسه في المدرسة الإصلاحية التي أنشأتها الحركة الوطنية, والتي كانت تمثل رمز المقاومة والدفاع عن الذات العربية والإسلامية للجزائر من الانسلاخ والتغريب.وقد أكمل مراحل التعليم الابتدائية والثانوية والجامعية في الجزائر, حتي حصل علي الليسانس (الإجازة) في الآداب وعلم النفس الصناعي بالجزائر, ثم اشتغل في حقل الدعوة الإسلامية لأكثر من 40 عامًا, في مقابل المد الثوري الاشتراكي وفي مواجهة نشر الثقافة الفرنسية, حيث بدأ نشاطه الدعوي سنة 1960م بمساجد العاصمة, وكان يُدرًّس في الحلقات كتاب (ظلام من الغرب) للشيخ محمد الغزالي.
جهاده الإصلاحي
يعتبر نحناح - رحمه اللّه - من أشد معارضي التوجه الماركسي في وقته, كما كان يعمل علي المحافظة علي موروثات الشعب العقدية التي تخلي عنها من تبقي من رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بما جعله معارضًا لأصحاب العقائد الضالة المنتسبة إلي الإسلام من جهة, والعقائد الاشتراكية الوافدة من جهة أخري.
وفي سنة 1976 سجن بتهمة تدبير انقلاب ضد نظام الحكم آنذاك (هواري بومدين) حيث عارض فرض النظام الاشتراكي بالقوة علي المجتمع الجزائري باعتباره خيارًا لا يتماشي ومقومات الشعب الجزائري العربي المسلم, ودعا إلي توسيع الحريات السياسية والاقتصادية وحكم عليه بـ15 سنة سجنًا, وقضي منها 5 سنوات, كما حكم علي مجموعة من أقرانه بأعوام متفاوتة, وكان بسبب رفض حركته الإسلامية لمنحي الميثاق المكرس للاشتراكية, وكان السجن فرصة ثمينة للاستزادة من العلم من جهة والمراجعة للأمور الفكرية والسياسية من جهة ثانية, وقد تحول علي يديه خلق كثير من السجناء من الانحرافات السلوكية, وأصبحوا نماذج حسنة.
عمل الشيخ محفوظ نحناح علي تأسيس رابطة الدعوة الإسلامية رغبة منه في إيجاد مرجعية دينية للجزائريين تحفظ الشعب والبلد من كل انحراف, ثم أسس جمعية الإرشاد والإصلاح 1989م هو ورفيقه الشيخ محمد بوسليماني الذي اغتالته الجماعة المسلحة سنة 2991.
ثم بعد ذلك أنشأ حزبًا سياسيًا سمي «حركة المجتمع الإسلامي», وانتخب أول رئيس له في 30 مايو/ أيار 1991م, وانتمي إليها كثير من أعضاء جمعية الإرشاد والإصلاح, وبعد صدور القانون الجزائري الذي يحظر علي الأحزاب استعمال وصف «الإسلامي» في أسمائها غيرت حركة المجتمع الإسلامي اسمها إلي حركة مجتمع السلم (حمس), كما شارك في إنشاء رابطة الدعوة الإسلامية برئاسة الشيخ أحمد سحنون, وكان من بين أعضائها عباسي مدني وغيره من الوجوه الإسلامية المشهورة.
وقد شارك نحناح في عدة مؤتمرات وملتقات دولية في أوربا وأمريكا وآسيا وأفريقيا تتعلق بقضايا الإسلام والغرب وحقوق الإنسان والديمقراطية - لا سيما عن فلسطين وأفغانستان - والتقي أثناء زيارته لهذه الدول زعماء وكبار مسئوليها في كل من فرنسا, وأسبانيا, والسويد, والولايات المتحدة الأمريكية, وألمانيا, وبريطانيا, وإيطاليا, وسوريا, والأردن, والمملكة العربية السعودية, والسودان, وقطر, والكويت, والمغرب, وليبيا, وغيرها من الدول, كما شارك بقوة في صيانة الدولة الجزائرية من الانهيار ودافع عنها في المحافل الدولية وقدم في سبيل حمايتها واستعادة مؤسساتها والحفاظ عليها تنازلات كبيرة يعرفها الجميع.
حركة مجتمع السلم (حمس)
ومن الجدير بالذكر أن حركة مجتمع السلم تتبني توجهًا إسلاميًا معتدلاً, كما تتبني ثوابت الهوية الجزائرية (الإسلام والعروبة والتراث الأمازيغي), وتسعي لإقامة السلم والوئام الوطني في الجزائر بشكل غير مشروط, وتحافظ علي الظهور كحركة إسلامية ديمقراطية وطنية مسالمة, كما تركز في خطابها علي إعادة الأمن والاستقرار إلي الجزائر وعلي حماية حقوق الإنسان وكرامة المواطن.
وفي تقييمهم للحركة يعتقد الملاحظون أن خطابها يميل إلي النخبة باستنارة هذه الحركة عن غيرها من الحركات الإسلامية الجزائرية الأخري, وأنها منذ البدء كانت ترفض المصطلحات التي تعتبر السلطة عسكرية قمعية تقتقر إلي الشرعية الدستورية, أو إسقاط السلطة بالحسم العسكري أو تعديلها بالقوة الثورية, ومنذ نشأتها استطاعت الإفلات من أسر التداول العضوي لهذه المصطلحات التي كانت شائعة في جو المعارضة المتشددة والتي خسرت الكثير من أعضائها ومن شعبيتها, إلا أن الحركة لها تباين في الرأي داخل إطارها - وهذا دليل صحة وحياة - فهناك تيار محافظ يعتمد علي الحذر الشديد من مبادرات السلطة ويتعامل معها علي هذا الأساس, وآخر يحاول الاستفادة من كل المبادرات الإيجابية لاسيما التي أتاحتها السلطة للحركة, فالمنهج السياسي للحركة منذ نشأتها يتجه نحو المرونة في تصحيح الأوضاع وفق ثلاث قواعد: المشاركة, والمرحلية, والواقعية.
ولقد تمكنت الحركة التي يرأسها الشيخ محفوظ نحناح بقيادته من تحقيق مكاسب سياسية كبيرة, فاحتل نحناح المرتبة الثانية في الانتخابات الرئاسية حيث كان أحد المرشحين الأربعة (زروال, وسعيد سعدي, ونور الدين بوكروح), وحصل علي أكثر من ثلاثة ملايين صوت حسب النتائج الرسمية المعلنة في العام 1995م, وتعتبر هذه الانتخابات أول انتخاب شارك فيه الإسلاميون في العالم الإسلامي بمرشح يحمل هذا التوجه, لكنه منع من الترشيح مرة ثانية للانتخابات الرئاسية التي جرت عام 1999م بحجة أنه لم يكن أحد مجاهدي حرب التحرير, حيث إن امتلاك «الشرعية الثورية» شرط قانوني للترشيح لانتخابات الرئاسة في الجزائر, ولم يمنعه ذلك من مساندة ترشيح الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة في تلك الانتخابات.
كما حصلت الحركة علي المرتبة الثانية في الانتخابات البرلمانية بمجموع 70 نائبًا, والمرتبة الثالثة في الانتخابات المحلية وشاركت بحقائب وزارية عديدة في حكومات مختلفة.
توجهاته وآراؤه
ينتمي الشيخ محفوظ نحناح إلي جماعة الإخوان المسلمين, ومن أهم توجهاته السياسية ومعتقداته الفكرية التي يُعلن بها, ويدافع عنها بقوة: الشوري, والديمقراطية, والتطور, والتسامح, والتعددية, والتداول السلمي للسلطة, وتوسيع قاعدة الحكم, والتعايش مع الآخر, وأهمية حوار الحضارات, واحترام حقوق الإنسان, ومشاركة المرأة في مجالات الحياة المختلفة التي تتناسب مع طبيعتها, واحترام حقوق الأقليات, واحترام الحريات الشخصية والأساسية, وتقوية أواصر العلاقة بين الحكم والمحكوم.
ويؤكد الشيخ نحناح دائمًا أهمية التداول السلمي للسلطة, وعلي الوسطية والاعتدال ونبذ العنف والغلو في الدين.
وهو يدعو دائمًا إلي ضرورة تغليب المصلحة الوطنية علي المصلحة الحزبية والشخصية, ويري أن المشاركة في قاعدة الحكم أولي من الروح الانسحابية أو المعارضة الراديكالية, وقد بينت الأحداث صدقية هذا الاختيار.
وكان - رحمه اللّه - يطالب حكام العرب والمسلمين بأمور إصلاحية عديدة أهمها:¼ تجسيد المتفق عليه في المواثيق التي تفرض حماية الأمن القوي من خلال معاهدات الدفاع المشترك, الذي لا يقبل العدوان علي أية دولة عربية أو إسلامية من أي مكان, والإعلان عن حالة الاستنفار العام فيما إذا مسّ أي بلد عربي أو إسلامي في المنطقة.¼ إعادة تشكيل قوة عربية رادعة قادرة علي التحرك السريع لا تهديد فيها لدول الجوار, أو تحضيرًا لتفتيت الوحدة الوطنية لأي بلد كان, والمسارعة إلي حل المشاكل العالقة المعرقلة لذلك.¼ وقف النهب المبرمج لثروات شعوبنا, والمعاقبة العلنية للمتورطين في الفساد المالي والسلطوي والاستبعاد الفوري لهذه العناصر أفرادًا أو أحزابًا أو جماعات.¼ الكف الفوري عن سياسة مصادمة ثوابت وقيم مجتمعنا العربي الإسلامي, وتقليم أظافر العابثين والمنهزمين حضاريًا, المتموقعين في مفاصل السلطة والثروة والإعلام.¼ الشروع في تقديم إعلام هادف وطنيًا وقوميًا بطريقة عقلانية ومشرفة لدينا وقيمنا وخصائصنا.¼ وقف الحملات الإعلامية التي جعلت الإرهاب تكئة لضرب الإسلام نفسه وتشويه التدين والمتدينين.¼ التعهد ببداية تشبيب أنظمة الحكم ديمقراطيًا في بلادنا العربية, وتوفير الأجواء للمثقفين والعلماء وذوي السمعة الحسنة, ليكونوا في مركز التوجيه وصناعة القرار.وهي كلها مطالب تفتقر إليها الأمة العربية والإسلامية مما يُبرز الهوة التي ترزح في أغلالها هذه الأمة, والتي كان المرحوم نحناح يخلع عليها قول الشاعر العربي:
كم تُظٍلَمونَ ولستم تشتكون وكمتُسٍتََغٍضَبُونَ فلا يبدو لكم غضبُأَلًفٍتُمُ الهَوٍنَ حتي صار عندكمُطبعًا وبعض طباع المرء مكتسبوفَارقَتٍكُمٍ لطول الذل نخوتُكموليس يؤلمكم خَسٍفى ولا عَطَبُ
لقد أُلًّفت عن الشيخ نحناح - رحمه اللّه - عدة كتابات تعبر عن أفكار منها: رجل الحوار, خطوة نحو الرئاسة, بالإضافة إلي مساهماته الثقافية في مختلف المجالات والجرائد العربية, والملتقيات الوطنية والدولية, والحوارات الإسلامية المسيحية في إيطاليا والسويد.
واللّه هو المسئول أن يعوض الأمة في مصابها بفقد هذا الداعية المصلح من يقوم بأداء الأمانة وتبليغ الرسالة, وأن يخلفها فيه خيرًا, وإنا للّه وإنا إليه راجعون.

جريدة آفاق عربية العدد 614 بتاريخ: 03/07/2003م.

الشيخ محمد الغزالي.. جدد دماء الدعوة وأحيا الفكر الإسلامي

الشيخ محمد الغزالي.. جدد دماء الدعوة وأحيا الفكر الإسلامي

بقلم: وصفي عاشور أبو زيد
باحث في العلوم الشرعية

تمر بنا هذه الأيام ذكري وفاة رجل عزيز علي أنفسنا حبيب إلي قلوبنا, فقدت الدعوة الإسلامية المعاصرة بموته عَلمًا من أعلامها, وكوكبًا من كواكب الهداية في سمائها» لأنه عاش حياته لخدمة الإسلام ومات وهو يدافع عن قضايا الإسلام, إنه الداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي عليه رحمة الله ورضوانه.
لقد شق قلمه المضيء حجب ظلمات الجهل والبعد عن الله ما يزيد علي نصف قرن, فاستضاءت أجيال متعاقبة بهذا القلم الصيَّيًّب والكلم الطيب, وقد وجدت هذه الأجيال بغيتها عنده, فأصغي لدرر محاضراته الملايين من المسلمين في المشارق والمغارب, وأخرجت المطابع هذا الكم الرفيع كتبا ورسائل ومقالات دبّجها يراع داعيتنا الكبير تُزوًّد جيل الدعوة إلي الله بالبحث والحوار العلمي والتوجيه إلي طريق الرشد في ظل القرآن وتحت رايته.
عُرف الشيخ بنصحه للمسلمين وترشيده لمسار الدعوة إلي الله عز وجل, وأطلق العنان للدعاة يوم كان مسئولا عن الدعوة في وزارة الأوقاف, وله جولاته في مقاومة الزحف الأحمر والمد التنصيري, وقد جأر في وجه التيار العلماني الذي حاول سلخ الأمة من عقيدتها وشخصيتها المتميزة, ووقف مع الأزهر ذائدًا عن حماه, عاملاً علي إحياء رسالته.
طوّف العالم الإسلامي الواسع فعمل بالملكة العربية السعودية بجامعة الملك عبد العزيز وجامعة أم القري سبع سنوات, ودافع عن السعودية وعن مؤسسيها, ولكن بعد مغادرته لها حتي لا يُتَّهم, وأبان للعالم أنها دولة دعوة, وعمل في قطر, فساهم في بناء كلية الشريعة هناك, وفي الكويت كانت له لقاءات دورية أفاد بها كثيرًا من المسلمين, وعرفته المؤتمرات في أوربا وأمريكا وفي مشرقنا الإسلامي العريض, كما ذهب إلي الجزائر ليعمل مديرًا لجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة والتي بدأها بكلية واحدة في حين أنها الآن تضم كليات تنتظم الجزائر كلها.
لقد كرس حياته كلها في خدمة الدعوة الإسلامية, والجهاد من أجل إعادة الهوية العربية والإسلامية لكثير من شعوب العالم, علي رأسها مصر والجزائر, قضي ما يزيد علي شطر حياته الأول في محاربة الاستبداد السياسي, وبيان مكائد الاستعمار, والتحدي للتيار العلماني والزحف الأحمر, وصد طعنات المستشرقين وسماسرتهم في القرآن والسنة, وتوضيح معالم الإسلام, وإرساء قواعد الدعوة إلي الله تعالي, بينما كان شطر حياته الثاني مركَّزًا في محاربة الفهم المغلوط للإسلام, والإنكار الشديد علي العقول السقيمة والفكر السطحي والفقه البدوي الذي يصطلي بشُواظي من ناري أُفٍعم بها قلب الشيخ وقلمه ولسانه.
كان -رحمه الله- لا يستريح للعقول المعتلة, ويضيق ذرعًا بالآفاق الضيقة, فمن أقواله: «الضمير المعتل والفكر المختل ليسا من الإسلام في شيء, وقد انتمت إلي الإسلام أمم فاقدة الوعي عوجاء الخطي قد يحسبها البعض أمما حية ولكنها مغمي عليها... والحياة الإسلامية تقوم علي فكر ناضر.. إذ الغباء في ديننا معصية».ويحتد كثيرًا -ولا ينبغي أن تهدم الحدة مابنته الفطنة- علي الطباع الغليظة الجافة, والقلوب المتكبرة القاسية, ومن أقواله: «أكره أصحاب الغلظة والشراسة, لو كان أحدهم تاجرًا واحتجت إلي سلعة عنده ما ذهبت إلي دكانه, ولو كان موظفًا ولي عنده مصلحة ما ذهبت إلي ديوانه, لكن البلية العظمي أن يكون إمام صلاة أو خطيب جمعة أو مشتغلاً بالدعوة, إنه يكون فتنة متحركة متجددة يصعب فيها العزاء».
وقال أيضًا: «إذا لم يكن الدين خلقًا دمثًا ووجهًا طليقًا وروحًا سمحة وجوارًا رحبًا وسيرة جذابة فما يكون?! وقبل ذلك إذا لم يكن الدين افتقارًا إلي الله, وانكسارًا في حضوره الدائم, ورجاء في رحمته الواسعة, وتطلعًا إلي أن يعم خيره البلاد والعباد فما يكون?!».تخرج علي يديه الكثير من المفكرين والعلماء, فقد نجح -رحمه الله- في تكوين مدرسة فكرية انطلق منها العديد من أعلام العصر, علي رأسهم: الدكتور يوسف القرضاوي, والدكتور محمد عمارة, والدكتور أحمد العسال, والدكتور عبد الحليم عويس, والمرحوم الدكتور محمود حماية, والدكتور محمد سليم العوا, والدكتور عماد الدين خليل, وغيرهم كثير.
وقد تمتع الشيخ -رحمه الله- بثقافة موسوعية أنتجت لنا العديد من الكتب في شتي نواحي الفكر والمعرفة, فنجد له تراثًا في العقيدة والتفسير, والأخلاق والتصوف, والفكر والفلسفة, والأدب والدعوة, والإصلاح والتغيير, وغيرها.
إن الشيخ محمد الغزالي ألّف في الإسلام أكثر من خمسين كتابًا, وعمل للإسلام أكثر من خمسين عامًا, وكان يصلي خلفه في الجمعة ما يزيد علي المائة ألف, وفي العيدين علي نصف مليون.
يعد الشيخ محمد الغزالي في صفوة مجتهدي فقه الدعوة, وهو في ذلك يدور بين أجري الاجتهاد بإصابة الحق, أو الأجر للاجتهاد الذي يجانب الصواب, ويقيني أنه في البحث عن إصابة الحق يبذل جهده ووجده.
وقد كان فقيد الدعوة -رحمه الله- مهتما بأمر الفكر والفقه حيث كان يري أن هذا الميدان ينتظر من ينهض به ويجدده, كما كان ينعي حال الأمة مرارًا وتكرارًا, ويكدر صفوه تخلفها وتأخرها, وأنها فاشلة في شئون الدنيا, حتي إنها تحيا عالة علي غيرها من الأمم في طعامها وشرابها, يقول عليه الرضوان: «إن اضمحلال العقل الإسلامي واضح في أغلب ميادين الفقه! وعدد كبير من المشتغلين بفقه العبادات أو المعاملات يحسن النقل التقليدي أكثر مما يحسن الوعي والاجتهاد, ويغلب عليه ضيق الأفق ولزوم ما لا يلزم!! أما الفشل في شئون الدنيا فأمره مخجل حتي إن ما نأكله من طعام أو ما نأخذه من دواء أو ما نرتديه من لباس يصنعه لنا غيرنا!! وأما صناعات السلاح وما يحمي الشرف ويصون الإيمان فشيء لا ناقة لنا فيه ولا جمل...».
وجانب آخر في شخصية الشيخ -وما أكثر جوانب شخصيته- هو الجانب الروحي البارز, الإيماني الرفيع, ويكاد هذا الجانب يختفي في شخصية الشيخ عند كثير من الناس بين يدي الحملات التي يشنها الشيخ بقلمه ولسانه علي التدين المغشوش والفهم المغلوط, بينما المتأمل في كتاباته المتذوق لها يجدها كُتبت بقلب مليء بحب الله, مفعم بحب رسوله وأتباعه, وقد كانت للشيخ وقفات مع نفسه, وأسرار بينه وبين ربه, فبعد أن اعتكف إحدي الرمضانات خرج يقول: «لقد أدركت الآن لماذا آثر أبو حامد الغزالي أن يعتزل الناس ولو قليلاً».
ومن حبه لله اهتمامه بالقرآن, ابتداء من التصفح والقراءة, ومرورًا بالفهم والتدبر وتقديمه في الفهم عن السنة التي تشرحه وتبينه, وانتهاء بالعمل والتحكيم, وجهود الشيخ التي خلفها عن القرآن خير شاهد علي ذلك.
ومن حبه لرسوله -عليه الصلاة والسلام- ما تشعر به في كتابه الماتع «فن الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء», وكتابه «فقه السيرة» الذي يصرخ بحبه للنبي الكريم, والذي كتبه في ظلال الروضةالشريفة ودمعه يختلط بالمداد, قال فيه: «إنني أكتب في السيرة كما يكتب جندي عن قائده, أو تابع عن سيده, أو تلميذ عن أستاذه... إن المسلم الذي لا يعيش الرسول في ضميره, ولا تتبعه بصيرته في عمله وتفكيره, لا يغني عنه أبدًا أن يحرك لسانه بألف صلاة في اليوم والليلة».
ظل الشيخ الغزالي رافعًا سيفه شاهرًا قلمه مبلغًا عن الله ورسوله, لا تثنيه رغبة ولا تصده رهبة, لا يغريه وعد أو يرهبه وعيد, حتي وافاه الأجل المحتوم وهو في مؤتمر بالرياض 9/3/1996م, ودفن مع شهداء أحد, في البقيع بين الإمام مالك والإمام نافع, رحم الله الجميع وأخلف الأمة فيهم خيرًا.

جردية آفاق عربية العدد 598 بتاريخ: 13/03/2003م.

الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في ذكراه

الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في ذكراه
بقلم: وصفي عاشور أبو زيد
باحث في العلوم الشرعية
منذ ست سنوات تقريبًا فقدت الأمة الإسلامية علمًا من أعلامها , ورمزًا من رموزها, أثري المكتبة الإسلامية بمجموعة فريدة من المؤلفات, إضافة إلي التنحقيقات التي أخرج بها مجموعة متميزة من تراثنا العربي والإسلامي, والتي يضاهي بها ذلك الجيل الفريد من المحققين الراسخين من أمثال: عبد السلام هارون, وأحمد شاكر, ومحيي الدين عبد الحميد, ومحمود شاكر, والسيد أحمد صقر, ومحمود الطناحي, وغيرهم.
كان يجهد نفسه في البحث والتأليف, حتي ضعف بصره, ولم يكن ذلك يثنيه عن مواصلة العمل, واضطر إلي إجراء عملية جراحية في مستشفي العيون التخصصي بالرياض في شعبان سنة (1417هـ ½ 1997م) , وضعفت صحته علي إثرها, فنُقل إلي مستشفي الملك فيصل في أواخر رمضان من السنة نفسها, لكن الموت عاجله, فأسرع إلي لقاء ربه يوم الأحد في (التاسع من شوال 1417هـ / 16 من فبراير 1997م), ثم نُقل جثمانه إلي المدينة في اليوم التالي, ودُفن في البقيع عن عمر يناهز الثمانين عامًا, ذلكم هو الشيخ عبد الفتاح بن محمد بن بشير أبو غدة عليه رحمة الله ورضوانه.وُلد في حلب بسوريا سنة 1337هـ ½ 1917م, وتلقي تعليمه الابتدائي والثانوي في حلب, وسافر إلي القاهرة, والتحق بكلية الشريعة بجامعة الأزهر وتخرج فيها سنة 1948م, ثم حصل علي تخصص أصول التدريس من كلية اللغة العربية سنة 1370هـ ½ 1950م, وبعد عودته إلي حلب عمل بالتعليم الثانوي أحد عشر عامًا, وكان عضوًا في المجمع العلمي العراقي في بغداد, وعضوًا في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة, ونال جائزة سلطان بروناي لخدمة الحديث النبوي الشريف في سنة (1415هـ ½ 1994م), وكان أول من نال هذه الجائزة, وانتُخب عضوًا في المجلس النيابي بسوريا سنة (1382هـ ½ 1962م), كما عمل في عدة جامعات مثل جامعة دمشق, وعمل بالجامعات السعودية نحو ربع قرن من الزمان, وتخرج علي يديه مئات الطلاب, وتم اختياره مراقبًا لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا في مطلع التسعينيات من القرن الماضي.
نشأ الشيخ أبو غدة لأب كان يشتغل بتجارة المنسوجات, محبًا للعلم حريصًا علي حضور مجالسه, يعتاد ارتياد المساجد, وما كاد يبلغ أبو غدة الثامنة من عمره حتي أدخله أبوه المدرسة العربية الإسلامية الخاصة, ولما انتهي من الدراسة فيها انتقل إلي المدرسة الخسروية التي سُميت بعد ذلك بالثانوية الشرعية, وتتلمذ فيها علي يد عدد من علماء حلب المعروفين من أمثال الشيخ راغب الطباخ, والشيخ مصطفي الزرقا - الفقيه الكبير, وعيسي البيانوني وغيرهم, وبعد تخرجه في المدرسة الثانوية استكمل دراسته في الجامع الأزهر, والتحق بكلية الشريعة ودرس علي شيوخها الذين كانوا يعدون من أئمة العلم والفقه في العالم الإسلامي, وحسبك أن يكون من بينهم: محمد الخضر حسين, ومحمود شلتوت, وعبد الحليم محمود, والثلاثة جميعهم تولوا مشيخة الجامع الأزهر, بالإضافة إلي غيرهم من أستاذة الكلية المعروفين.
ولم يكتف الشيخ أبو غدة بهذه الدراسة النظامية بل اتصل بالحياة العلمية الزاخرة التي كانت تموج بها القاهرة, فاتصل بالمحدث المغربي الكبير الشيخ «عبد الله بن الصديق الغماري», وكان قد هاجر من المغرب, واتخذ القاهرة وطنًا له, وكان تمكنه من الحديث وعلومه سببًا في التفاف طلبة الحديث حوله, كما اتصل بالشيخ «مصطفي صبري» آخر مشايخ الإسلام في الدولة العثمانية, ووكيله الشيخ «محمد زاهد الكوثري», وكانا قد هاجرا من تركيا بعد سقوط الدولة العثمانية واستقرا في القاهرة, وقد لازمهما الشيخ أبو غدة ملازمة لصيقة, وتتلمذ عليهما ست سنوات كاملة, وأفاد من علمهما إفادةً عظيمة, وفي الوقت نفسه حضر محاضرات بعض كبار العلماء الذين يعملون في جامعة القاهرة من أمثال الشيخ عبد الوهاب خالف, والشيخ محمد أبي زهرة.وكان من الطبيعي أن يبزع نجم أبي غدة في الأوساط الأزهرية» لدأبه ونشاطه وجده واجتهاده, ثم انتقل إلي الأوساط الأدبية حين بدأ يرسل انتقاداتي علميةً موجزةً علي صفحات مجلات الأدب, تنبئ عن علم وبصيرة ودقة وسداد.
في هذه الفترة توثقت صلته بجماعة الإخوان المسلمين, والتقي بالإمام حسن البنا, وتتلمذ عليه وتأثر به وحمل فكره, واقتدي بخطوه, وصار من دعاة الإسلام.
وأعاد الشيخ أبو غدة إلي الأذهان ما كان يفعله القدماء في الرحلة في طلب الحديث ومقابلة الشيوخ والأقران, والرواية عنهم, وطلب الأسانيد العالية, فرحل إلي الهند سنة (1382هـ ½ 1962م), والتقي هناك كبار المحدثين والعلماء, من أمثال المفتي عتيق الرحمن - كبير علماء دلهي بالهند , وأبي الوفاء الأفغاني -رئيس دائرة المعارف النعمانية, واطلع هناك علي نفائس المخطوطات العربية , وكان له فضل نشر تراث بعض أئمة الحديث في الهند ممن لم تكن لهم شهرة في العالم العربي, ويأتي في مقدمتهم: محمد عبد الحي اللكنومي, ومحمد أنور الكشميري, وقد نشر للأول ثلاثة من نفائس مؤلفاته هي «الرفع والتكميل في الجرح والتعديل», و«الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة في علوم الحديث», و«إقامة الحجة علي الإكثار في التعبد ليس ببدعة», ونشر للثاني كتابه «التصريح بما تواتر في نزول المسيح».
وبعد عودته من الهند دعته المملكة العربية السعودية للعمل في معاهدها العلمية, والاستفادة من علمه الواسع, فانتقل إلي هناك سنة (1385هـ ½ 1965م), وعمل أستاذًا في كلية الشريعة بالرياض التي أصبحت بعد ذلك جامعة محمد بن سعود الإسلامية, ودرّس في المعهد العالي للقضاء, ثم قام بتدريس الحديث النبوي وعلومه نحو عشر سنوات لطلبة الدراسات العليا في كلية أصول الدين بجامعة محمد بن سعود, وظل يعمل بهذه الجامعة ثلاثًا وعشرين سنةً, كان موضع تقدير الطلاب وإعجابهم به» لعلمه الغزير وسلوكه الرفيع. ثم عمل بجامعة الملك سعود بالرياض سنة (1408هـ ½ 1987م), ومكث فيها عامين ثم تقاعد عن التدريس.
وإلي جانب هذا النشاط الوافر بالمملكة العربية السعودية, كانت له سفرات للتدريس في بعض البلاد العربية والإسلامية, فعمل أستاذًا زائرًا في جامعة أم درمان الإسلامية في السودان, وعمل باليمن, ودرس في جامعة ندوة العلماء في لكنو بالهند, وهي الجامعة التي ترأسها المرحوم العلامة أبو الحسن الندوي.
وفي كل مكان ينزل به يلتف حوله طلبة العلم ودارسوا الحديث النبوي للاستفادة منه, وقدا انتفع بعلمه آلاف الطلاب في حلب ودمشق والرياض والهند وباكستان واليمن.ترك الشيخ أبو غدة للمكتبة الإسلامية مجموعة قيمة من مؤلفاته الكثيرة وتحقيقاته القيمة, التي تزيد عن ستين كتابًا, يدور معظمها حول الحديث وعلومه, وهذه الكتب كلها مما يفيد الدارس البصير , فضلاً عن المتصفح العجول, ففيها كتب ضافية عن الجرح والتعديل, وتمييز الفتاوي عن الأحكام, وفقه أهل العراق, وفقهاء العالم الإسلامي في القرن الرابع عشر الهجري, ومنهج السلف في السؤال عن العلم وغير ذلك.
يذكر كل من التقي بالشيخ أو صادقه أو تعلم علي يديه أنه كان كريم الخلق, واسع الصدر, سريع العبرة, أنيقًا في ملبسه, صبورًا علي الشدائد والمحن, مجدًا في طلب العلم, مجتهدًا في تحصيله, محبًا في نشره, كثير العبادة والصلاة, مداومًا علي قراءة القرآن, وكان الشيخ سمح الطبع , صافي القلب, صادق الإيمان, محبًا لإخوانه, بل محبًا للإنسان عامةً, وحسبك من ذلك ما كتبه تعليقًا علي حديث النبي صلي الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده, لا يؤمن عبد حتي يحب لجاره أو لأخيه ما يحب لنفسه» يقول الشيخ: قال العلماء: المراد بالأخ في قوله «حتي يحب لأخيه» عموم الأخوة حتي يشمل الكافر والمسلم, فيحب لأخيه الكافر ما يحب لنفسه من دخوله في الإسلام, كما يحب لأخيه المسلم دوام الإسلام, بل تتجه إلي كل خير يصيب الإنسان - أيًا كان - مادام لا يصيب أحدًا بسوء. فانظر إلي قوله تعلم ما كان يملأ قلبه من حب للإنسانية وإرادة الخير لها, رحم الله الشيخ أبا غدة وأخلف الأمة فيه خيرًا.

جريدة آفاق عربية العدد 596 بتاريخ: 27/02/2003م.

أحداث الرمل... وماذا فعلت حكومتنا بحقوق الإنسان

أحداث الرمل... وماذا فعلت حكومتنا بحقوق الإنسان
بقلم: وصفي عاشور أبو زيد
باحث بقسم الشريعة - دار العلوم
لا تجد دينا سماويا أو قانونا أرضيا اهتم بحقوق الإنسان وشدد علي حرمتها كما فعل الدين الخاتم, دين الإسلام, ومع ذلك لا تكاد تجد أمة استهانت بها وعبثت بمقدراتها واستباحت حرمتها كما تفعل أمة الإسلام وحكام المسلمين اليوم. وقد ضمن الإسلام للإنسان حرية الرأي وحرية التفكير, وحرّم دمه وماله وعرضه, وحرم ذكره في غيبته بما يكره, وجعل من يفعل ذلك كمن يأكل لحمه وهو ميت, بل أطلق الإسلام للإنسان عنان الحرية في أخطر شيء وأعز شيء وهو العقيد: «لا إكراه في الدين».إن الإسلام العظيم قرر للحيوانات العجماوات حقوقًا فضلاً عن حقوق الإنسان» فحرم لعنها أو أن تُضرب في وجهها, فعن المقدام بن معدي كرب قال: «سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم ينهي عن لطم خدود الدواب.....» رواه أحمد. وروي البخاري من حديث سعيد بن جبير قال: كنت عند ابن عمر فمروا بفتية أو بنفر نصبوا دجاجة يرمونها فلما رأوا ابن عمر تفرقوا عنها وقال ابن عمر: من فعل هذا? إن النبي صلي الله عليه وسلم لعن من فعل هذا.وقد جعل الإسلام لذبح الحيوان أسباباً وآدابا, فعن عمرو بن الشريد قال: سمعت الشريد يقول: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: من قتل عصفورًا عبثًا عج إلي الله عز وجل يوم القيامة يقول يا رب إن فلانا قتلني عبثا ولم يقتلني لمنفعة. رواه النسائيوعن معاوية بن قرة عن أبيه أن رجلاً قال: يا رسول الله إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها أو قال إني لأرحم الشاة أن أذبحها, فقال: والشاة إن رحمتها رحمك الله. رواه أحمدونهي الإسلام عن قتل الحيوان صبرا أو تعذيبه قبل الموت فقال النبي: «وليحدّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته».
وهل هناك أعظم من نهي الإسلام عن ذبح الشاة - أو الحيوان عموما - وأختها تنظر إليها» لئلا يُحدث ذلك ترويعا وفزعًا لها??!يا سبحان الله! إن الإسلام يراعي مشاعر الحيوان, أين هذا مما نراه ونسمعه اليوم? أو أين ما نسمعه ونراه من هذه التعاليم السمحاء? هل حصل الإنسان في بلادنا علي حقوق الحيوان فضلاً عن حقوق الإنسان التي قررها الإسلام? أين من هذه التعاليم ما تشهده المحاكم العسكرية اليوم لا لشيء إلا لأن الذين يحاكَمون أهل رأي, وأصحاب قضية, وأنصار رسالة ودعوة ودعاة شرف وكرامة?!إن صاحبيا من الصحابة في إحدي الغزوات أخفي سيف أخيه مازحا, ففزع وذهب إلي النبي, فرد إليه سيفه, ثم نهي عن ترويع المسلم.وفي صحيح مسلم أن النبي - صلي الله عليه وسلم - قال: «من أشار إلي أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه, حتي وإن كان أخاه لأبيه وأمه». قال النووي في شرحه لمسلم: «فيه تأكيد حرمة المسلم, والنهي الشديد عن ترويعه وتخويفه والتعرض له بما قد يؤذيه, وقوله صلي الله عليه وسلم: (وإن كان أخاه لأبيه وأمه) مبالغة في إيضاح عموم النهي في كل أحد, سواء من يتهم فيه, ومن لا يتهم, وسواء كان هذا هزلاً ولعبًا, أم لا» لأن ترويع المسلم حرام بكل حال».أين من هذا ما تشهده البيوت اليوم من زوار الليل الذين يروعون ويفزعون الأهل والولد, أو ما تشهده السجون وما يحدث فيها من ترويع وتهديد وشتم وسب بأقذر الألفاظ, بل ضرب وركل ولطم وصعق بالكهرباء.إن رجلاً دخل الجنة في كلب سقاه, ودخلت امرأة النار في هرة حبستها فقط وأجاعتها, فأين يدخل من يعتدي علي الإنسان - مطلق الإنسان فضلاً عن المسلم - بهذه الصورة, أو يروعه ويعذبه هذا التعذيب?. إن بلاد الغرب - التي نسميها ديار كفر - قد أعطت الحيوان ما لم يحصل عليه الإنسان في بلادنا. إننا لو أعطينا الإنسان حقوق الحيوان كما تحدث عنها الإسلام إذن لصار المجتمع مدينة فاضلة كالتي تحدث عنها الفلاسفة, فكيف لو تمتع بحقوق الإنسان? لقد حُرم الإنسان في بلاد العرب من التعبير بحرية عن رأيه, ومن الصدع بما يراه ويعتقده, بل فقد الإنسان الأمن وهو في بيته أو في الشارع.
إنني أكتب هذا الكلام لا لأجرح هيئة من الهيئات, ولا لأشهّر بأحد, فقد نهانا الإسلام عن ذلك, بل أكتبه حرصًا علي سمعة وطني الذي ساءت صورته في الشرق والغرب, وقد شهدنا ما حدث بانتخابات الرمل بالإسكندرية. وأكتبه أيضًا حبا لوطني الذي أعتز بالانتماء إليه, وغيرة علي صورته وسمعته التي أرجو أن تكون أجمل صورة وأشرف سمعة.

جريدة آفاق عربية العدد 566 بتاريخ: 18/07/2002م.

عبد الحي إبراهيم سليمان.. دروس من حياته

عبد الحي إبراهيم سليمان.. دروس من حياته

بقلم/ وصفي عاشور أبو زيد
«وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأحب أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقمًا في جسده, أو إقتارًا في رزقه, أو مصيبة في ماله, أو ولده, حتي أبلغ منه مثل الذر, فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتي يلقاني كيوم ولدته أمه».تذكرت هذا الحديث القدسي وأنا بجواره ساعة الاحتضار, وكم كانت سكرات الموت شديدة وطويلة عليه, وكان يغفو إغفاءة ثم يفيق, فتذكرت أيضًا مع هذا المشهد قول النبي -صلي الله عليه وسلم- ساعة احتضاره: «سبحان الله! إن للموت لسكرات». ثم شهق بين يديَّ ثلاث شهقات وفاضت روحه الطاهرة إلي بارئها, وذلك يوم الثلاثاء منتصف الليل تمامًا 24/12/1426 هـ 24/1/2006م, عن عمري يُناهز السابعة والسبعين.
إنه الحاج عبد الحي إبراهيم سليمان, أحد رجال الرعيل الأول لجماعة الإخوان المسلمين» الذي ولد سنة 1929م بقرية شبرا خلفون بشبين الكوم بمحافظة المنوفية لأسرة تتكون من سبعة إخوة: 4 ذكور و3 إناث, وكان والده -رحمه الله- يعمل بمهنة الزراعة.استقرَّ فيما بعد في منطقة إمبابة بمحافظة الجيزة, وهناك تعرف علي شعبة الإخوان المسلمين, وظل يتردد عليها حتي التحق بإحدي شعب الإخوان بمنطقة العصارة بإمبابة, ثم تطوَّع في كتائب الإخوان المسلمين إبان حرب 1948م, وكم كان سعيدًا بهذا التطوع» لأنه ظل طوال حياته يتمني الشهادة, لكنه نتيجة لأسباب «ما» لم يلتحق بكتائب المجاهدين, والتحق -رحمه الله- بالتنظيمً الخاص للإخوان المسلمين بعد ذلك.وقد أُلقي القبض عليه في محنةً الإخوان سنة 1954م, وحُكًم عليه -رحمه الله- بالسجن عشر سنوات مع الأشغال الشاقة, ثم خرج بعد قضائها, وأُعيد اعتقاله ثانية في محنة 1965م ليخرج في أبريل سنة 1970م.وظلت سلطات الأمن تطارده مدة خمس سنوات أخري حتي عام 1975م, وهو نفس العام الذي تزوج فيه, وكان عمره عند زواجه 46 عامًا, فأكرمه الله بستة أبناء: ولدين, وأربع بنات.تعرَّض -رحمه الله- لجلطة بالقلب منذ خمسة عشر عامًا, كما كان يُعاني السكر والمرارة, وقد أُجريت له عملية جراحية في الصيف الماضي» الأمر الذي أثَّر علي عضلةً القلب وحركته, وكان سببًا في الوفاة.
دروس دعوية
لقد كانت حياة الفقيد -تقبله الله في الصالحين- كلها دروس وعبر دعوية وإنسانسة وعملية في كل الجوانب, ومن أهم الدروس التي تستلفت الانتباه في حياته وتستوقف النظر: درس الثبات والصمود» فقد قضي خمسة عشر عامًا سجينًا تنقل خلالها بين السجن الحربي وليمان طرة والواحات وأبي زعبل وقنا.. تعرض في هذه السنوات لتعذيب وحشي فاشي نازي, يكفيك أن تعرف أن جسده قد علاه القيح والصديد من شدة التعذيب الذي لاقاه, فكان سوط الزبانية ينزل علي ظهره فيتناثر جلده الممزق المقيح علي حوائط السجن, بل إن بعضهم كان يسحب الدود علي جسده, بخلاف أعقاب السجائر التي كانوا يطفئون نارها في أدبارهم, والكلاب المسعورة التي كانوا يدخلونها عليهم فتنهش في أبدانهم وتمزق أجسادهم.لم يحك الأستاذ عبد الحي هذه المشاهد -وغيرها كثير- لأحد من إخوانه إلا بكي وأبكي, بل إن بعض من كان يسمع إليه كان يصرخ -وليس من عايش كمن سمع- من هول ما يسمع وما يتصور.كل هذا وغيره حديث ومع ذلك لم يتزحزح عن دينه, ولم يتنازل عن دعوته أو فكرته, بل ظل ثابتًا عليها صامدًا في وجه الطغاة, فلم يكتب كلمة تأييد لطاغية, بل كان يري أن الأخذ بالعزيمة وترك الرخصة هو واجب الوقت الذي لا يجوز للإخوان أن يحيدوا عنه إلي غيره.ومن دروس حياته البارزة: الصبر والاحتساب» فقد كان عاقدًا علي إحدي البنات, فلما سُجن وحكم عليه بعشر سنوات بدا عليها التلكؤ والقلق والخوف علي مستقبلها, فقالت له: وماذا لو أيدت وخرجت من السجن ليتم لنا الزواج? فأبي أن يبيع مبدأه وفكره بزيجة من الزيجات, فطلقها لرغبتها في الطلاق. مات أبوه -رحمه الله- وهو في السجن فصبر واحتسبه عند الله. جاءت إليه أمه العجوز ترجوه أن يخرج حتي تراه سالمًا بجوارها ولو يومًا واحدًا قبل أن تموت, فأبي وقال لها: «إن موتك وأنا داخل السجن يضاعف لك الأجر عند الله». فماتت أيضًا وهو في السجن. مات ولداه وإحدي البنات فغسلهم ودفنهم بيده, واحتسبهم عند الله.. هكذا كان صبره وثباته وصموده واحتسابه ما حدث له عند الله.ومن دروس حياته الرائعة: أنه لم يكن يتواني أو يتكاسل عن دعوته بالرغم من سنه المتقدمة ومرضه الشديد, فكان لا يرد طالبًا, ولا يتأخر عن عمل دعوي, فطوف محافظات مصر ومدنها وقراها, داعيًا ومبلغًا ومُورّثًا وقاصًّا هذا التاريخ الدموي الوحشي الذي سيظل لعنة علي حكامه, وشاهدًا علي عصر الظلم والقهر واللاإنسانية التي لم يكد يشهدها التاريخ في فترة من فتراته.ومن دروس حياته أيضًا: انضباطه الحركي وحفاظه علي الوقت, ونصحه الشديد والأمين لإخوانه ودعوته, فكان لا يتستر علي خطأ, ولا يسكت علي عوج, بل كان يصحح ويعدّل ويقوّم» لأنه أخلص حياته للّه, فأخلصه الله له ولدعوته.
دروس إنسانية
كان فقيد الإخوان -رحمه الله- يتمتع بصفات إنسانية نبيلة جعلت كل من حوله يحبونه ويلتفون حوله ويأنسون به صغارًا كانوا أو كبارًا, أطفالاً أو شبابًا. لم يُهًنٍ زوجته يومًا, بل كان يقضي لها بنفسه كل ما تريد, حتي مطالب البيت كان يقضيها بنفسه, وكان دائمًا في مهنة أهله كما كانت سنة النبي -صلي الله عليه وسلم.لم أشهد أبًا عطوفًا علي أبنائه كما كان رحمه الله معهم» حيث رباهم تربية إسلامية صحيحة, ونشأهم علي مبادئ الإسلام وأركان الإيمان ومكارم الأخلاق, وكان جدًا حنونًا علي أحفاده, ترك خمسة أحفاد: ثلاثة ذكور وبنتين.. لم يسمع بكاء أحد منهم إلا تحرك له قلبه, وطار إليه علي بعد المسافات بالرغم من كبر سنه وضعف صحته, كان يحب أحفاده حبًا جمًا, ويود ألو كانوا حوله دائمًا.لم يتشدد يومًا مع أصهاره الذين تشرفوا بمصاهرته والزواج من بناته الثلاث, بل كان يُمضي الأمور ويُبرم الاتفاقيات معهم بسهولة وتسامح, دون أن يتكلف أو يُحمّل أحدهم فوق ما يطيق.خرج من السجن بعد أن جاوز الأربعين, وحكمت له المحكمة بمرتبه بأثر رجعي بعدد السنين التي قضاها في السجن معتقلاً» حيث كان يعمل بهيئة المطابع الأميرية, وكان ينبغي أن يتزوج بهذا المبلغ غير أنه آثر أخاه الآصغر -مكفوف البصر, الأصغر منه بعشر سنوات- بهذا المبلغ ليتزوج» حتي يكون معه من يقوم بحاجته ويقضي له شأنه. كفل كثيرًا من أفراد عائلته, وكان يغدق وينفق ويعطي من حوله عطاء من لا يخشي الفقر, فكانت البركة دائمًا في بيته وأهله وماله وولده.فاللهم بحق هذا الإنفاق, وبحق هذا الجهاد والصبر والثبات, وبحق جسده الذي واراه التراب وبه آثار التعذيب, وبحق بكائه من أجل نيل الشهادة, بلًّغه منازل الشهداء, وارحم جسده الذي عُذب في الدنيا أن يُعذَّب في الآخرة, وارحمه رحمة تغنيه بها عن رحمة من سواك, وارزقنا الصبر علي فراقه, والسير علي منهاجه, وإنا للّه وإنا إليه راجعون, وإنا لفراقه لمحزونون... لمحزونون.

جريدة آفاق عربية العدد 746 بتاريخ: 09/02/2006م.

إلي الدكتور الفقي: لا تقتل المفكر مصطفي الفقي

إلي الدكتور الفقي: لا تقتل المفكر مصطفي الفقي
بقلم/ وصفي عاشور أبو زيد
هذه رسالة أوجهها من هذا المنبر المتميز عسي أن تسلك طريقها إلي قلب الدكتور مصطفي الذي رشح نفسه عن الحزب الوطني في مواجهة القطب الإخواني د. جمال حشمت, وهي تعليق عما حدث في دائرته من أفعال وأحداث وإعلان, وبيان مخاطر ذلك علي كل الأنحاء.فقد أشارت نتائج الفرز النهائية في دائرة الدكتور الفقي إلي تقدم القيادي الإخواني جمال حشمت بأكثر من 30 ألف صوت مقابل 6 آلاف صوت فقط حصل عليها الفقي في دائرة بندر دمنهور وزاوية غزال, وقد أكدت هذا الخبر جريدة المساء الحكومية علي موقعها الإلكتروني» حيث قالت ما نصه عن دمنهور وهي تسرد أحوال الدوائر في محافظاتها: «دائرة بندر دمنهور فاز محمد جمال حشمت فئات إخوان» بينما رسب د. مصطفي الفقي مرشح الوطني فئات.
وجعلت الجريدة رسوب الفقي وفوز حشمت عنوانا أساسيا في الصفحة الأولي من موقعها علي الإنترنت.وذكر موقع الإخوان الإلكتروني أنه في مسلسل سخيف لا يختلف كثيرا عما حدث مع مكارم الديري في مدينة نصر وحازم صلاح أبو إسماعيل في الدقي يعلن رئيس اللجنة العامة لانتخابات دائرة دمنهور وزاوية غزال فوز المفكر مصطفي الفقي بعد حصوله علي 6 آلاف صوت مقابل 34 ألف صوت للدكتور محمد جمال حشمت.وأورد موقع إسلام أون لاين طرفا من الحوار الذي دار بين حشمت ورئيس اللجنة علي لسان حشمت, فقال:وقد كان الدكتور الفقي أعلن -بعدما نصحه د. حشمت ألا يترشح أمامه- أنه لو تم تزوير في الدائرة لصالحه سوف يتنازل عن الانتخابات ولا يرضي بهذه النتيجة, وها هو الدكتور الفقي يخبر لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب بنبأ فوزه بالرغم من أنه يعلم أن النتيجة المعلنة مزورة.والحقيقة أن رضا الفقي بهذه النتيجة بالرغم من علم الداخل والخارج والموافق والمخالف أنها مزورة له عواقب وخيمة علي مستويات عديدة, إن لم يتخذ الفقي موقفا يرضي به نفسه, ويرضي به الشعب, ويرضي به الحقيقة قبل كل شيء.فعلي مستوي الحقيقة المجردة أنه حدث كذب وتزوير وأحداث غير شريفة في الدائرة, وهذا يعبر عن سرقة لإرادة شعب مما لا يقبله أي شريف يحترم ذاته, ويحب مصلحة مصر, وأحسب الدكتور الفقي من هؤلاء.وعلي مستوي الشعب الدمنهوري ستشيع حالة من الاحتقان السياسي, وازدياد حالة السخط الشعبي علي الحكومة التي عبر حشمت عن طرف منها حين قال -بحسب إسلام أون لاين-: بعد مضي فترة من الوقت, حاولت مقابلة القاضي مرة أخري -بعدما أجري عددا من الاتصالات الهاتفية مع أطراف مجهولة- لكي أطلب منه إعلان النتيجة, فمنعني مدير الأمن, ثم طلب القاضي مقابلتي ليبلغني بخسارتي ونجاح مرشح الوطني, وعندما طلبت من القاضي تقديم تفسير لذلك, أجابني وهو منكس الرأس: ليس لدي ما أقوله لك سوي أنك خسرت. وروي حشمت أنه بعدما علم أنصاره الذين تجمهروا بالآلاف أمام لجنة فرز الأصوات, انتابتهم حالة احتقان وإحباط جعلت الكثيرين منهم ينخرطون في حالة بكاء شديد وصراخ فبدأت أهدئ من روعهم وأطلب منهم الانصراف. وشدد حشمت أنه قام في الوقت نفسه بتحذير مدير الأمن من عدم مسئوليته عن أي ردود فعل محتملة قد تكون من ناس بسطاء وليس من أتباعي الذين أقنعتهم أن من مصلحة البلد أن ينسحبوا, ولكن المشكلة في الناس البسطاء الذين تضاعفت لديهم حالة الكراهية للنظام.وعلي مستوي الحكومة والمؤسسات المسئولة عن الانتخابات سيقلل ذلك من مصداقيتها أمام الخارج في بدء عملية الإصلاح الشامل, خاصة أمريكا وغيرها, ويبرز كذبها علي هذا الشعب المطحون الذي كلما وجد فرصة يعبر فيها عن نفسه ويتنفس فيها بعض نسمات الحرية أجهضت الحكومة فرحته وشعوره ولو للحظات بنسائم التغيير, وهذا ينذر بخطر داهم علي مستقبل مصر, ويبشر بما لا يحمد عقباه.وعلي مستوي الحزب الوطني ستسوء سمعته أكثر وأكثر, إذ لو كان هذا هو حال الإصلاحيين والليبراليين في التيار التجديدي بالحزب, يقبلون بالبلطجة والتزوير, فكيف يكون حال غيرهم? وكيف يصدق الناس ادعاءات التجديد والتطوير بالحزب الوطني ?!وعلي مستوي الدكتور جمال حشمت سيزداد رصيده وحبه واحترامه لدي هذا الشعب, فلا يصدق أبدا أي مواطن -بعد هذا الاكتساح في عدد الأصوات- أن النتيجة لم تزور, وذلك في المرتين: الأولي: بعد أن ُأبعد عن مقعده في الدورة الأولي بعد أن قضي ثلاثة أعوام أقض فيها مضاجع المفسدين, والثانية: أمام مصطفي الفقي مرشح الوطني الذي ترغب الحكومة في إنجاحه, وهذا يصب في صالح حشمت مزيدا من الحب الجارف والشعبية الهائلة, والتأييد الوجداني والروحي من أبناء دائرته وباقي شعب مصر.وعلي مستوي الدكتور مصطفي الفقي سيخسر الكثير والكثير, ومن أهمه: -أنه تحول تماما عن موفقه الفكري- في نظر الشعب والمراقبين- ودخل دخولا غير شريف في ميدان السياسة بعد أن كان بريئا نظيفا شريفا في الميدانين.- أن قبوله بهذه النتيجة ورضاءه عنها سوف يخسر معه كل موافقه الفكرية باعتباره كاتبا متميزا, ومفكرا بارزا, لأن الفعل ينافس القول, وهذا وحده يكفي لسقوط الإنسان من اعتبارات الناس.- أنه سيخسر بذلك مكانته ومكانه لدي النخبة المثقفة والعاقلة في مصر والعالم العربي, وسوف يسقط سقوطا سريعا ومدويا من أعينهم, ولن يكون له في قلوبهم أدني تقدير.- أنه سيعرّض بعد ذلك لأن يكون آلة في يد غيره ما دام رضي بهذا التزوير الذي قام به جهاز كامل من أجله, فلن يستطيع أن يقف ويعارض ويناقش من كان له الفضل عليه يوما ما, وهذا ما لا يقبله أي إنسان عنده نخوة من وجولة وبقية من شهامة.- أنه سيعرض نفسيا -بينه وبين نفسه علي الأقل- لحالات من القلق والتوتر وعدم الرضا والارتياح, لأنه أخذ مكانا ليس مكانه, واعتدي علي حق غيره.وأريد في النهاية أن أهمس في أذن الدكتور الفقي -وأنا ممن يقدرون كتاباته الممتعة في الحياة اللندنية, وأحيانا الأهرام القاهرية, حيث الفكر المركز, والذهن الصافي, والأفكار الواضحة, والقدرة الفائقة علي تشخيص الداء ووصف الدواء فيما يتناول من قضايا وأحداث -أود أن أقول له: كم ستكون قيمتك بينك وبين نفسك يا دكتور مصطفي وأنت تعلم أنك سارق, سارق لمكان غيرك, وسارق لإرادة شعب, كم ستساوي بينك وبين نفسك حينما تقسم القسم البرلماني, أو حينما يُعيّرك أحدهم في الحزب الوطني أو أي عضو في البرلمان أنك ليس في مكانك الحقيقي, خاصة وأن أغلب المرشحين دخل هذه الدورة بشكل شرعي وحقيقي إلي حد كبير??أريدك ألا تخسر الصفوة والنخبة في مصر والعالم العربي, وتتحول هذا التحول المؤسف الذي تخسر معه كل مواقفك الإيجابية فكريا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا ودوليا, ولذلك فإني أناشدك ومعي عشرات الآلاف ألا تقبل بهذا الأمر كما صرحت من قبل بعدما تأكد الجميع -وأنت في مقدمتهم- من التزوير, وأستحلفك بالله يا دكتور مصطفي ألا تقتل فينا المفكر الدكتور مصطفي الفقي, لأنك إذا قبلت بهذا الفوز المزور ستسقط سقوطا مروعا ومدويا.

جردية آفاق عربية العدد 737 بتاريخ: 01/12/2005م.

التواجد في الشارع من أكبر مكاسب الإخوان

التواجد في الشارع من أكبر مكاسب الإخوان

بقلم/ وصفي عاشور أبو زيد

من المعروف لدي الإخوان والمشهور من أدبياتهم أن مجلس الشعب أداة من الأدوات في الإصلاح, ووسيلة من الوسائل في نشر الدعوة ومحاربة الفساد وإقامة كلمة الحق, وليس هناك ما يدل في أدبياتهم وتصريح قادتهم أن دخول البرلمان يعد هدفًا بحد ذاته.ومثل ذلك دخولهم الاتحادات الطلابية والنقابات المهنية والمجالس المحلية وغير ذلك من نشاطات تصب كلها في خانة الوسائل والأدوات التي تعمل علي توسيع نشر الدعوة, وإرساء معالم الإصلاح.وفي الأسابيع الماضية استطاع الإخوان -بما لم يسبق له مثيل- أن يحدثوا زلزلة في الشارع المصري, ودويًا هائلاً عامًا بين الشعب المصري كله عن طريق المسيرات الحاشدة التي قُدرت بالآلاف, والمؤتمرات الانتخابية الجامعة التي عقدها مرشحوهم من أجل الدعاية لبرنامجهم الانتخابي الذي أُعلن طرف كبير منه في مبادرة الإصلاح التي أطلقها المرشد العام للإخوان بنقابة الصحفيين في مارس 2004م.وقد قام مرشحو الإخوان -إضافة للمسيرات والمؤتمرات- بإجراء العديد من الاتصالات الفردية بآلاف المواطنين من أجل عرض برنامج الإخوان عليهم, وحثهم علي الإدلاء بأصواتهم واختيار الأصلح.يضاف إلي ذلك طواف مرشحي الإخوان ومناصريهم علي كبراء العائلات وذوي التأثير في الدوائر التي ترشحوا فيها, وعقد زيارات ولقاءات في بيوتهم من أجل تعريف جموع الشعب أفرادًا وعائلات ببرامج الإخوان ومنهجهم في الإصلاح.وبهذا يصعب علي أي مراقب أو متابع أن يستثني فردًا من الأفراد القاطنين بدوائر ترشح فيها رجال الإخوان لم يصله صوت الإخوان, أو لم ير مسيراتهم وجموعهم, أو لم يسمع هتافاتهم وأصواتهم.وفي تقديري: إنه لو لم يتحقق للإخوان المسلمين من هذه الانطلاقة التي ضمن سلامتها -في معظم الأحيان- ما تمتع به المجتمع من حرية نسبية في الأسابيع الماضية, وحيادية للجهات الأمنية.. لو لم يتحقق لهم سوي هذا الانتشار والتغلغل في أوساط المجتمع وتسميع كل الشعب بأهداف الإخوان واكتساب الشرعية والشعبية من الشعب, وهذا التعاطف الهائل والتجاوب الكبير من أبنائه تجاه المرشحين وجماهيرهم, لكفاهم ذلك دون دخولهم في هذا المجلس وحصولهم علي عدد كبير من المقاعد فيه.وما من شك أن هذا الانتشار كان في تقدير الإخوان وهم ينطلقون في هذه الحركة, لا يقل تقديرًا -بل يزيد- عن حرصهم علي مقاعد في البرلمان من أجل توصيل كلمتهم ومحاربة الفساد ونشر مبادئ الإصلاح» لأن هذه الحركة التي سمع بها الجميع ورآها تعتبر من أكبر مكاسب الإخوان في هذه الفترة إن لم تكن أكبرها علي الإطلاق.
جردية آفاق عربية العدد 736 . بتاريخ: 24/11/2005م

دكتور زكريا حسين والقضية الفلسطينية

دكتور زكريا حسين والقضية الفلسطينية
بقلم/ وصفي عاشور أبو زيد

صدر مؤخرًا عن دار الهلال كتاب: «القضية الفلسطينية إلي أين? المواجهة العربية-الإسرائيلية بين الحرب والسلام عبر أكثر من نصف قرن», للواء أركان حرب د. زكريا حسين, ويعتبر صدور هذا الكتاب حدثًا مهمًا في هذا التوقيت» حيث يقدم الكتاب عرضًا للأحداث الفلسطينية منذ التخطيط الصهيوني لاغتصاب فلسطين والاستيطان اليهودي وتصريح بلفور عام 1917م, وما سبقه من تخطيط عالمي في مؤتمر «بازل» في سويسرا عام 1897مرورًا بالجولات المسلحة 1948م, و1956م, و1967م, و1973م, واستعراض استراتيجيات السلام, بداية من مبادرة الرئيس السادات 1977م, ثم مدريد وأوسلو, وما تلا ذلك, إلي طرح شارون صيغة الانسحاب أحادي الجانب من غزة بمبادرة ضمانات أمريكية في 14 أبريل 2004م فيما عُرف بـ«وعد بوش», كما عرج علي آثار تغيير القيادة الفلسطينية بوفاة الرئيس عرفات, إلي قمة شرم الشيخ الرباعية التي عقدت في 9/2/2005م. وترجع أهمية هذا الكتاب لسببين رئيسيين:الأول: أن مؤلفه هو الدكتور زكريا حسين الاستراتيجي البارز, صاحب المؤلفات العلمية العسكرية والسياسية والاستراتيجية القيمة التي تثير دائمًا اهتمام الباحثين, وتحوز عناية الأوساط العلمية, ومن أهم مؤلفاته غير هذا الكتاب: كتاب السياسة العسكرية المصرية في التسعينيات, وكتاب مكتبات التكنولوجيا وتنمية القوة المسلحة, وكتاب العرب إلي أين, وكتاب الترسانة النووية الإسرائيلية.وشارك الدكتور زكريا حسين بمقالات رصينة في كثير من المجلات والصحف الإقليمية, كما شغل عددًا من المناصب المرموقة مثل: مدير كلية الحرب العليا, ومدير أكاديمية ناصر العليا, ورئيس هيئة البحوث العسكرية, ومقرر اللجنة المشتركة لاستلام سيناء طبقًا للمعاهدة الموقعة بين مصر والكيان الصهيوني, إضافة إلي تقلده أرفع الأوسمة والنياشين في الدولة.والسبب الثاني: يرجع إلي طبيعة المادة التي احتوي عليها الكتاب الذي يقع في 330 صفحة, ويطرح تصورًا لخلاصة فكر الصفوة المثقفة العربية والفلسطينية لكيفية صياغة استراتيجية مضادة للمواجهة العربية للتعامل مع الاستراتيجية الإسرائيلية بعد أن اتضحت معالمها بما لا يقبل الخلاف.وتميز الكتاب بعرضه الشامل للمخطط الصهيوني العالمي لاغتصاب فلسطين من خلال عرض أهم الوثائق التي تدلل علي ما أعدته المنظمة الصهيونية لليهود في فلسطين والدور الذي لعبه وايزمان في إقامة وطن لليهود بضغطه علي الحكومة البريطانية, وإيهامها أن وجود اليهود في فلسطين يصب في مصلحة بريطانيا, كما أورد وثائق أخري عن جولات الصراع المسلح سالفة الذكر, وتناول بالتحليل الحديث عن منظمة التحرير الفلسطينية وتحولها نحو السلام, كما تعرض للانتفاضة الفلسطينية, وركز علي استراتيجية التفاوض بين حزبَي العمل والليكود, وذكر أوجه الاختلاف والاتفاق بينهما, وذكر بالتحليل المعادلات والمقترحات والأفكار الإقليمية والدولية التي طرحت إحياء مسيرة السلام والموقف الإسرائيلي منها.ومن أهم ما في الكتاب -إضافة لدعم كلامه بالوثائق التاريخية- التساؤلات التي طرحها في نهاية الكتاب, مثل: هل إسرائيل جادة في السلام مع العرب? وإلي متي سيظل خيار السلام هو الخيار الاستراتيجي الوحيد للعرب, لاسيما في ظل تبني أمريكا للقوة وفرض السيطرة العسكرية? وحاول الإجابة عليها. كما لا يقل أهمية عن ذلك, إيراده بعد ذلك خلاصة لفكر الصفوة المثقفة العربية والفلسطينية لكيفية إيقاف هذا التنفيذ المتسارع للمخطط الشاروني المدعم أمريكيًا لتصفية القضية الفلسطينية, وإعادة صياغة الشرق الأوسط بما يضمن الهيمنة الإسرائيلية الأمريكية علي مقدراته.والكتاب يعتبر أول كتاب عربي يطرح تسجيلاً وثائقيًا موسوعيًا لقضية الصراع العربي الإسرائيلي, مما لا غني عنه لأي متابع أو مهتم أو باحث في القضة الفلسطينية.

جريدة آفاق عربية العدد 718 ، بتاريخ: 21/07/2005م

الدكتور زويل: توفير الحريات ضرورة للإبداع العلمي

الدكتور زويل: توفير الحريات ضرورة للإبداع العلمي
بقلم/ وصفي عاشور أبو زيد
باحث في العلوم الشرعيةاستضاف برنامج «البيت بيتك» علي القناة الثانية يوم السبت 5/2 العالم المصري الدكتور أحمد زويل, وكانت حلقة مهمة» حيث تحدث عن لمحات متعددة: شخصية, وعلمية, وفكرية, وإصلاحية, وغير ذلك.وكان من أهم ما قاله الدكتور زويل: ثلاثيتان يراهما ضرورة للتقدم العلمي في مصر وغيرها. أما الثلاثية الأولي فهي خاصة بالبحث العلمي, ركنها الأول: البحث العلمي الجاد الذي لا يُبتغي منه التدرج في المناصب الجامعية العلمية, بل الذي يضيف جديدًا بحق في مجال العلم. والركن الثاني: هو أن يتم تفعيل هذا البحث بالتكنولوجيات والحياة العملية والعلمية, حتي يتم التطوير العلمي ويتحقق التقدم التكنولوجي لمجتمع من المجتمعات, وإلا فلا قيمة حقيقية لأبحاث لا علاقة لها بتكنولوجيات الحياة والواقع. وأما الركن الثالث: فهو أن يشارك هذا البحث في تكوين المجتمع الثقافي والمعرفي.وأما الثلاثية الثانية, وهي الأهم» لأنها سابقة علي المنظومة السابقة, وبغيرها لا يمكن أن تتاح منظومة البحث, فهي منظومة المناخ الذي ينبغي أن يُهيأ للبحث العلمي.وذكر أن ركنها الأول: هو الإصلاح السياسي الذي يأتي علي رأسه توفير الحريات, حيث يجب أن نوفر الحريات إذا أردنا أن يكون في مجتمعنا فكر وإبداع» لأن الخوف من النقد مثلاً يقتل الإبداع والفكر الجديد, وبدون توفير الحرية للنقد والرأي الآخر في مجتمع ما, لا يمكن أن يكون هناك إبداع. والركن الثاني: هو الإصلاح الاقتصادي, الذي يجب أن يوفر الميزانية اللائقة بالبحث العلمي, وأشار إلي أننا لو ضاعفنا ميزانية البحث العلمي الموجودة حاليًا ثلاث مرات لا تكفي أبدًا لإنجاز بحث علمي حقيقي يتناسب مع تكنولوجيا العالم. وأما الركن الثالث: فهو الإصلاح العلمي, ويشمل مناهج التعليم, وكل ما يتصل بمقومات البحث العلمي الذي لن يكون قبل الإصلاح السياسي والاقتصادي.وعلي الرغم من أن وقت البرنامج قد تعدي ثلاث ساعات إلا أن هذا الكلام لم يستغرق دقيقة كاملة» حيث كلما أراد أن يتحدث الدكتور زويل في هذه الأمور بالغة الأهمية في الإبداع والبحث العلمي لاحقه الإذاعي محمود سعد- من مقدمي البرنامج- وحاصره بالأسئلة الأخري مثل قصته مع أم كلثوم, وماذا يحب لها, وما خصائص صوتها وأدائها وغير ذلك مما لا يفيدنا شيئًا في واقعنا, ولا ينهض بتخلفنا, ولا يليق أصلاً بشخصية في وزن الدكتور زويل, ومع ذلك لا يقاطعه في الحديث عن أم كلثوم بل يترك له العنان ويتيح له الاتصالات الهاتفية الخارجية وبعض اللقطات والحفلات الغنائية النادرة لها.ويعود الدكتور زويل بعد فترة للحديث عن ضرورة توفير المناخ العلمي المناسب في مصر, وضرورة تغيير المنظومة بأسرها إن أردنا تقدمًا علميًا علي المستوي العالمي, ويقاطعه الإذاعي محمود سعد -في أسلوب غير لائق- مرة أخري بالحديث عن أم كلثوم حتي لا يتكلم في المحظور أو يتعدي الخطوط الحمراء, في حين أن أي دولة تستضيف هذا العالم تحاول أن تستفيد من علمه, وأن يرسم لها الطريق السليم.. بينما أنه حين يستضاف في مصر -ونادرًا ما يحدث- نتحدث معه عن الأغاني والمسلسلات.ولن تتقدم مصر أبدًا ولا غيرها إذا حوصر الحديث عن أسباب تخلفنا بشفافية وجرأة وشجاعة, ووضع أسس ومعايير التقدم في المجال العلمي وغيره من المجالات. وينبغي ألا نبالغ في الحديث عن الغناء والمغنين, والفن والفنانين علي حساب الأساسيات والضروريات لأي مجتمع يريد أن يلحق بركب التطور.

جريدة آفاق عربية العدد 696 بتاريخ: 17/02/2005م

عفوًا فضيلة الإمام الأكبر: التحدث في غير أمور مصر لا يجوز

عفوًا فضيلة الإمام الأكبر: التحدث في غير أمور مصر لا يجوز

بقلم/ وصفي عاشور أبو زيد
شيخ الجامع الأزهر الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي هو أكبر مرجعية سُنًّية رسمية في العالم, ومن المفروض أنه شيخ الإسلام ورمزه الأكبر, ولكلمته أثرها في العالم» لأنه علي رأس أكبر وأعرق مؤسسة تعليمية إسلامية في العالم كله.ولفضيلة الإمام الأكبر دراسات إسلامية قيمة لاسيما دراسته للدكتوراه عن «بنو إسرائيل في القرآن», وتفسيره المسمي بـ«التفسير الوسيط» الذي يتكون من خمسة عشر مجلدًا, وغير ذلك من مؤلفات وأبحاث في مختلف فروع الشريعة الإسلامية.غير أن جموع المسلمين الذين ينتظرون آراء فضيلته فيما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم -فضلاً عن العلماء- لم يهتدوا إلي منهج يسير عليه سيادته حتي الآن, وعن أي مصدر يأخذ, وإلي أي شيء يرجع.فقد صرح فضيلة الشيخ الأكبر مؤخرًا أن المشاركة في الانتخابات العراقية -التي تم إجراؤها في الثلاثين من شهر يناير الماضي- «أمر واجب» علي كل عراقي.وخلال لقاء بمشيخة الأزهر الأربعاء 12/1/2005 رد فضيلته علي استفسار من مرشح الرئاسة الأمريكي السابق «جون كيري» حول رأي الإسلام في مشاركة العراقيين في الانتخابات.. قائلاً: «منذ أن تحدد موعد الانتخابات العراقية وأنا أقول: إنه يجب علي كل عراقي سني أو شيعي أو كردي أن يشارك في هذه الانتخابات لاختيار من الذي سيتولي الأمور في العراق, وإلا ستستمر المصائب والفتن في العراق».في حين أن فضيلته في أغسطس 2003م هاجم فتوي الشيخ نبوي العش التي تنفي مشروعية مجلس الحكم الانتقالي العراقي, واعتبرها «لا تمثل الأزهر», وشدد شيخ الأزهر -حينها- علي أنه «ليس من حق أي عالم مصري أن يتحدث في شأن أية دولة». وقال: «إنني شيخ الأزهر لمصر, ولا يصح أن أزايد علي شيوخ العراق وأصدر فتاوي خاصة بهم, ومن الأولي للعلماء العراقيين أن يقولوا رأيهم في هذا الشأن فهم أدري وأعلم بأمورهم منا».وكان هذا التصريح عقب استقبال سيادته للسفير الأمريكي بالقاهرة ديفيد وولش في مقر مشيخة الأزهر عقب نشر فتوي الشيخ نبوي العش.وقالت صحيفة الحياة اللندنية في عددها الصادر الخميس 28/8/2003م: إن شيخ الأزهر أوصي الولايات المتحدة في مؤتمر صحفي مشترك -عقده بعد اللقاء- بالعمل لنقل السلطة إلي العراقيين في أسرع وقت «حتي يتسني للشعب العراقي إدارة شئونه بنفسه, وأن يتم هذا الأمر بطريقة متوازية بين العراقيين السنة والشيعة والأكراد والتركمان».ووصف فضيلته العلاقة بين كل هذه الطوائف بأنها «بالغة الحساسية أكثر مما يتخيله الأمريكيون».. مؤكدًا ضرورة «أن تعمل الإدارة الأمريكية علي إفهام العراقيين أنها غير طامعة في نفط العراق, ولا في أمواله, وأنها لم تأت لاحتلال العراق, وإنما لتخليصه من الظلم وإعادة الأمور إلي نصابها». هذا موقفه من مسألة مجلس الحكم الانتقالي, ومشروعية وجود أمريكا في العراق.. ولا تعليق.أما موقفه من قضية الحجاب في فرنسا -الذي جاء مخيبًا للآمال, ومحبطًا للرأي العام- فقد نقلت وكالة رويترز للأنباء في 17 /12/2003 عن فضيلة الإمام قوله: «إنَّ فرض حظر ارتداء الحجاب في مدارس فرنسا شأن داخلي لا يحق لأحد التدخل فيه». وقال: «لا اعتراض لنا إذا أصدرت فرنسا قانونا كهذا» لأنه لا يحق لأحد أن يعترض علي مصر إذا أصدرت مثلاً قانونًا يمنع أية طالبة من دخول المدرسة ما لم تكن ترتدي الحجاب». وأضاف: إن من حق كل دولة أن تصدر من القوانين ما يناسبها».في حين أن أغلب رموز الإسلام في العالم عارضوا هذا الكلام وأصابهم العجب والإحباط من كلام فضيلته, علي رأسهم الداعية البارز الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ محمد حسين فضل الله -المرجع الشيعي المعروف- بالإضافة إلي مواقف العديد من المنظمات الإسلامية وبعض الدول الإسلامية, وعلي رأسها إيران.وكانت أبرز الردود عليه ما كتبه الأستاذ فهمي هويدي في الأهرام القاهرية بعنوان: «كبوة الإمام الأكبر», ورد عليه فضيلة الإمام بعنوان: «بل كبوة الكاتب الأكبر», وقد جاء الرد كله متبرئًا من مسئولية شيخ الأزهر من أي حديث لا يخص مصر.فعلي أي أساس يبيح فضيلته لنفسه اليوم أن يأمر مسلمين غير مصريين بأمر من الأمور, ويصبح الحديث عنهم مباحًا, وإذا كان الحجاب -وهو أمر ديني وفرض إسلامي- قد اعتبره فضيلته أمرًا خاصًا بفرنسا وليس من حقه -كشيخ للأزهر «في مصر» علي حد قوله- أن يتدخل في أمور دولة أخري, فهلا اعتبر سيادته الانتخابات العراقية أمرًا خاصًا بالعراق, وهو أمر سياسي بحت?!!

جريدة آفاق عربية العدد 694 ، بتاريخ: 03/02/2005م

أحمد ياسين رمز العقيدة الراسخة

أحمد ياسين رمز العقيدة الراسخة

بقلم/ وصفي عاشور أبو زيد
ذكري عزيزة علينا وعلي المسلمين في كل مكان, بل علي الشرفاء والأحرار في العالم كله, ذكري الشيخ الشهيد أحمد ياسين -تقبله الله في الشهداء- الذي اغتالته قوي الشر الصهيونية الغادرة بعد صلاة الفجر 22/3/2004, فلقي ربه صابرًا صائمًا محتسبًا.وهو -كما نعلم- كان مسنًا محطمًا مشلولاً, يجلس علي كرسي لا يتحرك إلا إذا حُرك, ومع ذلك فإن دولة تتزود بالقنابل النووية, وتملك من السلاح ما لا يملكه كل العرب والمسلمين في العالم, هذه الدولة العظمي التي تتكفل أمريكا بتوفير العظمة لها وتهدد بها العرب تحركت لتقتل هذا الرجل القعيد المسلوب الحركة, وكأنها كانت مُقٍدمة علي معركة هائلة أعدت لها الصواريخ وخططت لها, وأشرف رئيس الحكومة (شارون) علي إدارة المعركة حتي اغتيل الشيخ وتمزق, وبذلك بردت نار إسرائيل, ولا تعلم أن الأمر سيشعل المعركة أكثر" لأن الأمر ليس أمر أحمد ياسين, وإنما هو أمر العقيدة التي كان ينطوي عليها صدر أحمد ياسين.وبرغم أن الرجل كان قعيدًا إلا أنه كان يتمتع من العقيدة بما يبث به الرعب والفزع في قلوبهم جميعًا, وإلي هذه العقيدة كانت تعود أهميته, كان يملك من العقيدة ما يهزم به كل أسباب الخوف, ومع أنه كان يعلم أن إسرائيل تُبيًّت له, فقد حاولت اغتياله من قبلُ إلا أنه كان يخرج من بيته بكل بساطة, كأنما يتوقع رحلة عظيمة تنقله إلي لقاء الله عز وجل.إن أحمد ياسين كان رمزًا للعقيدة التي تخشاها أمريكا وتخشاها إسرائيل, أما الذين يتاجرون بالقضية الفلسطينية, والذين قبضوا الأموال مقابل الجاسوسية والمعلومات المخابراتية هؤلاء تواروا جميعًا من المشهد وقتها, ولا وجود لهم ولا ذكر لهم" لأن القضية لا تعنيهم, أما الذين تعنيهم القضية فهم الذين ساروا علي درب أحمد ياسين عندما قال: "الموت في سبيل الله أسمي أمانينا".وهذا -في الواقع- ما يزعج راحة إسرائيل ويقض مضجعها, ولن تهدأ إسرائيل أبدًا حتي يتحقق قول الله عز وجل: {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} [المائدة: 64].هكذا ينبغي أن ننظر إلي مقتل الرجل, إنه آية علي الثبات الإيماني في وجه الإجرام, وهو يعلم -يقينا- ما تملكه إسرائيل من طائرات "أباتشي" وقنابل نووية, ومع ذلك فلم يعبأ بذلك, وكأنه كان يسخر منهم قائلاً: "إنكم لن تستطيعوا أن تفعلوا شيئًا إلا أن تعجلوا بلقاء ربي تبارك وتعالي".إن الشيخ كان يمثل قدوة للأجيال" حيث إن البعض كان يتصور أن القادة يدفعون الأطفال للهول والموت ثم يختبئون هم خلفهم, فجاء أحمد ياسين ليقدم القدوة للصغار والكبار, قدوة تؤكد أننا جميعًا علي خط النار مستهدفون, وينبغي أن ندفع ثمن الجنة, ولن يكون ثمنها إلا الشهادة, فلا نخاف ولا نرتعش, إنما نقبل عليها.. معتقدين أنها أقصر طريق إلي لقاء الحبيب عز وجل, فهم لم يستطيعوا أن يقتلوه بطريقة أفضل من طريقة تجعله شهيدًا, ونحن نعلم أننا في عصري انقلبت فيه الموازين, فمن يدافع عن أرضه وعرضه أصبح إرهابيًا, أما إسرائيل التي تغتصب الأرض وتقتل الأطفال والنساء والشيوخ, وتمتلك من أسلحة الدمار ما لا يملكه العالم, فهي صاحبة الحق وهي المضطهدة التي لها الحق في الدفاع عن نفسها, وقد رأيناهم وقتها معترضين أن يبحث مجلس الأمن قضية اغتيال الرجل بحجة أنه إرهابي. أي إرهاب في هذا الرجل المحطم القعيد?! وفيما تخافه إسرائيل غير أنه يحمل عقيدة ترعب إسرائيل ومن وراءها?إن كل الذين تاجروا بالقضية اختفوا من المشهد, وهربوا فلم يعد لهم صوت, بل إنهم ينعمون بالمال الذي حصلوه من المتاحرة بها, أما أصحاب القضية الحقيقيون فهم هؤلاء الأبطال الذين تهون عندهم الدنيا في سبيل المبدأ والعقيدة, والذين يقاتلون لا من أجل الأرض فقط, إنما للأرض والعرض وللحفاظ علي أرض تحوي فيها المسجد الأقصي الذي بارك الله حوله, وإسرائيل علي ما تملك من قوة لا تملك واحدًا من هؤلاء الأبطال يستطيع أن يدفع روحه ثمن أرضعه وعرضه ولو كان مال الدنيا كله هو الثمن, وكما قال القرآن عنهم -وكأنما كان يتنبأ بما ستكون عليه إسرائيل-: )لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) (الحشر:14) . فالقري المحصنة هي المستوطنات, والجدر هي الجدر العازلة التي يحيطون بها أنفسهم اليوم.هكذا مات أحمد ياسين, لكنه لم يمت, إنما استأنف حياة أبدية جديدة: )وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران:169) )فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (آل عمران:170) .سوف يظل ذكره ولن ينقطع, ومن علامات ذلك أن هناك ستة ولدوا في قرية الشهيد أحمد ياسين في نفس اليوم الذي استشهد فيه, وتسموا جميعًا بـ"أحمد ياسين", سوف يظل ذكره وتدوم قدوته, وتستمر سيرته نبراسًا للذين أتوا بعده وملأوا الفراغ الذي تركه, وسيستمر الرعب الذي مثله مقتله في قلوب الذين يتخفَّون بالجدر, ويحتمون بالقري المحصنة, والله غالب علي أمره, وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.باحث في العلوم الشرعية


جريدة آفاق عربية عدد 700 ، بتاريخ: 17/03/2005م