الثلاثاء، 17 يونيو، 2008

أسس التعامل مع القرآن الكريم


أسس التعامل مع القرآن الكريم
بقلم -
وصفي عاشور أبو زيد

الأساس الأول: معرفة قيمة القرآن الكريم.
الأساس الثاني: معرفة مقاصد القرآن الكريم.
الأساس الثالث: معرفة الله تعالى والقرب منه.
الأساس الرابع: التلاوة الصحيحة.
الأساس الخامس: الحفظ.
الأساس السادس: الفهم.
الأساس السابع: العمل والتطبيق.
الأساس الثامن: التبليغ.
غني عن البيان أن القرآن الكريم له أهمية بالغة في حياتنا؛ فهو شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، وهو كتاب خالد ووحي مقدس ونص معجز ودستور نظام ومنهاج حياة، بلسم ناجع، ونبراس مضيء ودليل هادٍ ونور مشع لا يخفت نوره حتى قيام الساعة، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد.
غير أن ظروفا حياتية كثيرة حالت وتحول بيننا وبين الاهتمام بهذا الكتاب: قراءة، وفهما، وتدبرا، وعملا، وجهادا، وتبليغا؛ حيث المشاغل الحياتية، والهموم الأسرية، والأوجاع المجتمعية، والمصائب العالمية التي لا تدع للإنسان فرصة للعيش السعيد، أو القرار الهادئ المكين.
ولا مخرج لنا أو نجاة من كل هذه المدلهمات إلا بالرجوع إلى كتاب الله، فالقرآن الكريم هو المصدر الأول للداعية وللفقيه ولكل مسلم؛ لأنه كتاب الإسلام الخالد الذي نزلت السنة لتبينه وتوضحه، وتخصص عامه أو تقيد مطلقه وتبين مبهمه، إلى آخر ما ذكره الأصوليون: "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" [النحل : 44].
ولا يصح أن يكون المسلم داعية وصلته ضعيفة بهذا الكتاب في كل جانب من جوانبها، فهو داعية إلى الله تعالى، وإنما نعرف الله من خلال كلامه، فكيف يدعو إلى الله من لا يفقه كلام الله، أو لا يدرك حكمه وأسراره، أو لا يعرف كيف يتعامل مع القرآن الكريم؟!
لذلك كان لزاما علينا أن نضع أهم المعالم والأسس التي من خلالها يمكننا أن نتعامل مع هذا الكتاب الكريم، ومن أهم هذه الأسس ما يلي:
معرفة قيمة القرآن الكريم
أول أساس من هذه الأسس أن نعرف قيمة القرآن الكريم حتى ننزله منزلته ونقدره التقدير اللائق به، والإنسان مفطور على الاهتمام بالشيء إن كانت له قيمة، ولن يهتم بشيء إلا إذا عرف قيمته ووقف على أهميته.
1- فالقرآن هداية للمتقين، فمتى أخلص المسلم للقرآن أعطاه الله من هذا الكتاب، وهداياته ونوره وموعظته وبشراه إنما ينعم بها المؤمنون وينتفع بها المتقون: "ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ" [البقرة : 2].
2- القرآن يحتوي ما جاءت به الكتب السابقة، "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ" [المائدة : 48].
3- القرآن الكريم له أسماء تنبئ عن مكانته وقيمته، فهو الذكر الحكيم: "ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ" [آل عمران : 58]، وهو الفرقان: "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ" [البقرة : 185]، وهو النور: "قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ" [المائدة : 15].
4- القرآن هو المصدر الوحيد الذي يمكن أن نثق به في قصص السابقين وعالم الغيب والشهادة، فعن الحارث الأعور قال: "مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث فدخلت على علي، فقلت: يا أمير المؤمنين ألا ترى الناس قد خاضوا في الأحاديث؟ قال: أوقد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنها ستكون فتنة، فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار ضمه الله، ومن ابتغى الهدي في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا يزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم". سنن الترمذي: أبواب فضائل القرآن، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في فضل القرآن، وقال أبو عيسى: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات، وإسناده مجهول. وفي حديث الحارث مقال".
5- القرآن الكريم فيه عز الأمة وذكرها ومجدها: "لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ" [الأنبياء : 10].
6- تلاوة القرآن نور للقلوب ونور للبيوت، فعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب". سنن الترمذي أبواب فضائل القرآن، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. باب : 18. وقال: هذا حديث حسن صحيح. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة". رواه النسائي في السنن: (10801).
7- القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الوحيد الذي لم تمتد إليه يد بالتحريف ولا بالتغيير: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" [الحجر : 9].
8- القرآن له أوصاف كلها تدل على مكانته وعظمته فهو موصوف بالبرهان: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً" [النساء : 174]. وموصوف بالرحمة والهدى والبشرى: " وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ " [النحل:89]. وموصوف بالبصيرة: "هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ" [الجاثية : 20]. وموصوف بالكريم: "إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ" [الواقعة : 77]. وموصوف بالحق: "المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ [الرعد : 1]. كما أنه موصوف بالحكيم، والذكرى، والشفاء، والعزيز، والعظيم، والمبارك، والمبين، والمجيد، والمفصل، وغيرها من صفات.
9- القرآن كتاب الإنسانية في كل زمان ومكان؛ ولذلك نجد فيه نداءات متنوعة يخاطب فيها الناس، من ذلك نداء: "يَا أَيهَا الناس"، وقد وجدت هذا النداء متكررا في القرآن (19) مرة. كما أن هناك نداء آخر يقول: "يا بني آدم" وقد تكرر في القرآن الكريم (4) مرات.
10- القرآن يشتمل على شئون الحياة جميعا؛ فهو ليس كتاب مواعظ فقط، ولا تشريع فقط، ولا اقتصاد فقط، ولا تربية فقط، وإنما هو كتاب شامل تحدث في كل الأمور وبين كل الشئون، قال تعالى: "مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" [يوسف : 111]. ولقد قال سيدنا ابن عباس رضي الله عنه: "لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى". وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: "ليست تنزل بأحد في الدين نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها‏".
معرفة مقاصد القرآن الكريم
والأساس الثاني للتعامل مع القرآن الكريم أن نفهم مقاصده وندرك غاياته، ونقف على أهدافه وما يرمي إلى تحقيقه في النفس والمجتمع، فمعرفة مقاصد القرآن ابتداء تجعل لدى الإنسان تصورا عاما عن موضوعات القرآن الكريم، ومجالات اهتمامه، والموضوعات التي يتناولها.
وقد ذكر الإمام محمد رشيد رضا صاحب المنار في كتابه "الوحي المحمدي" للقرآن الكريم عشرة مقاصد، ونَحَى بها نحوا يتعلق بالإصلاح التربوي، انظر ما ذكره رشيد رضا من مقاصد في "الوحي المحمدي"، 105 - 235. طبعة الزهراء للإعلام العربي.. وذكر الشيخ القرضاوي سبعة مقاصد للقرآن الكريم تتداخل كثيرا وتتماس مع ما ذكره رشيد رضا. انظر كيف نتعامل مع القرآن العظيم، 73-125. دار الشروق. ط 4. 1425هـ/2005م.
ومن أفضل التفاسير التي نعرف من خلالها مقاصد القرآن ومقاصد السور "في ظلال القرآن" للأستاذ سيد قطب يرحمه الله.
والقرآن نفسه يتحدث عن مقاصده وغاياته؛ فهو للهداية: "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" [المائدة : 15 - 16].
وهو لإخراج الناس من الظلمات إلى النور: "الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ" [إبراهيم : 1].
وهو لسعادة الإنسان: "مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى" [طه : 2].
وهو كتاب لإعزاز الأمة: "لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ" [الأنبياء : 10]." وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ" [الزخرف : 44].
معرفة الله تعالى والقرب منه

وذلك أن القرآن الكريم كلام الله تعالى، ولن يتأتى لنا فهم كلام الله أو تتشرب نفوسنا ببركاته وخيراته وفتوحاته إلا إذا اقتربنا من قائله سبحانه وتعالى، عندئذ نستطيع أن نفهم مرادات الله من كلامه ومقاصده من تشريعه، وغايته مما يحلل أو يحرم.
والطرق الموصلة إلى معرفة الله تعالى كثيرة ومتعددة، وليست محصورة في عدد معين، ويمكنني أن أقسم هذه الطرق إلى طريقين:
الأول: طريق الكتاب المنظور؛ ذلك لأننا إذا أمعنا النظر في هذا الكون الواسع الفسيح وجدنا أن كل شيء فيه دليل واضح على وجود الله، وطريق إلى معرفته سبحانه، وإذا تجاوزت نظرتنا النظرة المادية الظاهرية للأشياء، تلتها نظرة ثاقبة وفاحصة تصل إلى بواطن الأشياء، وقد قال تعالى: "قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ" [يونس : 101].
الثاني: كتاب الله المسطور، وهو القرآن الكريم، فهو دليل التعامل مع كتاب الله المنظور "الكون"، وكتاب الله المنظور هو برهان الإيمان بكتاب الله المسطور، فكلا الكتابين لا غني عنهما في الوصول إلى رب العالمين، وبلوغ سعادة الدارين، فهذه المعرفة وذلك القرب من الله تعالى يؤهل المؤمن لفهم كتاب الله وقراءته قراءة مبنية على الدليل والبرهان، ومؤسسة على الفهم والبصيرة.
التلاوة الصحيحة
ومن الأسس المهمة في التعامل مع القرآن أن نتلوه تلاوة صحيحة، وليس وراء ذلك من البدهيات حبة خردل، فهي من الأساسيات الأولى التي لا يصح للمسلم فضلا عن الداعية أن يتعامل مع القرآن الكريم بدونها. وفي القرآن الكريم ما يدل على هذا الوجوب: "إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ* وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ" [النمل : 91 - 92]" [النمل : 91].
وأحرى بالمسلم أن تكون له تلاوة يومية مع كتاب الله تعالى، ويجتهد أن يقرأ جزءا يوميا فيختم القرآن في كل شهر مرة، وإذا كان المسلم مطلوبا منه أن يكون هذا حاله، فماذا يكون حال الداعية؟ لا شك أنه يجب عليه الاهتمام به أضعاف اهتمام المسلم العادي، وما ينبغي للمسلم أن يكون إلا داعية بقدر علمه واستطاعته.
الحفظ
الحفظ هو أساس مترتب على حسن التلاوة وصحتها، وحفظ المسلمين للقرآن هو طرف من تحقيق وعد الله تعالى بحفظ هذا الكتاب: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" [الحجر : 9].
وحفظ القرآن يجعل الداعية مستظهرا للقرآن الكريم متمكنا منه، ما يجعله طليقا في الحديث، يحتج لأي قضية يتحدث فيها بما يتقافز على ذاكرته من كلام الله تعالى، فتتنادى له الآيات وتجتمع عنده عبر الحفظ المتقن والمراجعة الدائمة.
واعلم أن بداية العلم هو حفظ القرآن، وكل آية تحفظها باب مفتوح إلى الله تعالى، وكل آية لا تحفظها أو أنسيتها باب مغلق حال بينك وبين ربك.
الفهم
إذا قرأ المسلم القرآن وأتقن القراءة، وحفظه وأتقن الحفظ، فأحرى به أن يكون له وقفات عقلية مع آياته وقصصه وقيمه وموازينه وتصوراته وأفكاره وأسسه ومبادئه وأهدافه ومقاصده؛ لأن التدبر نوع من الاهتمام بالقرآن الكريم.
وقد قال الله تعالى: "أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً" [النساء : 82]. وقال أيضا: "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" [محمد : 24].
يقول الأستاذ سيد قطب: "ويتساءل في استنكار: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ).. وتدبر القرآن يزيل الغشاوة، ويفتح النوافذ، ويسكب النور، ويحرك المشاعر، ويستجيش القلوب، ويخلص الضمير. وينشئ حياة للروح تنبض بها وتشرق وتستنير، ( أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)، فهي تحول بينها وبين القرآن، وبينها وبين النور، فإن استغلاق قلوبهم كاستغلاق الأقفال التي لا تسمح بالهواء والنور".
وقد وضح الإمام ابن القيم قيمة الفهم وهو يشرح كتاب عمر في القضاء، فقال: وقوله "فافهم إذا أدلي إليك" صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أعطي عبد عطاء بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما، بل هما ساقا الإسلام وقيامه عليهما، وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم، ويصير من المنعم عليهم الذين حسنت أفهامهم وقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم الذين أمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة، وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد، يميز به بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، ويمده حسن القصد، وتحري الحق، وتقوى الرب في السر والعلانية، ويقطع مادته اتباع الهوى، وإيثار الدنيا، وطلب محمدة الخلق، وترك التقوى". إعلام الموقعين: 1/87. طبعة دار الجيل.
العمل والتطبيق

وهذا الأساس يعتبر ثمرة للأسس السابقة جميعا، ونتيجة طبيعية لها، وإلا تكون الشخصية غير سوية، فلا توجد نفس سوية محبة للناس والخير تحصل هذا الخير العميم ثم تحبسه على شخصها من دون الناس، والقرآن الكريم يومئ إلى معنى التطبيق والتنفيذ وتفعيل هذا الكتاب في حياة الناس، ومن ذلك: "إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ" [النساء : 105].
والمتأمل في القرآن الكريم يجد العمل الصالح مقرونا دائما بالإيمان، وحسبنا أن نص قوله تعالى: "آمَنوا وَعَمِلوا الصالِحَاتِ" مكرر في القرآن (48) مرة.
والعمل أو التطبيق له دوائر:
الأولى: دائرة فردية، وهي دائرة إصلاح النفس وتهذيبها وتزكيتها بما فرضه الله تعالى وسنه النبي صلى الله عليه وسلم.
الثانية: دائرة أسرية، وهي مسئولية الإنسان عن أسرته؛ زوجا وأبناء، وأبا وأما، وإخوة وأخوات، قال تعالى: "وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى" [طه : 132]. وقال أيضا: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" [التحريم : 6].
الثالثة: دائرة مجتمعية، وهي الدعوة العامة في المجتمع عبر مؤسساته وهيئاته والوزارات التي تهتم بالدعوة والمجتمع، وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك.
الرابعة: دائرة عالمية، وفيها تتحقق شهادة الأمة الإسلامية على سائر الأمم، وتكون فيها الأمة مسئولة عن هداية هذا العالم وتبليغ الدين له صافيا نقيا كما نزل به القرآن وجاءت به السنة النبوية.
التبليغ
وهو الأساس الأخير الذي تكتمل به دوائر التعامل مع القرآن الكريم، وبه تتحقق الربانية للمسلم، فلن يبلغ المسلم أن يكون ربانيا إلا إذا تعلم ما يجهل، وعمل بما تعلم، وعلّم ما تعلم، قال تعالى: "وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ" [آل عمران : 79].
ولا يقبل الإسلام من المسلم - فضلا عن الداعية - أن يكون صالحا في نفسه وكفى، بل لابد أن يعمل الخير وينفع الغير؛ ولهذا قال تعالى: " وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ" [الأعراف : 170].
وفي سياق آخر يرمي القرآن غير المصلحين بصفة "الإجرام"؛ فيقول تعالى: " فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ" [هود : 116 - 117]. فانظر كيف علق القرآن الكريم عدم الإهلاك بوجود المصلحين رغم وجود الظلم فيها.
وإذا كانت الصلاة فرضت بعد العام العاشر من البعثة، والزكاة والصيام والحج والجهاد بعد ذلك، فإن الدعوة مفروضة منذ اليوم الأول بمقتضى قوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ" [المدّثر : 1 - 2].
والعلماء لم يختلفوا في فرضية الدعوة ووجوبها، لكنهم اختلفوا هل هي فرض عين أم فرض كفاية، وإذا اخترنا بأقل ما قيل وهو فرض كفاية، فمعنى الكفاية أن تتحقق الكفاية أو الاكتفاء في الأمة، وهو غير متحقق لاسيما في هذا العصر؛ ولذلك فإنني أميل إلى أن الدعوة والتبليغ فرض عين على كل مسلم حسب استطاعته وقدرته، وفي حدود علمه على طريقة: "بلغوا عني ولو آية".
والنماذج التبليغية كثيرة ومتنوعة في القرآن الكريم، منها الرسل والأنبياء، ومنها مؤمن آل ياسين، ومؤمن آل فرعون، كل هذه نماذج قرآنية وغيرها كثير تؤكد وجوب الدعوة حتى مع وجود الأنبياء والمرسلين، فما بالك بعد ذهاب الرسل، وبقاء الدعاة والمصلحين!! لا شك أن الأمر أوجب والمسئولية أكبر.

ليست هناك تعليقات: