الاثنين، 7 أبريل، 2008

علي هامش الاحتفالات الوطنية بأعياد .. عبدالحليم حافظ

علي هامش الاحتفالات الوطنية بأعياد .. عبدالحليم حافظ!!
بقلم/وصفي عاشور أبو زيد

في الأيام القليلة الماضية وإلي الآن.. يحتفل التليفزيون المصري بذكري وفاة الفنان عبدالحليم حافظ علي القنوات المختلفة في الأوقات المختلفة , ولا شك أن الفن المحترم يشكل حيزًا كبيرًا من ثقافة الأمم ووجدانات الشعوب, لكن الاهتمام بالفن لا يصح ولا يؤتي أكله, إلا في المجتمعات التي تم فيها إصلاح البنية التحتية , فإن النبات لا يتم استنباته في الهواء ما لم تكن له تربة صالحة, وجو مناسب ورعاية منتظمة. لا يصح بحال من الأحوال أن نترك رجلاً يتشحط في دمائه من جراء حادث ثم ننشغل بترقيع ثوبه وتزيينه, أو نستخدم المراهم المختلفة في الأماكن الخارجية لجرح غائر يكاد يفتك بصاحبه.
ولا يشك عاقل في أنه من أهتمامنا بجسد الأمة وروحها اهتمامنا واحتفاؤنا بعلمائنا ومفكرينا الذين فنيت أعمارهم في سبيل إصلاح الأمة, وكرسوا جهودهم من أجل النهوض بها ورفعة شأنها.
لقد توفي في نفس الشهر الذي توفي فيه «العندليب» ثلاثة من أعلام الفكر والعلم في مصر لماذا لا نوفر مساحة في التليفزيون للاحتفال برجل مثل جاد الحق علي جاد الحق?! ذلك الرجل الذي توفي 15/3/1996م وقد كانت له مواقف جريئة , وكلمات شجاعة لصالح الإسلام والمسلمين, كما كان متعاونًا مع العاملين في الحقل الإسلامي, واقفاً كالصخرة الصماء التي تكسرت عليها مكائد المتغربين والعلمانيين الذين يريدون أن يسلخوا الأمة من جلدها , ويبعدوها عن شريعة ربها, فلم تلن قناته في مواجهتهم والتحدي لأباطيلهم.
رأينا ذلك بجلاء في موقفه من «مؤتمر السكان» الذي عُقد بالقاهرة, فقد رفض باسم الأزهر ما فيه من اتجاه إلي الإباحية الجنسية وشرعية الاجهاض, إباحة الشذوذ للرجال والنساء .. إلخ, وكذلك في «مؤتمر المرأة» الذي عقد ببكين, فقد شكل لجنة للرد علي وثيقة هذا المؤتمر وشارك النقابات التي عنيت بهذا الأمر مثل نقابة الأطباء , كما كان له مندوب في كل مؤتمر من المؤتمرات في أي بلد إسلامي, ولا ننسي موقفه من قضية فوائد البنوك التي أفتي بأنها هي الربا المحرم مخالفًا بذلك مفتي الجمهورية في ذلك الوقت د. محمد سيد طنطاوي, وكذلك موقفه من فيلم «المهاجر» الذي وقف ضده وحكمت المحكمة بمصادرته ومنعه, وفي أيامه الأخيرة أفتي بعدم السفر للصلاة في القدس حتي تتحرر وتعود للمسلمين.. إلخ ذلك من مواقف مشرفة يسجلها التاريخ له بكل حب واعتزاز.
وثانيهم هو المصلح الألمعي الشيخ محمد الغزالي وقد توفي في 9/3/1996 بعد أن قضي عمره في خدمة الإسلام والدعوة الي قيمه الرفيعة ومبادئه المثلي, وكان له فضل كبير في إعادة الهوية العربية والإسلامية لشعوب كثيرة لا سيما شعب الجزائر. لقد وفَّر نصف حياته الأول في محاربة الاستعمار والاستبداد السياسي وصد طعنات المستشرقين وسماسرتهم, وإرساء قواعد الدعوة إلي الله تعالي, بينما قضي شطر حياته الثاني في محاربة الفهم المغلوط للإسلام, وإصلاح الرؤوس السقيمة والآفاق الضيقة التي هي بمعزل عن مفهوم الإسلامي الشامل , وبمنأي عن قيمه الشريفة, ومبادئه العليا.
وثالثهم هو الأستاذ الكاتب خالد محمد خالد الذي توفي في الشهر نفسه من العام الذي توفي فيه الشيخ الغزالي, ورغم كتابه «من هنا نعلم», كانت تحمل توجهًا علمانيًا صرفًا يرفض القول بأن الإسلام دين ودولة, إلا أنه انحاز بعد ذلك إلي الأصالة الإسلامية وخلّف لنا ذخيرة من «رجال حول الرسول» و«خلفاء الرسول» و«الوصايا العشر لمن أراد أن يحيا» وغيرها من الكتب التي يجمع فيها بين الفكر والأدب.
إذا لم نحتف ونحتفل بهؤلاء فبمن نحتفل?!! بالمطربين والفنانين ولاعبي الكرة? ربما..أخشي أن يصدق علينا القول بأن مصر تتنكر لعلمائها أمواتًا وأحياءً, وما التعتيم علي الأستاذ أنور الجندي - الذي رحل مؤخرًا - ببعيد.أرجو أن يأتي اليوم الذي تعتدل فيه الأمور, وتستقيم فيه الموازين, ويتبوأ فيه العلماء مكانتهم وقيمتهم.

جريدة آفاق عربية العدد 553 بتاريخ: 18/04/2002م.

ليست هناك تعليقات: