السبت، 2 فبراير، 2008

هكذا كان يخطب الرسول


هكذا كان يخطب الرسول
وصفي عاشور أبو زيد - 26/10/2003
بديهي أن الخطابة من الركائز الأساسية والوسائل المهمة في الدعوة إلى الله تعالى؛ فهي اللقاء الأسبوعي الذي يحتشد فيه المسلمون في مسجد جامع ليسمعوا داعي الله وهو يذكرهم به ويعلمهم دينه.
فالخطابة في الإسلام تمثل مظهر الحياة الذي يجعل القيم النبيلة والمثل الرفيعة والأخلاق الفاضلة تصل من قلب إلى قلب، وتثب من فكر إلى فكر؛ فتنعش الروح وتجدد الإيمان، فلا غرو أن تكون بذلك من شعائر الإسلام.
ومن المؤسف حقًّا -في عصرنا الحاضر- أن المنابر أصبحت تحمل فوقها ساعة الجمعة أشباه الخطباء الذين فرَّغوا الخطابة من محتواها، وأخرجوها من إطارها الصحيح، وأبعدوها عن أداء أماناتها وإبلاغ رسالتها.
وإني لأعرف أناسًا من المصلين يتأخرون عن الخطبة -بصرف النظر عن الحكم الشرعي لذلك- ويحضرون قبيل إقامة الصلاة حتى يعفوا آذانهم من سماع هذا العبث الذي يخدش روعة الجمعة، ويُذهب جلال اليوم وبهاءه.
وهذا الحديث ليس موجهًا لهؤلاء الذين اتخذوا من الخطابة مهنة يتكسبون من ورائها، إنما هو موجه إلى دعاة على درجة معينة من الثقافة، فاقهين دور الخطابة، مدركين أثرها وتأثيرها في المجتمع.
أما غيرهم فساحة المسجد أولى بهم من مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نموذج حري بأن يُحتذَى
بين أيدينا حديثٌ من جوامع الكلم، وخطبة تعتبر وثيقة من وثائق الإسلام، ومثلا أعلى لكل داعية، ونموذجًا للخطبة الناجحة يحتذيه الخطيب الناجح.
إنها خطبة حجة الوداع التي ألقاها أفصح العرب طرًّا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم في جموع بلغت الآلاف.
فبعد أن حمد الله وأثنى عليه قال
[1]: "أيها الناس، اسمعوا قولي، فإن لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا. أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرامٌ إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلَّغت، فمن كانت عنده أمانة فلْيؤدِّها إلى من ائتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رءوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون. قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوعٌ كله، وإن كل دمٍ كان في الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان مسترضَعًا في بني ليث فقتلته هذيل، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية.
أيها الناس، إن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدًا، ولكنه إن يُطعْ فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم.
أيها الناس، "إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا ليواطئوا عدة ما حرم الله فيُحلوا ما حرم الله" (التوبة: 37) ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم: ثلاثة متوالية، ورجب مضر
[2]، الذي بين جمادى وشعبان.
أيها الناس، إن لكم على نسائكم حقًّا، ولهن عليكم حقًّا، لكم عليهن ألا يُوطئن فرُشكم أحدًا تكرهونه، وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربًا غير مبرِّح، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن عندكم عوانٍ
[3]، لا يملكن لأنفسهن شيئًا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاعقلوا أيها الناس قولي، فإني قد بلَّغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا بعدي أبدًا، أمرًا بينًا: كتاب الله وسنة نبيه.
أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمُنَّ أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمُن أنفسكم، اللهم هل بلغت؟
فذُكر لي أن الناس قالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اشهد.
قال ابن إسحاق: .... كان الرجل الذي يصرخ في الناس بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعرفه ربيعة بن أمية بن خلف..." انتهى ما أردته.
وفي الخطبة من الدروس والعبر ما لو أدركه الدعاة والخطباء لأدت الخطابة رسالتها أحسن ما يكون الأداء.. ومن أهم هذا الدروس.
دروس للدعاة والخطباء
أولا- الإخلاص والحرص على هداية الناس:
فالإخلاص هو مدار الأمر كله بعد الفقه الكامل لمعنى الخطابة؛ إذ به يصل الكلام إلى القلوب، فيتمثله الناس واقعًا عمليًّا في حياتهم، وبغيره لا يتعدى الكلام الآذان، ولو ملك الخطيب ناصية البيان وقوة الحجة ونصاعة البرهان.
من هنا وجدنا الإخلاص متمثلا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصيح في هذا الجمع الحاشد: "اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا".
إن الذي يعيش الموقف مع هذا الجمهور يشعر أن النبي صلى الله عليه وسلم مع هذه الأمة بمثابة الأب مع أبنائه، يريد ألا يدعهم في آخر لقاءٍ بهم قبل أن يُلقي في آذانهم آخر ما لديه من نصح وحب وإرشاد.
وهذا من تمام حرص النبي صلى الله عليه وسلم على قومه وإخلاصه لهم، "كان يُحس أن هذا الركب سينطلق في بيداء الحياة وحده؛ فهو يصرخ به كما يصرخ الوالد بابنه الذي انطلق به القطار، يوصيه بالرشد، ويذكره بما ينفعه أبدا"
[4].
أفلم تكن تغني ثلاث وعشرون سنة -هي عمر الدعوة في هذا الوقت- عن هذا البيان الأخير؟! ولكن النبي الرءوف الرحيم يريد أن يضع اللمسات الأخيرة، والمبادئ الكلية، وأهداف الرسالة وخلاصتها قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى؛ لتظل هذه التوجيهات، وتلك الصيحات حاضرة في أذهانهم، ترددها آذانهم بعد رسول الله أبد الآبدين.
والحق أن الإخلاص والحرص على هداية الناس هما منهج الأنبياء جميعًا، فكم تكرر في القرآن الكريم على لسان الأنبياء: "فاتقوا الله وأطيعون"، "إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم"، "وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين". وغير ذلك.
وفي هؤلاء الأنبياء جميعًا أسوة للدعاة إلى الله الذين يواجهون المجتمع، ويوجّهون الجماهير إلى الله تعالى.
ثانيًا- جذب الجمهور وتهيئته من أول الخطبة:
وقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلم في البداية عبارته الفاجعة: "لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا". وهنا تشرئب الأعناق، وتتطاول الرقاب، وتترقب الآذان ما يُلقَى من وعظ ومن إرشاد.
إن وسائل الجذب وبراعة الاستهلال أول الخطبة ليتهيأ الناس للكلام لا حصر لها، يملكها الخطيب اللبيب من خلال الواقع الذي يموج بأحداث يعيشها الناس، ومن خلال القضايا المثارة في المجتمع، والتي ينبغي أن يكون الخطيب على دراية كاملة بها.
ولم يكن هذا الدرس الهام في بداية خطبة النبي فقط، إنما تخلل مواضع كثيرة منها، فكم قال: "أيها الناس"، وقال: "اسمعوا قولي واعقلوه"، وقال: "فاعقلوا أيها الناس قولي" ثم يرمي بالتبعة على كاهلهم حتى يتنبهوا لخطورة الكلام حين قال: "فإني قد بلَّغت"، وفي النهاية: "اللهم اشهد".
والقرآن الكريم يعلمنا هذا الأسلوب في كثير من سوره: فمرة يبدأ السورة بذكر شيء، ثم يستفهم عنه، ثم يعظِّم من شأنه: "الحاقة * ما الحاقة * وما أدراك ما الحاقة"، وقوله: "القارعة * ما القارعة * وما أدراك ما القارعة"، ومرة يفاجئ الناس بوقائع مرهبة، وأحداث مرعبة: "إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت * وإذا الجبال سيرت..."، ومرة أخرى يثير تساؤلا، ثم يجيب عنه: "عم يتساءلون * عن النبأ العظيم"، ومرة يبدأ بقسم -والقسم يشير إلى أهمية ما بعده- مثل قوله: "ن والقلم وما يسطرون". إلى آخر هذه الوسائل المثيرة للعقل والوجدان معًا.
والخطيب الحاذق هو الذي يتعلم من هذا الكلام المعجز؛ فيوظف أحداث عصره في ذلك، ثم يستهدي الشفاء والدواء من كلام الله ورسوله.
ثالثا- التركيز على المتفق عليه وترك المختلف فيه:
فينبغي ألا تثار قضايا الخلاف على المنبر في حضور هذا التجمع، أو في أي تجمع؛ لئلا يُحدث ذلك اضطرابًا واختلافًا وجدلا بين الناس، وما لأجل هذا جُعلت المنابر، إنما جعلت لتثبيت أركان التوحيد، وتقرير شعائر الإسلام، وتوضيح مبادئه الكلية ومقاصده العامة.
هناك نوعٌ من الخطباء لا ينقصهم الإخلاص بقدر ما ينقصهم حسن الفهم وعمق التجربة يصعدون المنابر -وليتهم لا يصعدون- من أجل إثارة هذه القضايا التي لم ينتهِ الخلاف فيه أزلا، ولن ينتهي الخلاف فيها أبدًا، ويقيمونها مقام أصول الإسلام، ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا؛ فينقسم الناس إلى طوائف يتراشقون ويتشاحنون، وليتهم شغلوا أنفسهم بالمتفق عليه -وهو كثير- أو بقضايا واقعهم المخزي المرير.
إن المتأمل في خطبة الوداع لا يجد فيها إلا أصول الإسلام العامة ومبادئه الكلية التي لا يختلف فيها اثنان.
من يختلف في حرمة دم المسلم وماله وعرضه، وأداء الأمانة؟ أو من يشك في حرمة الربا؟ أو من ينكر حقوق المرأة التي قررها الإسلام؟ أو من يماري في أن الرابطة العليا هي أخوة الإسلام؟ بل من يتكلم في كلمة النبي الجامعة: "تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، أمرًا بينًا: كتاب الله وسنة نبيه".
إن إثارة القضايا الخلافية في تجمعات الناس وجُمعهم لَيُعَدّ نوعًا من السفه الذي يجب أن يترفع عنه الدعاة الذين أقامهم الله مقام الأنبياء ليُضيئوا ظلمات الأرض بنور السماء.
رابعًا- شمول الخطبة أمور الدنيا والآخرة:
من الخطباء مَن يجعل شغله الشاغل وهمه الأكبر الحديث عن عذاب القبر، وعذاب النار، وسخط الله وعقابه، وقضايا الآخرة عمومًا، ويعتبر الحديث عن شئون الدنيا أمرًا ينبغي ألا يكون موضوع خطبة، بل يجب على الخطباء أن يجتنبوه، فإن الخطبة -بزعمهم- تقوم على الوعظ الذي يشمل التخويف والترهيب وحسب.
وما نحن بصدده أكبر دحض لهذا، وإن أطول آية في كتاب الله تعالج أمرًا دنيويًا.
إن النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته هذه لم يركز على أمور الآخرة -على أهميتها- بقدر ما ركز على شئون الدنيا؛ فقد ذكّرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهم سيلقون ربهم فيسألهم عن أعمالهم، ثم بين لهم سبل غواية الشيطان وحذرهم منه، لا تكاد الخطبة تذكر من أمور الآخرة شيئًا سوى ذلك. أما بقيتها فتعالج شئون الحياة الدنيا، فإن صلاح الآخرة مرهونٌ بإصلاح الدنيا، والذين لا يبنون دنياهم يهدمون آخرتهم.
بينما قرر النبي -صلى الله عليه وسلم- من أمور الدنيا الكثير والكثير، من ذلك:
ـ حرمة الأموال والدماء والأعراض: وهذا يمثل مفرق الطريق بين نظام الإسلام والنظم الأخرى من شيوعية ورأسمالية وغيرها.
ـ حرمة الربا: وهو هذا النظام الذي يسحق الفقراء، ويجعل المجتمع طبقيًّا.
ـ العدل والمساواة وحقن الدماء: حيث وضع النبي الربا، وأول ربا وضعه هو ربا عمه العباس بن عبد المطلب، ووضع دماء الجاهلية، وأول دم وضعه دم ابن ابن عمه، ابن ربيعة بن الحارث.
ـ حق الرجل على المرأة وحق المرأة على الرجل: اللذان يبلوران أسس العلاقة التي تقوم عليها كبرى لبنات المجتمع المسلم.
ـ حق المسلم على أخيه المسلم: وهو بيان أن الرابطة العليا في الأمة هي رابطة العقيدة.
هل ترك النبي من أنواع العلاقات شيئًا؟!
لقد ذكر علاقة المسلم بنفسه، عندما حذر من الشيطان وأوصانا بمجاهدته.
وذكر علاقة المسلم بربه، عندما تحدث عن لقائنا بالله وسؤاله لنا.
وذكر علاقة المسلم بمجتمعه الصغير "الأسرة"، عندما ذكر حقوق النساء، وأوصى بهن خيرًا.
وذكر علاقة المسلم بمجتمعه الكبير، عندما قرر حرمة الدماء والأموال والأعراض وأمر بأداء الأمانة.
وذكر علاقة المسلم بمجتمعه الأكبر، وهي الأخوة التي تنتظمها العقيدة؛ لتكوِّن الرابطة العليا في الأمة.
إن الخطابة التي تقتصر على أمور الآخرة والترهيب، وتهمل شئون الدنيا، تبعث على اليأس والقنوط، وتجعل الناس في حالة من السآمة والملل والإعراض، ما لم تشتمل على قضايا تلمس واقع الناس، وتعالج مشكلاتهم.
"وبهذا لا يجيء الكلام على المنابر إلا حيًّا بحياة الوقت، فيصبح الخطيب ينتظره الناس في كل جمعة انتظار الشيء الجديد، ومن ثم يستطيع المنبر أن يكون بينه وبين الحياة عمل"
[5].
إن كل نبي من الأنبياء أرسله الله ليعالج مرضًا واقعيًّا موجودًا في حياة الناس، وذلك باستهداء الوحي الذي ينزله الله عليه، مع الدعوة إلى عبادة الله وتوحيده قبل كل شيء.
وهكذا المجددون والمصلحون يبعثهم الله بعد انقطاع من الزمن ليجددوا ويحيوا معالم الإسلام التي انطمست وماتت -أو تكاد- في ضمير الأمة.
خامسًا- الاقتباس من القرآن والسير معه:
وهذه لا يتقنها أشباه الخطباء، إنما يقدر عليها أولو العزم منهم، الذين استظهروا كتاب الله قراءة وحفظًا وتفسيرًا وتدبرًا، وقبل ذلك حازوا ثقافة اللغة والأدب.
إن النبي صلى الله عليه وسلم ضمَّن خطبته معاني وآيات قرآنية كثيرة، وكيف لا وهو أفصح من نطق بالضاد، من ذلك: "لكم رءوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون" (البقرة: 279)، و"إنما النسيء زيادة في الكفر..." (التوبة: 37). و"ألا يأتين بفاحشة مبينة" (النساء: 19). وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن
[6]، وغير ذلك.
وكيف يكون داعيةً إلى الله مَن لا يفقه كلام الله قراءة وحفظًا، فضلاً عن إدراك أسراره ومقاصده؟ فالقرآن لم يدع أمرًا من شئون الدنيا والآخرة إلا تحدث فيه، والخطبة التي تخلو من كلام الله ينقصها الكثير.
إن "الخطيب الذي يصلح للتحدث عن الإسلام رجلٌ خبيرٌ بالحياة وعللها، مكين في الوحي الأعلى"
[7].
يقول الداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله: "لا تسمى خطابة إسلامية هذه الكلمات الميتة التي يسمعها الناس في بعض المساجد ثم يخرجون وهم لا يدرون ماذا قال خطيبهم؛ لأنه لم يَصل أحدًا منهم بروح القرآن، ولا أنعش قلبًا بمعانيه، ولا علَّق بصرًا بأغراضه"
[8].
وبجانب الاقتباس من القرآن يليق للخطيب أيضًا أن يسير مع القرآن؛ فهناك قضايا ركز عليها القرآن، وأطال الحديث عنها في غير موضع، وهناك قضايا ذكرها في موضع أو موضعين، وبين هذه وتلك تفاوتٌ ونسبيّة في عرض القرآن للقضايا، والخطيب الناجح هو الذي يسير مع القرآن حيث سار، فيولي ما اهتم به القرآن اهتمامه الأكبر؛ لأن القرآن لا يركز على أمر إلا إذا كان له أثره الكبير في معاش الناس ومعادهم.
سادسًا- على الداعية البلاغ وليس عليه النتائج:
وهذا أمرٌ حسمه القرآن مع الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ قال له: "ليس لك من الأمر شيء" (آل عمران: 129)، و"ليس عليكم هداهم" (البقرة: 272)، و "إنك لا تهدي من أحببت" (القصص: 56)، و"إن أنت إلا نذير" (فاطر: 23)، و"فإنما عليك البلاغ" (آل عمران: 20)... إلى آخر هذه الآيات التي تحسم الأمر بوضوح لا لبس معه، ولا شبهة فيه.
وفي خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يلقي التبعة عليهم -بعد أن بلغ ما عليه- بأنهم سيلقون ربهم، ويسألهم عن أعمالهم، وكم تكرر في خطبته الجامعة: "اللهم هل بلغت؟"، فتردد الجماهير: "اللهم اشهد".
وهذا بالطبع لا يتنافى مع شعور الداعية بالأسف والحزن على ما به قومه من ضلالة، وأنهم على غير الصراط المستقيم، فقد كان صلوات الله عليه أوضح مثَل لذلك، حتى أنزل الله عليه يواسيه ويخفف عنه: "فلعلك باخعٌ نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفًا" (الكهف: 6) وقوله: "لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين" (الشعراء: 3).
والداعية يسير بهذا الحرص على قومه، ويرجو الله أن يهديهم، لكنه لا يقنط ولا ييأس إن استجابت له قلة، أو لم يستجب له أحد؛ فلقد مكث نوحٌ عليه السلام في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وما آمن معه إلا قليل.
المهم أنه أدى ما عليه، وبلَّغ ما أناط الله بعنقه، وأشهد الله وأشهدهم على ذلك، كما فعل مؤمن آل فرعون، وقد سلك مع قومه كل سبيل، ثم قال في النهاية: "فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله" (غافر: 44).
[1] السيرة النبوية لابن هشام: 6(/8ـ11) دار الجيل. بيروت. طـ أولى. 1411هـ. بتحقيق طه عبد الرؤوف سعد، رواها ابن هشام عن ابن إسحاق بغير إسناد، وقد جاء إسنادها في أحاديث متفرقة، فقد جاءت في الصحيحين عن أبي بكرة، ولمسلم عن جابر رواية جامعة، وفي سنن الترمذي وابن ماجة عن عمرو بن الأحوص، وغيرها من كتب السنة. وحسبنا ما قاله ابن حجر العسقلاني في مقدمة "لسان الميزان" وهو يتحدث عن فضل الاشتغال بعلم الحديث موردًا بعض ما جاء في خطبة الوداع: "فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع.."، قال عن الخطبة: "وقد بلغت حد التواتر" راجع لسان الميزان: (1/3) بيروت. طـ ثالثة. 1406هـ.
[2] إنما قال النبي ذلك؛ لأن ربيعة كانت تُحرم رمضان وتسميه رجبًا، فبين أنه رجب مضر لا رجب ربيعة، وأنه الذي بين جمادى وشعبان.
[3] عوانٍ: جمع عانيه، وهي الأسيرة.
[4] فقه السيرة للشيخ الغزالي: 505. بتخريج الشيخ الألباني. دار الدعوة. طـ ثانية. بدون تاريخ.
[5] وحي القلم: (2/247).
[6] إشارة إلى الآية 34 من سورة النساء.
[7] مع الله دراسات في الدعوة والدعاة: للشيخ الغزالي: 273. دار الكتب الإسلامية. طـ سادسة 1405هـ.
[8] السابق: 272

ليست هناك تعليقات: