الأربعاء، 30 يناير، 2008

رمضان... شهر العبادة والعمل


رمضان... شهر العبادة والعمل
وصفي عاشور أبو زيد**
يأتي شهر الصوم كل عام، ويشيع بين المسلمين شائعة مدعاة ووهم فاسد وهو أن رمضان شهر التراخي والنوم والكسل، رغم أن ذلك يتنافى مع قواعد العقل وأدلة الشرع، ومن ثم يتخففون من العمل، ليخلدوا إلى الراحة ويتفرغون للهو والمسليات، والعمل القليل الذي يؤدونه يشوبه كثير من القصور والتفريط، ويصاب الصائمون بضيق الذرع وضيق الصدر بمن حولهم ومن يتعاملون معهم بحجة أنهم صائمون.
وهناك فريق من المسلمين يتفرغون من أعمالهم، ليتأهبوا ويستعدوا للعبادة فقط، ولا مكان عندهم للعمل في هذا الشهر، فهو شهر العبادة، والعبادة فقط، وهو فرصة تتضاعف فيها الأعمال، وتشحن فيها الهمم، ويزداد فيها الإيمان، ويتزود فيها المسلم لباقي العام، "وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى" (البقرة: 197)، ومن ثم ينصرف عن عمله ولا يلقي له بالا.
وفريق آخر يتخفف من عمله الكسبي لا ليعبد الله، ولكن ليصرف وقته أمام التلفاز واللهو والنوم والعبث، حتى يمر الوقت وينقضي الشهر دون أن يشعر بألم الجوع أو مرارة العطش.
بل إن بعضهم يفطر بحجة أن الصيام يضعف الإنتاج، يقول داعيتنا الكبير الشيخ محمد الغزالي ساخرًا ومستنكرًا وقاحةَ الذين يفطرون بحجة ضعف الإنتاج: "ويفطر أحدهم في رمضان ويأمر الآخرين بالفطر، ويضع قدمًا على أخرى في مكتبه، وهو يهتك حرمة الشهر، ويشرب القهوة والدخان، لكن لماذا يفعل ذلك، وقد قال الله: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ". لا.. إن هذا الصوم يضعف الإنتاج، ونحن في عصر يتطلب المزيد منه".
وما من شك في أن هذا الفريق أو ذاك لا يمثل المنهاج الإسلامي الصحيح، ولا يحقق أيٌّ منهما ما شُرع له الصوم من مقاصد وحكم وغايات، وهما بعيدان كل البعد عن الوسطية والاعتدال اللذين تميزت بهما الشريعة الإسلامية والأمة الإسلامية في غير طغيان ولا إخسار: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً". (البقرة: 143).
فهو منهج يجمع بين العقل والروح، وبين العبادة والعمل، وبين الشمول والعمق، ويمزج بين العلم والدعوة، وبين الثقافة والجهاد، وبين الدنيا والآخرة، ويوازن بين مصلحة الفرد والجماعة، وبين حاجات الأجيال المعاصرة، ومتطلبات الأجيال المستقبلة.
الدين ليس أفيون الشعوب
وليس الدين أفيون الشعوب ـ كما زعم البعض ـ يُسْكِرُهم ويجعلهم يخلدون إلى الراحة والدعة والكسل، بل هو الذي خرّج أجيالا وربى أمة وصنع حضارة عمرها أكثر من أربعة عشر قرنا، وشرّق وغرب، وسيبلغ ـ كما أخبر المعصوم عليه الصلاة والسلام ـ ما بلغ الليل والنهار.
وليس في الدين فرائض أو أوامر تدعو للتراخي أو الكسل، يقول الإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين: "ولم يشرع الدين من العبادات ما يضيق به وقت العمل للحياة مقدار أنملة؛ فنحن نرى الذين هم عن الآخرة غافلون يشغلون جانبًا من أوقاتهم في راحة ولهو، أفلا يحق للمؤمن أن يقضي جزءًا من وقت راحته في الوقوف بين يدي الخالق وابتغاء رضوانه، وهذا الجزء لا يزيد على ساعة في اليوم والليلة إذا شاء؟
ليفعل هذا وليقس حياته بحياة من يصرف أوقاته في جمع المال، وإذا انتقل عنه فإلى راحة ولهو، فإنه يجد من طمأنينة القلب وارتياح النفس ما يجعل عيشه أهنأ وحياته أطيب مصداقَ قوله تعالى: "من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون". [من مقال له بعنوان: "المدينة الفاضلة في الإسلام". نشر في عام 1931هـ].
لا يفترقان..
والعمل والعبادة لا يفترقان في التصور الإسلامي، ولا يتعارضان بل كلاهما يستدعي الآخر ويتطلبه؛ لأن العبادة عندنا عمل والعمل عندنا عبادة، فالعمل في لغة القرآن مقرون بالإيمان، فلا تكاد تجد آية فيها عمل إلا مصحوبة بالإيمان، أو إيمانا إلا مصحوبا بالعمل، فتارة يقرن الإيمان بكلمة العمل كقوله تعالى: " وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ" (البقرة: 25).
وتارة يتبع الإيمان بأمر أو نهي وكلاهما عمل، فالأمر كقوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ" (البقرة: 153)، والنهي كقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى" (البقرة: 264).
وتارة أخرى يأمر بالعمل أمرا صريحا مباشرا فيقول: "وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" (التوبة: 105).
ومن هنا فالإيمان والعبادة مقرونان بالعمل، فلا إيمان بلا عمل، ولا عمل بغير إيمان، وإذا كان العمل عبادة فلا تعارض بين العمل والعبادة.
الرسول أسوة
وكان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجمع بين العبادة والعمل انطلاقا من هذا التصور الإسلامي، فلم يُرْوَ عنه قول أو فعل أو تقرير يجعل العمل والعبادة متعارضين بل العكس هو الذي روي، وأحيانا يرفع العبادة التي تمتلئ بالعمل والحركة على العبادة التي يتمحض فيها معنى التعبد ويقدمها عليها، مثل ما حدث حين خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب فقيل له بعد ذلك إن بعض الناس قد صام فقال: "أولئك العصاة، أولئك العصاة".
بل إن رجلا ذهب إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستأذنه في الجهاد، فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أحيٌّ والداك؟ قال نعم، قال ففيهما فجاهد.
وخلَّف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليا ـ رضي الله عنه ـ في الهجرة ليرد الأمانات إلى أهلها، وكان ابن عباس يقطع اعتكافه من أجل قضاء مصالح الناس وحوائجهم، فلما سئل في ذلك قال: هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا عبد الله بن المبارك الذي كان يفضل الجهاد مع أداء الفرائض على الانقطاع الكامل للعبادة كما كان الفضل بن عياض الذي أرسل له ابن المبارك رسالة كتب فيها شعرا يقول فيه:
يا عابـد الحرمين لو أبصرتنا
لعلمت أنك في العبـادة تلعب
من كان يخضب جيده بدموعه
فنحورنا بدمائنـا تتخضـب
أو كان يتعب خيله في باطـل
فخيولنا يوم الصبيحـة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا
رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانـا من مقـال نبينـا
قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي وغبار خيل الله في
أنف امرئ ودخان نار تلهب
التاريخ شاهد عيان
وتاريخ المسلمين الطويل شاهد على أن هذا الشهر هو شهر الإنتاج والعمل، وشهر الانتصارات الكبرى، حين تهب ريح الإيمان، ونسمات التقوى، وتتعالى صيحات الله أكبر فيتنزل النصر من الله تعالى، على قلة العَدد وقلة العُدد، ابتداء من بدر، ومرورا بفتح مكة وحطين وعين جالوت، وانتهاء بحرب العاشر من رمضان 1393هـ التي نحيا على أطلالها حتى اليوم.
فهل شهر رمضان بعد هذا كله شهر التراخي والكسل وعدم إتقان العمل، ونقول إن الدين أفيون الشعوب؟!
إن العمل والإنتاج والأداء الأفضل عبادة لله علي قدم المساواة مع عبادات الصلاة والصيام والقيام، بل إن هذه العبادات مع العمل تجعل أجر العبادة أكبر وأفضل عند الله؛ لأن العمل فرض وتكليف والفرار منه فرار من أمر إسلامي وواجب ديني، وما أظن في ذلك شكا أو خلافا بين فقهاء.
إن المسلمين هم الذين حوَّلوا هذا الشهر إلى شهر كسل وتراخٍ بما يسهرونه من الليل وينامونه من النهار، ولو أنهم صاموا حق الصيام، وتحرَّوا الوصول إلى مقاصد الصيام العظيمة لتحقق للأمة في هذا الشهر من الكفاية الإنتاجية ما يكفيها باقي السنة.. صحيح أن الصوم يضعف البدن، لكنه يقوِّي العزم، ويشدُّ الظهر، ويعوِّد الصبر، ويربِّي المؤمن على طول التحمل وقوة الإرادة.
وذلك لأن المعدة تخلو مما يثقل البدن ويرهقه، فتنطلق الروح ويسعد القلب ويرقى؛ وفي هذا الإطار نفهم حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه".
أوهام فاسدة
لم يبق من حجة لهذه الأوهام الفاسدة والعادات السيئة التي تذهب بأجر الصيام، وتجعل الصيام لا يحقق مقاصده مع هذه السلوكيات الفاسدة بعد أن اتضح من منهج القرآن ومنهج الرسول ـ عليه السلام ـ والتاريخ والواقع أننا نحن الذين صنعنا هذه الترهات التي لا حقيقة لها، ولا دليل عليها من عقل أو شرع.
يبقى على المسلم أن يعود لخالص دينه، ويعمل جاهدا على تحقيق المعاني السامية للصيام؛ حتى تعود على النفس والعقل والبدن ثمراته، وتتحقق فيه مقاصده كما أراد الله، فيحرص على وقته ـ والوقت هو الحياة ـ ولا يصرف جزءا منه في غير فائدة، وينام مبكرا، وإن استطاع القيلولة فحسن.
وليعلم أن العمل مع الصيام يزيد ثواب الصائم، ويرفع من قيمة العمل وأجره يوم الحساب، وليحذر شياطين الجن والإنس حتى لا يمر الشهر وينفض السوق ويخرج منه خائبا خاسرا.
** باحث مصري.

أوجاع رمضانية


أوجاع رمضانية*
وصفي عاشور أبو زيد
يُعتبر الصيام من أخص العبادات وأشرفها، فهو كف وترك لا يرى العبدَ فيه أحدٌ سوى الله تعالى، في حين أن كل العبادات والشعائر الكبرى بمشهد من الخلق؛ ولهذا فهو من أخص العبادات، وأما أنه من أشرفها؛ فلأن عبادة من العبادات لم ينسبها الله إلى ذاته العلية نسبة تشريف كما نسب الصوم.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل: "كل عمل بن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به" (متفق عليه(.
وهو رحلة روحية يستشعر الإنسان فيها وجود الله ومعيته، ويطوي فيها فواصل البعد بينه وبين معبوده؛ ليحقق في قلبه معنى التقوى، ويملأ صدره بالسكينة والطمأنينة؛ ويخلص نفسه من المعاني الأرضية، وينطلق من أوهاق جسده ومطالبه، ويحقق رغبات روحه وأشواقها، فيعيش أسعد لحظات الإيمان والحب والرضا.
ولما كانت هذه هي مقاصد الصيام الكبرى فوجب على كل مسلم أن يسلك كل سبيل ويتخذ كل وسيلة مشروعة تحقق له هذه المقاصد. ويبتعد عن كل شيء يقطع عليه طريقه، ويقلع عن كل عادة سيئة تعوقه عن الوصول إلى هدفه السعيد وغايته النبيلة، ومطلوبه الأعلى.
لكن هناك عادات وتقاليد تغلغلت في المجتمع الإسلامي منذ قرون أفسدت على المسلمين صيامهم، وضيَّعت عليهم قيامهم، وأطاحت بكل المقاصد العليا للصوم. وفي السطور القليلة التالية نحاول رصد أبرز هذه العادات السيئة وبيان إفسادها لمقاصد الصيام.
الإسراف في الأكل والشرب
فالأكل والشرب عموما ليس عادة سيئة، بل هو من مطالب الجسد المجبول عليها؛ ولأن هناك في رمضان السحور والإفطار فقد يتحول شهر الصيام والتقليل من الطعام إلى مأكلة ومشربة ومسرفة.
يشرب فيه المسلمون ويأكلون من أنواع الطعام والشراب وأصناف الحلوى ما لا يأكلونه ويشربونه في السنة كلها. وتتحول المحال التجارية إلى أسواق كبرى في هذا الشهر. فهذا ما لم يُشرَع له الصوم، وهو من أسوأ العادات؛ لأنه يذهب بثمرات الصيام أدراج الرياح.
يقول أبو حامد الغزالي رضي الله عنه- وهو في معرض الحديث عن صوم الخصوص- إن تمامه يكون بستة أمور، قال في الأمر الخامس وما أحسن ما قال: ألا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلئ جوفُه، فما مِن وعاء أبغض إلى الله عز وجل من بطن مُلئ من حلال، وكيف يستفاد من الصوم في قهر عدو الله وكسر الشهوة إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره، وربما يزيد عليه في ألوان الطعام، حتى استمرت العادات بأن تُدخر جميع الأطعمة لرمضان فيؤكل من الأطعمة فيه ما لا يؤكل في عدة أشهر؟!.
ومعلوم أن مقصود الصوم الخواء وكسر الهوى لتَقْوَى النفس على التقوى. وإذا دفعت المعدة من ضحوة النهار إلى العشاء؛ حتى هاجت شهوتها وقويت رغبتها ثم أُطعمت من اللذات، وأشبعت زادت لذتها وتضاعفت قوتها، وانبعث من الشهوات ما عساها كانت راكدة لو تُركت على عادتها.
فروح الصوم وسره تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان في العود إلى الشرور، ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل، وهو أن يأكل التي كان يأكلها في ليله لو لم يصم، فأما إذا جمع ما كان يأكل ضحوة إلى ما كان يأكل ليلا فلم ينتفع بصومه (إحياء علوم الدين: 342).
ومعلوم أن أبا حامد الغزالي قد توفِّي في العام 505هـ/1111م، يعني منذ ما يقرب من ألف سنة إلا خمسين عاما، وهذا يشير إلى أنها عادة ليست بمستحدثة على المسلمين، بل هي من العادات السيئة القديمة التي ضربت بجذورها في حياتهم، ومع ذلك فهو يصف المجتمع في عصره كما لو كان يعيش بيننا اليوم.
ثم يقول الإمام في لفتة عميقة إلى الطعام الكثير والشراب الكثير وآثارهما المدمرة على ليلة القدر: وليلة القدر عبارة عن الليلة التي ينكشف فيها شيء من الملكوت، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾(القدر: 1).
ومن جعل بين قلبه وبين صدره مخلاة من الطعام فهو عنه محجوب، ومن أخلَى معدته فلا يكفيه ذلك لرفع الحجاب ما لم يُخْلِ همتَه من غير الله عز وجل، وذلك هو الأمر كله، ومبدأ جميع ذلك تقليل الطعام (المصدر السابق).
وتحت عنوان "تقاليد لا بد من تغييرها" يقول الشيخ محمد الغزالي المعاصر- رحمه الله-: "تقاليد المسلمين جعلت شهر الصيام شهر طعام، وجعلت النفقة فيه أربى من غيرها في سائر الشهور، ما العمل؟ لنكن صرحاء ولنقل: إن على المسلمين تغيير تقاليدهم القائمة على الإسراف!! ويجب أن تعود صبغة العبادة لشهر العبادة، وأن يبرز في الصيام معنى الجهاد والقدرة على مقاومة شتى الرغبات.
إن البيت الإسلامي يقوم على إعداد الطعام لأهله، وليست مهمته أن يكون عادات البطنة والتشبع، أو أن يدخل في منافسات مادية سفيهة لتقديم الأشهى والأغلى، والظروف السياسية والعسكرية التي تمر بأمتنا تفرض علينا ألوانا من التقشف لا ألوانا من اللذات" (قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة).
وإذا كان الصوم يُعوِّد المسلم الصبر، ويُحيي فيه قوة الإرادة، ويُعمِّق فيه التحمل الطويل والصلابة، فإن مطاوعته لنفسه وتركه العنان لها ترتع وتلعب في مراتع الرخاء وملاعب الأكل والشرب لن تجعله يحصِّل من هذه الأمور شيئا مذكورا.
وفي هذا المعنى يقول الشيخ الغزالي في كلام نفيس: "إن الدابة تفعل ما تحب، وتدع ما يضايقها، والمسافة بين عزيمتها وشهوتها معدومة، بل لا عزيمة هنالك، ولا صراعَ بين شهوات وواجبات، أما الإنسان فيتطلع إلى أمور تردعه حواجز شتى، فإن غلب رشده كان عقله حاكما لرغائبه، وإلا فهو إلى الدواب أدنى.
ذلك وليس الصيام عن الشهوات فارقا فقط بين الإنسان والحيوان، بل هو فارق بين الناجحين من الناس والفاشلين؛ فالنجاح في كل شيء قدرة على تحميل النفس الصعاب، وتصبيرها على الشدائد، وقدرة على منعها ما تستحلي، وفطامها عما تبغي.
ومن قديم عَرف طلاب العلا هذه الحقيقة، واستيقنوا من أن الراحة الكبرى لا تنال إلا على جسر من التعب، وأن من طلب عظيما خاطر بعظيمته، وأن ركوب المشقات هو الوسيلة الوحيدة لإدراك المجد، وقد شرع الإسلام الصيام للناس كي يدربهم على قيادة شهواتهم لا الانقياد لها" (هذا ديننا: 118، 119).
والآيات والأحاديث والأقوال التي تحذر من الإسراف عموما كثيرة في القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: 31).
وقال أيضا وهو يعدِّد صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاما﴾ (الفرقان: 67). وأورد ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنه قال: أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة. وقال: إسناده صحيح.
قال الصنعاني: فإن السرف في كل شيء مضرٌّ بالجسد ومضرٌّ بالمعيشة، ويؤدي إلى الإتلاف فيضر بالنفس؛ إذ كانت تابعة للجسد في أكثر الأحوال، والمخيلة تضر بالنفس حيث تكسبها العجب، وتضر بالآخرة حيث تكسبها الإثم، وبالدنيا حيث تكسبها المقت من الناس (سبل السلام، دار إحياء التراث العربي: بيروت. ط4) ولما كان الإسراف منهيّا عنه في غير رمضان، فإن النهي عنه في رمضان يكون أشد وأقوى؛ لأنه فيه من مخالفة أغراض الصيام وإضاعة ثمراته ما فيه.
وإذا ذهبنا إلى الفقهاء نستفتيهم في حكم الإسراف في الطعام والشراب لأفتونا بالحرمة قطعا؛ لأن نهي الإسلام عن الإسراف واضح وصريح، فكيف إذا كان في عبادة يهوي الإسراف بثمراتها ومقاصدها في مكان سحيق؟ لا شك أن الحرمة تكون مؤكدة.
وإن المؤمن الصادق الإيمان لن يقدم على شيء حرمه الإسلام وهو يتقرب إلى الله تعالى بأخص العبادات وأشرفها، بل سيحمله إيمانه وحساسية ضميره إلى الكف الفوري عما حرم الله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور:51).
السهر بالليل في اللهو والباطل
وهذه أيضا من عادات المسلمين السيئة في الشهر الكريم، فيجعلون من الليل- الذي أحرى بهم أن يجعلوه عبادة وتقربا إلى الله- وقتا للهو وما لا فائدة فيه. بل إن بعضهم يقضي وقت ليله فيما يُذهب ثمرات صوم نهاره؛ حيث التلفاز وما فيه من مسلسلات وأفلام وبرامج عبثية، يقوم بالاستعداد لها والتخطيط من أجلها شياطين الإنس والجن قبل مجيء رمضان بستة أشهر.
ومن الناس من يقضي ليله في الحديث الباطل. فيتسامر ويتساهر مع غيره حتى يذهب بأثمن الأوقات وأغلاها سدى. ويضيِّع شهر القرآن والقيام، فإذا ما اقترب وقت الفجر تململ إلى نومه كالأنعام ليبول الشيطان في أذنه، فلا هو صلى، ولا انتفع بصومه.
وإذا كانت دقائق الليل غالية في كل وقت فإنها في رمضان أغلى وأزكى. ولِمَ لا ورب العزة تبارك وتعالى يتنزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ويتجلى ساعة النزول الإلهي لعباده يناديهم إلى عبادته، ويطلب إليهم أن يمتثلوا لندائه؛ ليدْعوه ويرجوه، ويفتح لهم أبواب التوبة حتى يتوب عليهم..؟! ألا ما أتعسَ وأقل حياء الإنسان الذي ينادي عليه مولاه وخالقه، وهو عنه معرض، وبغيره منشغل!!.
النوم الكثير أثناء النهار
وهي عادة سيئة ونتيجة طبيعية تنبثق عن سابقتها، فمن طال سهرُه بالليل طال نومُه بالنهار، فكما ضيَّع الليل في اللهو والباطل ضيَّع نهاره في النوم؛ فالحسنات تجلب الحسنات، ولا تجلب السيئاتُ إلا الخسار والبوار، في موسم تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتصفَّد فيه الشياطين، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر.
يقول أبو حامد الغزالي مبينا علة عدم الكثرة من النوم في نهار رمضان: من الآداب ألاَّ يَكثر النوم بالنهار حتى يحس بالجوع والعطش، ويستشعر بضعف القوى، فيصفو عند ذلك قلبُه، ويستديم في كل ليلة قدرا من الضعف حتى يخف عليه تهجده وأوراده، فعسى الشيطان ألا يحوم على قلبه فينظر إلى ملكوت السماء (إحياء علوم الدين).
الإفطار على المحرم
وهذه يفعلها أغلب المدخِّنين؛ حيث يصومون عن الحلال طوال النهار، ولا يفطرون إلا على السجائر، التي حرمها كثيرٌ من فقهاء العصر؛ لما ثبت فيها من ضررٍ محقَّق، وليس في الإسلام ضرر ولا ضرار، فبمجرد انطلاق الأذان لا يفطر كما كان يفطر الرسول عليه السلام، بل يفطر على ما حرم الله، بعد أن منع نفسه مما أحل الله.
وقد نقلنا من قبل عن أبي حامد الغزالي قوله في تمام صوم الخصوص: "ألا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلئ جوفه، فما من وعاء أبغض إلى الله -عز وجل- من بطن ملئ من حلال"، فإذا كان البطن الذي يملؤه صاحبه من حلال هو أبغض وعاء إلى الله فما حال مَن يفطر على محرم؟!.
ويقول الشيخ الغزالي: "كنت أحب ممن صرعتهم عادة التدخين أن ينتهزوا الفرصة -يعني شهر رمضان- فينسلخوا عن هذه العادة، إما بإرادة قاهرة ناجحة، وإما بتدرج مقرون بالعزم" (قضايا المرأة: 188).
فأحرى وأولى بالمسلم الذي استجاب لربه ومنع نفسه عما أباحه الله أن يجاهدها ويفطمها عما حرم الله، ويقلع عن هذه العادة المدمرة الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، وإنما تحلق المال والصحة.
ترك العمل والإنتاج
يتصور كثير من المسلمين أن رمضان شهرٌ تتعطل فيه المصالح، ويتخفف فيه الصائمون من العمل، ولا يتحمل فيه مسلم مسلما. وهذه عادةٌ سيئةٌ من سيئ عادات المسلمين في رمضان، فلا هو شهر كسل ودعة، ولا هو شهر تعطيل المصالح والتخفف من العمل، ألا ساء ما يتصورون!!.
إن التاريخ يقول لنا: لم ينتصر المسلمون في شهر كما انتصروا في رمضان، وهو كلام أشهر من أن يذكر، وهل هناك عمل أشق على البدن من القتال؟ كلا. كلا.
يقول الشيخ الغزالي ساخرا ومستنكرا وقاحةَ الذين يفطرون بحجة ضعف الإنتاج: "ويفطر أحدهم في رمضان ويأمر الآخرين بالفطر، ويضع قدما على أخرى في مكتبه، وهو يهتك حرمة الشهر، ويشرب القهوة والدخان، لكن لماذا يفعل ذلك، وقد قال الله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ لا.. إن هذا الصوم يضعف الإنتاج، ونحن في عصر يتطلب المزيد منه" (الإسلام في وجه الزحف الأحمر!!).
إن المسلمين هم الذين حوَّلوا هذا الشهر إلى شهر كسل وتراخٍ بما يسهرونه من الليل وينامونه من النهار، ولو أنهم صاموا حق الصيام، وتحرَّوا الوصول إلى مقاصد الصيام العظيمة لتحقق للأمة في هذا الشهر من الكفاية الإنتاجية ما يكفيها باقي السنة. صحيح أن الصوم يضعف البدن، لكنه يقوِّي العزم، ويشدُّ الظهر، ويعوِّد الصبر، ويربِّي المؤمن على طول التحمل وقوة الإرادة.
إن بدَنا من الأبدان قد يكون صحيحا معافى، لكنه لا يستطيع أن يصل بصاحبه إلى تحقيق هدف أو يصعد به نحو المعالي ونحو النور؛ لأنه قعدت به عزيمته، وتأخرت به إرادته، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وربَّ جسد حطمته الأمراض وركبته العلل.
لكنَّ عزيمةَ صاحبه تسوق هذا الجسد الهامد نحو العلا وتحقق به الغايات البعيدة، وما أصدق قول أبي الطيب، وهو يعاني شدائد الحمى:
فإنْ أُحْمم فما حُمَّ اعتزامِي وإنْ أمْرَضْ فما مَرِضَ اصطبَارِي
وإنْ أسـلمْ فَمَا أَبَقَى وَلَكِنْ سَلِمْتُ مِنَ الْحِمَـامِ إِلى الْحِمامِ
وأحب أن أشير في النهاية إلى أن الإسلام يدعو بيقين إلى محاربة هذه العادات في كل زمن. وإذا كانت محظورة في غير رمضان فإنه يتأكد حظرُها في هذا الشهر الفضيل، الذي جعله الله زادا يتزود منه المؤمنون، وجعله مغفرة للسيئات، وصعودا في مدارج السالكين.
إن الإنسان لو لم يستطع أن يقود نفسه للإقلاع عن هذه العادات في غير رمضان فإن في رمضان وجوِّه العام ما يعينه على التخلي عن سيئ العادت والتحلي بكل الفضائل، فالصيام عبادةٌ قوامها أن يمتلك المرء نفسه، وأن يحكُم هواه، وأن تكون لديه العزيمة التي يترك بها ما يشتهي، ويقدم بها على ما يكره.
كما أن الصيام يقوم على تحرير الإرادة الإنسانية، وجعلها تبعا لأوامر الله لا لرغائب النفس، وتحرير الإرادة هو الفرق الهائل، لا أقول بين الحر والعبد، بل بين الإنسان والحيوان، ومن لم ينأَ بنفسه عن عالم الحيوان الأعجم فلا يلومنَّ إلا نفسه، ومن لم يتعامل مع شهر رمضان على أنه شهر الثورة على كل عادة سيئة فلم يتحقق بفضيلة ولم يحرز هدفا، وخرج من شهر الفيض خائبا خاسرا.
* نقلا عن موقع إخوان أون لاين.

دراسة في فقه مقاصد الشريعة بين المقاصد الكلية والنصوص الجزئية ـ عرض



قراءة في كتاب:دراسة في فقه مقاصد الشريعةبين المقاصد الكلية والنصوص الجزئية
وصفي عاشور أبو زيد
**
تحتل مقاصد الشريعة منزلة كبرى في تفكير الشيخ يوسف القرضاوي، فهو من أبرز علماء الإسلام المعاصرين اهتمامًا بالمقاصد، سواء على مستوى التنظير والتفكير أو مستوى التنزيل والتطبيق، يهيمن الفكر المقاصدي على كل ما يكتب، ترى هذا الاهتمام وهذه الهيمنة في فتاواه وفي كتبه، لا سيما الفقهية منها، وتلحظه في تعليله للأحكام، كما يعتبر المقاصد معولاً أساسيًّا في الترجيح والوصول إلى حكم من الأحكام الشرعية، وشرطًا أساسيًّا لا بد من توافره كي يبلغ الفقيه درجة الاجتهاد.
فإذا دعا القرضاوي إلى التيسير في الفتوى أو التبشير في الدعوة فلأنَّ التيسير ورفع الحرج من مقاصد الشريعة، وإذا دعا إلى الوصل بين الفقه والحديث وربط الكليات بالجزئيات فمرجعه لنفس السبب، وإذا دعا إلى التأمل في فقه السنن فلأنه من ثمرات العلم بالمقاصد، وإذا دعا إلى رعاية المآلات والأولويات والموازنات، ومراعاة الترتيب السلمي المقاصدي من ضروريات وحاجيات وتحسينيات، أو مراعاة فقه النِّسب أو مراتب الأعمال فلأن ذلك كله مرجعه لمقاصد الشريعة العليا، وإذا قال بوجوب الأخذ بأدب الاختلاف وفقهه لتوحيد الأمة فلأن الوحدة والقوة مقصد إسلامي عام، وما يؤكد على ذلك قوله: "وفي رأيي أن فقه المقاصد هو أبو كل هذه الألوان من الفقه؛ لأن المعنيّ بفقه المقاصد هو: الغوص على المعاني والأسرار والحكم التي يتضمنها النص، وليس الجمود عند ظاهره ولفظه، وإغفال ما وراء ذلك".
شمول الرؤية
وإذا كان علماء المقاصد القدماء قد اهتموا بجزئيات المقاصد من ضروريات وحاجيات وتحسينيات، وتقسيم الضروريات إلى الكليات الخمسة المعروفة: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، والتنظير لها والاستدلال عليها، فإن شيخنا قد اهتم بالمقاصد الكبرى أو العامة أو ما يسميه الدكتور جمال عطية بالمفاهيم التأسيسية -كما نجده عند ابن عاشور- من مثل تحقيق العدل والمساواة، وتحقيق الكفاية والأمن العام، والقيم الاجتماعية يراها كذلك من المقاصد مثل الإخاء والتكافل والحرية والكرامة، وبذلك -كما يقول الشيخ- يظهر ما تتسم به المقاصد من تنوع وشمول، فهي مقاصد روحية أو دينية باعتبار أن أول ما تسعى الشريعة إلى حفظه وإقامته هو الدين بعقائده وعباداته، وهي مقاصد أخلاقية، ومقاصد إنسانية، ومقاصد مستقبلية سواء بسواء.
ومن مؤلفات الشيخ التي يظهر فيها اهتمامه بالمقاصد: "المدخل لدراسة الشريعة"، و"كيف نتعامل مع القرآن العظيم"، و"كيف نتعامل مع السنة النبوية"، و"السياسة الشرعية"، و"شريعة الإسلام"، و"مدخل لمعرفة الإسلام"، و"فقه الأولويات"، و"فقه الأقليات"، و"فقه الدولة في الإسلام"، وأخيرًا صدر له كتاب عن دار الشروق بعنوان: "دراسة في فقه مقاصد الشريعة بين المقاصد الكلية والنصوص الجزئية"، طبع عام 1427هـ/ 2006م، ويقع في 288 صفحة، وهذا الكتاب هو موضوع العرض.
وقد ضمَّن الشيخ كتابه كلمة افتتاحية كان قد ألقاها في ندوة مقاصد الشريعة بلندن تحدث فيها عن أمرين: الأول: عن اهتمامه بمقاصد الشريعة ومتى بدأ وإلامَ انتهى، وفيه يبين إيمانه بأهمية المقاصد من خلال نصوص قرآنية واستقراء لأحكام الشريعة، وأقوال ومعايشة للفقهاء المؤمنين بالمقاصد من أمثال المشايخ: شلتوت ودراز والمدني وأبي زهرة وخلاف والخفيف وعلي حسب الله ويوسف موسى ومصطفى زيد والزرقا والسباعي والبهي الخولي والسيد سابق، وغيرهم. ثم يذكر كتبه التي اهتم فيها بالمقاصد مما ذكرناه في المقدمة لهذا العرض.
والأمر الثاني بعنوان: فقه مقاصد الشريعة، يبين فيه معنى الشريعة، ومعنى مقاصد الشريعة، وهل للشريعة مقاصد فعلاً، وذكر أهم الطرق التي توصل لمعرفة المقاصد، ثم تعرض لخماسية الكليات الضرورية، ورأى أن إضافة بعض المتأخرين للعِرض باعتباره كلية سادسة، إضافة معتبرة لها ما يؤيدها من الشرع والعقل، وهنا أيضًا يوسع الشيخ من آفاق المقاصد؛ ليجعل منها القيم الاجتماعية مثل الحرية والشورى والعدل والمساواة وما يتعلق بمفهوم الأمة، وتكوين المجتمع والدولة منتهيًا إلى أن الأصوليين القدامى كان جلّ اهتمامهم في هذا المجال منصبًّا على الفرد المكلف، ولم تتوجه عناية منهم مماثلة لمقاصد الدولة والمجتمع.
مدارس ثلاث
ثم تناول الشيخ بعد ذلك ثلاث مدارس فقهية وبيَّن موقفهم من مقاصد الشريعة وتعليل الأحكام، الأولى: مدرسة تُعنى بالنصوص الجزئية وتتشبث بها وتفهمها فهمًا حرفيًّا بمعزل عما قصد الشارع من ورائها، وهم الذين سمَّاهم الشيخ من قديم بـ"الظاهرية الجدد"، فهم ورثة الظاهرية القدامى، ورثوا عنهم الحرفية والجمود، وإن لم يرثوا عنهم سعة العلم، ولا سيما فيما يتصل بالحديث والآثار، وقد رمز لها الشيخ بـ"فقه النصوص بمعزل عن المقاصد"، وذكر من خصائصها ستة، هي: حرفية الفهم والتفسير، والجنوح إلى التشدد والتعسير، والاعتداد برأيهم إلى حد الغرور، والإنكار بشدة على المخالفين، والتجريح لمخالفيهم في الرأي إلى حد التكفير، وعدم المبالاة بإثارة الفتن.
ومن مرتكزات هذه المدرسة ذكر الشيخ أربعة، هي: الأخذ بظواهر النصوص، وإنكار تعليل الأحكام بعقل الإنسان، واتهام الرأي وعدم استخدامه في الفهم والتعليل، وانتهاج التشدد في الأحكام.
أما النتائج والمواقف التي أسفر عنها فقه هذا المدرسة، فهي: إسقاط الثمنية عن النقود الورقية، وإسقاط الزكاة عن أموال التجارة، والإصرار على إخراج زكاة الفطر من الأطعمة، وتحريم التصوير الضوئي أو ما يسمى بـ"الفوتوغرافي".
وقد ذيّل الشيخ الكلام عن هذه المدرسة ببيان قيام الشريعة على رعاية المصالح كما قرره المحققون من العلماء، وأن الصحابة كانوا ينظرون في فقههم إلى مقاصد الشريعة.
التعطيل باسم المصالح
أما المدرسة الثانية فهي مقابلة للأولى تزعم أنها تُعنى بالمقاصد وروح الدين مدعية أن الدين جوهر لا شكل، وحقيقة لا صورة، ترد صحيح الحديث؛ لأنهم في الحقيقة لا يعرفون صحيحه من ضعيفه، يتأولون القرآن تأويلات فاسدة، ويتمسكون بالشبهات، وقد سمّاها الشيخ مدرسة المعطلة الجدد ورمز لها بـ"تعطيل النصوص باسم المصالح والمقاصد"، وقد ذكر من سماتها وخصائصها ثلاثة أمور، هي: الجهل بالشريعة، والجرأة على القول بغير علم، والتبعية للغرب.
أما عن مرتكزات هذه المدرسة فيؤكد الشيخ على أنها تعلي منطق العقل على منطق الوحي، وتدعي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عطَّل النصوص باسم المصالح ورعاية المقاصد مثلما فهموا من إلغاء سهم المؤلفة قلوبهم، أو رفعه لحد السرقة عام الرمادة، وناقش الشيخ الشبهتين نقاشًا علميًّا هادئًا.
ومما ناقشه الشيخ هنا مقولة نجم الدين الطوفي عن المصلحة والمراد منها، وبيّن كيف ظلمه العلمانيون فأخذوا شطرًا من كلامه دون الآخر، وظلمه الشرعيون فأخذوا هذا الآخر وتركوا الأول، فالطوفي يمنع صراحة أن يخالف النصُّ القطعي في سنده وفي دلالته المصلحةَ.
ومن الأمور المهة التي ناقشها الشيخ في مرتكزات هذه المدرسة قولهم: "حيث توجد المصلحة فثَم شرع الله"، وبيّن أنهم نسبوها إلى ابن القيم وهو بريء من هذا النص؛ لأنه كان يتكلم عن العدل ولم يتكلم عن المصلحة، بالإضافة إلى أنهم يقطعون هذه الكلمة -بعد تحريفها- عن سياقها التي قيلت فيه، فقد قالها ابن القيم في كتابه "الطرق الحكمية" ردًّا على الذين يحصرون البينة في شهادة الشهود وحدها، ويرفضون الأخذ بالقرائن وإن بلغت ما بلغت من الوضوح والدلالة على وجه الحق في القضية، فقد قال رحمه الله ص 14 من هذا الكتاب: "إن الله سبحانه أرسل رسله، وأنزل كتبه؛ ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات، فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثَم شرع الله ودينه"، ونحو ذلك قاله في "إعلامه".
أما إطلاق هذه الكلمة عن ابن القيم أو شيخه ابن تيمية، فلم يثبت عنهما ولا يتصور منهما، وهما أشد الناس تمسكًا بالنصوص ودعوة إلى الاتباع، وإنما تقبل هذه الكلمة إذا كانت على هذا النحو: "حيث توجد المصلحة فثم شرع الله فيما لا نص فيه، أو فيما فيه نص يحتمل تفسيرات عدة، ترجح أحدها المصلحة"، وفيما عدا ذلك فالواجب أن يقال: "حيث يوجد شرع الله فثَم مصلحة العباد".
أما النتائج والمواقف التي أسفرت عنها هذه المدرسة فهي الهروب من النصوص القطعية والتشبث بالمتشابهات، ومعارضة أركان الإسلام وثوابته باسم المصالح.
المدرسة الوسطية
ورمز لها الشيخ بـ"الربط بين النصوص الجزئية والمقاصد الكلية"، ومن سماتها وخصائصها ذكر الشيخ ستة، هي: الإيمان بحكمة الشريعة وتضمنها مصالح الخلق، وربط نصوص الشريعة وأحكامها بعضها ببعض، والنظرة المعتدلة لكل أمور الدين والدنيا، ووصل النصوص بواقع الحياة وروح العصر، وتبني خط التيسير، والانفتاح على العالم والحوار والتسامح دون ذوبان أو استلاب.
أما المرتكزات التي ترتكز عليها هذه المدرسة فقد ذكر الشيخ منها خمسة، هي: البحث عن المقصد بطرقه المعروفة قبل إصدار الحكم، وفهم النص في ضوء أسبابه وملابساته، والتمييز بين المقاصد الثابتة والوسائل المتغيرة، والملاءمة بين الثوابت والمتغيرات، والتمييز في الالتفات إلى المعاني بين العبادات والمعاملات.
ومن النتائج التي أسفر عنها فقه هذه المدرسة أنها كان لها الأثر الواضح في اجتهاداتها ومواقفها المتوازنة في مختلف القضايا الفقهية والفكرية: الشخصية والأسرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدولية، كما وُفِّقتْ إلى وضع حلول لكثير من المشكلات التي يعانيها الأفراد والمجتمعات، وأجابت عن كثير من التساؤلات التي تحير أعدادًا كبيرة من المسلمين، فوجدوا في أجوبة هذه المدرسة ما يعينهم على التمسك بالعروة الوثقى والاعتصام بحبل الله.
وختم الشيخ كتابه بأن أورد ملاحق عبارة عن فتاوى لكثير من أعلام هذه المدرسة، وهم: الشيخ رشيد رضا، والشيخ السعدي، والشيخ شلتوت، والشيخ الزرقا، والشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، وأورد لنفسه فتويين؛ حيث نقل عن كل واحد فتوى أو اثنين ليعْرف من يعرف هذه المدرسة من آثارها ومواقفها، وليس من مجرد تصوراتها النظرية، على أن كثيرًا من مواقف هذه المدرسة الفقهية قد ذُكر في صلب الكتاب بمناسبته، مما يلقي شعاعًا من ضوء يكشف عن حقيقتها واعتدالها وحسن فهمها لدين الله ودنيا الناس.
ملاحظة
كان الأولى -وصلب الكتاب عن المدارس الثلاث، حيث استغرقت نحو ثلثي الكتاب- أن يكون عنوان الكتاب: "مدارس ثلاث وموقفها من مقاصد الشريعة"، أو "مقاصد الشريعة بين مدارس ثلاث"، أو "النصوص الجزئية والمقاصد الكلية بين مدارس ثلاث" ونحو ذلك؛ لأن العنوان الحالي: "دراسة في فقه مقاصد الشريعة بين المقاصد الكلية والنصوص الجزئية" لا يعبِّر تعبيرًا يتناسب مع مضمون الكتاب، بالإضافة إلى أن الشيخ ذكر هذه المدارس الثلاث وبيَّن بعض خصائصها في كثير من كتبه، لكنه هنا أفردها بالحديث الذي اتسم بالتدقيق والتحليل والبيان والتفصيل.
** باحث الدكتوراة بكلية دار العلوم بمصر.

داعية فقيه أم فقيه داعية


داعية فقيه أم فقيه داعية؟
وصفي عاشور أبو زيد
**- 10/02/2005
أين الداعية الفقيه والفقيه الداعية؟
إذا كانت الحركة في الدعوة الإسلامية شيئا مهما للفقيه لكي يفيد بعلمه ويحركه ليتجدد ويزداد، فإن الفقه من الضرورات التي يتأسس عليها الداعية، وتنبني بها شخصيته.
والمتأمل للواقع العملي الفقهي والدعوي معا يجد هنالك فجوة ليست صغيرة بين الفقيه وساحة الدعوة، وبين الداعية ومجال الفقه، فقلما تجد داعية يملك عقل الفقيه، أو فقيها يحمل روح الداعية. إنما الفقيه معزول عن الواقع والحياة، والداعية بعيد عن محراب العلم الشرعي الرصين، في حين أنه لا تنافر بينهما في التصور الشرعي، بل كلاهما يستدعي الآخر ويستوجبه، فلن يجدد الدين في عقول الأمة إلا فقهاء يحملون أرواح الدعاة، ودعاة يملكون عقول الفقهاء.
حاجة الفقيه لممارسة الدعوة
لا شك أن تصنيف المصنفات ومعالجة العلم بين الأوراق والكتب مهمة مطلوبة ومفيدة للعالم ومن ينتفع بعلمه من بعده، لكن العالم الفقيه إذا لم يتحرك بفقهه بين الناس ويستنزله إلى واقعهم ليعالج به مشكلاتهم، ويداوي به أمراضهم، سوف يتعرض للركود والموت، ومن ثم فلا قيمة لفقه لا يتفاعل مع واقع الناس المعيش.
والحق أن كثيرا من قادة العمل الإسلامي يحثون الدعاة ليتفقهوا ويتعمقوا في فهم مصادر الشريعة ومواردها، وإدراك مبادئها ومقاصدها، وسبر أغوارها وأبعادها، في الوقت الذي يهمَل فيه الحديث عن أهمية أن يكون الفقيه داعية، وأن يمارس الدعوة بفقهه وعلمه الذي حصَّله وتعلمه، وإلا فلا فائدة من فقه بلا دعوة، كما لا قيمة لدعوة بغير فقه.
ثمار ممارسة الفقيه للدعوة
ولن ندرك قيمة ممارسة الفقيه للدعوة إلا إذا وقفنا على الثمار التي يجنيها العالم الفقيه من وراء ذلك، ومن أبرز هذه الثمار:
1- أنه يؤدي زكاة هذا العلم، فزكاة العلم تعليمه وبذله للناس، وبذلك يؤدي شكر النعمة ليحفظها الله عليه.
2- أن الله تعالى سيورثه علم ما لم يكن يعلم؛ لأنه ببذله العلم للناس يكون عمل ببعض علمه، وقد جاء عن علي رضي الله عنه قوله: "يا حملة العلم اعملوا به، فإنما العالِم من عمل بما علم، ووافق علمُه عملَه، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف عملُهم علمَهم، وتخالف سريرتُهم علانيتَهم، يجلسون حِلَقًا فيباهي بعضُهم بعضًا، حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله"
(1).
3- أن العالم الفقيه إذا تفاعل مع الواقع ونزل مع الناس بعلمه تكشفت له أمور وعوالم أخرى لم تكن لتنكشف له وهو قاعد آمن ساكن بين الكتب والأوراق، وهذا أمر يعرفه جيدًا من مارسوا العمل الإسلامي من الفقهاء.
4- أنه يدرك بعمله ودعوته لذة لم يكن يشعر بها وهو يعالج مسائل العلم بعيدا عن واقع الناس، ويدرك من أسرار النصوص وُجوهًا جديدة يستنزلها الواقع المتجدد والأحداث المستمرة، وهذا لا يتاح لمن لا يعمل بعلمه.
5- أنه إذا تعلم العلم وعمل بما علِم، وعلّم الناس ما علمه وعمل به.. يكون بذلك من الربانيين الذين قال عنهم القرآن: "وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ". [آل عمران: 79]. فالربانيون -كما قال الإمام الطبري- هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا؛ ولذلك قال مجاهد: وهم فوق الأحبار؛ لأن الأحبار هم العلماء. والرباني: الجامع إلى العلم والفقه البصرَ بالسياسة والتدبير والقيامَ بأمور الرعية وما يُصلحهم في دنياهم ودينهم
(2).
6- أنه دائما يستشعر الحاجة إلى التعلم وإلى مزيد من الاطلاع لما يواجهه في المجتمع وفي حياة الناس من مشكلات لم تكن موجودة من قبل، ومن ثم فهو يسعى إلى تكييفها الفقهي، ولا يتأتى له ذلك إلا بإعادة قراءة ما قرأه بروح أخرى وفهم آخر، إضافة إلى قراءة جوانب ومساحات من الفقه والأصول لم يقرأها من قبل، وبهذا يستشعر الفقيه مدى حاجته لأن يكون طالب علم إلى آخر لحظة في عمره.
هذه -وغيرها- ثمار يجنيها الفقيه من وراء عمله بفقهه، وتعليمه الناس هذا العلم، وتفاعله بعلمه مع واقع الناس، وممارسته الدعوة في ساحة العمل الإسلامي.
والحق أن مسألة ممارسة الفقيه للدعوة تحتاج إلى إلحاح متكرر من قادة الرأي ورموز العمل الإسلامي وعلماء الأمة؛ لأن هناك الكثير من الفقهاء الراسخين والعلماء الثقات لا يمارسون الدعوة بعلمهم ويكتفون بوظيفة حكومية أو معالجة هذا العلم بين الكتب إما لرهبة أو لرغبة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فالحديث عن ضرورة الفقه للداعية طغى على الحديث عن أهمية ممارسة الفقيه للدعوة، وهذا يستدعي تسليط الضوء بصورة أكبر على هذا الجانب الذي به ستحل كثير من مشكلات الأمة، ويكون الفقيه أكثر فاعلية وفائدة لنفسه ولأمته.
ضرورة الفقه للداعية
وإذا كان الفقيه في حاجة ماسة إلى ممارسة الدعوة، وربما أفاد أمته بوجه ما إذا اقتصر على معالجة العلم بين الكتب والمصنفات، فإن الفقه ضرورة -بالمعنى الشرعي للكلمة- للداعية لا يصح أن يمارس الدعوة إلا بعد تحصيله والغوص في بحاره، وإلا أساء من حيث أراد الإحسان، وعطل سير الدعوة الإسلامية حينا من الدهر، وقديما قال الشاعر:
ما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه
ولهذا وجدنا الحديث مُركزا على هذا الجانب لدى المهتمين بالشأن الإصلاحي، والمنظِّرين للحركة الإسلامية؛ لأن الآثار السيئة التي يحدثها الداعية غير الفقيه لا تقارن بحال من الأحوال بالآثار السلبية التي يحدثها الفقيه الذي لا يمارس الدعوة.
والفقه للداعية هنا يعني أمرين:
الأول: الفقه بالأحكام الشرعية، سواء كانت أحكاما في العقيدة، أو أحكاما فرعية عملية، وكل ما يتصل بعلوم الشريعة مما يدور حول الفقه، وهو ما نعنيه بالكلام هنا.
والثاني: الفقه الدعوي، أو الجانب الفني في الدعوة، وهو ما تضخم عنه الكلام إلى درجة الطغيان على المعنى الأول.
والحقيقة المرة أن الدعاة اليوم يحتاجون إلى إعادة صياغة وتكوين من جديد، لا سيما في أمور الثقافة الشرعية وغير الشرعية، أو ما يطلق عليه: "التكوين العلمي للداعية"، فإن كثيرا -إن لم تكن أغلبية- من الدعاة اليوم يعاني فقرا مميتا في تكوينه العلمي، ويمارس عمله بشيء من "الروتينية"، فهو يؤدي دوره بروح الموظف، لا بروح الداعية المصلح.
الأسباب الداعية لتفقيه الداعية
وربما أدركنا خطورة ممارسة الداعية غير الفقيه، أو ضرورة الفقه للداعية إذا علمنا أسباب ذلك وآثاره، والتي منها:
1- أن الداعية بتعلمه الفقه يمحو الجهل عن نفسه أولا قبل أن يمحوه عن غيره، وهو فرض عين يُطالَب به عموم المسلمين، فضلا عن الدعاة إلى الله تعالى.
2- أن الداعية يتعرض في المسجد وفي الشارع وفي عمله إلى أسئلة الناس، فإذا لم يكن لديه زاد شرعي وعلم شامل بالأحكام فلن يستطيع مواجهة هذا الجمهور، مما يؤدي إلى فقدان الثقة فيه، وربما قاده ذلك إلى الكلام بغير علم، فيحل الحرام ويحرم الحلال، كمحاولة ضالة منه لتثبيت الثقة فيه عند الناس.
3- أن الداعية إذا تزود بالعلم الشرعي النافع -والفقه العملي على وجه الخصوص- فإنه يستطيع أن يرد على الشبهات التي تثار حول الإسلام في كل عصر -وما أكثرها في عصرنا- ليثبت قلوب الناس على الإسلام، ويزداد الذين آمنوا إيمانا، وهنا تتأكد شمولية الثقافة الشرعية بكل أنواعها، سواء كانت في العقيدة أو الفقه أو غير ذلك.
4- أن الداعية بغير إحاطة بالعلوم الشرعية لن يدرك "فقه النِّسَب" بين الأمور التي يتحدث فيها، وطرق الحديث عنها وكيفياته، فربما قدم النافلة على الفريضة، والجزئيات على الكليات، والفروع على الأصول، والمهم على الأهم، وهو ما عبر عنه الشيخ محمد الغزالي بـ"الحَوَل الفكري" حين قال: "رأيت بعض الناس مصابا بحَوَل فكري لا تنضبط معه الحقائق، قد يرى العادة عبادة، والنافلة فريضة، والشكل موضوعا، ومن ثم يضطرب علاجه للأمور، وتصاب الدعوة على يديه بهزائم شديدة"
(3).
من هنا وجب أن يعاد النظر في التكوين العلمي للدعاة، وإذا كانت هناك علوم كثيرة ينبغي أن يحصلها لتكتمل شخصيته العلمية مثل: السيرة والتاريخ والعلوم الإنسانية واللغوية؛ فينبغي أن تحتل العلوم الشرعية -والفقه في المقدمة منها- مكانتها اللائقة بها حتى لا تصاب الدعوة على أيدي الدعاة "بهزائم شديدة"، كما عبر الشيخ الغزالي يرحمه الله.
والذي يرجع بذاكرته إلى أعلامنا المسلمين في التاريخ الماضي لن يجد الذاكرة تستوعب غير الفقهاء الدعاة والدعاة الفقهاء، الذين أحيوا الأمة بفقههم ودعوتهم، وقادوها إلى الطريق المستقيم، أمثال أحمد بن حنبل، وابن تيمية، والعز بن عبد السلام، وابن القيم، ومحمد الغزالي، وغيرهم ممن جمعوا بين الفقه والدعوة.
فلا بد أن يمارس الفقيه الدعوة، ولا بد أن يتسلح الداعية بالفقه، ولا بد من الجمع بين العلم والعمل والتعليم؛ ذلك أن العالم بلا عمل وتعليم لا قيمة له، وربما قاده ذلك إلى جمود علمه وموته دون أن يحمله عنه أحد، والعامل المعلم بلا علم سيكون مصيره حتما الضلال والإضلال؛ لأنه يعمل بغير علم، والمعلم بلا علم وعمل منافق يقول ما لا يفعل، ويعلّم ما لم يعلم، فلا يصح أن ينعزل الفقه عن الدعوة، ولا يجوز للدعوة أن تكون بغير فقه، بل لا بد من اجتماع هذه الثلاثة: التعلُّم، والعمل، والتعليم؛ حتى يكون الداعية أو الفقيه نبتة صالحة في المجتمع، وكلمة طيبة بين الناس تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
اقرأ أيضا:
السطور المتحركة
ماذا يحمل الداعية في حقيبته؟
الداعية الناجح في فكر الغزالي
**باحث في العلوم الشرعية .
(1) سنن الدارمي: باب التوبيخ لمن يطلب العلم لغير الله، حديث رقم: 382.
(2) جامع البيان للطبري: 3/327. دار الفكر. بيروت. 1405هـ.
(3) الحق المر: 135. طبع مركز الإعلام العربي. القاهرة. ط. ثانية. 1417هـ، وراجع خطب الشيخ محمد الغزالي في شئون الدين والحياة: 1/17. طبع دار الاعتصام. القاهرة. بدون تاريخ.

وداعا د. محمد بلتاجي حصن الشريعة ـ خبر


وداعا د. محمد بلتاجي "حصن الشريعة"
القاهرة - وصفي عاشور أبو زيد - إسلام أون لاين.نت/ 27-4-2004
توفِّي الدكتور محمد بلتاجي أستاذ الشريعة بكلية دار العلوم في جامعة القاهرة الإثنين 26-4-2004، تاركًا وراءه عددًا من الدراسات والبحوث الفقهية الثرية حول العديد من القضايا الشائكة التي شهدتها الساحة الدينية مؤخرًا.
وُلِد الدكتور محمد بلتاجي في أسيوط بصعيد مصر عام 1938، ونشأ في كفر الشيخ، وكان مقامه بمدينة طنطا (شمال القاهرة).
ودرس بلتاجي في الأزهر الشريف، وتخرج في كلية دار العلوم عام 1962، وكان الثالث على دفعته، وحصل على الماجستير بتقدير ممتاز، عن موضوع: "منهج عمر بن الخطاب في التشريع" عام 1966.
كما حصل بلتاجي على الدكتوراة بمرتبة الشرف الأولى عن موضوع: "مناهج التشريع في القرن الثاني الهجري" عام 1969، ورقي إلى أستاذ مساعد فأستاذ عام 1980.
وشغل بلتاجي منصب "عميد" لكلية دار العلوم بالقاهرة مدة 10 سنوات، منذ 1985 - 1996، وعمل رئيسًا لقسم الشريعة بالكلية منذ عام 1995، وحتى وفاته.
كما عُيِّن رئيسًا لمركز الدراسات الإسلامية بكلية دار العلوم 2002، وعضوًا بلجنة ترقية الأساتذة، وأشرف على أكثر من 200 رسالة علمية، وناقش مثلها.
واختير بلتاجي الذي عمل رئيسًا للمحاكم الشرعية في الأحوال الشخصية بطنطا بمحافظة الغربية شمال مصر عضوًا في مجمع البحوث الإسلامية. كما تم اختياره عام 2003 عضوًا في مجمع الخالدين (اللغة العربية) بالقاهرة.
وتتلمذ بلتاجي على يد أساطين الفقه والأصول في عصره؛ منهم الشيخ محمد أبو زهرة، والفقيه الشيخ علي حسب الله، والعالم الجليل الشيخ علي الخفيف، والأستاذ الدكتور مصطفى زيد، والداعية الشيخ محمد الغزالي.
من مؤلفاته
يعتبر الدكتور بلتاجي الذي توفِّي عن عمر يناهز -66 عامًا- من المقلين في التأليف، إلا أن ما تركه تميز بالأصالة العلمية والدقة البحثية، والعبارة المحكمة، والدقة البالغة، والإحصاء والإحاطة الشاملة فيما يتناوله، كما تميز بالجمع بين محكمات الشرع ومقتضيات العصر.
ومن أهم ما ألفه بلتاجي: "منهج عمر بن الخطاب في التشريع" و"مناهج التشريع في القرن الثاني الهجري" و"أحكام الأسرة.. دراسة مقارنة" و"الملكية الفردية (حائز على جائزة الدولة)" و"بحوث في التفسير والأصول والتشريع" و"دراسات في الأحوال الشخصية" و"بحوث في القرآن والوحي" و"التشريعات المالية في فقه عمر بن الخطاب" و"مكانة المرأة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة" و"الجنايات وعقوبتها في الإسلام وحقوق الإنسان".
من مواقفه التاريخية
وشهدت الساحة الفقهية من الدكتور بلتاجي مشاركات عديدة وبحوثا قيمة في قضايا حساسة وخطيرة، منها موقفه من العمليات الاستشهادية، حيث كان يرى أن هذه العمليات من "أرقى أنواع الشهادة في سبيل الله، وأنها جند من جنود الله سبحانه، وأنها هي التي أفقدت الصهاينة وأعوانهم الأمن والسلام، وقذفت في قلوبهم الرعب والفزع، وأحدثت توازن الرعب الذي نسمع عنه كثيرًا ونقرأ عنه أكثر، ولا تمت بصلة إلى الانتحار أو الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة".
من آرائه واهتماماته
كانت للدكتور بلتاجي آراء واهتمامات ونصائح منها ما كان شخصيًّا ومنها ما كان عامًّا، فمن آرائه الشخصية، أنه لم يكن يرغب في الإعلام والظهور على الشاشات، ووجهة نظره أن الإعلام يمارس على أصحابه نوعًا من الضغوط والتعجل، وهذا ليس في صالح الفقيه، لا سيما في القضايا المستجدة والخطيرة، فكان يفضل العيش في صمت حتى يبحث القضايا بهدوء، وتأخذ معه وقتها الكافي ليصل فيها إلى رأي مقرر.
ومن اهتماماته العامة مشكلات الأسرة المسلمة وما يتعلق بها، وهو ما ورثه عن عمله في المحاكم الشرعية الخاصة بالأسرة قاضيًا ورئيسًا، فكان يرى أنه لا يمكن للمجتمع أن يسير نحو التقدم إلا بحل جميع المشكلات التي من شأنها أن تعوق هذه المسيرة، وعلى رأسها المشكلات المتعلقة بالأسرة باعتبارها إحدى لبنات المجتمع.

جمال قطب للدعاة: نعم للتطوير لا للصدام ـ حوار



جمال قطب للدعاة: نعم للتطوير لا للصدام
حاوره في القاهرة: وصفي عاشور أبو زيد
**- 24/08/2005





الشيخ جمال قطب
أكد فضيلة الشيخ جمال قطب - الداعية المعروف، رئيس لجنة الفتوى بالأزهر الشريف سابقا- أن واقع الدعوة الإسلامية يحتاج إلى مراجعة وإصلاح؛ حيث يعاني كثير من الدعاة والخطباء فقرا في الثقافة، وضعفا في العلم والاطلاع الدائم والمستمر؛ مما أضعف الثمرات المرجوة منهم.
وأشار فضيلته إلى أنه ينبغي أن توفر الدول والحكومات والهيئات الخاصة بشئون الدعوة حد الكفاية للخطيب أو الداعية، وتهيئ له مناخ العلم والتدريب والتطوير حتى يقوم بمهمته على أكمل وجه.
كما شدد على أنه ينبغي على الدعاة والخطباء ألا يسعوا للصدام مع الدول والحكومات، ولا يشهِّروا بأحد، وأن يتعاونوا في المتفق عليه بينهم وبين الحكومات وهو كثير، وينبذوا الخلاف والنقد الصارخ حتى يفوتوا الفرصة على أعداء الأمة المتربصين بها من التدخل في شئون البلاد؛ فإلى تفاصيل الحوار:
* بداية نريد أن نتعرف عن رحلتكم مع الدعوة الإسلامية.
- تقدمت لخطبة الجمعة بالمعسكر الكشفي الدائم بحلوان جنوب شرق القاهرة أثناء الإجازة الصيفية للصف الأول الإعدادي عام 1961م، وكنت وقتها طالبا بالصف الأول الإعدادي بالتعليم العام، وكنت في الوقت نفسه أذاكر المواد الأزهرية، وأدخل امتحان الدور الثاني فيها، واستمررت على أداء خطبة الجمعة أمام والدي ومشايخ آخرين بمساجد منطقة إمبابة التابعة لمحافظة الجيزة.
والتحقت بجامعة الأزهر، وواصلت العمل الدعوي أثناء الدراسة بكلية الدراسات العربية والإسلامية التي تخرجت فيها عام 1975م، والتحقت بالعمل في مشيخة الأزهر بمجمع البحوث الإسلامية باحثا برواق تقنين الشريعة على المذهب الشافعي في مشيخة المرحوم الإمام محمود عبد الحليم.
ثم طلبت النقل بناء على رغبتي من أروقة البحوث إلى الوعظ؛ فبدأت واعظا بمركز إمبابة، ثم مفتشا للوعظ، ثم مديرا، ثم رئيسا لإدارة الدعوة، ومديرا عاما للدعوة، ثم مديرا عاما للإعلام الديني، وتوليت رئاسة لجنة الفتوى بالأزهر الشريف خلال أعوام 1997-1999م.
ولقد طفت بجميع محافظات جمهورية مصر العربية في قوافل الدعوة التي ينظمها الأزهر الشريف، وكذلك منطقة إمبابة لدعوات الهيئات الثقافية للمجتمع المدني، كذلك خبيرا مع صندوق علاج الإدمان التابع لمجلس الوزراء.
كما مثلت الأزهر الشريف في مؤتمرات دولية في جزر القمر لإعلان انضمام الدولة لجامعة الدول العربية، كما مثلته وشيخه في أثناء حرب البوسنة والهرسك لتواجدي على أراضيها في المؤتمر الدولي المنعقد هناك، وذهبت لفترات محدودة للدعوة في السعودية ولبنان وبريطانيا وأمريكا وبلجيكا وغير ذلك.
* لا شك أنكم مارستم الخطابة والدعوة إلى الله فترة طويلة من الزمن تملك من خلالها أن تضع أيدينا على صفات الداعية الناجح.
- ليس كل إنسان يصلح أن يكون داعية، وليس كل داعية يملك الصفات والمقومات التي من خلالها يتحقق له النجاح، إنما لا بد من توافر مجموعة من الصفات التي تعتبر ضمانا لسماعه، وأبرزها في رأيي ما يلي:
الأولى في تقديري: ألا ينتمي لفكر أحادي النظرة، ولا يتمسك بمذهب ولا دعوة مهما كان بريقها؛ فحياد الداعية وتقلبه بعينه الناقدة بين الأفكار هو الضمان الوحيد لسماع دعوته، أما استغراقه في تبني فكر معين والحرص على نافذة معينة وقالب معين؛ فإن الداعية في هذه الحالة المحددة إنما ينشر مذهبا أو فكرة ولا ينشر دينا؛ فالإسلام أكبر من أن يختذل في شخص أو مدرسة أو مذهب.
الثانية: ألا يقبل على الدعوة إلا محتسبا ومتفرغا لدراستها حتى يضع النقط على الحروف، أما أن يقبل على الدعوة بإخلاص فحسب طالبا الثواب راغبا في تبليغ ما علم أو ما أحب دون مداومة التحصيل والاطلاع على العلم والفكر والوعظ السليم.. فإنه يكون في الدعوة مثل الأم التي تطعم ولدها ولا تسقيه، أو تسقيه ولا تكسوه؛ فالإسلام للمسلم حياة كاملة تحتاج إلى تفهم، ويحتاج الداعية إلى معرفة من أين يبدأ مع كل حالة؟ وكيف يتدرج؟ فلا بد من التخصص العلمي والاطلاع الدائم على كتب العلم والوعظ والسير والتاريخ ويصبر على ذلك، ثم يتابع ما يجري في الواقع من حوله حتى يكون على بصيرة من أمره.
الثالثة: لا بد للداعية أن يبقى طالبا للعلم دائما؛ بمعنى ضرورة يقينه بأن ما وصل إليه ليس حقيقة نهائية، فلا بد من دوام تنقيحه ومراجعته وقبول الآخر مهما كان موقعه؛ فالدعوة تعبير عن الدين الخاتم، وجل دين الله عن أن يحوطه صدر إنسان أو مدرسة أو مذهب.
الرابعة: أن يكون الداعية مثالا حيا لما يدعو إليه؛ فقد ورد عن نبي الله عيسى -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- قوله: "الوعظ زكاة الاتعاظ"، ومعنى ذلك أن الداعية لا يأمر إلا بما عمله هو وأتقنه وحاز ثماره حتى يسهل على المدعو الاقتداء به، أما أن يأتي الداعية أفعالا ينهى الناس عنها، أو يترك أمورا يأمر الناس بفعلها؛ فهذا أخطر ما يكون في الداعية؛ إذ يزهد الناس فيه وينفضون من حوله؛ لأنه -بذلك- أفقدهم الثقة فيه، والله تعالى يقول: "أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم"، وقال: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}.
* هناك خلط عند كثير من الناس بين الداعية والخطيب؛ فالداعية عند الناس هو الخطيب، والخطيب هو الداعية.. فما الفرق بينهما في رأيكم؟
- مسألة المصطلحات عموما من المشكلات التي تواجهنا عند الحديث عن أمر ما أو الكتابة فيه، ولو أننا حررنا المفاهيم وقررنا معاني المصطلحات لاتفقنا على كثير من المسائل المختلف فيها، فضلا عن الخطأ والجهل أحيانا كنتيجة لعدم فهم وتحرير بعض المصطلحات.
ومصطلحا "الخطيب" و"الداعية" من المسائل التي تحتاج إلى فهم وتحرير حتى لا يتناوبا أو يحل أحدهما محل الآخر؛ فالخطيب ناقل فكرة، يجند الناس لها، ويستلزم في عمله قدرات الخطابة المتعارف عليها من الإحاطة اللغوية وقدرة الاسترسال، وقدرته على الإقناع والتواصل، واستقطاب حواس المستمع.
أما الداعية فهو صاحب فكرة يبرهن عليها، ويعيش لها، ويجاهد من أجلها، ويتركها للخطباء من ناحية وللمؤلفين والكتاب من ناحية أخرى، والمحاضرين والمحاورين من ناحية ثالثة، وللمبرمجين من ناحية أخيرة؛ فالداعية يعتبر معبرا عن الفكرة الأصلية مولدا لعناصر التوجيه فيها، أما الخطيب فهو إعلامي ليس إلا.
ومن الجدير بالذكر في هذا المقام أن لفظ "داعية" أصبح من السهل أن يطلق على أي إنسان متحدث بلسان الدين، وهذا في الحقيقة نزول بالمصطلح عن مستواه السامق الأصيل، ولقد كان قديما لا يطلق على خريج الأزهر المشتغل بالإعلام أو الدعوة في رحاب الأزهر "داعية"، إنما كان يسمى: "واعظ"؛ فتغيرت المصطلحات وتناوبت، وأصبح فيها حالة من الظلم لها، والتدني بمستواها.
* كيف ترون واقع الدعاة والخطباء اليوم؟ هل هو كما ينبغي أن يكون عليه من خلال الصفات المذكورة آنفا وغيرها، أم أن هناك نقصا وتقصيرا ما؟
- واقع الخطباء اليوم واقع مخزٍ ومؤسف خلا حالات فردية معدودة في كل قطر؛ فإن الخطباء أصبحوا غير أكْفَاء لعملهم؛ وذلك يرجع لأسباب خارجة عنهم، ولأسباب خاصة بهم أعجزتهم.
أما الخارجية فأبرزها وقوع بلدان الأمة العربية تحت نير القهر العالمي؛ الأمر الذي تفاقم إلى أن أصبحت الأمة أجزاء مقطعة وفقيرة، محتاجة ومتخلفة، وراكضة خلف التقدم العالمي تلهث دون أن تدرك المستوى المطلوب، وقد انطبع ذلك على جميع برامج وأوعية التعليم بصفة عامة، والتعليم الديني بصفة خاصة، وتعليم الخطباء بصفة أخص.
أما الظروف والمعوقات الخاصة بهم فإن معظمهم قد أقبلوا على الدراسة مجبرين لعدم قدرتهم على اللحوق بالكليات العلمية التجريبية بجامعة الأزهر مثلا؛ فذهبوا إلى الكليات الإسلامية تحصيل حاصل مضطرين إليها، فإذا أضفت إلى ذلك القصور في الكادر الوظيفي والتقصير في رعاية المساجد أدركت أن الخطباء أصبحوا حفظة لأقوال معينة يرددونها دون منهجية ودون إدراك للعواقب والمآلات.
* إذا كان واقع الخطباء بهذا الشكل.. فما الطريق إذن لكي نعين الخطيب أو يكون على الوجه المطلوب مع مهمته؟
- لا بد أولا من إصلاح المناهج التعليمة بالتحرر تماما من الفكر الدخيل على الإسلام أيا كان نوعه؛ سواء كان السبب فيه جهة غربية أم كان من الموضوعات والإسرائيليات في تراثنا الإسلامي، ثم بعد ذلك ينبغي أن يُعدَّ الخطيب إعدادا يتناسب مع مهمته ويتلاءم معها، وأن يكون هؤلاء الخطباء لهم رغبة أكيدة في ممارسة هذا العمل الشريف، وأن تكون عندهم هذه الموهبة.
وأمر آخر في غاية الأهمية وهو أن على الجهات والوزارات المسئولة عن الدعوة إلى الله تعالى توفير معيشة كريمة لمن يقوم بهذه المهمة ماديا وأدبيا، وأن يعملوا على تفريغهم من كل الأعمال سوى هذه الوظيفة حتى يتعلم، ويتمرس ويتزود ليؤدي مهمته على الوجه المطلوب ويؤتي ثماره للمجتمع.
أمر أخير -في رأيي- وهو أن كل مسجد من المساجد لا يكفيه خطيب واحد؛ بل لا بد من مجموعة لكل مسجد، كل منهم يتخصص في جانب من الجوانب، هذا للمشكلات الأسرية بين الأزواج والأبناء، وهذا لهموم الشباب ومشكلاتهم، وذاك لأحكام العبادات والمعاملات، وهذا لفض المنازعات والعمل على الصلح بين الناس، وهكذا.
لو تم هذا كله فلا شك أن دور الخطيب أو الداعية أيضا سيؤتي ثماره، ويكون المجتمع مجتمعا معافى من الأمراض والعلل، وكيف لا وهو يستمد الدواء والعلاج من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
* كثير من الخطباء -إن لم يكن كلهم- يتعرض للفتوى في المساجد، وكثير منهم أيضا يفتون فتاوى مخطئة تؤدي إلى حدوث فتن في المجتمع بتحليل الحرام وتحريم الحلال فبماذا تنصحونهم؟
- أقول لهم أولا: إن منصب الإفتاء شيء، ومنصب الخطابة شيء آخر، والخطيب بالفعل يتعرض لمثل هذا، ويجب عليه أن يستوعب خطورة الإفتاء، وأن يدرك أن المفتي نائب وموقِّع عن الله في الأرض كما قال ابن القيم وغيره، فإذا كان يعلم حكم المسألة موضع الاستفتاء فبها ونعمت، وإلا فيسعه ما وسع الأئمة الكبار والفقهاء العظام الذين كانوا لا يجدون غضاضة في أن يقولوا: "لا أدري".
ولو رجع خطباء اليوم إلى الجيل السابق عليهم لوجدوا خطباء كثيرين مشهورين، ومن أبرزهم الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- وقد كان لا يخشى في الله لومة لائم، وكان يحيل أسئلة ترد إليه -وهو من هو- إلى غيره من المتخصصين في الفقه والفتوى، وهذا في الحقيقة لا يعيب الخطيب، إنما يعيبه أن يجيب على السؤال إجابة غير صحيحة، أو غير مقنعة، فتزداد المسألة عسرا، أو يحرَّم الحلال، ويحلَّل الحرام، وهذا كثيرا ما يحدث.
* فضيلة الشيخ، من خلال عملك في الدعوة إلى الله تعالى فترة غير قليلة من الزمان وإلى الآن.. لعلك تعلم جيدا الصدام القديم الجديد والمستمر بين الخطباء والدعاة إلى الله وبين السياسات والحكومات؛ فكيف السبيل إلى حل هذه المشكلة في رأيكم؟
- أولا لا نبرئ الساسة والحكام من ظلم وتعسف مع الدعاة والخطباء، ولكننا نهيب بالمتعرضين والمتشوقين والراغبين في هذه المهمة أن يبتكروا وسائل وأساليب واضحة شفافة لعدم الصدامات مع الحكومات؛ فمن مصلحته ومصلحة الدعوة ألا يشهر بالأشخاص، ولا يتعرض بالنقد اللاذع للمسئولين الكبار في بلد ما وفي التعريض مندوحة، وكذلك في استحضار شخصيات وأحداث تاريخية ليشير من بعيد إلى ما يريد.. هذه واحدة.
أما الأخرى -وهي مهمة جدا- فهي أنه لا بد أن يتقارب الدعاة مع الحكومات والدول على الحد الأدنى المتدرج، ويبدءوا من كل جانب يمكن منه البداية شرعا، ويؤخروا الصدامات والنقد اللاذع إلى حين، وأظن أن الدعاة أو الخطباء لن يحرموا مثل ذلك تفويتا للفرصة التي يتيحها الخلاف لأعداء الإسلام من القوى العالمية على التدخل في شئون البلاد، ولا شك أن الدعوة في مصر أو السعودية أو الكويت على حالتها الراهنة أفضل من الدعوة في بلاد أخرى، ومساحات الالتقاء والتعاون أعتقد أنها كثيرة جدا يمكن التعاون فيها، وهذا أفضل بكثير من أن نبدأ بالصدام بتناولنا للمختلف فيه الذي يؤدي إلى تشتت الجهود، وإيغار الصدور مما يؤثر سلبا على سير الدعوة الإسلامية.
اقرأ أيضا:
لماذا يهرب الناس من المساجد؟
دعوة إلى أسلمة المساجد!!
داعية فقيه أم فقيه داعية؟
الداعية بين الطفولة والرشد
**باحث شرعي بكلية دار العلوم.

حكم تقدم المأمومين على الإمام عند الحاجة ـ فتوى


تقدم المأمومين على الإمام عند الحاجة
العنوان
لدينا مسجد تحت عمارة نخصص فيه الدور الأرضي للرجال، وخصص جزء من الدور الأول للنساء، وهذا الجزء يقع أعلى الجزء الأمامي من مصلى الرجال حيث يكون النساء إما فوق الرجال أو أمامهم، ولكن في مكان مغلق لا يراهم فيه أحد من الرجال، وعدا صلاة الجمعة يفضل الإمام الصلاة في صحن المسجد حيث الجزء المتسع ووجود الهواء أوفر والمكث أريح له وللمأمومين، فتكون النساء إلى الأمام (فوق) حتى من الإمام.
وعندما أنزلنا النساء خلف الرجال لم يكن الوضع مريحا للنساء ولا للرجال؛ لوجود حرج في ذلك لاشتراكهم في الباب وضيق المكان، ونريد أن نعرف هل الصلاة صحيحة بهذا الشكل، أم هناك مشكلة في ذلك.

السؤال
26/10/2005
التاريخ
مجموعة من الباحثين
المفتي
الحل
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،،
فيرى جمهور الفقهاء عدم جواز تقدم المأموم على الإمام على أية حال، ويجيز المالكية وإسحاق والليث، والشافعي في القديم وبعض الحنابلة، وابن تيمية، وحملت المالكية "الاقتداء" على الأفعال لا الموقف.
يقول الأستاذ وصفي عاشور أبو زيد باحث شرعي بكلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة
إن الأصل في موقف الإمام من المأمومين أن يتقدم الإمام ويكون المأمومون خلفه أو حذاءه؛ لما رواه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك: "(إنما جعل الإمام ليؤتم به)، ولحديث جابر الطويل الذي رواه مسلم، ومما جاء فيه (...ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه. ثم جاء جبار بن صخر فتوضأ. ثم جاء فقام عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدنا جميعا. فدفعنا حتى أقامنا خلفه). ولأنه أمر توقيفي في العبادة، وقد قال النبي ـ صلوات الله عليه ـ: "صلوا كما رأيتموني أصلي". رواه البخاري. وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء خلافا للمالكية وجماعة، حيث هناك حالة بعينها تحدثوا عنها تشبه الحالة المسئول عنها، وهي السفينة..
فعند الحنفية ـ كما قال الكاساني ـ أنه "من وقف على سطح السفينة يقتدي بالإمام في السفينة صح اقتداؤه إلا أن يكون أمام الإمام; لأن السفينة كالبيت، واقتداء الواقف على السطح بمن هو في البيت صحيح إذا لم يكن أمام الإمام". بدائع الصنائع: 1/110.
قال: ولو وقف على سطح المسجد واقتدى بالإمام: فإن كان وقوفه خلف الإمام أو بحذائه أجزأه؛ لما روي عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه وقف على سطح واقتدى بالإمام وهو في جوفه; ولأن سطح المسجد تبع للمسجد، وحكم التبع حكم الأصل فكأنه في جوف المسجد، وهذا إذا كان لا يشتبه عليه حال إمامه، فإن كان يشتبه لا يجوز. البدائع: 1/146.
قال الكاساني: "ولأنه إذا تقدم الإمام يشتبه عليه حاله، أو يحتاج إلى النظر وراءه في كل وقت ليتابعه، فلا يمكنه المتابعة; ولأن المكان من لوازمه". البدائع: 1/145.
وعند الشافعية، قال الإمام الشافعي: لو وقف بعض المأمومين أمام الإمام يأتم به أجزأت الإمام ومن صلى إلى جنبه أو خلفه صلاتُهم، ولم يجز ذلك من وقف أمام الإمام صلاتُه؛ لأن السنة أن يكون الإمام أمام المأموم ، أو حذاءه لا خلفه وسواء قرب ذلك أو بعد من الإمام، إذا كان المأموم أمام الإمام. الأم: 1/197.
وشروط الاقتداء عند الشافعية سبعة: أولها: ألا يتقدم المأموم على الإمام في الموقف؛ لأنه لم ينقل عن أحد من المقتدين بالنبي صلى الله عليه وسلم ، والخلفاء الراشدين ولخبر الصحيحين (إنما جعل الإمام ليؤتم به) والائتمام الاتباع ، والمتقدم غير تابع. أسنى المطالب: 1/221.
وقد أورد الإمام النووي أن في المذهب رأيين: واحدًا في القديم، والثاني في الجديد، فالجديد وهو الأظهر لا تنعقد، وإن كان في أثنائها بطلت، والقديم انعقادها، وإن كان في أثنائها لم تبطل. المجموع: 4/190-191.
ووافقت الحنابلةُ الحنفيةَ والشافعية لخبر الصحيحين؛ ولأنه يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات إلى ورائه، ولأن ذلك لم ينقل عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا هو في معنى المنقول. فلم يصح، كما لو صلى في بيته بصلاة الإمام ويفارق من خلف الإمام فإنه لا يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات إلى ورائه. المغني: 2/22-23.
إلا أن هناك رأيا عند الحنابلة يجيز التقدم على الإمام لعذر، قال البهوتي ـ من فقهائهم ـ: "وفي شدة خوف فلا يضر تقدم المأموم للعذر، ويصح الاقتداء إن أمكنت متابعة مأموم لإمامه فإن لم تمكن متابعته، لم يصح الاقتداء". دقائق أولي النهي: 1/279.
وذهبت الظاهرية إلى ما قال به الجمهور ـ ووافقهم فقهاء الشيعة ـ واستدلوا بحديث الصحيحين وحديث جابر، قال ابن حزم: "فوجب أن يكون الاثنان فصاعدا خلف الإمام ولا بد، ويكون الواحد عن يمين الإمام ولا بد; لأن دفْع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جابرا وجبارا إلى ما وراءه أمْرٌ منه عليه السلام بذلك لا يجوز تعديه". المحلى: 1/386.

أما المالكية والإمامان إسحاق والليث فقد أجازوا أن يتقدم المأمومون على الإمام لحاجة أو عذر معتبر كضيق في المسجد أو طبيعة معينة لمكان معين، والحاجة تنَزَّل منزلة الضرورة، والضرورات تبيح الحظورات، هذا إذا كان تقدم المأموم محظورا بإطلاق، وحملوا حديث الصحيحين على أن الاقتداء أو الائتمام يكون في الأفعال لا الموقف.
فقال الإمام مالك: إن تأخر المأموم ليس بشرط، ويجزئه إذا أمكنه متابعة الإمام.
ووجه قوله: أن الاقتداء يوجب المتابعة في الصلاة، والمكان ليس من الصلاة فلا يجب المتابعة فيه، ألا ترى أن الإمام يصلي عند الكعبة في مقام إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ والقوم صف حول البيت؟ ولا شك أن أكثرهم قبل الإمام.
وقالوا بأن التقدم بلا عذر يفيد الكراهة فقط، فإذا وجد العذر انتفت الكراهة، وهذه بعض نصوصهم:
قال الخرشي: "يصدق ـ يعني كراهة التقدم ـ بما إذا تقدم كل المأمومين وهو ظاهر ـ نقله المواق ـ ولا إثم. وعلة كراهة التقدم خوف أن يطرأ على الإمام ما لا يعلمونه مما يبطلها وقد يخطئون في ترتيب الركعات إذا تقدموه. واقتداء من بأسفل السفينة بمن بأعلاها. يعني أنه يكره لمن بأسفل السفينة أن يصلي خلف من يكون في أعلاها لعدم تمكنهم من مراعاة الإمام، وقد تدور فيختل عليهم أمر صلاتهم". شرح مختصر خليل: 2/29.
وقال العدوي: "وإن تقدم المأموم لعذر كضيق المسجد جاز من غير كراهة". حاشية العدوي: 1/307، وانظر: حاشية الدسوقي: 1331، وبلغة السالك: 1/441.
وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الرأي فقال: "أما صلاة المأموم قدام الإمام، ففيها ثلاثة أقوال للعلماء:
أحدها: إنها تصح مطلقاً، وإن قيل إنها تكره، وهذا القول هو المشهور من مذهب مالك، والقول القديم للشافعي.
والثاني: إنها لا تصح مطلقاً، كمذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد في المشهور من مذهبه.
والثالث: إنها تصح مع العذر، دون غيره، مثل ما إذا كان زحمة فلم يمكنه أن يصلي الجمعة أو الجنازة إلا قدام الإمام، فتكون صلاته قدام الإمام خيراً له من تركه للصلاة، وهذا قول طائفة من العلماء، وهو قول في مذهب أحمد ، وغيره، وهو أعدل الأقوال وأرجحها وذلك لأن ترك التقدم على الإمام غايته أن يكون واجباً من واجبات الصلاة في الجماعة، والواجبات كلها تسقط بالعذر. وإن كانت واجبة في أصل الصلاة، فالواجب في الجماعة أولى بالسقوط، ولهذا يسقط عن المصلي ما يعجز عنه من القيام ، والقراءة، واللباس، والطهارة، وغير ذلك". الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام 2/360 .

يتحصل مما سبق أن المسألة خلافية، يعني فيها أكثر من رأي: رأيٌ يرى عدم الجواز وهم الحنفية، والشافعي في الجديد، وبعض الحنابلة، والظاهرية، وفقهاء الشيعة، ورأي يرى الجواز بلا كراهة مع وجود العذر، وهم المالكية وإسحاق والليث، والشافعي في القديم وبعض الحنابلة، وابن تيمية، وحملت المالكية "الاقتداء" على الأفعال لا الموقف.
وفي الحالة المسئول عنها إذا استطاع الإمام أن يتقدم ليصلي في القبلة ـ مقدمة المسجد ـ ونخرج من هذا الخلاف، فهو الأفضل، كما يفعل الإمام في يوم الجمعة، لأن الخروج من الخلاف مستحب، وإن كان فيه مشقة وحرج فلا بأس أن يسعه الرأي الآخر، وعلى جمهور المسلمين أن يلتزموا بأدب الخلاف، ويعذر بعضهم بعضا في مثل هذه المسائل حتى لا تختلف القلوب، ويتراشق الناس، والله الموفق وهو أعلم بالصواب.
والله أعلم

حسن حبشي.. راهب المؤرخين



شاهد صور المؤرخ











حسن حبشي.. راهب المؤرخين
16/08/2005
وصفي عاشور أبو زيد


رحل عن عالمنا في صمت مؤرخ كبير ومحقق أصيل ومؤلف نادر من بقايا العلماء الموسوعيين الذين لم يقفوا عند فترة تاريخية بعينها؛ بل درسوا كثيرا من جوانب التاريخ الإسلامي غير مكتفين بالفترة التي تخصصوا فيها، فأعاد إلينا نماذج العلماء الأسلاف في التعلُّم والتعليم والتأليف، والعكوف على العلم الذي أفنيت فيه الأعمار، هو الراحل الدكتور "حسن حبشي" الذي جمع بين دقة البحث وسلامة المنهج، وجمال الصياغة والأسلوب، والمزج بين علمي الحديث والتاريخ، والانطلاق من الوقائع والأحداث إلى النقد والتحليل الذي يعطينا عبرة التاريخ بجانب سرد قصة الماضي.
بطاقة حياة ومشوار علمي
ولد حسن حبشي محمد محمود في (21 مارس 1915م = 5 جمادى الآخرة 1333هـ) في حي السيدة زينب بالقاهرة لأسرة متدينة؛ الأب فيها مغربي الأصل، والأم مصرية، وكان بيتا هادئا متدينا.
حصل على ليسانس الآداب قسم التاريخ من جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا)، ثم على الماجستير في التاريخ من الجامعة نفسها عام 1946م، عن موضوع: "نور الدين والصليبيون.. حركة الإفاقة الإسلامية في القرن الثاني عشر الميلادي"، وطبعت أول مرة عام 1949م، ثم حصل على الدكتوراة في فلسفة التاريخ من جامعة لندن عام 1955م.
لم يقتصر عطاؤه العلمي والتعليمي على مصر في آداب عين شمس، وفي المنيا بصعيد مصر؛ بل درَّس التاريخ في لندن، وفي طرابلس، وبغداد، وجدة. وشغل منصب "أستاذ كرسي" التاريخ الإسلامي والوسيط بآداب عين شمس، وعمل ملحقا ثقافيا بسفارة مصر في باكستان مرتين، وكان يجيد عدة لغات منها: الفرنسية القديمة واللاتينية والإنجليزية.
أصدر ما يقرب من خمسين عملا ما بين تأليف وتحقيق وترجمة، منها ما يضم عشرة أجزاء، وخمسة أجزاء، وأربعة أجزاء. وأشرف شيخ المؤرخين العرب -كما كان يُسمَّى- على أكثر من 80 رسالة علمية، فتخرج على يديه العديد من العلماء، كما أشرف على نشر التراث الإسلامي في دار الكتب المصرية، وكان عضوا في لجان وهيئات كثيرة منها لجنة التاريخ بالمجلس الأعلى للثقافة، وشارك في العديد من المؤتمرات العالمية، فضلا عن إسهاماته الفعالة في دوائر المعارف والموسوعات التاريخية، فنال العديد من الأوسمة المصرية والعالمية.
ظل الرجل يعاني فترة طويلة من ويلات الداء فلم يلتفت إليه أحد، بالرغم من أنه جدير بالاهتمام من جهات عديدة، مثل جامعة عين شمس، ووزارة الثقافة المصرية، وجمعية التاريخ، فضلا عن تلامذته الكبار، حتى غادر دنيانا في صمت يوم الأحد (17 يوليو 2005م= 11 جمادى الآخرة 1426هـ).
مشروعه الفكري
وهب الدكتور حبشي عمره لمشروع فكري متميز، يمكننا أن ننظر إليه من ناحيتين: الأولى: شكلية تصنيفية، والثانية: فكرية موضوعية.
أما الأولى فتشمل ثلاثة محاور هي: التأليف، والتحقيق، والترجمة، منها المطبوع، ومنها ما هو تحت الطبع، ومنها ما تركه في طور التنقيح والمراجعة، فضلا عن الأعمال والمشروعات والأفكار التي لم تسلك طريقها في الأوراق.
ففي التأليف كتب في السيرة النبوية، وفي سير الصحابة والصحابيات، ومراحل التاريخ الإسلامي وبخاصة الوسيط منها، وعلى وجه أخص الفترة الصليبية والبيزنطية. وحسبه في التأليف ما كتبه عن الصحابيات اللاتي أخرج لهن خمسة مجلدات، وما ألفه عن الصحابة في عشرة مجلدات. وكان أصل كلامه عن هؤلاء الصحابة والصحابيات عبارة عن حلقات في الراديو أذيعت بالمملكة العربية السعودية، فهذبها بعد ذلك بالحذف والإضافة، ونشرها في كتب، وأغلب هؤلاء الصحابة والصحابيات غير معروفين، وركز فيها على إبراز الجوانب الحضارية الإسلامية المشرقة.
وفي التحقيق ركز على تراث الإمام والمؤرخ البقاعي الذي شمل كتبا في التاريخ والتراجم والمعاجم والتفسير، كان أبرزها "عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والأقران" في ستة مجلدات، إضافة لما حققه للصيرفي وابن حجر العسقلاني، وابن الحنبلي.
أما مجال الترجمة -وهو من أهم ما تميز به حبشي- فقد ترجم عن الكثيرين، وقد أسعفه في ذلك إتقانه للغات مثل اللاتينية والفرنسية، فترجم عن وليم الصوري، وفلهاردوان، ودوزي، وكلاري، وجوانفيل، وترتون، ولي سترانج.. وغيرهم. وأبرز أعماله المترجمة "الحروب الصليبية" لوليم الصوري في أربعة مجلدات.
أما المحور الثاني في مشروعه فيتعلق بالنواحي الفكرية الموضوعية، ويمكننا تقسيمها إلى ثلاثة محاور هي: الحروب الصليبية، والتاريخ الإسلامي، وقضايا أخرى.
ويعد الدكتور حسن حبشي من أكبر وأهم مؤرخي الحركة الصليبية في العالم العربي، ويمكن القول بأنه من القلائل الذين رسموا وأوجدوا صورة صحيحة لهذه الفترة، فأطلع القارئ العربي على ما كتبه الغربيون فيها، بالرغم من وجود أعلام كثيرين لهم أعمال مقدورة في هذا المجال، على رأسهم الأستاذ الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور الذي أعطى كل عمره تقريبا للحروب الصليبية تأريخا وتحليلا.
ويرجع ذلك إلى أنه مسح فترة الحروب الصليبية مسحا كاملا، فقرأ كل ما كتب عنها بالعربية، وترجم جلَّ ما كتب عنها بلغات أخرى، وميزة بعض الكتب التي ترجمها أنها نُقلت عن شاهدي عيان لهذه الحروب، ومذكرات لبعضهم -بعضها بلغات قديمة- وهو ما جعل منها المصدر الأول والأهم في هذا الميدان. وقد أظهرت هذه الترجمات فيما يخص الحروب الصليبية عظمة الحضارة الإسلامية على لسان هؤلاء الشهود الذين أقروا بالسماحة الإسلامية في الوقت الذي انتقدوا فيه قومهم واعتبروهم غزاة محتلين.
وفيما يتعلق بالتاريخ الإسلامي فقد أظهر فيه الدكتور حبشي هويته الإسلامية الأصيلة ابتداء من كتابه "الرحمة المهداة" الذي عرض فيه السيرة النبوية عرضا جديدا، و"سرايا الرسول"، مرورا بـ"قصة إسلام الصحابة" في عشرة مجلدات، و"صحابيات صنعن الأحداث" عن تاريخ المرأة في صدر الإسلام في خمسة مجلدات، وانتهاء بـ"قرون الهجرة" الذي تناول فيه التاريخ الهجري قرنا قرنا حتى عصرنا الحاضر في أربعة مجلدات، ويلحق بهذا المحور: "الفتح المبين" وهي تمثيلية عن تاريخ مكة المكرمة حتى أنعم الله عليها بالفتح، و"أهل الذمة في الإسلام"، و"أخبار العالم الإسلامي".
وتناول "حبشي" بعض اللقطات والمساحات الزمنية التاريخية لبعض الدول والفترات، فكتب عن مصر والجزائر وفلسطين وأفريقيا والعصر المملوكي، وعرض لتسعة أحداث كبرى في الشرق والغرب، كان كل منها نقطة تحول في التاريخ من خلال كتابه: "أحداث صنعت التاريخ".
ملامح عامة للمنهج العلمي
كاتب المقال مع الدكتور حسن حبشي
كان الدكتور حبشي يحترم ذاته فيما يختار من موضوعات، كما كان لا يتكلم فيما لا يحسن، سواء في التأليف أو في الترجمة أو في التحقيق؛ فهو يذكرنا بالمحققين الكبار أمثال: محمود شاكر، وعبد السلام هارون، ومحيي الدين عبد الحميد، وأبو الفضل إبراهيم، والسيد أحمد صقر، وغيرهم، إلا أنه لم يتوفر بشكل كامل لموضوع التحقيق؛ فقد كان مشغولا بالتاريخ الإسلامي وإعادة الهوية الإسلامية والعربية للأمة.
أما منهجه في التأليف فكان يرجع إلى الوثائق التاريخية والمصادر الأولى الأعلى سندا؛، حيث كان يستخدم "علم الرجال" وغيره من علوم الحديث في الوصول للروايات الصحيحة وتمييزها عن السقيمة حتى يستطيع التحليل والبناء عليها، وتفسير غامض الأحداث التي يتم تفسيرها عن طريق جمع الروايات الصحيحة في الموضوع الواحد، مما يفسر المبهم ويوضح المشكل ويزيل التعارض عن الأحداث المتضاربة. ومن تأثره بمنهج المحدثين ومعايشته لكتبهم وحبه لهم كتب دراسة عن ابن حجر العسقلاني وأربعة من تلاميذه بعنوان: "ابن حجر وتلاميذه". وهو يذكرنا في هذا الصدد بالإمام ابن كثير الذي جمع في "البداية والنهاية" بين التاريخ وتمحيص الروايات في ضوء علوم الحديث.
وكان حبشي يرى -انطلاقا من تمييز صحيح الروايات من سقيمها- أن الدعوة إلى إعادة كتابة التاريخ هي: إعادة النظر في أحداثه وتنقيته من الشوائب التي علقت به، وكان علوقها به نتيجة نزعات شخصية أو اتجاهات مذهبية أو كراهية للإسلام.
ولم يكن حبشي يكتفي بسرد الأحداث والوقائع وتمحيص الروايات فقط؛ بل كان له جهد بارز في تحليل الأحداث ونقدها، واستخلاص العبر والدروس المستفادة منها، وكان يردد دائما: "من لا يعي التاريخ في صدره لم يدرِ حلوَ العيش من مُرِّه، ومن وعي التاريخ في صدره أضاف أعمارًا إلى عمره".
ومن سمات منهجه في التأليف أنه كان يصوغ ذلك كله في عبارة عربية رائقة، وأسلوب أدبي عالٍ، سهل التناول قريب المأخذ، يذكرك بطريقة الطبقات العالية من الأدباء، وقد ورث هذا الأسلوب من حفظه المبكر للقرآن الكريم، ومئات القصائد والأبيات الشعرية التي كان يستشهد بها كثيرا بين يدي حديثه وكتاباته، وقراءاته الكثيرة للأدب واللغة، وتدهش حين تعلم أن له شعرًا غير منشور.
أما في التحقيق والترجمة فكان له منهج مميز؛ حيث كان حريصا على أن يصل إلينا النص موثقا سليما معافى من الأخطاء والتصحيف كما كتبه صاحبه، وكان يقابل النص المحقق على نسخ كثيرة وصلت في بعض الأحيان إلى سبع نسخ كما في تحقيقه لكتاب: "در الحبب في تاريخ حلب" لابن الحنبلي؛ وذلك لكشف المبهمات من الألفاظ والوصول إلى أصوب العبارات عن طريق مقابلة النسخ بعضها ببعض، مع التحليل والنقد لما يراه خطأ في بعض الأحيان، دون تدخل في النص الأصلي.
ولم يكن الدكتور حبشي مترجما للنص فحسب، ضمن المدرسة التي تنقل النص كما هو ثم ينفض يده منه دون تعليق أو تعقيب؛ بل كان يأتي بروح النص لا بحرفه، ويمكن أن نصفه في الترجمة بـ"المترجم المحقق".
ومن أجمل ما يكشف عن قيمة الرجل ما وصفه به تلميذه المؤرخ د. عبد العظيم رمضان حيث قال: "حسن حبشي عالم جليل من أعظم أساتذة التاريخ في العصور الوسطى ومن المتخصصين بالذات في تاريخ الحروب الصليبية؛ حيث يعد أكبر مؤرخ في العصور الوسطى يتقن اللغات القديمة، وقد أتحف المكتبة بترجمته لكتاب وليم الصوري الذي هو شاهد على الحروب الصليبية، وكان نادرا في وفائه للعلم؛ حيث كنت أتصل به في الرابعة صباحا فأجده عاكفا على مكتبه، وقد بذلت جهدا كبيرا حتى ترشحه الجمعية التاريخية لجائزة الدولة التقديرية، ولكن محاولاتي فشلت لأسباب مخجلة".
لقد مثل "حسن حبشي" من خلال ما ألف وحقق وترجم مشروعا تاريخيا متكاملا أظهر عظمة الإسلام وروعة الحضارة الإسلامية.
اقرأ أيضًا:
شفيق غربال.. وصناعة المؤرخين
حسين مؤنس أمة المؤرخين المحدثين
فيليب حتي.. مؤرخ العرب والحضارة الإسلامية
أسد رستم.. القرآن والحديث لفهم التاريخ





الاثنين، 28 يناير، 2008

تزوجت فخسرت نصف ديني ـ استشارة إيمانية


إحسان - فلسطين
الاسم
!تزوجت فخسرت نصف ديني
العنوان
السلوكيات
الموضوع
بمناسبة قدوم موسم الحج.. أقدم لكم نصيحة لكل مسلم، واستشارة، فلقد تركت فتاة أحبها لأن موعد خطبتنا تعارض مع موعد الحج، وفضلت أن أحج بيت الله على الخطبة، وحصل بيني وبين هذه الفتاة مشاكل بسبب هذا، وتركنا بعضنا، وبعد رجوعي من الحج بدأت أبحث عن فتاة أخرى، وبعد أن طال بي الزمن، ومللت البحث، وأنا أبحث عن زوجة، قبلت في النهاية بمن أشار علي بها أهلي، والنتيجة كانت كارثة.

يقولون إن الزواج إكمال لنصف الدين الآخر، ولكن ما حصل معي أنني خسرت النصف الأول، سبب لي الزواج تعاسة مرعبة، وبعد أن كنت ملتزماً، مستقر الإيمان، حافظاً لكتاب الله، أصبحت أؤدي العبادة كأني مجبور عليها، أؤديها وأنا مضطر، ولم أعد أحب أن أسمع كلام الدين والإيمان.

ولهذا فأنا – أولاً- أنصح كل مسلم ألا يتزوج إلا بمن إذا رآها يؤدم بينهما، أي يحبها، أو تتحرك مشاعره لها، ثم أبحث بعد ذلك في دينها وخلقها، وثانيا أطلب نصيحتكم ماذا أفعل؟ إنني أدخل بمرحلة من الكآبة تكاد أن تقتلني وتدمر ديني؟

السؤال
فريق الاستشارات الإيمانية
المستشار
الرد
يقول
الأستاذ وصفي عاشور أبو زيد:

أخي إحسان:
السلام عليك ورحمة الله وبركاته، وأهلا ومرحبا بك، وشكر الله لك ثقتك بإخوانك في شبكة "إسلام أون لاين.نت"، ونسأل الله عز وجل أن يجعلنا أهلا لهذه الثقة، وأن يتقبل منا أقوالنا وأعمالنا، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وألا يجعل فيها لمخلوق حظا،...آمين...
ثم أما بعد:

فإنني أحييك ـ أخي إحسان ـ على ما فعلته حين قدَّمت الحج على الخطبة؛ إذ تعارض كل منهما، وأشعر أن عندك فقهاً للأوليات ظاهراً فيما فعلت، وهو الصحيح إن شاء الله.

ولا تدري لعل الله صرفك عن المخطوبة الأولى، لحكمة يعلمها سبحانه، ولا تعلمها أنت، فنحن البشر لا نرى أبعد من أقدامنا، ولا ندري ماذا سيقع بعد لحظة من اللحظات، قال تعالى: (وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)، أما وقد اختار الله لك ذلك فليكن ملء قلبك الرضا بقضاء الله، والاطمئنان إلى قدره، وربك يخلق ما يشاء ويختار.

وإنه من تمام إيمان المؤمن، بل من أركان إيمانه أن يؤمن إيمانا لا يخالطه شك، أن قدر الله هو الخير على كل حال، وأن ما أصاب المؤمن لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا.

وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يربون أبناءهم على هذه العقيدة، ويغرسونها في نفوسهم، قال: بلال بن رباح قال: سألت الوليد بن عبادة بن الصامت: كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت ؟ قال: يا بني أتق الله، وأعلم أنك لن تتقي الله ولن تبلغ العلم حتى تعبد الله وحده وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال:يا أبتي كيف لي أن أؤمن بالقدر خيره وشره ؟قال:تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكمن ليصيبك، فإن مت على هذا دخلت الجنة.

ونصف دينك الآخر –أخي الحبيب- لم يضع إن شاء الله، إنما الإنسان هو الذي يقرر إن كان يريد تضييعه من أجل امرأة أم لا، وأنت ـ بعقلك الكبير وفقهك المتميز- لا أظن أنك تقصد ما تقول، وإنما هي زفرات مكظوم، وأنّات مجروح، سرعان ما ستذهب مع الأيام إن شاء الله، والزمن جزء من العلاج، وبصحبة الأخيار من الناس، والرجوع إلى الله في كل وقت يتيسر لك كل عسير إن شاء الله.

قال صلى الله عليه وسلم :"إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبه ، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة" .

أخي الكريم:
إن للحب بين الزوجين أسباب، ما أظن أنك أخذت بها، وكثير من الناس يقول: "لا يبدأ الود والتوافق بين الرجل والمرأة إلا بعد الزواج"، فلماذا لا تفكر في هذا؟

أعتقد أنك بحاجة إلى حوار هادئ بينك وبين زوجتك، تشخصان فيه الداء، وتصفان فيه الدواء، وتتفقان فيه على صيغة للحياة تتعايشان بها سوياً، وتبحثان بها عن أسباب السعادة الزوجية، وهي متوفرة بكثرة لا سيما على موقعكم "إسلام أون لاين.نت"، الذي تناول هذه المسألة بما فيه الكفاية.

وحتى تكون الأمور أكثر وضوحاً وتحديداً، فإنني أنصحك بالآتي:-
ابدأ بنفسك؟
اطو صفحة الماضي، وابدأ صفحة جديدة ليس فيها عتاب.
حاور زوجتك لتصلا سويا إلى نقاط الاتفاق وهي بالتأكيد كثيرة، ونقاط الخلاف التي نأمل إن شاء الله أن تكون قليلة جداً.
اقترب منها وأشعرها بحبك وودك، وتذكر قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
خذ بأسباب السعادة الزوجية، ودع النتائج على الله.
شاور أهل الرأي والخبرة ممن تثق في دينهم وخبرتهم.
ألزِم زوجتك بصحبة من تثق بهن من النساء، أصحاب الرأي، وأولي النهى وهن بفضل الله كثيرات.

وختاما؛
نسأل الله تعالى أن يوفقك لما يحب ويرضى، وأن يفقهك في دينك، وأن يعينك على طاعته، وأن يصرف عنك معصيته، وان يرزقك رضاه و الجنة، وأن يعيذك من سخطه والنار، وأن يهدينا وإياك إلى الخير، وأن يصرف عنا وعنك شياطين الإنس والجن إنه سبحانه خير مأمول ..
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ...

طالع أيضاً:
زوجتي "مشكلة".. الإيمان هو الحل
إجازة زوجية.. لاستعادة الرومانسية!
آليات عملية لحل الخلافات الزوجية
نكد الزوجات.. كــفاية؟!

تأصيل الطالب تربويا.. إضاءات على الطريق ـ استشارة دعوية


حسين - السعودية
الاسم
تأصيل الطالب تربويا.. إضاءات على الطريق
العنوان
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. بداية أجد نفسي عاجزا عن إيصال مشاعر الحب والتقدير للقائمين على هذا المنتدى.. فألف شكر لكم على هذا التألق المستمر، أنا مدرس للتحفيظ، وأنوي التركيز على مجموعة من الطلاب لتأهيلهم.. مع مراعاة الفروق الفردية؛ فالبعض عنده ميول تربوية من خلال مخالطتي له لأكثر من 3 سنوات، ومن خلال الاستبيانات مع عدم اعتمادي عليها ومن خلال طرق أخرى.. أساتذتي لا أطيل عليكم: أريد طرقا لتأصيل الطالب تربويا، وما هي أهم الكتب التي لا بد أن يقرأها الطالب قراءة تخصصية؟؟ وكذا الأمر بالنسبة لطالب آخر متميز شرعيا، وأريد أن أعده طالب علم يفيد بلده ودمتم للخير.
السؤال
الشباب
الموضوع
الأستاذ وصفي عاشور أبو زيد
المستشار
الحل
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
مرحبا بك أخي حسين، وأهلا وسهلا بك على "موقع إسلام أون لاين".
أحب في البداية أن أشد على يديك، وأحييك تحية من القلب أنك في سن الشباب ومهتم بدعوتك، ومؤمن بفكرتك، ومجاهد في سبيل دينك، لا سيما في هذا العصر الذي أصبح الشباب فيه ممسوخا مشوها، لا شخصية له، ولا فكر له، ولا رسالة له، جراء الأدوات الإعلامية الخطيرة التي تسلخه من عقيدته، وتبعده عن دينه.
أما بخصوص سؤاليك عن التربية الإيمانية والتربية الثقافية الشرعية؛ فلا بد من مقدمة تمهيدية تشير إلى أن التعامل مع النفوس الإنسانية وتربيتها من أشق المهام؛ فمن أجلها نزلت كتب، وأرسلت رسل، وقامت رسالات، فلا بد من تقدير هذا حتى تأخذ أهبتك، وتهيء نفسك، ولا تستبطء النتائج.
وعن سؤالك الأول أقول: لا بد من غرس المعاني الإيمانية الكبرى في نفس المربَّى، مثل الإيمان بالله وأسمائه وصفاته كلها، والعيش معها، وملاحظة آثارها في الأنفس والآفاق؛ فهي زاد لا ينفد، وعلم لا ينتهي، وكذلك المراقبة، واستشعار قدرة الله، وعلمه المحيط الذي لا يند عنه شيء... إلى آخر هذه المعاني التي تسكب في النفس حب الله والخوف منه والرجاء فيه.
وعن هذا الأصل تنبثق كل الفروع من إيمان بالرسل، وإيمان باليوم الآخر والملائكة والكتب والنبيين والجنة والنار... إلخ.
وهذا النوع من التربية يحتاج إلى زمن طويل ومعالجة دائمة وسعي دائب، ويتحقق هذا عن طريق محورين:
الأول: القراءة في كتب الرقائق، والعودة إليها مرة بعد مرة؛ فهي تذكر الآخرة، وتبصر بالطريق، وتجعل قدْر الله في القلب كبيرا كبيرًا، بالإضافة إلى أنها تُعْلي الهمم، وترفع الأهداف، وتثمّن الغايات.
ومن أبرز من أنصحك للقراءة لهم في هذا الجانب الإمام ابن قيم الجوزية في كتبه التي كتبها في التزكية، وأبو حامد الغزالي، خاصة كتابه العظيم: "إحياء علوم الدين" بتخريجات الحافظ العراقي، والإمام أبو طالب المكي في "قوت القلوب"، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"، وحِكم ابن عطاء الله مع شروحها خاصة شرح ابن عجيبة: "إيقاظ الهمم في شرح الحكم"، وغيرها من كتب التصوف والسلوك.
والثاني: أن ينفعل بما قرأ ليُترجَم ذلك سلوكا حيا يعيشه هو، ويراه الناس من حوله؛ فلا فائدة في علم لا يتبعه عمل، ولا خير في عقيدة لا تحمل صاحبها على الإيمان بها والعمل لها، والموت في سبيلها.
وأما سؤالك الثاني عن التربية الثقافية الشرعية.. فاختصارا للكلام أوجزه لك في أن من يريد أن يثقف نفسه ثقافة إسلامية متكامله يمكنه اتباع إحدى الطريقتين التاليتين أو هما معا إن أمكنه ذلك:
الطريقة الأولى طريقة المجالات:
بمعنى أن هناك مجالات في الثقافة الإسلامية -خاصة الشرعية- عديدة ومتنوعة لا بد أن يحصيها من يريد الثقافة، مثل: العقيدة، والأخلاق، والتزكية، والقرآن وعلومه، والسنة وعلومها، والفقه، وأصول الفقه، والقواعد الفقهية، ومقاصد الشريعة، والسيرة، والتاريخ، وعلوم اللغة العربية، والعلوم الإنسانية مثل علم الاجتماع، وعلم النفس، والعلوم التجريبية، وغير ذلك، إضافة إلى العلم بالواقع...
كل هذه مجالات ينبغي على الداعية أن يأخذ منها بحد أدنى، ويعرف كيف يبدأ فيها، وإلى أين ينتهي. وأنصحك -في هذه الطريقة- بالرجوع إلى كتاب العلامة الشيخ يوسف القرضاوي بعنوان: "ثقافة الداعية"؛ حيث بين فيه هذه المجالات، ووضع منهجا لكل مجال، من البدء إلى الختام.
الطريقة الثانية طريقة المشاريع:
بمعنى أن هناك علماء أعلاما في تاريخ الأمة الإسلامية، كانت لهم مشروعات فكرية تمثلت في مؤلفات غزيرة ومتميزة من حيث الكم والكيف تمثل مشروعا متكاملا أو شبه متكامل عن التصور الإسلامي والثقافة الإسلامية، ومن هؤلاء العلماء: ابن تيمية، وابن القيم، والسيوطي، وغيرهم من القدماء. أما المعاصرون فهم كثرة، منهم: أبو الحسن الندوي، وأبو الأعلى المودودي، ومحمد الغزالي، وعلي الطنطاوي، ويوسف القرضاوي، ومحمد قطب، ومحمد عمارة، وسيد قطب، وغيرهم كثير.
فعليك أن تقتني ما كتب هؤلاء أو بعضه وتستوعبه استيعابا كاملا، وعندها ستشعر بفرق كبير إذا قارنت عقلك وحالك ونظرتك للأمور قبل القراءة وبعدها؛ فأي من هاتين الطريقتين أعجبك فابدأ به، وإن استطعت الجمع بينهما فهو شيء بديع.
واعلم أخي الكريم الأستاذ حسين أن على الشباب من دعاة اليوم أن يغرفوا غرفا من الثقافة الإسلامية وغير الإسلامية، وأن يكونوا مدمنين لهذه القراءة، وبغير ذلك لن يستطيع الداعية بلاغ فكرته وعرض رسالته على الناس؛ لأن الفقر الثقافي أشد فتكا بالأمم والأفراد من فقر الدم، ولا يليق بأمة "اقرأ" أن تكون فقيرة في هذا الجانب لا سيما الدعاة العاملين الربانين.
أسأل الله أن يوفقك وأن يعينك، وأن يثيبك أجرا إن أخطأت وأجرين إن أصبت، ولا تنسنا من دعائك، وتابعنا بأخبارك.
استشارات ذوات صلة:
- الدليل التربوي للطالب الجامعي
- الدعوة الطلابية.. تربية أم ترفيه؟
- الطريق إلى قلوب الشباب
- الطالب الداعية وثقافة الـ"تيك أواي"!
- الطالب الداعية .. واجبات وأولويات
- طالب متميز، وضعيف الإيمان
- مناهج التربية.. مرحلة عمرية أم قدرات عقلية؟
- أهداف واضحة + تقييم مستمر = تربية سليمة

أنا والنقاب.. عندما يصبح الالتزام عقابا ـ استشارة إيمانية


ناردين - فلسطين
الاسم
أنا والنقاب.. عندما يصبح الالتزام عقابا!
العنوان
العبادات
الموضوع
التزمت بالنقاب عن رغبة وحب شديدين. وكان الفضل في ذلك يعود لأنني أعد نفسي لرحلة أبدية. كما يعود إلى أنني أعلم أن الرابح الحقيقي في هذه الحياة هو الذي يفني شبابه في تقوى الله والالتزام بأوامره. كما أنني أريد أن يحفظني الله عندما أصبح عجوزا. وأنا مقتنعة بالنقاب تماما. ولكني واجهت معارضة كبيرة من أهلي.

مرت سنة على خير؛ وأنا فرحة جدا به. ولكن حدثت مشاكل ومضايقات كثيرة في تنقلاتي بحواجز فلسطين. حاول أهلي أن يقنعوني بخلع النقاب؛ ولكن اتفقت معهم أن أتخلى عن تغطية وجهي بالقرب من حاجز أو في حالة طلب جندي ذلك مني حفظا على سلامتي. ولكن بدأت اشعر بأنني لم أعد ملتزمة به. فأحيانا أتركه في تنقلاتي بين المدن؛ لرغبة أهلي وحتى لا أسبب لهم مشاكل في تنقلاتهم.

مرت سنة أخرى؛ ولم يتقدم ليّ أحد. وفي حالة تقدم شخص لي؛ فإن شرطه الأول أن أترك النقاب. وأما الآخرين فينتابهم الخوف من مجرد التقدم لي؛ باعتبار النقاب دليل على تشددي في الدين وأنا لست كذلك.

أجد نفسي يوميا في حلقة من السخرية سواء من عائلتي أو من الناس، ولكنني أتقبل الأمر برحابة. وأعتبره نوعا من الدعابة. وفي الجامعة؛ أجد الكثير من الأذى النفسي. لم أكن هكذا من قبل حساسة وضعيفة وأبالي كثيرا برأي من حولي.

ولكن لا أدري ما الذي حل بي ؟ إذ أجد نفسي في دوامة من الأسئلة :
هل ما أقوم به هو الأمر الصحيح ؟
هل من الحكمة أن أجعل النقاب محور مشكلتي ؟ وهل كان من الصائب أن أضيع 3 سنوات ثمينة من عمري في تغطية وجهي؟
وعلى فرض أني خلعته .. فما هو السبب لتركي له ؟ هل السبب هو البحث عن زوج مناسب ؟
كل من تحطن بي كاشفات لوجوههن؛ ولسن عاصيات بطبيعة الحال. ودائما أسمع : "تغطية الوجه ليست ملزمة". ولكني ارتديت النقاب ابتغاء وجه الله وطاعة لرسوله. فلماذا بدأت أشعر بهذا الضيق والغربة والوحدة في مجتمعي ؟
لماذا بدأت أشعر بالهم اليومي عند تغطية وجهي كل يوم، وخاصة عند توجهي للجامعة ؟.
لماذا يفترض الناس أن كل جميلة فقط عليها تغطية وجهها. علما بأني جميلة؛ ولكن قمت بالأمر حبا لله...

أفكاري لم تعد مرتبة أبدا. ولم أعد أُدرك ماذا أريد بالفعل!
أعطوني أي نصيحة أو أي كلمة لعلي استفيد..
السؤال
الرد
يقول الأستاذ وصفي عاشور أبو زيد، باحث شرعي بكلية دار العلوم جامعة القاهرة،وعضو فريق الاستشارات الإيمانية بمصر:
الأخت الكريمة/ ناردين
أهلا وسهلا بك على موقع إسلام أون لاين، ونحن إذ نرحب بك نقدر لك ثقتك في إخوانك بالموقع، ودعاؤنا لكم ـ في أرض الرباط ـ بالنصر المؤزر والتمكين المبين.

وبعد، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر رضي اللّه عنهما أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "بَدَأَ الإْسْلاَمُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ كمَا بَدَا". وروى الترمذي بسنده عن أنس رضي الله عنه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر".

وبالتالي فإن إحساس أي ملتزم بالغربة ليس أمرا مستغربا، بل هو الطبيعي، وهو الشعور الصحي أن يشعر المسلم بغربة في مجتمعه، تقتضي صبرا جميلا على أذى الناس، لكن لا تكون هذه الغربة سببا في اعتزاله لهم.

ومن سوءات واقعنا أن "تعميم الحكم" هو السائد لدى الكثيرين إلا من رحم الله، وأن للواقع كثيرا من الجنايات على المصطلحات، بمعنى أن التي ترتدي النقاب ثم تأتي فعلا شائنا على سبيل البشرية، أو الذي يطلق لحيته ويتكلم كلمة لا تليق بمثله؛ يعمم الناس حكمهم بالسوء على كل ملتحٍ وعلى كل منتقبة.

فتُتَّهم ذاتُ النقابِ بالسرقة والتخفي وراء النقاب؛ حتى يتسنى لها أن ترتكب ما تشاء من مخالفات. ويُتَّهم ذو اللحية بالتجهم والتشدد والعبوس والخلق السيئ. ومن ثم يصير النقاب رمزا للتخفي من أجل ارتكاب المخالفات. وتصبح اللحية علامة على التشدد والتنطع.

مع أن الأصل خلاف هذا، والعيب ليس في النقاب أو اللحية؛ إنما العيب في الشخص نفسه. وكما تعلمين أن الإسلام حجة على الأشخاص وليس سلوك الأشخاص حجة على الإسلام، فعلى جمهور الناس ألا يعمموا الحكم بهذا الشكل. وعلى من التزم بهذه الشعائر أن يكون على مستواها من جميع النواحي قدر المستطاع.

أختي الفاضلة :
أريد أن أحيي فيك حبك للالتزام، وحبك لله، وحرصك على أن تلقين الله وهو عنك راضٍ، خاصة وأنت في هذه السن، وقد روى الإمام أحمد في المسند والطبراني في الكبير وحسنه السيوطي عن عقبة بن عامر أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "إن الله تعالى ليعجب من الشاب ليست له صبوة".

ولكنني أريد أن أوضح لك بعض القواعد الشرعية التي توضح لك الأمر وتجعلك في راحة من الفكر، وثقة في النفس، وإقدام بحب على الناس والحياة :
أولا: أنت ذكرت ضمن كلامك قول من قال إن ارتداء النقاب غير ملزم عندما قلت: "ودائما أسمع كلمة أن تغطية الوجه ليست ملزمة". وهذا كلام صحيح، وهو مذهب جمهور الفقهاء قديما وحديثا. ويمكنك في ذلك مطالعة الفتاوى التالية:
النقاب والتدرج في التشريع.
هل النقاب واجب؟
حكم النقاب

ثانيا: أن طاعة الوالدين فريضة محكمة ومعارضتهما حرام قطعا؛ لما تعلمينه من النصوص الواردة في القرآن والسنة؛ التي تدل على هذا الأمر دون أدنى شك إلا إذا أمرا بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وأنت لو وازنت بين ارتداء النقاب وطاعة الوالدين لوجدت أن كفة الوالدين هي الراجحة بلا تردد، وبناء عليه فليس لك وجه حق فيما جاء في رسالتك من قولك : "لقيت معارضة كبيرة من أهلي بداية ولكن قررت، أن أقوم بالأمر رغما عنهم لقناعتي بأنه مريح لي". فليس كل أمر يشعر المسلم أنه مستريح له يقوم بفعله دون نظر في العواقب والمآلات، ودون موازنة بين مراتب الأعمال، أو اعتبار فقه النِّسَب بينها.

ثالثا: لماذا تضيقين سعة أبواب الخير والأجر والثواب، وتعتبرين أن النقاب هو الطريق الوحيدة الموصلة للجنة، فليس يلزم من ارتدائك له أن الله سيحفظك وأنت عجوز، صحيح أن طاعة الله وحبه والحرص على رضاه كل ذلك يحفظ المسلم في الكبر ويحفظ عليه إيمانه وشباب قلبه.

لكن لماذا نحصر الخير كله والطاعة كلها في ارتداء النقاب بهذا الشكل مع أن أبواب الخير كثيرة، وطرق الطاعات متعددة، وأبواب الوصول إلى الله ليس لها عد ولا حد، ويكفيك أن تقرئي ما ورد في كتاب "رياض الصالحين" للإمام النووي من فضائل الأعمال ومكارم الأخلاق.

رابعا: لابد من مراعاة المكان الذي تحيون فيه وتقدير ظروفه؛ لأن اعتبار المكان له أثر في تغير الحكم الشرعي. وإذا كانت الضرورات ـ وما أكثر ما تلاقونه عندكم ـ تبيح المحظورات، فأين سنية النقاب ـ إذا قلنا بسنيته ـ مما تلاقينه من عنت وتبجح من عدو لا يخشى خالقا ولا يرحم مخلوقا؟!.

خامسا: أريد منك ـ أختي الكريمة ـ ألا تجعلي لكلام الناس اعتبارا ـ أي اعتبار ـ ما دمت تقومين بطاعة لله، وألا يؤثر ذلك على نفسيتك أبدا؛ لأن المؤمن لا ينظر إلى الأرض بل إلى السماء، ولا يكترث برضا الناس، بل يحرص على رضا الله تعالى، وألا يغير نفسيتك ذم الذامين أو مدح المادحين: "إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي".

سادسا: أمر الزواج ليس لتأخره علاقة بارتدائك للنقاب، فكم من منقبة تزوجت وهي صغيرة السن، وكم من متبرجة متبذلة بلغت من العمر سن العنوسة ولم يتقدم لخطبتها أحد، فالأمر رزق من الله، وقدر من أقداره، ولن يؤخر الله قدره إذا جاء، وكل شيء عنده بمقدار، فلا تقلقي من هذه الناحية وكوني على ثقة من مقادير الله ومشيئته.

فأقدمي على الحياة بثقة في الله وقدره، ولابد من اعتبار الواقع الذي نحياه والاستجابة له دون مخالفة أصل من الأصول أو مقصد من المقاصد الكبرى لشريعة الإسلام، ودعي القلق والتوتر والحيرة جانبا، وتفاءلي خيرا، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يحب الفأل الحسن.

نسأل الله أن ييسر لك أمرك، وأن يفتح لك أبواب الخير، وأن يرزقك الثبات على الحق، والنزول إلى الحق، وأن يصرف عنك شياطين الإنس والجن، إنه سبحانه على كل شيء قدير .. وتابعينا بأخبارك...

الهجرة النبوية في فكر الشيخ محمد الغزالي



الهجرة النبوية في فكر الشيخ محمد الغزالي*
وصفي عاشور أبو زيد
**- 25/02/2004

الشيخ محمد الغزالي
لقد تمتع الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- بثقافة موسوعية أنتجت لنا العديد من الكتب في شتى نواحي الفكر والمعرفة؛ فنجد له تراثًا في العقيدة والتفسير، والأخلاق والتصوف، والفكر والفلسفة، والأدب والدعوة، والإصلاح والتغيير، وغيرها.
ومن أبرز المجالات التي أبدع فيها الشيخ الغزالي مجال السيرة النبوية التي له فيها صولات وجولات مع الأحداث، وتعليقات على كثير من المواقف والغزوات، يشعر القارئ معها بفكر جديد وفهم فريد لأحداث ووقائع السيرة العطرة.
ومن القضايا المهمة التي تحدث عنها الشيخ في السيرة في غير موضع من كتبه قضية الهجرة النبوية التي تمر علينا ذكراها في هذه الأيام، وقد تمركزت أفكار الشيخ حولها فيما يلي:
أولا: الهجرة حدث أكبر من أن تعلق عليه سورة واحدة
وهذه واحدة من مناقب الشيخ في فهمه للهجرة النبوية؛ ذلك أننا أَلِفْنا أن يتنزل القرآن تعليقًا على ما يكون من أحداث؛ فيوجه المسلمين التوجيه الذي يفتقرون إليه؛ فإن كان نصرًا بيّن أسبابه وكسر الغرور الذي قد يصاحب المنتصرين، وإن كانت هزيمة بيّن أسبابها ومسح التراب الذي عفر جباه المنهزمين.
لقد نزلت سورة الأنفال في أعقاب غزوة بدر، ونزلت سورة الأحزاب في أعقاب الخندق، ونزل النصف الأخير من سورة آل عمران في أعقاب أحد.. فهل نزلت في أعقاب الهجرة سورة لا سيما بعد نجاح رحلتها كما حدث في أعقاب الغزوات؟
ويجيب الشيخ على هذا التساؤل قائلا: "لم يقع هذا، ولكن وقع ما هو أخطر وأهم، كأن الله -سبحانه وتعالى- حكم بأن قصة الهجرة أكبر من أن تعلق عليها سورة واحدة، وأن تمر مناسبتها بهذا التعقيب وينتهي الأمر؛ فحكم -جل شأنه- بأن تكون ذكرى الهجرة قصة تؤخذ العبرة منها على امتداد الأيام، وتُذكر في أمور كثيرة وفي مناسبات مختلفة"(
1).
ومن ناحية أخرى يرى الشيخ أنها لم تُذكر في سورة واحدة مثل المعارك؛ لأن "هذه المعارك استغرقت أيامًا قليلة، أما الهجرة فشأن آخر.. لقد ظلت أفواج المهاجرين متصلة سنين عددًا، وتطلَّب التعليق عليها مواضع عديدة"(
2).
ومن ثم ذُكرت الهجرة في سور: البقرة(
3) وآل عمران(4) والنساء(5) والأنفال(6) والتوبة(7) والنحل(8) والحج(9) والممتحنة(10) والتغابن(11) والحشر(12)... وكان التعليق في كل سورة إبرازًا لمعنًى مقصود(13).
ثانيًا: وزن الإيمان في الهجرة
والإيمان في فكر الشيخ له وزن لا يستهان به عموما، وفي الهجرة خصوصا؛ فليست الهجرة انتقال موظف من بلد قريب إلى بلد ناءٍ، ولا ارتحال طالب قوت من أرض مجدبة إلى أرض مخصبة، إنها إكراه رجل آمِنٍ في سربه، ممتد الجذور في مكانه على إهدار مصالحه وتضحيته بأمواله والنجاة بشخصه، وإشعاره بأنه مستباح منهوب قد يُسلَب أو يَهلك في بداية الطريق أو نهايتها، وبأنه يسير نحو مستقبل مبهم لا يدري ما يتمخض عنه من قلاقل وأحزان، ولو كان الأمر مغامرة شخص بنفسه لقيل: مغامر طياش؛ فكيف وهو ينطلق في طول البلاد وعرضها حاملاً أهله وولده؟! وكيف وهو بذلك رضيُّ الضمير وضاء الوجه(
14).
ما السر وراء تحمله ذلك كله؟ وليس الأمر تحملا وحسب، إنما تحمُّلٌ يصاحبه فرحة وسرور، وصبر يحوطه رضًى وحبور، إنه الإيمان الذي يزن الجبال ولا يطيش، هذه الصعاب لا يطيقها إلا مؤمن تربى على تعاليم النبوة، وقبَس من أنوار الوحي، وتضلَّع من هدْي الإسلام.
أما الهياب الخوَّار القَلِق فما يستطيع أن يفارق أهله ووطنه، فضلا عن أن يكون بذلك مطمئن النفس رضيَّ الضمير.
ثالثًا: إيمان بالمستقبل وثقة بالغيب
هكذا يعبر الشيخ "إيمان بالمستقبل وثقة بالغيب"، وكان المنتظر أن يقول "إيمان بالغيب وثقة بالمستقبل"، لكنه عبر مع المستقبل بالإيمان ليرفع الثقة بالمستقبل إلى درجة العقيدة والإيمان بالغيب.
فلن تكتمل حقيقة الدين في قلب إلا إذا كان الإيمان فيه بالغيب قسيم الإيمان بالحاضر، ولا يصح تدين ما إلا إذا كان الإنسان مشدود الأواصر إلى ما عند الله، مثلما يتعلق بما يرى ويسمع في هذه الدنيا؛ فالمجاهد مثلا يقاتل من أجل النصر للعقيدة أو الشهادة لنفسه، لكن النصر عنده غيب، خصوصًا إذا وهنت الوسيلة، وقل العون، وترادفت العوائق، بيد أن هذا النصر ينبع من الإيمان بالله؛ فهو يمضي في طريقه المر واثقًا من النتيجة الأخيرة. إن غيره يستبعدها أو يرتاب فيها، أما هو فعقيدته أن اختلاف الليل والنهار يقربه منها وإن طال المدى؛ لأن الله حقَّ على نفسه عون الموحدين ونصر المؤمنين.. فلماذا الخوف من وعثاء الطريق وضراوة الخصوم؟ ولِمَ الشك في وعد الله القريب أو البعيد؟!
إن المهاجرين الأوائل لم ينقصهم إيمان بمستقبل أو ثقة بغيب، إنما نهضوا بحقوق الدين الذي اعتنقوه، وثبتوا على صراطه المستقيم، على الرغم من تعدد العقبات وكثرة الفتن، من أجل ذلك هاجروا لمَّا اقتضاهم الأمر أن يهاجروا، وبذلوا النفس والنفيس في سبيل عقيدتهم.
ومع أن الله تعالى وعد المؤمنين أن رسالتهم ستستقر، وأن رايتهم ستعلو، وأن الكفر لا محالة زاهق، إلا أنه علق أفئدتهم بالمستقبل البعيد وهو الدار الآخرة: {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ * فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} (الزخرف 41- 44). ومن هنا لا يعتري النفسَ مللٌ، ولا الجسم كلل؛ لأن أشواقه ممتدة إلى المستقبل البعيد، وآماله قد طارت لتحط في أفراح الآخرة عند رب العالمين.
فليس شرطًا أن يرى المرء ثمرة جهاده والتمكين لدينه وهو حي، بل ربما يطويه الموت، ولم يعرف بعدُ نتيجة الصراع بين الهدى والضلال، وهذا كثير الوقوع، لكن وعد الله لا يتخلف: "فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون"؛ فيكون هذا المرء جسرًا تعبر عليه الأفكار والمبادئ إلى جيل يرى نصرتها والتمكين لها.
والخطة المثلى أن يؤدي المرء واجبه المجرد دون استعجال لنتائج المعركة المحتدمة بين الحق والباطل؛ لأن الله قد تولاها بذاته العلية.
في إطار هذا الإيمان العميق لبى المسلمون نداء الهجرة عندما طولبوا بها، واستجابوا لنداء الله ورسوله غير خائفين ولا جازعين(
15).
رابعًا: فكرة لا رحلة
فالهجرة في فكر الشيخ ليست رحلة ولا عملاً ترفيهيًّا، ولم تكرَّم الهجرة لكونها سفرًا فحسب؛ فما أكثر المسافرين قديمًا وحديثًا بين مكة والمدينة.
إن الشيء الواحد قد يكون عملاً مضنيًا أو لعبًا مريحًا مسليًا، فالمظهر والشكل لا يتغير، لكن الذي يتغير هو البواعث والجوهر والملابسات.
فصيد السمك رياضة مرحة يلهو بها بعض المترفين الناعمين، بينما هو عند أناس آخرين حرفة يرتزقون منها مع الكدح والمكابدة، والرحلة من قطر إلى قطر قد تكون للتنعم والاسترواح، وقد تكون مشيًا في مناكب الأرض لتحصيل علم، أو جمع رزق، أو فرارًا من شر محظور إلى خير منظور.
وهكذا كانت الهجرة.. خطواتٌ يتحرك بها القلب المؤمن في الحياة؛ فتتحرك في ركابها الثقة الغالية والتضحية النبيلة، إنها طريق الأبطال تزدحم بالفدائيين من حملة العقائد، يتركون البلد الذي اضطُهد دينهم فيه ليلتمسوا في مهجرهم مأمنًا لعقيدتهم ومتنفسًا لدينهم، ويقيموا فيه مجتمعا يحتضن الشعائر والشرائع.
وفي الهجرة نفسها خرج رجل إلى المدينة من أجل عشيقة يهواها، وشتان بين المهاجرين لعقيدتهم ودينهم وبين من يخطو خطوات الشهوة الصغيرة، تتحرك بصاحبها؛ فلا تفرق بينها وبين خطوات الدابة التي حملته، ورب قاعد في بلده أشرف نفسًا من هذا المهاجر التافه(
16).
خامسًا: ليست تخلُّصًا من فتنة بل لإقامة مجتمع آمن
والهجرة في فكر الشيخ الغزالي ليست تخلصًا من فتنة أو فرارًا من أذًى، وإلا لم يكن هنالك مبرر للمكث ثلاثة عشر عامًا في هذا الجو الملبد بسحب الكفر والاضطهاد، إن الذي يبرر هذه المدة هو تمهيد المؤمنين بقيادة النبي -صلى الله عليه وسلم- لإقامة مجتمع جديد في بلد آمن ذهب إليه مصعب بن عمير ليستتبع الناس ويستقطبهم للإسلام؛ ذلك أن إقامة الدين في مجتمع مكة أضحى دونه خرط القتاد؛ لما اتصف به من عناد وجبروت، فلم يكُ يصلح لهذا الفكر، والدعوة ما زالت وليدة غضة طرية، والمسلمون قلة مستضعفة، فلم يكن هنالك بدٌّ من التهيئة للدين في مكان آمن، عندئذ يقوى المسلمون وتشب الدعوة.
ويعلق الشيخ قائلا: "ولا شك أن نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر والجهالة هو أخطر كسب حصل عليه منذ بدأت الدعوة، وأصبح فرضًا على كل مسلم قادر أن يسهم في بناء هذا الوطن الجديد، وأن يبذل جهده في تحصينه ورفع شأنه، وأصبح ترك المدينة -بعد الهجرة إليها- نكوصًا عن تكاليف الحق، وعن نصرة الله ورسوله؛ فالحياة بها دين؛ لأن قيام الدين يعتمد على إعزازها"(
17).
سادسًا: الهجرة تطبيق لقانون السببية
الأخذ بالأسباب في فكر الشيخ الغزالي دين، وهو معنًى يكرره الشيخ كثيرًا كلما عرض للحديث عن الهجرة أو للكلام عن تخلف المسلمين وتقدم غيرهم(
18)، لم يقل النبي -صلى الله عليه وسلم-: إننا أوذينا وأُخرِجنا من ديارنا؛ فعناية الله ينبغي أن تلاحقنا، وحماية الله يجب أن تحوطنا، ولا حرج في بعض التقصير فإن الله سيجبر الكسر ويسد النقص... إلى آخر هذا الكلام، لم يقل النبي هذا، إنما استنفد كل وسيلة بشرية يمكن أن تؤخذ، فلم يترك ثغرة، ولا أبقى في خطته مكانًا يكمله الذكاء والفطنة.
ومع أن محمد بن عبد الله -عليه السلام- أولى الناس بتوفيق الله ورعايته، وأجدر الخلق بنصره وعنايته؛ فإن ذلك لا يغني عن إتقان التخطيط وإحكام الوسائل وسد الثغرات شيئًا مذكورًا.
ومن هنا جعل -صلى الله عليه وسلم- يفكر في الاختباء في الغار وفي تضليل أعدائه؛ فكان يتجه جنوبًا وهو يريد أن يتجه إلى الشمال، وأخذ راحلتين قويتين مستريحتين حتى تقويا على وعثاء السفر وطول الطريق. وهذا دليل مدرَّب ليعرف ما هنالك من وجوه الطرق والأماكن التي يمكن السير فيها بعيدًا عن أعين الأعداء، وهذا علي بن أبي طالب ينام مكانه ليضلل الكافرين، وذلك يسير بالأغنام وراءهما يمحو آثار المسير، ولكي يكون على دراية تامة باتجاهات العدو ونواياه تأتيه الأخبار عن طريق راعي أبي بكر، كما أتت بعض الأغذية عن طريق بنت أبي بكر... هل بقي من الأسباب شيء لم يؤخذ، أو من الوسائل لم يستنفد، أو من الثغرات لم يُسد؟ كلا كلا..
إن منطق الإسلام هو احترام قانون السببية؛ لأن الله تعالى لا ينصر المفرطين ولو كانوا مؤمنين، بل ينتقم من المقصرين المفرطين كما ينتقم من الظالمين المعتدين، "وإذا تكاسلت عن أداء ما عليك وأنت قادر، فكيف ترجو من الله أن يساعدك وأنت لم تساعد نفسك"(
19). كيف ينتظر المرء من الله أن يقدم له كل شيء وهو لم يقدم له شيئًا؟!
وليس معنى الأخذ بالأسباب الاعتماد عليها، بل الطريقة المثلى في التصور الإسلامي أن يقوم المسلم بالأسباب كأنها كل شيء في النجاح، ثم يتوكل على الله كأنه لم يقدم لنفسه سببًا، ولا أحكم خطة، ولا سد ثغرة.
وهذا هو الفرق بين موقف المؤمن والكافر من الأخذ بالأسباب؛ فالمؤمن يأخذ بالأسباب ولا يعتمد عليها ولا يعتقد أنها هي التي تفعل أو تترك، بل يؤمن أن الأمور بيد الله، وأن النتائج تتم بقدرة الله، وأن شيئًا لا قيام له إلا بالله.
بينما يعتقد الكافر -إن جاز أن تكون له عقيدة- أن الأسباب هي الفاعلة والمعوَّل عليها، ولا علاقة لها بالتوفيق الأعلى.
إذن فالإسلام يحترم قانون الأخذ بالأسباب، غير أن المسلمين لم يكونوا على مستوى دينهم مع هذا القانون، يقول الشيخ في ذلك متحسرًا: "ومع حرص الإسلام على قانون السببية، وتنفيذ النبي -صلى الله عليه وسلم- له بدقة؛ فأنا لا أعرف أمة استهانت بقانون السببية وخرجت عليه وعبثت بمقدماته ونتائجه كالأمة الإسلامية"(
20).
* نقلا عن مجلة الوعي الإسلامي، العدد 449 بتصرف
(*
*) باحث مصري في العلوم الشرعية
(
1) خطب الشيخ الغزالي: 4/211، دار الاعتصام. بدون تاريخ.
(
2) علل وأدوية: 14، 5دار الكتب الإسلامية. طـ ثانية . 1405هـ.
(
3) راجع آية: 218.
(
4) راجع آية: 195.
(
5) راجع الآيات: 97-99.
(
6) راجع الآيات: 26-30.
(
7) راجع الآيات: 38-40.
(
8) راجع الآيتين: 41-42.
(
9) راجع الآيتين: 39-40.
(
10) راجع آية: 10.
(
11) راجع آية: 14.
(
12) راجع الآيات: 8-10.
(
13) راجع: شرح الشيخ وإبرازه لمقصود كثير من الآيات في الخطب: 4/ 211-217، وعلل وأدوية: 145-150.
(
14) راجع: فقه السيرة: 182، بتعليقات الشيخ الألباني. دار الدعوة. طـ ثانية. بدون تاريخ.
(
15) راجع: ركائز الإيمان بين العقل والقلب: 95-100 دار الاعتصام. بدون تاريخ.
(
16) تأملات في الدين والحياة: 107ـ 108، دار الدعوة. طـ أولى. 1410هـ.
(
17) فقه السيرة: 181.
(
18) راجع مثلاً فقه السيرة: 187-188، والخطب: 2/32-33، 3/232.
(
19) علل وأدوية: 144.
(
20) راجع الخطب: 2/33.