الاثنين، 7 أبريل، 2008

الشيخ محمد الغزالي يقارن بين هجرة المسلمين إلي المدينة وهجرة اليهود إلي فلسطين

الشيخ محمد الغزالي يقارن بين هجرة المسلمين إلي المدينة وهجرة اليهود إلي فلسطين

بقلم/ وصفي عاشور أبو زيد

تنتظم هذه الأيام مناسبات ثلاث, وكلها يهم الأمة الإسلامية» الأولي: ذكري الهجرة النبوية التي تستدعي المسلمين بكل طوائفهم أن يقفوا أمام هذا الحدث التاريخي خاشعين ليلتمسوا فيه العبرة النافعة, وما عسي أن يكون هجرة لهم مما هم فيه من ضعف وهوان, والثانية: وفاة المصلح الكبير الشيخ محمد الغزالي 9/3/1996م, والتي تستنفر جهود تلامذته ومحبيه ومريديه -وما أكثرهم- لمطالعة كتبه والتأمل فيها والسير علي نهجها, والثالثة: لا تعتبر مناسبة بقدر ما هي جرح تسيل منه الدماء أودية بقدرها في الصباح والمساء» إنها القضية الفلسطينية.والشيخ محمد الغزالي -كما هو معروف- واحد من دعاة الإسلام العظام, ومن كبار رجال الإصلاح, اجتمع له ما لم يجتمع إلا لقليل من النابهين» فهو مؤمن صادق الإيمان, مجاهد في ميدان الدعوة, ملك الإسلام حياته» فعاش له, ونذر حياته كلها لخدمته, وسخّر قلمه وفكره في بيان مقاصده وجلاء أهدافه, وشرح مبادئه, والذود عن حماه, والدفاع عنه ضد خصومه. لم يدع وسيلة تمكنه من بلوغ هدفه إلا سلكها في تبليغ ما يريد.لقد رزقه الله فكرًا عميقًا, وثقافة إسلامية واسعة, ومعرفة رحيبة بالإسلام» فأثمر ذلك كتبًا عدة في ميدان الفكر الإسلامي, تُحيي أمة, وتُصلح جيلا, وتفتح طريقًا, وتربي شبابًا, وتبني عقولا. كما وهبه الله فصاحة وبيانًا, يجذب من يجلس إليه, ويأخذ بمجامع القلوب فتهوي إليه مشدودة بصدق اللهجة, وروعة الإيمان, ووضوح الأفكار, وجلال ما يعرض من قضايا الإسلام» فكانت خطبه ودروسه ملتقي للفكر ومدرسة للدعوة في أي مكان حل به.وهو حين يكتب أديب مطبوع, ولو انقطع إلي الأدب لبلغ أرفع منازله, ولكان أديباً من طراز حجة الأدب ونابغة الإسلام مصطفي صادق الرافعي, لكنه اختار طريق الدعوة فكان أديبها النابغ.أوقف حياته علي كشف العلل, ومحاربة البدع وأوجه الفساد في لغة واضحة لا غموض فيها ولا التواء, يجهر بما يعتقد أنه صواب دون أن يلتفت إلي سخط الحكام أو غضب المحكومين, يحرّكه إيمان راسخ وشجاعة مطبوعة ونفس مؤمنة.ومن أبرز المجالات التي أبدع فيها الشيخ الغزالي مجال السيرة النبوية التي له فيها صولات وجولات مع الأحداث, وتعليقات علي كثير من المواقف والغزوات يشعر القارئ معها بفكر جديد وفهم فريد لأحداث ووقائع السيرة العطرة.ويقارن الشيخ في كثير من المواضع بين هجرة المسلمين من مكة إلي المدينة قديمًا وبين هجرة اليهود من بلاد كثيرة إلي الأراضي الفلسطينية الطاهرة حديثًا, وهي مقارنة لم يلتفت إليها أحد -فيما أعلم- قبل الشيخ الغزالي رحمه الله. وتتركز مقارنة الشيخ هنا في أمر يلتقي فيه المسلمون واليهود, وأمور يفترقون عندها. فأما الذي يلتقون فيه: فهو أن الدافع للهجرة كان عقديًا دينيًا, فالمسلمون هاجروا من أجل إقامة دين جديد في بلد آمن, وهاجر اليهود من أوروبا وأمريكا وآسيا وأفريقيا مقررين أن يتركوا أرضهم ولغتهم ويحترموا اللغة العبرية من أجل إقامة مملكة الله أو دولة إسرائيل, فكلتا الهجرتين باسم الدين والعقيدة. أما الأمور التي يختلفون عندها فهي: 1- أن هجرة المسلمين كانت من صنعهم وبرغبتهم وتطلعهم إلي ثواب الله, أما هجرة اليهود فقد دبرها لهم غيرهم, ومهد لها الانتداب البريطاني علي فلسطين.2- أن وصف المسلمين الذين تركوا مكة إلي المدينة يمكن أن نطلق عليهم بتعبيرنا العصري أنهم «مغامرون»» لأنه لم يكن لهم علي ظهر الأرض من نصير, فقد كانت الدنيا كلها ضدهم: مشركون ونصاري ويهود, أما المشركون فلأن القرآن عاب الأصنام وحقّر الأوثان وهدم تقاليد الجاهلية. وأما المسيحية فإن الإسلام كان في مكة ينكر بحرارة أن يكون لله ولد, وذلك في سورة الكهف ومريم وغيرهما من السور المكية. وأما اليهود -وهو عدو ثالث- فإن القرآن لم يترك من أمرهم شيئًا, فقد فضح عقائدهم وعرَّي صفاتهم الخبيثة المتعددة, فلم يكن بدّى لهؤلاء جميعًا -وقد عالنهم القرآن بصفاتهم وخباياهم- أن يغتاظوا ويغضبوا ويزداد كرههم للإسلام وحقدهم للمسلمين, ومن هنا لم يكن للمسلمين في الهجرة يد تحميهم إلا يد الله, ولا كنف يأوون إليه إلا كنف الله.من ناحية أخري كانت الجماعة المسلمة في ذلك الوقت ضعيفة من حيث العَدد والعُدد, وكان أعداؤهم يملكون عناصر القوة وأسباب الاضطهاد, ورغم ذلك فقد نجحوا في بناء مدينة تأتي دونها في الوصف المدينة الفاضلة التي تعشّقها الفلاسفة وتخيلوا فيها الكمال, وأثبتوا أن الإيمان الناضج يُحيل البشر إلي خلائق تباهي الملائكة سناءً ونضارة.بينما كانت حال اليهود مباينة لذلك من كل جانب, فلقد تعهدت إنجلترا -الدولة الأولي في العالم يومئذ- ما بين عامي 1917 - 1948م أن تُكيف الظروف في فلسطين لاستقبالهم, وكان الحاكم الإنجليزي في فلسطين يذل العرب ويعطش أرضهم حتي لا ينبت فيها زرع, فيبيعها الفلسطينيون بأبخس ثمن أو بأغلاه, ولم تتعهد انجلترا وحدها بذلك إنما تولي إصر ذلك معها أمريكا وروسيا وفرنسا, وكذلك ملوك العرب بخيانتهم وخذلانهم. إضافة لذلك, كان اليهود وأعوانهم غاية في القوة والاقتدار بينما كان المسلمون أذنابًا ضعفاء, وكان كثير من حكامهم خونة عملاء, ومع ذلك فإننا نري اليوم ما يحدث علي أرض الرسالات من رعب وهلع لليهود, فلا يتمتعون بأمن ولا ينعمون باستقرار, ومصيرهم حتمًا إلي الزوال بمنطق القرآن والسنة والتاريخ والوقع.3- أن المسلمين الذين هاجروا كانوا دعاة توحيد لله وإصلاح للأرض, كانوا يُعلّمون الدنيا أن الله رب العالمين لا شريك له, وأن الناس يجب أن يُسلموا وجوههم إليه, ويحيوا علي الأرض وفق المنهج الذي ارتضاه الله لهم, فترفَّعت عن المآرب هًمَمُهم, وأخلصوا لله طواياهم, وذهلوا عن متاع الدنيا, واستهوتهم مُثُل عليا لا مثيل لها في الأولين والآخرين.بينما كانت صلة اليهود بالله مغشوشة, والدوافع التي جاءت بهم -إن كانت دينية- فيها من الباطل أضعاف ما فيها من الحق, وما يكتنفها من ظلم ليست معه شائبة عدل.من أجل هذا كله كان البون شاسعًا والفرق واسعًا بين هجرة المسلمين وهجرة اليهود.

جريدة آفاق عربية عدد 648 بتاريخ
11/03/2004

ليست هناك تعليقات: